النص المفهرس

صفحات 41-60

الحضارة
ربوع الكون، ويبلّغ دعوة الحق، ويصحح
المفاهيم، ويقيم الموازين القسط، ويرسّخ
القيم الأصيلة، والأخلاق الفاضلة، ويحمل
رسالة إصلاح، ويمثّل هيئة إنقاذ عالمي
للإنسانية الحائرة.
جاءت القصة جوابًا عن سؤالهم عن شأن جعلها ركيزةً ومنطلقًا إلى ريادة الكون
هذا الرجل الصالح الذي مكّن الله تعالی له
في الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه
ثياب العزّ وتاج الوقار والهيبة.
أقوال كثيرة؛ منهم من قال: هو الإسكندر
المقدوني، ومنهم من زعم أنه: قورش
الفارسي أو دارا الفارسي أو أفريقس أو
ملك من ملوك اليمن أو ابن فرعون مصر،
والمتأمل في هذه الأقوال وما استندت إليه
يجدها لا أصل لها في الكتاب أو السنة، كما
أنها مبنية على الظن والاحتمال، فضلًا عن
أن ذا القرنين كان مؤمناً موحدًا.
والذي يتجلى لنا من خلال حديث القرآن
عنه أنه ملك مؤمن علی علم وصلاح مگّن
الله له، فسعى جاهداً ومتجرِّدًا؛ لنشر الحق
والعدل، ویعنینا أن نتدبر قصته، ونستخلص
منها الدروس والعبر في الدعوة والإصلاح
والقيادة والإدارة والسياسة والقضاء.
ثم إن السؤال ليس عن شخص ذي
القرنين، وإنما عن حياته وجهاده وصلاحه
وأمجاده.
﴿إِنَّا مَكَّنَا لَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبًّا
﴿ فَحَ سَيَبًا﴾: مكّن الله له في الأرض
ووهبه أسباب النصر والتمكين وأصول
السياسة وفنون التدبير، فأحسن استغلال
هذه المنح والمواهب على أتمّ وجهٍ، بل
بالعلم والإيمان، والعدل والإحسان.
أما اسمه فقد اختلف المفسرون فيه على من الأسباب ما يحتاج إليه في توطيد ملكه
مكّن له صاحب العظمة والسلطان
تمكينًا عظيمًا في أنحاء المعمورة، وآتاه
وبسط سلطانه وكبت أعدائه وتحقيق مراده.
والسبب: هو الوسيلة التي يتوصّل بها
إلى المطلوب.
قال ابن عباس: ((﴿وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
سببًا﴾: علمًا یتسبب به إلی ما یرید»، وقيل:
(هو العلم بالطّرق والمسالك))(١). ﴿فَأَنَعَ
سَبَبًا﴾ أي: سلك وسار طريقًا يوصله إلى
المقصود، وأخذ بكلّ ما أمكنه تحصيله
من علوم، وتتبع السبل والوسائل التي تعينه
على تحقيق أهدافه وطموحاته في الدعوة
والإصلاح ونشر العدالة والرحمة في شتى
الأرجاء، فلم يكن ما قام به ذو القرنين من
خوارق العادات، بل كان تمكينه من منطلق
الأخذ بالأسباب، وفق نواميس الكون،
حیث هداه الله للأسباب ووفقه إليها.
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ١٨٥/٥.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الحاء
معالم حضارية من قصة ذي القرنين:
الأخذ بالأسباب المعينة على النهوض
والرقيّ. ومن تلك الأسباب: الإيمان
الخالص، والعلم النافع، والعمل
الصالح، مع الإخلاص والتجرد
والتوكل واليقين وعلو الهمة،
ويحضرني في هذا المقام قول إقبال:
لو يمسّ التوحيد فكرًا نقيًّا
وضميرًا حيًّا وقلبًا أبيًّا
لأحال الخمول والضعف إيمانًا
وعزمًا يغزو نجوم الثّريّا
قيام الحضارات لا يتأتى بين عشية
وضحاها. بل يأتي بعد جهدٍ جھید
وصبرٍ جميلٍ وإعدادٍ جيّدٍ وتخطيطٍ
محکم.
الحضارة الإسلامية تبعث في النفس
*
روح النهوض والأمل وتنمي ملكة
الابتكار.
ضرورة التخطيط الواعي المقترن
بالتنفيذ المحكم لإصلاح البلاد
والنهوض بها.
لابد أن نكون أمة متحضرة متقدمة
حتى يسمع العالم لنا. فهذا ذو القرنين
یستمع العالم له، ويشيد بعدله ويحتمي
بسلطانه.
نشر روح الحضارة والرقي في كافة
بقاع الأرض؛ ليعم الخير الجميع.
* في قصة ذي القرنين نموذجٌ رائعٌ
ومثالٌ واقعيٍّ للقائد الراشد والحاكم
العادل، والفاتح المؤيد، الذي يمكنه
الله في الأرض، وييسر له الأسباب؛
فيبلغ مشارق الأرض ومغاربها؛ فلا
يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطّر،
ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للكسب
المادي، واستغلال الأفراد وابتزاز
الشعوب، ولا يعامل البلاد المفتوحة
معاملة الرقيق؛ ولا يسخر أهلها في
أغراضه وأطماعه، إنما ينشر العدل في
كل مكان يحلّ به، ويساعد المتخلفين
المستضعفين، ويدرأ عنهم العدوان
دون مقابل؛ ويستخدم القوة التي
يسرها الله له في التغيير والإصلاح،
ودفع العدوان وإحقاق الحق.
الحاكم العادل يعطي الشعب أكثر مما
يطمح إليه، طلب القوم سدًّا فبنى لهم
ذو القرنين ردمًا؛ وهو بناء أعظم من
السد وشارك فيه بنفسه.
الحاكم المسلم لابد وأن يكون مؤهلاً
بمعارفه الواسعة، وثقافاته المتشعبة،
وفقهه بأمور الدين والحياة.
خطاب الحاکم و كلماته لابد أن یعنی
فیه بالترغيب والترهيب، ویذكّر دائمًا
بأمور الآخرة؛ لما في ذلك من بالغ
الأثر في إصلاح القلوب وتهذيب
جَوَسُولَةُ النَّسِيّة
القرآن الكريمِ
٣٢٦

الحضارة
النفوس وحفز الهمم لثواب الآخرة.
حرص الحاكم القائد على نشر أصول
الحضارة والمدنية في دائرة ملكه
وخارجها.
ضرورة إعداد الجيوش وتجهيزها
بأحدث التقنيات مع إعداد الجنود
والقادة، فلا سبيل إلى إزاحة الأنظمة
المستبدة وحماية المستضعفين،
وتمهيد طريق الدعوة، وتأمين
المدعوّين، ونشر العدالة والرحمة إلا
بالجهاد.
دفع الشرّ بأیسر ما یندفع به، ذلك أن
ذا القرنين مع حزمه وقوته رأى أن
بناء السد كافٍ في دفع أذى يأجوج
ومأجوج.
شكر المنعم وإجلاله والتواضع لعظمته
والإقرار بفضله، ففي هذا ما يحفظ
النعمة ویزیدها، وفي كفران النعم زوالها
وانهيار الحضارات، قال السعدي: فلما
فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل،
أضاف النعمة إلى موليها وقال: ﴿هَذَا
رَحْمَةٌ مِن رَّبِ﴾ أي: من فضله وإحسانه
عليّ، وهذه حال الخلفاء الصالحين،
إذا منّ الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد
شكرهم وإقرارهم، واعترافهم بنعمة
الله کما قال سلیمان علیه السلام -لما
حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد
العظيم - قال: ﴿هَذَامِن فَضْلِ رَبٍِّ لِيَبْلُوَبِىّ
ءَأَشْكُرُأُمْ أَكْفُرٌ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّ غَنِىٌّكَرِيمٌ﴾ [ النمل: ٤٠].
أهل التجبّر والتكبر والعلو في الأرض،
تزيدهم النعم أشرًا وبطرًا (١)، مما ينذر
بزوال الحضارات.
التأكيد على أهمية طلب العلم والتزود
بالمعرفة، والسؤال عما يجهله الإنسان
أو السؤال للتثبت من الإجابة، والسؤال
هو المفتاح الثاني بعد القراءة؛ لطلب
المعارف والعلوم واكتشاف المجهول.
* السياحة في الأرض ولقاء الأقوام يؤدي
إلى تلاقح الأفكار والخبرات واستفادة
بعضهم من بعض.
* السعي إلى غوث الملهوف، ونصرة
المظلوم دون تردّدٍ ولا تقاعس من القيم
الحضارية.
أهمية الصناعات الثقيلة، وأثرها في
حالة السلم والحرب.
* العلم والمعرفة والخبرات ملكٌ
للإنسانية، ليس لأحد أن يحتكرها.
* استخدام ذي القرنين الهندسة
العسكريّة، والهندسة الكيميائيّة،
بإضافة النحاس إلى الحدید.
· التّعاون والعمل الجماعي يساعد في
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٨٦.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الحاء
إنجاز المهمّات الکبری.
٢. من قصة سليمان وملكة سبأ.
قال تعالى في سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا
دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا
عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ ٥ وَوَرِتَ سُلَيْمَنُ
دَاوُودٌّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوِتِينَا
مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ، مِنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنِسِ وَاُلَّيْرِ
فَهُمْ يُوزَعُونَ (٣) حَقّ إِذَا أَتَوْ عَلَى وَارِ النَّمْلِ قَالَتْ
نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا
يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١)
فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّ أَنْعَمْتَ عَنَّ وَعَلَ وَالِدَىَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِى بِرَحْمَتِكَ فِی
عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ * وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا
◌ِى لَآَ أَرَىَ الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَإِينَ
لَأَعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَ اذْبَنَّةُ( أَوْ
لَيَأْتِيَفِى بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُِّطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن
سَبَ بٍَِّ يَقِينٍ ) إِ وَجَدتُّ أَمْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ
٢٣
وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَقْءٍ وَلَمَا عَرْشُ عَظِيمٌ
وَجَدَثُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ( أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى تُخْرِجُ
اٌلْخَبَْ فيِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ
وَمَا تُعْلِنُونَ (٥ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ رَبُّ الْعَرْضِ
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ
الْعَظِيم
مِنَ الْكَذِبِينَ * أَذْهَب ◌ِيِكِتَنِ هَذَا فَأَلْفِة
إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٥) قَالَتْ
يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِّ أَلْقِىَ إِلَىَّ كِنَبُ كَرِمُ ن إِنَّهُ مِن
سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) أَلَّا
تَعْلُواْ عَلَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ ، قَالَتْ بَأَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ
أَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمُّْ حَتَّى تَشْهَدُونِ
قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوٍَّ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ
٣٢
إِلَيْكِ فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا
دَخَلُوْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَةِ
فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ
قَالَ أَتْمُِّّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَمِنَِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّاَ ءَاتَنَّكُمْ
بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِّيَّتِكُوْ نَفْرَحُونَ ) أُرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِيَنَّهُم
◌ِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَّمُ بِهَا وَلَنُخْرِحَّهُمْ مِنْهَا أَزِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ
﴾ قَالَ بَّهَا الْعَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ
٣٧
مُسْلِمِينَ ﴿﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ الْجِنِّ أَنَاْ مَاِكَ بِ
قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ ) قَالَ
الَّذِىِ عِندَهُ عِلٌ مِنَ الْكِتَبِ أَنْءَانِيكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكْ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ، قَالَ هَذَا مِن
فَضْلِ رَبِى لِيَبْلُونِيّ ءَأَشْكُرُأَمْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا
يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ ) قَالَ
تَكْرُ واْ لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَنْهَدِىَّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا
يَهْتَدُونَ ﴿ فَلَمَّاجَآءَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَنَّهُ.
هُوَّ وَ أُوِنَا الْعِلْمَ مِن قَبِلِهَا وَكُنَّا مُسْلِينَ () وَصَدَّهَامَا
كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوٍْ كَلِفِرِنَ)
قِيلَ لَهَا أُدْخُلِ الصَّرْعِ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُبحَّةً وَكَثَفَتْ
عَن سَاقَيْهَاً قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌّ قَالَتْ
٣٢٨
موسوبر التقييموضوي
القرآن الكريم

الحضارة
رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ بينما تردّت إلى قاع الانحطاط الفكري
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ١٥-٤٤].
وقال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ
الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ
اُلْقِطْرِّ وَمِنَ آلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ
وَمَنْ يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ
يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن تَّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ
١٢
وَحِفَانٍ كَالْجَوَابٍ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ أَعْمَلُواْ ءَالَ
دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:
١٢ - ١٣].
وقال جل وعلا في سورة ص: ﴿ وَوَهَبْنَا
إِذْ
لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّبٌ )
عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَتُ اْلِيَادُ ﴿ فَقَالَ
إِّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنِ ذِكْرِ رَبِِّ حَتَّى تَوَارَتْ
بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْتَخَا بِالسُّوقِ
وَلَقَدْ فَتَّ سُلَيْنَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى
وَالْأَعْنَاقِ
كُرَّيِّهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ (٦) قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ
وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ ﴿ فَسَخَرْنَا لَهُ الْرِيَحَ تَّجْرِى بِأَمْرِهِه ◌ُغَّةً
حَيْثُ أَصَابَ ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
وَءَاخَرِينَ مُقَرَّفِينَ فِ الْأَصْفَادِ ( هَذَا عَطَآؤُنَا
فَأَمْنُنْ أَوْ أَسْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦) وَإِنَّ لَهُو عِندَنَا لَزُلْفَى
وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [ص: ٣٠ - ٤٠].
والخواء الروحي، تمثل ذلك في عبادة
الشمس من دون الله، وما صاحب ذلك من
خرافات وأوهام ووساوس شيطانية.
بينما نجد أنفسنا أمام حضارة وارفة
الظّلال يانعة الثمار باسقة البنيان مشيدة
الأركان، حضارة إنسانية رائدة، وصفحة
بيضاء ناصعة في تاریخ بني إسرائيل، مملكة
مؤمنة يقود زمامها نبي ملك، جمع بين نور
النبوة وبهاء الملك وجلال الحكمة، ملك
لمملكة واسعة الأطراف مترامية الأبعاد،
ومع ذلك فهي مملكةٌ فتيةٌ قويةٌ، حصينةٌ
متينةٌ بالعلم والإيمان، والنور والبرهان،
والعدل والإحسان، والعمل والجهاد
والعدد والعتاد، ملكٌ علت همّته وتسامت
روحه ومضت عزيمته، نبيٌّ أضاءت بصيرته
وصفت نيته؛ نبي الله سليمان ابن نبي الله
داود عليهما السلام، جمع الله لهما بين
خيري الدنيا والآخرة، كما جمع الإنس
والجن والطير تحت إمرته ورهن إشارته،
وفي هذه المملكة الراشدة وفي أجواء هذه
الحضارة الزاهرة، وفي هذه التربة الصالحة
النقية نبتت المواهب ونبهت العقول
وتسامت الهمم، حين أحس كل فرد في
حين نتأمل قصة سليمان عليه السلام
مع ملكة سبأ نجد أنفسنا أمام حضارتين؛
حضارة اليمن الممثلة في مملكة سبأ، تلك
المملكة بقيمته واستشعر أهميته وأدرك دوره
المنوط به، حتى النملة في الوادي والهدهد
الحضارة التي بلغت ذروة التقدم الماديّ، في عالمه كان لهما دور عظيم سجله القرآن
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الحاء
في آيات تتلى وتقتبس منها العبر.
في هذه الحضارة المزدهرة كان للعلم
مكانة سامية، وللعلماء منزلة رفيعة، قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلِمَّاً وَقَالًا
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِينَ﴾
[النمل: ١٥].
والهدهد يدلّ على سليمان بما حصّله
من علم: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ
بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَم ◌ِنََّمْ يَقِينٍ﴾
[النمل: ٢٢].
﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَبِ أَنَاْءَائِكَبِ.
قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ.
قَالَ هَذَا مِن فَضْلٍ رٍَِ لِيَبْلُوَنِيّ ءَ أَشْكُرُأَمْ أَكْفُرٌ وَمَنْ
شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ
و [النمل: ٤٠].
حضارةٌ إنسانيةٌ رائدةٌ رحيمةٌ عادلةٌ حتى
مع الطير والحشرات، فهذه النملة تحذّرها
قومها من أقدام جند سلیمان، وهي تلتمس
العذر لهم بأنهم لن يقعوا في ذلك بقصدٍ،
وهكذا تتجلى لنا مظاهر الرحمة في هذه
الحضارة الرائدة: ﴿حَّى إِذَا أَنْوَاْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ
قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ
لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَحُنُودُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
[النمل: ١٨].
والحاکم القائد لن يعاقب الهدهد وهو
جنديٌّ من جنوده على غيابه إلا بعد أن يسمع
لعذره وينصت له، وهذا من كمال سياسته
وعدله في مملكته ورفقه بالطير، وفي تفقّد
أحوال الجيش دليلٌ على يقظة القائد ونباهته
وإحاطته برعيّته وبجنوده: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ
الْفَآِينَ ﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ
لَ اذْبَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانِ تُّبِينٍ﴾ [النمل:
٢٠ - ٢١].
وفي قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَنِ تُبِينٍ﴾:
دليلٌ على كياسته وفراسته وحسن ظنّه
برعيّته.
وفي وصف الهدهد لحضارة سبأ
وملكتهم دليلٌ على وعيه الحضاري
وبلاغة تعبيره، حيث قال: ﴿إِ وَجَدتُ
أَمْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَمَا
عَرْشُ عَظِيمٌ﴾، ولم يقل: إني وجدت
ملكة عليهم، ولكنه قال: إني وجدت امرأة
تملكهم، و كأنه یتعجب ويدهش من قوم سبأ
الذين رضوا بامرأة ملكة عليهم، وسلموا
زمامهم لامرأة قد تنقاد للعواطف وتنساق
وراء الأهواء، فالمرأة فطرت على تقديم
العاطفة على العقل، وجبلت على أن تنقاد
لا أن تقود وعلى أن تُحكم لا أن تَحكم.
أما عن الأسباب المادية والمظاهر
الحضارية التي لمسها الهدهد وقد أوجز في
وصفها بأبلغ عبارة فقال: ﴿إِنِ وَجَدتُّ أَمْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَمَا عَرْشُّ
٣٣٠
القرآن الكريم

الحضارة
عَظِيمٌ﴾، فهي وإن كانت امرأة -وهذا أمرٌ
يخالف الفطرة النقية والعرف الصحيح - إلا
أنهم منقادون لها راضون بحكمها، وقد
منحت من المواهب والعطاءات والرفاهية
والازدهار ما انعكس على عرشها من الأبهة
والصولجان والعظمة والسّلطان والحزم
والعزم، والجنود المجندة والرعية المطيعة
والكنوز الزاخرة.
ومن لطائف التفسير ما ذكره الزمخشري
مقارنًا بين قول الهدهد عن ملكة سبأ: ﴿واني
وَجَدتُّ أَمْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ
ثَوْعِ﴾، وبين قول سليمان: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ
دَاوُودٌّ وَقَالَ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ كُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا
مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهَوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ﴾ [النمل:
١٦ ].
و کأني به يقارن لنا بین الحضارتین، يقول
الزمخشري: (فإن قلت: كيف قال: ﴿وَأُوتِيَتْ
مِن كُلِّ شَهْرٍ﴾ مع قول سليمان: ﴿وَأُوتِنَا
مِن كُلِّ شَىءٍ ﴾ کأنه سوّي بينهما؟ قلت: بينهما
فرق بيّن؛ لأن سليمان عليه السلام عطف
قوله على ما هو معجزة من الله، وهو
تعليم منطق الطير، فرجع أوّلًا إلى ما أوتي
من النبوّة والحكمة وأسباب الدين، ثم إلى
الملك وأسباب الدنيا، وعطفه الهدهد على
الملك فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا
اللائقة بحالها فبين الكلامين بون بعيد))(١).
(١) الكشاف ٣/ ٣٦٥.
أما بالنسبة للجانب الروحي في تلك
الحضارة، فقد أخذ جانبًا كبيرًا من حديث
الهدهد، وفي هذا ما يدل أهمية هذا
الجانب: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّيْسِ
مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ
عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ { أَلََّ يَسْجُدُواْ لِلَّهِ
الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ
مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِئُونَ (٥ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ رَبُّ
اُلْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٤-٢٦].
نعی علیهم الهدهد ما هم فيه من ضلال،
حيث عبدوا الشمس من دون الله، وهى
مخلوقة مسخرة بأمر الله، وهناك ملايين
النجوم التي تكبرها آلاف المرات، فضلًا
عن ملايين المجرات التي تحتوي على
شموس أكبر من شمسنا، فالشمس حلقة من
الفضاء أو کحبة رمل في صحراء، فما بالنا
بالكرسي و کیف بعرش الرحمن في عظمته؟
فلم يخف على الهدهد جانب الضعف في
حضارة قوم سبأ، ولم ينبهر بتلك المظاهر
المادية، ولم يركن إلى الإطناب في وصفها
والإعجاب بها، بل أنكر عليهم معتقداتهم
الفاسدة وتصوراتهم الضالة.
ويطير الهدهد مرة ثانية إلى مملكة سبأ،
لكنه في هذه المرة مبعوث من قبل نبي الله
سليمان برسالة لبلقيس بطريقة عجيبة فريدة
في عالم الاتصالات والمواصلات، حيث
هيأ الله لسليمان ملكًا عجيبًا وتمكينًا فريدًا،
www. modoee.com
٣٣١

حرف الحاء
وكان قد دعا ربه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبّ
لِ مُلَكَّا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
٢) فَخَّنَا لَهُ الْرِيِعَ تَجْرِى يِأَمْرِ رُفَآءَ حَيْثُ أَصَابَ
وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ { وَءَاخِرِينَ
مُقَرَّبِينَ فِ اْأَصْفَادِ (٦ هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٥-٣٩].
فكان من مظاهر هذه الحضارة العجيبة
سهولة الاتصال بوسائل تفوق أحدث ما
توصل إليه البشر الآن في عالم الاتصالات،
وكان من مظاهر هذا الملك الطيران الآمن
المربح اللين السريع الموجّه حيث شاء
وبأي عدد شاء، بوسيلة غير مسبوقة.
قال تعالى: ﴿فَسَخَّْنَا لَهُ الْرِيَحَ تَّجْرِى ◌ِأَمْرِوِه
رُخَةُ حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى
بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ أَّتِ بَرَكْنَا فِيَهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨١].
وقال تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا
شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].
فبين تعالى سرعتها الفائقة، كما بين
لیونتها وأمانها، وسهولة توجيهها.
وكان من مظاهر هذا الملك العجيب
الغوّاصون من الشياطين الذين يغوصون
في أعماق البحار فيستخرجون كنوزها
ونوادرها.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن
يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ
وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢].
والبنّاءون المهرة من الشياطين الذين
يصلون إلى القمم السامقة ويحملون
الأثقال.
قال تعالى: ﴿وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ﴾
[ص: ٣٧].
يصنعون وينشئون له ما يشاء من
أبنية مرتفعة؛ للعبادة والسكنى، وتماثيل
ينحتونها، وقصاع كالحياض التي يجبى
فيها الماء، وآنية الطبخ ثابتة على قوائمها
لعظمها؛ لتأكل منها الآلاف المؤلفة من
الحشود والوفود والجنود.
قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن
تَّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانِ كَلْجَوَابِ وَقُدُورٍ
زَّاسِيَتٍّ أَعْمَلُواْءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
ومن عوامل ازدهار هذه الحضارة وفرة
الخامات اللازمة للبناء وغيره، فقد أسال
الله تعالى القطر لسليمان؛ لتفيض بالنحاس
المذاب الذي يستخدم في أغراض السّلم
والحرب، كما سخر الله تعالى له الجنّ
يعملون بين يديه فيراهم ويشرف على عملهم
ويوزع عليهم المهام، فسخر له الشياطين في
بناء وتشييد المساكن والمحاريب، وصناعة
القصاع الكبيرة والتماثيل، وفي الغوص؛
لاستخراج کنوز البحار، ومن تمّد منهم عن
أمرنا له بطاعة سليمان نذقه من عذاب النار
٣٣٢
مُوسُوبَةُ النفسية
القرآن الكريم

الحضارة
المحرقة.
قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ
وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ الْجِنّ
١٠/٧/١٠
مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ
أَمَِّنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢].
وتظهر حضارة ملكة سبأ في حوارها مع
قومها وأخذها بمشورتهم والاعتداد برأيهم
ویقوتهم، وتسلیمھم لها بما يدل على قوة
مملكتها، كما يظهر ذلك في الهدية العجيبة
التى أرسلتها لسليمان وجمعت فيها النوادر
والغرائب والتّحف واللطف؛ إغراء له إن
كان من أولئك الملوك الذين تغريهم الهدايا
وترضي غرورهم وتكسر حدة غضبهم:
﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ أَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ
فَاطِعَةً أَمْهَا حَتَّى تَشْهَدُونِ ، قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةِ
وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ
﴾ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا
٣٣
وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
٢) وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
اُلْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٢-٣٥].
وعندما وصل موكب الهديّة -التي
احتالت بها المرأة؛ لتستميل فؤاد سليمان
عليه السلام وتخطب وداده- غضب
سلیمان غضبة شدیدةً، کیف تظنّ أن هدیتها
ستثنيه عن دعوته، فقال - كما أخبر القرآن -:
﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمُِّ ونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَمْنِءَ
اللّهُ خَيْرٌ مِّمَآ ءَاتَنَّكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ )
أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِيَنَّهُمْ بِحُدٍلَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَهُم
مِنْهَا أَذِلَّةَ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٦-٣٧].
هنالك ظهر للمرأة أنها أمام ملك رسول
لا طاقة لها به، وقرر سلیمان أن يأتي بعرشها
قبل أن تأتي خاضعة له مستسلمة: ﴿قَالَ بَأَيُها
الْمَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ
﴾ قَالَ عِفْرِتٌ مِّنَ اَلْبِنَّ أَنَاْ ءَانِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ
(٣٨
تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ ﴾ قَالَ أَلَّذِى
عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ
طَرِّفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَغِرًا عِندَهُ، قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ
رَبِّ ◌ِيَبْلُوَنِّ ءَ أَشْكُرُأَمْ أَكْفُرٌ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٣٨
-٤٠] .
آيةٌ من آيات الله العجيبة انتقل بها العرش
في لمح البصر، لم تحمله طائرات الشحن
ولا النفاثات، بل جاء بخلاف العادة كرامة
لهذا الذي عنده علم من الكتاب ومعجزة
لنبي الله سليمان، فكرامات الأولياء امتداد
لمعجزات الأنبياء، وهكذا فإننا أمام حضارة
فريدة لا مثيل لها في هذا الوجود، جمعت
بين الأخذ بالأسباب وبين خوارق العادات
التي تقع في الأوقات المناسبة بالأمور
العجيبة.
وحین رأت المرأة عرشها بعد أن نگروه
لها حتى يخفى أمره عليها وسألوها: أهكذا
عرشك؟ فكان الأمر محیرًا والسؤال مدهشًا،
وأعجب من ذلك إجابتها التي تعرب عن
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الحاء
سرعة بديهتا وبلاغتها حيث قالت: كأنه هو.
بعد ذلك دعيت المرأة إلى دخول
الصّرح وهو أبرز ما أنتجته الحضارة
السليمانية، وأبدعته أنامل المهرة من الإنس
والجن، دليل ما وصلت إليه هذه الحضارة
من أسباب العمران ومظاهر الحضارة،
حتى ظنت المرأة وقد دعیت لدخول هذا
القصر المنيف والبناء الزجاجي الشامخ
أنها تخوض في لجّةٍ -وهو الماء الكثير-،
فکشفت عن ساقیھا حتی لا تبتل ثيابها،
وهنا كشف لها سليمان أنه صرح مبني بناء
محكمًا من زجاج، وتحته الماء الجاري،
فلم تتمالك المرأة نفسها بعد أن رأت
هذه الآيات العجيبة المتوالية والمظاهر
الحضارية المبهرة أن تابت لربها وأعلنت
إسلامها لله رب العالمين، متبعة لسليمان
عليه السلام.
معالم حضارية من القصة:
واجب الأمة أن تكون متحضّرةً متقدّمةً،
فإن هذا مما يصرف الأفئدة إلى هذا
الدين الذي أمر بالتقدم والرقي.
الأخذ بالأسباب المعينة والمؤدية إلى
الترقّي والنهوض.
العدل والحرية مما يقوي الانتماء
ويجدد الولاء ويفتق المواهب ویفجّر
الطاقات.
الحاكم المسلم يقرب إليه المتميّزين
والمخلصين.
العناية بالأبنية والمنشآت، مع مراعاة
عنصر الجمال والإتقان من مظاهر
الرقي والتقدّم.
وجوب تفقد الراعي للرعية والقائد
للجند، والنظر في شئونهم والتعرف
على أحوالهم.
الحزم في القيادة والحكم، وتحقيق
الانضباط والنظام والإحكام والحزم
مع المخلّفین والمقصرين، مع التماس
الإعذار إن كان لها ما يسوغها.
المتهم بريء حتى تثبت إدانته،
والغائب معذور حتى يحضر فيدلي
بسبب تأخيره.
الولاء للحاكم العادل ومحبته، والنصح
له من سمات المجتمع المتحضر.
المسارعة إلى نشر الحق والعدل
وصرف الهمة إلى ذلك من القيم
الحضارية.
العناية بالرسائل شكلاً ومضمونًا
وأسلوبًا يدل على مكانة صاحبها
وجلالة قدره.
تعفف الحاكم المسلم وتساميه عن
أعراض الدنيا وزخارفها الباطلة من
أسباب الرقي والازدهار.
٣٣٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحضارة
ثانيًا: صور ومشاهد لحضارات بائدة:
١. قوم عاد.
تحدّث القرآن الكريم عن قوم عاد وعن
حضارتهم التي صارت مضربًا للأمثال في
ازدهارها وتطاول بنيانها وقوتها المادية،
وكانت مساكنهم في الأحقاف في جنوبي
الجزيرة العربيّة.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ
مِنْ بَعْدٍ قَوْمٍ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصَّطَةٌ﴾
[الأعراف: ٦٩].
فلقد متّعهم الله بقوة وعافية في الأبدان،
وبسطة في الأجسام فاقوا بها من سبقهم
ومن بعدهم، فكانت قوتهم أمرًا عجيبًا
خارقًا، وكانت موضع اهتمامهم وتنافسهم،
لذا قال لهم هود عليه السلام مرغِّبًا إياهم:
﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ
السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى
قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوَ أْمُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].
ويا قوم استغفروا ربكم من الذنوب
والخطايا ثم توبوا إليه توبة خالصة، وفق
منهجه تعالى الذي شرعه، يرسل السماء
عليكم بالمطر الغزير المتتابع، ويزدكم عزّة
ومنعة إلى عزتكم ومنعتكم، وقوة روحية
إيمانية إلى جانب قوتكم المادية، ولا
تعرضوا وتدبروا عن دعوة الله مؤثرين البقاء
على الإجرام والبطش.
ولقد مكّنتهم هذه القوة البدنية من البناء
والعمران، بل وحملتهم على التطاول على
خلق الله، وعلى أن يتيهوا في الأرض كبرًا
وتحدِّيًا وازدراءً لمن دونهم، ونسوا عاقبة
من سبقهم من المكذبين، وأصيبوا بداء
الكبر وامتلأت نفوسهم بالغرور الزائف،
وظنوا أنهم ملكوا الدنيا وأن مقاليد الأمور
طوع يمينهم ورهن إشارتهم.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُوا فِىِ
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّاقُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا
أَنَّ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُوا
بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
وأنكر عليهم هودٌ عليه السلام هذا الغرور
والعجب الذي أصابهم فقال: ﴿أَتَبَّنُونَ بِكُلِّ
رِيع ءَايَةٌ تَعَبَتُونَ (١٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ
تَّخْلُدُونَ (٢) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾
[الشعراء: ١٢٨ -١٣٤].
والريع: كل مكان مشرف من الأرض
مرتفع، أو طريق أو واد.
والمصانع: جمع مصنعة، والعرب
تسمي کل بناء مصنعة، وجائز أن یکون ذلك
البناء کان قصورًا وحصونًا مشيدة، وجائز أن
يكون مآخذ للماء(١).
قال ابن كثير رحمه الله: ((وذلك أنهم
كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة
والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق
(١) جامع البيان، الطبري، ٣٧٥/١٩.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الحاء
الدارّة، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء وتنتصر لجسده على روحه! والمصانع:
والزروع والثمار))(١).
والريع: المكان المرتفع عند جواد الطرق
المشهورة، يبنون هناك بنيانًا محكمًا هائلًا
باهرًا، ولهذا قال: أتبنون بكل مكان مرتفع
معلمًا؛ عبثًا لا للاحتياج إليه، بل لمجرد
اللعب واللهو وإظهار القوة والتطاول في
البنيان، ولهذا أنكر عليه نبيّهم عليه السلام
ذلك؛ لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في
غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا
ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ
مَصَانِعَ﴾ قال مجاهد: والمصانع البروج
المشيدة والبنيان المخلد، وقال قتادة: هي
مآخذ الماء، ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: لكي
تقیموا فيها أبدًا، وذلك ليس بحاصل لكم،
بل زائل عنکم، کما زال عمن کان قبلکم.
قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب: «فهذا
هو بعض ما يشغلهم في دنياهم . . الافتنان
في بناء مجالس اللهو والسّمر، والإبداع في
تصويرها ونقشها، وجلب كلّ غريب نفيس
إليها . . حتى لتبدو كأنها آية في الحسن
والجمال .. ومن شأن الآيات أن تثير العقل،
وتغذِّي الوجدان، وتعلو بالنفس عن مدارج
الأرض إلى معارج السماء! ولكن تلك
الآيات، التي يبدعها القوم، هي آيات لاهية
عابئة، تعلو بحيوانية الإنسان على آدميته،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٥/٣.
الأمكنة الجيدة الصنع .. وهذا وجه آخر من
الوجوه التي يصرف القوم فيها جهدهم، وهو
أنهم يجوّدون في صناعة منازلهم وأمتعتهم،
وأدوات ركوبهم .. حتى لكأنهم خالدون في
هذه الدنيا، لا يموتون أبدًا. فليتهم إذ أجادوا
الصنعة وأحسنوا العمل فيما هو لدنياهم
أن يجيدوا بعض الإجادة، ویحسنوا بعض
الإحسان، لما بعد هذه الحياة الفانية))(٢).
ذكّر «هود عليه السلام قومه بما يسّره الله
لهم من أسباب الثروة والرفاه، و بما كانوا
ینشئونه بسبیل ذلك من سدود ومنشآت)»(٣).
ووجه العبث في بنائها أنهم يغالون
في الارتفاع بها مفاخرة، فهم یعیثون، ولا
يكتفون بقدر الحاجة، و کل ما يزيد عن قدر
الحاجة یکون عبثًا، و کل ما يدفع إلى البطر
فهو عبث، أيًا كان نوعه.
وذكر الزمخشري: أن العبث فيها أنه لا
حاجة إلى هذه العلامات؛ لأن تهديهم إلى
الطرق، وكان لهم بها علم (٤).
ومن هنا یتبیّن لنا کیف مكّن الله تعالى
لعادٍ ما لم يمكّن لكثير من العباد حتى قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن ◌َكَّنَّكُمْ فِيهِ
وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ
سَمّعُهُمْ وَلَّا أَبْصَرُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ
(٢) التفسير القرآني للقرآن، ٤١٣/٣.
(٣) التفسير الحديث، دروزة ٣/ ٢٥٥.
(٤) الكشاف ٣/ ٣٣١.
٣٣٦
مُؤْوَابَةُ الْبَِّبُ
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الحضارة
كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِشَايَِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
بِه يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
وفي سورة الفجر إشارةٌ لمعلم آخر من
معالم حضارة قوم عاد: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفٌ فَعَلَ رَبُّكَ
بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ، أَلَِّلَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَافِى
اَلْبِلَدِ﴾ [الفجر: ٦-٨].
«وسواءٌ عماد بيوتهم وقصورهم، فهو
كنايةٌ عن طول أجسامهم، ووفرة أموالهم،
وتوافر القوّة عندهم))(١)، مدائن مشيدة
وقصور ودور منيفة، ليس لها مثيلٌ فيما
مضى، في شموخها وارتفاعها، مع طول
الأجساد وقوتها.
ومع هذه النعمة العظيمة والآلاء
الجسيمة صحةٌ في الأبدان وقوة في البنيان،
فلقد كذبوا وكفروا بآيات الله، وسلكوا
طريق التجبّر فأساءوا استغلال قوتهم،
واستكبروا، مع ما كانوا عليه من جحود
و کفران وتمّد وعصيانٍ.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌّ فَكَيْفَ كَانَ عَذَاِى
وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَتَلَكَ عَاءٌّ جَحَدُواْ بِعَايَتِ
رَبِهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَفْرَكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾
[هود: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا عَادٌفَاسْتَكْبرُوا فِى
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا
أَنَّ اللَّهَ اُلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُوا
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٥٩/٨.
وقال تعالى: ﴿تُدَمِّرُكُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَيِّهَا
فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمّ كَذَلِكَ نَجْرِى الْقَوْمَ
الْمُجْرِمِينَ ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَآ إِن مَكَّنَّكُمْ
فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًّا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى
عَنْهُمْ سَمّعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن
شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم
مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٥ - ٢٦].
حلّ بهم الدمار والخراب، فأهلكهم الله
بريح عاتية، هدّمت بنيانهم واقتلعتهم من
بيوتهم، وجعلتهم كجذوع النخل المنقعرة
الخاوية.
قال تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى
وَنُذُرٍ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ رِبْحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ غَخِ
تُسْتَمِرٍ ٢) تَنِعُ النَّاسَ كَنَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَيِرٍ﴾
[القمر: ١٨- ٢٠].
فانظر كيف كان عاقبة تكذيبهم
وجحودهم؛ حيث أرسل الله تعالى عليهم
ریحًا عاتية باردة في يوم عصيبٍ رهيب في
يوم نحس مستمر عليهم، انتقلوا فيه من
عذاب الدنيا إلی عذاب الآخرة، فهو نحس
متواصل، فكانت الريح تنزع الناس مع
تشبثهم ولجوئهم لديارهم الحصينة فتقذف
بهم رأسًا على عقب، قال مجاهد: يلقى
الرّجل على رأسه، فتفتت رأسه وعنقه وما
يلي ذلك من بدنه. وقيل: كانوا يصطفون
آخذي بعضهم بأيدي بعض، ويدخلون
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الحاء
في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون المدرار.
فيها، فتنزعهم وتدقّ رقابهم (١)، والأعجاز:
الأصول بلا فروع قد انقلعت من مغارسها.
وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم، فتبقي
أجسادًا بلا رءوس، تأتي أحدهم فترفعه حتى
تغيّیه عن الأبصار، ثم تنگّسه على أم رأسه،
فیسقط على الأرض جثةً بلا رأسٍ، فأشبهت
أعجاز النخل التي انقلعت من مغارسها (٢).
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ
أَوْدِيَئِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم
بِّ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَتْمٍ يَأَمْرٍ
رَبِهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَبَ إِلَّا مَسَكِنُهُمّ كَذَلِكَ نَجْزِى
الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١ - ٢٥].
فلمّا رأوا العذاب، عارضًا، أي: معترضًا
في السماء، أو في عرض السماء، مستقبل
أو دیتهم وقد أجدبت فرحوا به وتهللوا ظانین
أنه جاء بالمطر الذي طال انتظاره، وقالوا:
هذا السحاب الذي أقبل، سوف يمطرنا،
ولکن هیهات وقد حلّ العذاب وحق عليهم
القول، بل هو العذاب الذي استعجلتموه،
ربځ عقیم فيها عذابٌ آلیمٌ، وفي هذا التعبير
تھگمٌ بھم وتبکیتُ لهم، فهذه الريح تحمل
لهم مفاجأة ليست في الحسبان، تحمل لهم
العذاب من حيث يرتجون الرحمة تهبّ
عليهم بالدمار من حيث يرتقبون القطر
قال ابن عبّاس: ((أوّل ما رأوا العارض
قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنّه
عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من
الرّجال والمواشي تطير بهم الرّيح ما بين
السّماء والأرض، مثل: الرِّيش، فدخلوا
بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الرّيح
الأبواب وصرعتهم، وأمر اللّه الرّيح فأهالت
عليهم الرّمال، فكانوا تحت الرّمال سبع
لیالٍ وثمانية أيام حسومًا، ولهم أنین، ثمّ أمر
اللّه الرّيح فكشف عنهم الرّمال واحتملتهم
فرمتهم في البحر، فهي الّتي قال اللّه تعالى
فيها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَوْمٍ بِأَمْرِ رَبِهَا﴾ أي: كلّ
شيء مرّت عليه من رجال عاد وأموالها))(٣).
تهلك كلّ شيءٍ مرّت به من الناس والدوابّ
والأموال، بتقدیرٍ وتدبيرٍ من الله عز وجل،
فهي مأمورةٌ، فهلكوا جميعًا ولم تبق منهم
باقية، إلا تلك البيوت الخربة والأطلال
البالية التي لا تزال شاهدةً عليهم، وتلك
سنة الله تعالی وحکمه فیمن کذّب برسله
وأعرض عن آیاته ونذره واستخفّ بوعیده.
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ١٧٩.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٤٧٩/٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٩/١٦.
٣٣٨
مَوَسُوا
القرآن الكريم

الحضارة
٢. ثمود.
قامت حضارة ثمود فى شمال الجزيرة
العربية، حيث مكّن الله لهم في الأرض وهيأ
لهم سبل العيش، فكانوا ينحتون البيوت
الفارهة في الجبال، ويبنون القصور في
السهول والوديان من الأحجار التي يقدّونها
من الجبال.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ
مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ
مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُونَّاً
فَأَذْكُرُواْ ءَالَاءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمٌ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ
أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاُسْتَعْمَرَلُّفِيهَا﴾ [هود: ٦١].
ذكّرهم بنعم الله عليهم؛ إذ خلقهم من
أديم الأرض، فأنبتهم منها كما ينبت الزرع
وينمو ويترعرع ويزهر ويثمر، وهيّاً لهم
سبل العيش عليها وسخّر لهم ما يحتاجون
إليه في عمارتها من المنافع، ومكّنهم في
الأرض ينحتون جبالها، ويستغلون سهولها،
ويزرعون وديانها، وينعمون بخيراتها،
ويستخرجون كنوزها، يبنون ويعمّرون،
ويغرسون ويحصدون.
وقال تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِ مَا هَهُنَآ ءَا مِنِينَ
١٦ فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٢) وَزُرُوعِ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا
حَضِيمٌ (١) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُوتًا فَرِهِينَ ﴾
[الشعراء: ١٤٦ - ١٤٩].
أتطمعون أن تقرّوا على ما أنتم عليه من
معصيةٍ، وتنعمون بالأمن والرفاهية وليونة
العيش؟!
ومعنى فارهین: منعمین مترفین، وقيل:
أقوياء ناشطين حاذقين معتدّين بأنفسكم،
وقرئ: فرهین، قيل: بمعنى أشرین.
قال ابن عاشور: ((و﴿فَرِمِينَ﴾ صيغة
مبالغة، مشتق من الفراهة وهي الحذق
والكياسة، أي: عارفين حذقين بنحت
البيوت من الجبال بحيث تصير بالنحت
كأنها مبنية)»(١).
فنهاهم عن انهماكهم في نحت الحجارة
من الجبال بمهارة وبراعة، لكي يبنوا بها
بيوتًا وقصورًا بقصد الأشر والبطر -لا
بقصد الإصلاح والشكر لله-، فمحل النهي
إنما هو قصد الأشر والبطر في البناء وفي
النحت (٢).
ومن الفوائد العجيبة مقارنة أبي حيان
بین حضارتي عاد وثمود، يقول رحمه الله:
((وظاهر هذه الآيات أن الغالب على قوم
(هود) اللذات الخيالية من طلب الاستعلاء
والبقاء والتفرّد والتجبّر، وعلى قوم (صالح)
اللذات الحسّية من المأكول والمشروب
والمساكن الطيبة الحصينة)) (٣).
(١) التحرير والتنوير، ١٨٢/١٩.
(٢) التفسير الوسيط للقرآن الكريم، ٢٧٠/١٠.
(٣) البحر المحيط ٣٤/٧.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الحاء
، تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ
بِالْوَادِ ﴾ [الفجر: ٩].
شقّوا الصخور ونحتوها وبنوا منها
البيوت والمدائن، بواد القرى فيما يعرف
بمدائن صالح، وبيوتهم موجودةٌ إلى الآن.
وفي مقابل هذه الحضارة المزدهرة
والرفاهية والتنعم الذي تقلبت فيه ثمود إلا أن
هذه الحضارة كانت مهددةً بآفات كثيرة، منها
ما كانوا عليه من إفساد، وكراهية للنصيحة،
وتكذيب وإعراض وشك وارتياب في دعوة
نبي الله صالح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا
نَّعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤].
وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ
أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ
لَّا ◌ُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].
فلما تمادوا في الضلال وعتوا وتمّدوا
وعقروا الناقة حقّ علیھم العذاب، وحلّ بهم
العقاب وأصابهم الدمار والخراب، فكانوا
عبرةً لكلّ معتبر.
قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَآءَأَمْرُنَا نَجَيْنَاصَالِحًا
وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْي
يَوْمِيذُّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ٦ وَأَخَذَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ
جَئِمِينَ ﴿ كَأَنْ لَّمْ يَغْنَواْ فِهَاْ أَلَّ إِنَّ ثَمُودَا
كَفَرُواْ رَهُمْ أَلَ بُعْدُ الْشَمُودَ﴾ [هود: ٦٦ -٦٨].
فلما انقضت المهلة نجى الله عز وجل
بلطفه ورحمته نبيّه صالحًا ومن آمن به من
خزي هذا اليوم العصيب، إنّ ربك هو القويّ
في أخذه، تخور كلّ القوى أمام قوته، العزيز
الذي لا يغالب؛ يعزّ أولياءه وينصرهم ويذل
أعداءه ويخزيهم ويقهرهم، فلا يمتنع عليه
شيء، وأخذت الصيحة المدوّية الذين ظلموا
أنفسهم وظلموا غيرهم بكفرهم وتمّدهم
فأصبحوا في دیارهم راکعین علی رکبهم،
قد خارت قواهم وانهدّ بنيانهم وتمرّغت
أنوفهم وخضعت رقابهم، كأن لم يقيموا
فيها بنعمة وعافية، بل صاروا أثرًا بعد عين،
وطمست معالم تلك المدائن التي كانت
عامرة، ومحيت رسومها وعفت مرابعها،
فلم يبق منها إلا الأطلال الموحشة والديار
المقفرة؛ عبرة ناطقة، ومدائن خربة، تحكي
جبروتهم وتروي قصة كفرهم وأشرهم، ألا
إن ثمود کفروا ربهم، جحدوا نعمه، و کذبوا
رسله، عموا عن آياته المبصرة، وانتهكوا
حرمتها، ألا بعدًا لهم وسحقًا، في الدنيا
والآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا
مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) فَأَنْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴾ فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا
ظَلَمُواْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
[النمل: ٥٠ - ٥٢].
جازاهم الله على مكرهم بمكر فعجّل
٣٤٠
جوب
القرآن الكريم

الحضارة
بهم وأهلكهم، وهنا تصف الآيات ما آكت الظهور والشهرة والاستعلاء والسيطرة
عليهم، وهم في الحقيقة كاذبون متكبّرون،
إليه تلك الحضارة وهذا العمران من هدمٍ
وخراب، ووحشة بعد بناء وعمران وأنسٍ،
بسبب ظلمهم.
حسدوا نبيّھم علی هذه المنزلة، فكان لا بدّ
من کشف خبایاهم وفضح نواياهم، وحتى
لا تبقى لهم حجةٌ أرسل الله لهم آيةً واضحةً
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّلُرٍ )
فَقَالُواْ أَبَا مِنَّا وَحِدًا تََّّهُمْ إِنَّ إِذَا لَّفِى ضَلَلٍ
وَسُعُرٍ (٦ أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ
جليةً وهي الناقة؛ فتنةً لهم وحجةً عليهم
وتلبيةً لإلحاحهم وابتلاء لهم وامتحانًا،
٢٦
وجعل الله للناقة ولهم قدرًا ونوبة، فالناقة
٢٧
إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ فَرْتَّقِبْهُمْ وَأَصْطَيْ
تحضره يومًا، وهم يحضرونه يومًا، فإذا كان
يوم نوبتهم حلبوها فانتفع الجميع بلبنها،
لكنهم سرعان ما أظهروا الغدر فعزموا على
عقر الناقة، وحرّضوا على ذلك أشقاهم،
وأعانوه على هذه الجريمة المنكرة، فتناول
بجرأة الناقة بالعقر فعقرها. هنالك قرعت
آذانهم صيحةٌ شديدةٌ، جعلتهم كحطام
الشجر وعيدانه اليابسة، أو كهشيم الحظيرة
إذا ييس وداسته الغنم (١).
أَشِرُ ، سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَثِرُ (
٢٨
وَنَبِتْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ
فَادَوْاْ صَاحِبٌ فَعَاطَى فَعَقَرَ ﴿ فَكَفَ كَانَ عَذَابِ
وَنُذُرٍ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَجِدَةً فَكَانُواْ
كَهَشِيرِ الُْخْتَظِرِ﴾ [القمر: ٢١-٣١].
لم تعتبر ثمود من قوم عاد، كما لم
تعتبر عادٌ من قوم نوح، بل کذبوا جميعًا مع
كثرة النّذر وتجلّي العبر، وقلبوا الحقائق؛
فزعموا أن اتباعهم له سلوكٌ لطریق الضلال
والعذاب، وقد كذبوا في زعمهم، فكان
اعتراضهم على أنه بشرٌ وعلی کونه واحدًا،
وعلى أنه منهم، فاعتبروا اتّباعه ضربًا من
الضلال والخسران! فأيّ ضلالٍ أشدّ مماهم
عليه! إنه الكبر والاغترار والعجب والحسد
وغير ذلك من أمراض النفوس، مع غفلتهم
وجهلهم بسنن الله وأقداره وحكمه وشئونه
في خلقه.
ثم عادوا إلى إلصاق التّهم بصالح عليه
السلام فاتهموه بالكذب، ورموه بحبّ
٣. الحضارة الفرعونية.
بلغت الحضارة الفرعونية أوج نهضتها
و ذروة سنامها، في عهد فرعون الذي دانت
له البلاد، وكثرت الخيرات، مع استغلاله
لبني إسرائيل في المهن والأعمال الشّافّة،
واستحياء النساء للخدمة، وجاء في القرآن
الكريم وصفٌ لهذا الملك الواسع وهذا
الثراء البالغ.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٧/ ١٤٢، فتح القدير، الشوكاني ١٨٠/٥.
www. modoee.com
٣٤١

حرف الحاء
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ ملكه. وقيل: هي أكماتٌ وأسوارٌ مرتفعاتٌ،
يلعب له في مرابعها. قال ابن جريرٍ ما نصّه:
حدّثنا بشرٌ، قال: ثنا یزید، قال: ثنا سعیدٌ، عن
قتادة: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَارِ﴾ ذکر لنا أنّها كانت
مطالٌّ، وملاعب يلعب له تحتها من أوتادٍ
وجبالٍ.
قَالَ يَنقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَدُ
تَجْرِى مِن تَحْتِىّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١
- ٥٣ ].
وهذه الآيات الكريمة تنبئ عن وصف
هذا الملك العريض، ملك مصر بأنهارها
وبساتينها، والنيل وفروعه الممتدة تسقي
القرى والمدائن وتمر بالحقول والبساتين،
حضارة ومدنية قامت على ضفاف النيل
ومدائن واسعة، ولم ترد كلمة المدائن إلا
في ثلاثة مواضع، وكلها في نطاق ملك
فرعون: ﴿قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ الْمَدَآيِنِ
حَشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١].
وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَآبْعَثْ فِ
اْدَآَيْنِ حَشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآپِنِ
حَشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣].
فدلَّ هذا على ما كانت عليه الحضارة
الفرعونية من مدنية ورقيّ ماديٍّ، وحرکةٍ
وأنشطةٍ اقتصاديةٍ وسياسية وإدارةٍ محكمة
وتبعيّةٍ لبلاط فرعون.
كذلك جاء وصف حضارة الفراعنة في
قوله تعالى: ﴿وَفِرْعُوْنَ ذِى الْأَوْنَادِ﴾ [الفجر: ١٠].
قال الشنقيطي: ((وأمّا فرعون ذو الأوتاد،
فقيل: هي أوتاد الخيام، كان يتدها لمن
یعذّبھم.
وقيل: هي كنايةٌ عن الجنود يثبت بها
والّذي يظهر - والله تعالى أعلم -: أنّ
هذا القول هو الصّحيح، وأنّها مرتفعةٌ، وأنّها
هي المعروفة الآن بالأهرام بمصر، ويرجّح
ذلك عدّة أمورٍ؛ منها: أنّها تشبه الأوتاد في
منظرها طرفه إلى أعلى، إذ القمّة شبه الوتد،
مدّةٌ بالنّسبة لضخامتها، فهي بشكلٍ مثلّثٍ،
قاعدته إلى أسفل وطرفه إلى أعلى. ومنها:
ذکره مع ثمود الذین جابوا الصّخر بالواد،
بجامع مظاهر القوّة، فأولئك نحتوا الصّخر
بيوتًا فارهين، وهؤلاء قطعوا الصّخر الكبير
من موطنٍ لا جبال حوله، ممّا يدلّ أنّها
نقلت من مكانٍ بعيدٍ. والحال أنّها قطعٌ کبارٌ
صخراتٌ عظامٌ ففي اقتطاعها وفي نقلها إلى
محلّ بنائها، وفي نفس البناء كلّ ذلك ممّا
يدلّ على القوّة والجبروت، وتسخير العباد
في ذلك. ومنها: أنّ حملها على الأهرام
القائمة بالذّات والمشاهدة في كلّ زمانٍ
ولكلّ جيلٍ))(١).
وعندما تمضي بنا الآيات؛ لتتحدث عن
مخلّفات فرعون وحاشیته بعد أن أغرقوا في
(١) أضواء البيان ٥٢٥/٨.
مُونُوابَرُ النَّفِيَة
القرآن الكريمِ
٣٤٢

الحضارة
اليم نجد ما يثير العجب.
قال تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَهُمْ مِّنِ جَنَّتٍ وَعُونِ
وَكُتُوُزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِّ
إِسْرَّيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
وقال تعالى: ﴿ كَمْتَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
وَزُرُوعِ وَمَقَّامٍ كَرِيمٍ ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا
٢٥
فَكِهِينَ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾
[الدخان: ٢٥ - ٢٨ ].
لقد كان للنشاط الزراعي مكانته في
الحضارة الفرعونية، إلى جانب البنايات
التي يشير إليها قوله: ﴿وَمَقَّامٍ كَرِيمٍ﴾
والكنوز النفيسة، والرفاهية التي كانوا فيها،
فسلب الله منهم الملك والنّعم وأهلكهم مع
فرعون، وانهارت تلك الحضارة العريقة بعد
أن انحرفت عن مسارها وأفسدتها العلل،
وعجّلت بها الآفات من الظلم والفساد
والقهر والاستعباد والكفر بآيات الله
واضطهاد موسی علیه السلام ومن آمن به.
ولقد سبق أن أنذرهم الله بنذر كثيرة لم
تغیّر من حالهم، بل ازدادوا قسوة وتمرّدًا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ
بِأَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا
لَنَا هَذِهِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى
وَمَن مَّعَدُ، أَلَاّ إِنَّمَا طَيْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا
◌ِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُّ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُعَّلَ
وَالضَّفَارِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ مُّفَضَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ
قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴿﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ
قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ
لَبِن كُشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ
مَعَكَ بَنِيَّ إِسْرِِّيلَ ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ
يَنكُونَ (١٠) فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ آلْيَمْ
بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ ﴾
[الأعراف: ١٣٠ - ١٣٦].
قال ابن جرير رحمه الله: «لقد اختبرنا
قوم فرعون وأتباعه على ما هم عليه من
الضلالة بالجدوب سنة بعد سنة، والقحوط
وذهاب ثمارهم وغلاتهم إلا القليل، عظة
لهم وتذكيرًا لهم؛ لينزجروا عن ضلالتهم،
ويفزعوا إلى ربهم بالتوبة»(١).
((لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء؛
ليرجعوا إلى أنفسهم؛ وينقبوا في ضمائرهم
وفي واقعهم، لعلهم تحت وطأة الشدّة
يتضرعون إلى الله، ويتذللون له، وينزلون
عن عنادهم واستكبارهم، ويدعون الله أن
يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة، فيرفع
الله عنهم البلاء ويفتح لهم أبواب الرحمة.
ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريًّا أن يفعلوا. لم
يلجأوا إلى الله، ولم يرجعوا عن عنادهم،
ولم تردّ إليهم الشدة وعيهم، ولم تفتح
(١) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٤٥.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الحاء
بصيرتهم، ولم تلیّن قلوبهم.
والقلب الذي لا تردّه الشدة إلى الله قلب
تحجر، فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة!
ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس!
وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه، فلم
يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة، التي تنبه
القلوب الحية للتلقي والاستجابة والشدة؛
ابتلاء من الله للعبد، فمن كان حيًّا أيقظته،
وفتحت مغالیق قلبه، وردته إلى ربه؛ وكانت
رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على
نفسه»(١).
وبلغ بفرعون العتوّ والتجبّر أن طلب
من وزيره هامان أن يبني له صرحًا لعله يبلغ
الأسباب.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَتَأَيُّهَا الْمَلَأُ
مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ
يَهَمَنِّنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِّيَّ
أَطَّلِعُ إِلَ إِلَّهِ مُوسَى وَ إِ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِينَ
وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ
٣٨
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْحَمُونَ
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِى الْيَوِّ
٣٩
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ
﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ
وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ ﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ
فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ هُم مِّنَ
الْمَقْهُوحِينَ﴾ [القصص: ٨
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ٣٢.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعُوْنُ يَهَمَنُّ أَبْنِ
لِ صَرْحًاً لَّعَلِى أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ ا أَسْبَبَ
السَّمَوَتٍ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ.
كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوْهُ عَمَلِهِ،
وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَا فِى
تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
قال ابن عاشور: ((أمر فرعون هامان
وزيره أن ييني له صرحًا يبلغ به عنان السماء؛
ليرى الإله الذي زعمه موسى، حتى إذا لم
یجده رجع إلى قومه فأثبت لهم عدم إله في
السماء إثبات معاينة، أراد أن يظهر لقومه في
مظهر المتطلب للحق المستقصي للعوالم،
حتى إذا أخبر قومه بعد ذلك بأن نتيجة بحثه
أسفرت عن كذب موسی ازدادوا ثقة ببطلان
قول موسى عليه السلام، وفي هذا الضّغث
من الجدل السّفسطائي مبلغ من الدلالة على
سوء انتظام تفكيره وتفکیر ملئه، أو مبلغ
تحیله وضعف آراء قومه»(٢).
موضوعات ذات صلة:
الاجتماع، الاقتصاد، الأمة، التمكين،
الخلافة، السياسة، العنصرية، الوحدة
(٢) التحرير والتنوير ٥٨/٢٠.
٣٤٤
القرآن الكريم