النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الحَ 1 3. 2 عناصر الموضوع مفهوم الحق ٤١٢ الحق في الاستعمال القرآني ٤١٣ الألفاظ ذات الصلة ٤١٤ الحق سنة الله تعالى في خلقه وتدبيره ٤١٦ ٤١٨ الحق في مجال العقيدة وأصولها ٤٢٧ الحق في الإخبار عن قصص السابقين ٤٣٠ الحق في المعاملات ٤٣٤ الحق في المثل القرآني ٤٣٧ موقف الناس من الحق ٤٤٠ انتصار الحق وظهوره المجلد الثانىعشر حرف الحاء مفهوم الحق أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((الحاء والقاف، أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته)) (١). وقال علماء اللغة: الحق خلاف الباطل، وجمعه حقوق وحقان، ومعنى: حقّ الأمر، يحقّ حقًّا وحقوقًا، أي: ثبت ووجب، وأحققت الشيء، أي: أوجبته، وتحقق عنده الخبر، أي: صلح، وكلامٌ محقق، أي: رصين(٢). والحاقة: القيامة، وسميت بذلك؛ لأن فيها حواق الأمر، وحاقه، أي: خاصمه، وادعی کل واحد منهما الحق(٣). نخلص مما سبق أن الحق في اللغة يطلق على الثابت والواجب من كل الأمور، الذي هو خلاف الباطل، والذي يجب التمسك به وعدم تركه. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: تعددت تعريفات العلماء للمعنى الاصطلاحي للحق؛ نظرًا لتنوع اهتماماتهم، وأقربها لموضوعنا هو أنه: ((الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك))(٤). فالحق أمر ثابت، لا جدال فيه، ولا تغییر، ولا ترك له. (١) مقاييس اللغة ١٥/٢. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٩/١٠. (٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٤ / ١٤٦٠. (٤) التعريفات، الجرجاني ص٣٩. ٤١٢ مَوَسُوبَةُ النَّقِّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الحق الحق في الاستعمال القرآني ورد الجذر (ح ق ق) في القرآن (٢٧٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٤٧) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ المصدر ٢٤٧ فِيهِنَ﴾ [المؤمنون: ٧١] وأطلق الحق في القرآن على سبعة أوجه(٢): الأول: الله تعالى: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْشُ وَمَنْ فِيهِنَ ﴾ [المؤمنون: ٧١] يعني: الله تعالی. الثاني: القرآن: ومنه قوله تعالى: ﴿بَلّ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَ هُمْ حَقَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌّ ﴾ [الزخرف: ٢٩] يعني: القرآن. ٢٩ الثالث: الإسلام: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ جَآءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ١﴾ [الإسراء: ٨١] يعني: الإسلام. الرابع: العدل: ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍ أَحْكُم بِالْحَقٍ﴾ [الأنبياء: ١١٢] يعني: بالعدل. [الصافات: ٣٧] ٣٧ بَلَ جَاءَ بِالحَقْ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الخامس: التوحيد: ومنه قوله تعالى: يعني: بالتوحيد. السادس: الصدق: ومنه قوله تعالى: ﴿قَوْلُهُ اَلْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] يعني: الصدق. السابع: الحق الذي يضاد الباطل: ومنه قوله تعالى: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ أُسَتَّى﴾ [الأحقاف: ٣]. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٠٨-٢١٢. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ١٨٨ - ١٩٠. www. modoee.com ٤١٣ حرف الحاء الألفاظ ذات الصلة ١ الصدق: الصدق لغة: نقيض الكذب، صدق، يصدق، صدقًا، وصدقًا، وتصادقًا، قيل: صدقه الحديث: أنبأه بالصدق، ويقال: صدقت القوم، أي: قلت لهم صدقًا وتصادقًا في الحديث وفي المودة(١). الصدق اصطلاحًا: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلّم (٢). وقال الراغب: الصّدق مطابقة القول الضّمير والمخبر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًّا (٣). الصلة بين الحق والصدق: الحق أعم من الصدق؛ لأنه وقوع الشيء في موقعه الذي هو أولى به، والصدق: الإخبار عن الشيء على ما هو به، والحق يكون إخبارًا وغير إخبار (٤). الحقيقة: ٢ الحقيقة لغة: الثبات، والاستقرار، والقطع، واليقين، ومخالفة المجاز(٥). وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له من أصل اللغة (٦). الحقيقة اصطلاحًا: هو كل لفظ يبقى على موضوعه، وقيل: ما اصطلح الناس على التخاطب به (٧). الصلة بين الحقيقة والحق: الحقيقة ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة، حسنًا كان أو قبيحًا، والحق: ما وضع موضعه من الحكمة، فلا يكون إلا حسنًا، وإنما شملهما اسم التحقيق؛ لاشتراكهما في وضع (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٩٣/١٥. (٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٥١١/١. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٧٧. (٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١٩٣. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٩/١٠. (٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٢٥. (٧) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٩٥. ٤١٤ مُوسُوبَةُ النَّهِ القرآن الكريم الحق الشيء منهما موضعه من اللغة والحكمة(١)، ولم يرد لفظ الحقيقة في القرآن الكريم. العدل: ٣ العدل لغة: ضد الجور، وهو ما قام في النفوس أنه مستقيم، من عدل يعدل فهو عادل. يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله (٢). العدل اصطلاحًا: هو تحرّي المساواة والمماثلة بين الخصمين بألّا يرجّح أحدهما على الآخر بشيءٍ قطّ، بل يجعلهما سواءً(٣). الصلة بين العدل والحق: العدل: هو العدول بالفعل إلى الحق دون جور أو ظلم، أما الحق فهو النتيجة من العدول بالفعل إلى الحق، وهو ما وجب وتحقق عنده الفعل (٤). الباطل: ٤ الباطل لغة: هو خلاف الحق وضده(٥). الباطل اصطلاحًا: هو: ما لا ثبات له، ولا خير فيه، سواء أكان اعتقادًا أم فعلًا أم كلامًا أم غيره(٦). الصلة بين الحق والباطل: الحق ضد الباطل. (١) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٣٣. (٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١٠٣٠. (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٥/ ١٤٢. (٤) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٣١. (٥) انظر: الصحاح، الجوهري ٤/ ١٦٣٥، مختار الصحاح، الرازي ص ٣٦. (٦) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٤٢. www. modoee.com ٤١٥ حرف الحاء الحق سنة الله تعالى في خلقه وتدبيره خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون، ووضع له نوامیس، وأوجد له سنتًا تدل على حکمته وعلمه سبحانه وتعالى. ٤ قال عز وجل: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ لْلَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَقْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. وهذه السنن الإلهية هي من تقديره سبحانه وتعالى، قال عز وجل: شىء إِنَّا خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وعندما نتعرف سنن الله في خلقه وتدبيره تطمئن نفوسنا؛ لأننا نعلم أن لله سبحانه وتعالى سننًا يسيّر الخلق بناءً عليها بلا فوضى ولا اضطراب، وسنن الله سبحانه وتعالى كثيرة، لابد للمسلم أن يتفطن لها، وهذه السنن لا تبدل ولا تغير فيها. سُنَّةَ اللَّهِ فِي قال سبحانه وتعالى: الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]. أولًا: الحق سنّة الله سبحانه وتعالى في خلقه: من هذه السنن سنة الحق، وعلى هذا خلق الله سبحانه وتعالى الخلق، وأوجد أهل الحق، الذین یذودون عن حياضه، وهم الرسل وأتباعهم، نموذج الحق والخير على وجه الأرض، الذين يبتغون الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبالمقابل فهناك الشيطان وأتباعه، أهل الباطل الذين لا يبغون إلا نشر الفتنة، واغتصاب الحقوق، والتعدي على الآخرين، فهم نموذج الفساد والإفساد على وجه الأرض. وقد حصل التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل منذ بدء الخليقة؛ لأن وجود أحدهما يستلزم مزاحمة الآخر وطرده وإزالته، أو إضعافه، ومنعه من أن یکون له تأثیر. قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. قال الطبري في تفسير الآية: ((يعني تعالى ذکره بذلك، ولولا أن الله یدفع ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا، -وهم أهل المعصية لله والشرك به- كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له، وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداءً: من بعثة ملك علیهم؛ ليجاهدوا معه في سبيله، بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر، ٤١٦ صَوْ نُور القرآن الكريم الحق جالوت وجنوده ﴿الْفَسَدَتِ الْأَرْشُ﴾ يعني: لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم)) (١). ثانيًا: الحق سنّة الله في تدبيره: بيّن القرآن الكريم أن الحق غالب، وأن الباطل مهما علا فهو مدحور مهزوم، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَمْحُ اَللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىُّ الْحَقِّ بِكَلِمَتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤]. معنى الآية: أن من شأن الله سبحانه وتعالى أن يزيل الباطل ويفضحه؛ بإيجاد أسباب زواله، وأن يوضح الحق؛ بإيجاد أسباب ظهوره، حتى يكون ظهوره فاضحًا لبطلان الباطل، فلو كان القرآن مفترى على الله لفضح الله بطلانه، وأظهر الحق، فالمراد بالباطل جنس الباطل، وبالحق جنس الحق(٢). وقال سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِاَلْيَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. قال القاسمي في معنى الآية: ((﴿بَلّ نَقْذِفُ ◌ِلَلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾، أي: يمحقه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية، ﴿فَإِذَا هُوَ زَامِقٌ﴾، أي: هالك بالكلية)) (٣) وهذه قصة موسى عليه السلام مع فرعون (١) جامع البيان ٥/ ٣٧٢. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٧/٢٥. (٣) محاسن التأويل ٧/ ١٨١. دليل على أن الحق منتصر في النهاية. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ فَوَقَعَ اَلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٨]. والمعنى: أن الحق ثبت، وفسد ما كانوا يعملون من الحيل والتخييل، وذهب تأثيره؛ إذ تبین لمن شهده و حضره أن موسی رسول من عند الله يدعو إلى الحق، وأن ما عملوه ما هو إلا إفك السحر و کذبه ومخایله (٤). ومن الأمثلة على نصرة الله سبحانه وتعالى للحق ما أنزل من الملائكة يوم بدر، قال عز وجل: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ ) لِيُحِقَّ الْحَنَّ [الأنفال: وَبُبْطِلَ اَلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ﴾ ٧- ٨]. قال المراغي: «أي: وعد الله بما وعد، وأراد إحدى الطائفتين ذات الشوكة، ليحق الحق (وهو الإسلام) ويثبته، ويبطل كَرهَ الباطل (وهو الشرك) ويزيله، الْمُجْرِمُونَ﴾ أولو الاعتداء والطغيان، ولا يكون ذلك بالاستيلاء على العير، بل بقتل أئمة الكفر من قريش، الذين خرجوا إليكم من مكة ليستأصلوكم)) (٥). وفي ختام هذا المبحث نقول بأن سنة (٤) انظر: تفسير المراغي ٣٢/٩. (٥) انظر: المصدر السابق ٩/ ١٧١. www. modoee.com ٤١٧ حرف الحاء الله في نصر أهل الحق لا تتحقق إلا إذا هياً المسلمون في أنفسهم ومجتمعاتهم عوامل النصر، التي أرشد القرآن الكريم إليها، وأمر الله بها، وأبعدوا عن أنفسهم ومجتمعاتهم عوامل الفشل، ومعوقات النصر. الحق في مجال العقيدة وأصولها صفة الحق صفة جليلة، وهي صفة كمال وبهاء وعظمة لله عز وجل، صفة ذاتية ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع أهل السنة، ومعنى هذه الصفة أنه هو الحق في وجوده، وفي کونه سبحانه وتعالى، وهو الحق في وعده، وهو الحق في لقائه، وهو الحق في عقابه سبحانه وتعالى. ومن الآيات القرآنية الدالة على ثبات هذه الصفة لله عز وجل، قوله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ. يُحِ الْمَوْقَ وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦]. نبه سبحانه وتعالى بهذه الآية على أن کل ما سوى الله سبحانه وتعالى -وإن كان موجودًا حقًّا- فإنه لا حقيقة له من نفسه؛ لأنه مسخر مصرف، والحق الحقيقي هو الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول هو الله سبحانه وتعالى(١). أولًا: الله سبحانه وتعالى هو الحق: إن الله سبحانه وتعالى هو الحق، وهذه الصفة ثابتة لله سبحانه وتعالى، ومن الآيات الدالة على ثبوت صفة الحق لله سبحانه وتعالى قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠١٤/١٢ ٤١٨ جَوسُو القرآن الكريم الحق قال الرازي في تفسيرها: ((ما معنى قوله ولا يتغير. ذلك بأن الله هو الحق؟ وأي تعلق له بما تقدم؟ الجواب فيه وجهان: أحدهما: المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور، إنما حصل لأجل أن الله هو الحق، أي: هو الموجود الواجب لذاته، الذي يمتنع عليه التغير والزوال، فلا جرم أتى بالوعد والوعيد. ثانيهما: أن ما يفعل من عبادته هو الحق، وما يفعل من عبادة غیره فهو الباطل»(١). وکلا المعنیین تحتمله الآية. ومن الأدلة على ثبوت صفة الحق لله عز ١٢٠٠٠٠٠٠ وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ... وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّالْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]. قال الشوكاني: ((أي: ويعلمون عند معاينتهم لذلك، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز، أن الله هو الحق الثابت في ذاته وصفاته وأفعاله، المبين المظهر للأشياء كما هي في نفسها، وإنما سمي سبحانه وتعالى الحق؛ لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره، وقيل: سمي بالحق، المعدوم)»(٢). يتبين مما سبق أن الله سبحانه وتعالى حقٌّ ثابت في ذاته وصفاته وأفعاله، لا يزول (١) مفاتيح الغيب ٢٤٦/٢٣. (٢) فتح القدير ٢١/٤. كما أكدت السنة الشريفة على هذه الصفة وثبوتها لله عز وجل، فقد ورد في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلی الله عليه وسلم كان يقول في قيام الليل: ( ... وأنت الحق، وقولك الحق ... )(٣)، ووجه الدلالة في ذلك أن اسم الله سبحانه وتعالى الحق، ويتضمن صفة الحق، والعبد الذي يعتقد بهذه الصفة اعتقادًا جازمًا يصدق بوجود الله سبحانه وتعالى، فهو يتعبد لربه سبحانه وتعالى، ويصدق بوعد الله عز وجل ولقائه، ويحمله ذلك علی أن يصدق بأنه سيقف أمام الله عز وجل، ويحاسبه على كل كبيرة وصغيرة. وهذا التصديق بأن الله سبحانه وتعالى حق، يحمله على المسارعة في الخيرات؛ فلا يتكلم إلا بالحق، ولا يفعل إلا الحق، ولا يناصر إلا الحق، ولا يحيد عن الحق، ولا یحمله الغضب أن یحید عن الحق، ولا يميله الحب أو العاطفة عن الحق (٤). ولقد اقترن اسم الله عز وجل (المَلِك) أي: الموجود؛ لأن نقيضه الباطل، وهو باسمه (الحقّ) في موضعين من القرآن الكريم، وهما قوله عز وجل: ﴿فَنَعَلَى اَللَّهُ (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قوله سبحانه وتعالى: وجوه يومئذ ناضرة، رقم ٩،٧٤٤٢/ ١٣٢. (٤) انظر: صفات الله وآثارها في إيمان العبد، محمد حسن عبد الغفار ٩/ ٢. www. modoee.com ٤١٩ حرف الحاء اَلْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤]. فَتَعَلَى وقوله سبحانه وتعالى: اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقَّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ اَلْكَرِرِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. قال أبو السعود: «الملك الحق الذي يحقّ له الملك على الإطلاق إیجادًا وإعدامًا، بدءًا وإعادةً، إحياءً وإماتةً، عقابًا وإثابةً، وكلّ ما سواه مملوءٌ له، مقھورٌ تحت ملکوته»(١). وقال ابن عاشور: «تفرع على ما تقدم بيانه من دلائل الوحدانية، والقدرة، والحكمة، ظهور أن الله هو الملك الذي ليس في اتصافه بالملك شائبة من معنى الملك، فملكه الملك الكامل في حقيقته، الشامل في نفاذه، والتعريف في الملك للجنس. والحق: ما قابل الباطل، ومفهوم الصفة يقتضي أن ملك غيره باطل، أي: فيه شائبة الباطل، لا من جهة الجور والظلم؛ لأنه قد يوجد ملك لا جور فيه ولا ظلم، كملك الأنبياء والخلفاء الراشدين، وأصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم من الخلفاء والأمراء، بل من جهة أنه ملك غير مستكمل حقيقة المالكية، فإن كل من ینسب إلى الملك عدا الله سبحانه وتعالى، هو مالك من جهة، ومملوك من جهة لما فيه من نقص واحتياج، فهو مملوك لما يتطلبه من تسديد نقصه بقدر الحاجة، ومن استعانة (١) إرشاد العقل السليم ٦/ ١٥٣. بالغير لجبر احتياجه، فذلك ملك باطل؛ لأنه ادعاء ملك غیر تام»(٢). يتبيّن مما سبق أن الله سبحانه وتعالى يبيّن في الآيات الكريمة أن ملكه يختلف عن ملك غيره، فملكه سبحانه وتعالى حق ثابت له مستكمل لحقيقة الملك، فهو صاحب الملك؛ لأنه الخالق الذي هو في غنى عن غيره، بخلاف ملك غيره فهو ملكٌ مخلوق ناقص، يحتاج إلى غيره دائمًا ليقوّم له عو جه، فملکه ملكٌ غیر تام. نخلص مما سبق أن الله سبحانه وتعالى هو الحق في ذاته، وصفاته، فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، ووجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفًا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا، فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، و کتبه حق، و دینه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ینسب إليه فهو حق. قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِيِ. هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢](٣). (٢) التحرير والتنوير ١٣٥/١٨. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٩٤٩. ٤٢٠ جَوَسُو ◌َرَ النفسية العضو الْقُرآن الكَرِيْمِ الحق ثانيًا: الملائكة: إن عالم الملائكة من عوالم الغيب التي يجب الإيمان بها، بصفته ركناً من أركان الإيمان، والإيمان بهم يتضمن التصديق بوجودهم، وإنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن، مأمورون مكلفون، لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه. والأدلة على وجود الملائكة كثيرة جدًّا، ففي القرآن الكريم آيات عديدة تناولت الحديث عنهم، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا تُنَزِّلُ الْمَلَتِكَةَ إِلَّا بِالْحِّ﴾ [الحجر: ٨]. أي: تنزيلًا متلبسًا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن نأتيكم بهم عيانًا تشاهدونهم، ويشهدون لكم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار، ومثله قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥](١). ومنها قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَنَزَّلُ اٌلْمَلَكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِمْ﴾ [القدر: ٤]. قال ابن عاشور: ((تنزل الملائكة يكون للخير، ويكون للشر لعقاب مكذبي الرسل. قال سبحانه وتعالى: ﴿ مَا تُنَزِّلُ الْمَلَتِكَةَ إِلَّا بِاَلْحَقِّ وَمَا كَانُّوْاْ إِذَا مُّنْظَرِينَ﴾ [الحجر:٨]. (١) انظر: السراج المنير، الخطيب الشربيني ١٩٤/٢. يوم يرون وقال سبحانه وتعالى: اَلْمَلَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِّدٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]. وجمع بين إنزالهم للخير والشر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ فَتَِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأَلْقِى فِي قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] الآية. فأخبر هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا وقاموا ليلة القدر فهذه بشارة)» (٢) . ومن الأدلة القرآنية على وجود الملائكة قوله سبحانه وتعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَكَتِكَتِهِ، وَكُتُهِ، وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. يقول الطبري: ((وصدّق المؤمنون أيضًا مع نبيهم بالله وملائكته و کتبه ورسله))(٣). وفي السنة النبوية أيضًا أحاديث متعددة تثبت وجود هذا العالم الكريم، ومن أشهر الأدلة حديث جبريل عليه السلام الذي فيه: (فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته و کتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت)(٤). (٢) التحرير والتنوير ٤٦٥/٣٠. (٣) جامع البيان ٦/ ١٢٥. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان ٢٩/١، رقم ٨. www. modoee.com ٤٢١ حرف الحاء فوجود الملائكة عليهم السلام مثلما لنا في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، ومنها ما لم يسمه لنا، بل ذكرت مجملة، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: ٢٥]. هو حق ثابت بالكتاب والسنة، فهو ثابت بالإجماع، يقول ابن حزم: ((واتفقوا أن الملائكة حق، وأن جبريل ومیکائیل ملکان، رسولان لله عز وجل، مقربان عظیمان عند الله سبحانه وتعالى، وأن الملائكة كلهم مؤمنون)»(١). ولا يجوز إنكار وجودهم، ومن أنكر الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، والتوراة وجودهم فھو کافر بنص القرآن الکریم، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكُتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَ ضَلَلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وقد أجمع المسلمون على كفر من أنکر وجود الملائكة؛ لأن إنكار وجودهم فيه إنكار للرسالة والقرآن (٢). الوسائط بین الله سبحانه وتعالى وأنبيائه، والمبلغون لكتبه، فالإيمان بهم يوجب إجلالهم وإکرامهم فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ثالثًا: الكتب المنزلة: إن الله سبحانه وتعالى أنزل على رسله عليهم السلام كتبًا، لهداية الناس إلى طريق العبادة التي ارتضاها لهم، فمنها ما سماها (١) مراتب الإجماع ص ١٧٤ . (٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم ٢٩٩/٣. (٣) النكت والعيون ١/ ٣٦٧. ٤٢٢ مَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِيَةْ القرآن الكريم ومن هذه الكتب السماوية التي أنزلها والإنجيل، والصحف، والزبور، وهي حق من عند الله سبحانه وتعالى. قال عز وجل: ﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ اُلْقُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤]. قال الماوردي: ((﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ يتبيّن مما سبق أن الملائكة حق؛ لأنهم بِالْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة. والثاني: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة، وإن قيل: بأنه الصدق، ففيه وجهان: أحدهما: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة، والثاني: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته، والوعيد بالعقاب على معصيته))(٣). ومن الآيات الدالة على أن القرآن الكريم حق، قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنّاً أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الحق الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]. قال الرازي في تفسير الآية: ((الجواب فيه وجهان: الأول: المراد: أنزلنا الکتاب إليك ملتبسًا بالحق والصدق والصواب، على معنى: كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وأنواع التكاليف، فهو حق وصدق يجب العمل به، والمصير إليه. الثاني: أن يكون المراد: إنا أنزلنا إليك الكتاب بناءً على دليل حق دل على أن الکتاب نازلٌ من عند الله، وذلك الدلیل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم یکن معجزًا لما عجزوا عن معارضته»(١). ورغم أن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتب السماوية، وبيَّن أن دين الأنبياء والمرسلين واحد، وأن لكل منهم شرعة ومنهاجًا. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَ لَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنَكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: ٤٨]. لکن اليهود والنصارى کفروا بتبدیلهم ما في كتبهم السماوية، فشرعوا لأنفسهم شرائع ابتدعوها من عند أنفسهم، بغير إذن من الله سبحانه وتعالى، وخالفوا بهذا الشرع الذي بعث الله به أنبياءه ورسله، فأحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو موجود عندهم (١) مفاتيح الغيب ٤١٩/٢٦. في التوراة والإنجيل، وقالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وقالوا: يد الله مغلولة، فبأفعالهم هذه وغيرها الكثير قد كفروا، وانتسبوا إلى موسى وعيسى عليهما السلام زورًا وبهتانًا. قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَقَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. إذًا فالكتاب الحق الذي يجب اتباعه هو القرآن الكريم الذي لم ينله التحريف والتبديل، تكفل الله بحفظه، قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فهو حق من كل الوجوه، مشتمل على دلائل التوحيد، وصفات الله عز وجل، وعلى تعظيم الملائكة، وتقرير نبوة الأنبياء، وإثبات الحشر والنشر والقيامة، وكل ذلك مما لا يقبل الزوال، ومشتمل على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض والتحريف. قال سبحانه وتعالى: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢](٢) . رابعًا: الرسل والرسالة: إن الله سبحانه وتعالى شاء أن يكون (٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ٥٢٠. www. modoee.com ٤٢٣ حرف الحاء خليفة الله في أرضه من البشر، واقتضت المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ومجنون، بأنه ليس بشاعر ولا حکمته أن یکون رسوله إلیھم من جنسهم، و کتب على نفسه أن يرسل کل رسول بلسان قومه. مجنون، بل جاءهم بالحق من ربهم، وصدّق المرسلين الذين أُرسلوا من قبله، إذ دعا إلى توحید الله، کما کان ذلك دعوة کل رسول من رسل الله. وفي وصف الرسول الكريم بأنه مصدق للمرسلین، إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم الشاهد الأمين الذي يشهد لهم على الزمن بصدق ما جاءوا به، فهو المجدد لدعوتهم، المصحح لما دخل عليها من شبهات وضلالات من أهلها، وهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَّ فَيُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]. ولقد أظهر القرآن الكريم أن محمدًا صلی الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، ورسالته خاتم الرسالات. قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةُ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. ولقد نسخ الله سبحانه وتعالى برسالة محمد صلى الله عليه وسلم جميع الشرائع التي كانت قبل الإسلام، وارتضى للناس دينه الخاتم شريعة وعقيدة، فقال عز وجل: ﴿ أَلْيَوْمَ أَكْعَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فكانت رسالته حق، مصدقة للرسالات السابقة، قال سبحانه وتعالى: ﴿بَلَ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧]. يَأيَّها ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. وكذلك فإن القرآن الذي تلقاه وحيًا من ربه مصدقٌ التوراة والإنجيل، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا ◌ِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وهكذا كل رسول مصدق للرسل الذين سبقوه، وما معه من كتاب مصدق لما نزل عليهم من كتب، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمْ يَبَقِّ إِسْرَّهِ يَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَقَّ مِنَ الثَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَعْمَدُ وهذه الآية الكريمة ردت على اتهام [الصف: ٦]. مُوسُوبَةُ الْتَّخِّ القرآن الكريم ٤٢٤ الحق وإذا كان الرسول الكريم هو خاتم الملائكة بالرسالة، جبريل وميكائيل، الرسل، وكتابه جامعة الكتب، فهو بهذا وإسرافيل، وملك الموت، والكرام الكاتبين عليهم السلام)) (٣). مصدق لإخوانه الرسل من قبله، وكتابه مصدق لما نزل عليهم من كتب(١). وقد أكد القرآن أيضًا على أن الله سبحانه وتعالی لن يهدي قومًا من أصحاب الكتب السابقة جحدوا نبوة النبي صلی الله علیه وسلم بعد أن أقروا أنها حق من عند الله سبحانه وتعالى. قال عز وجل: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِمْ وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ﴾ [آل عمران: ٨٦]. ومعنى ذلك أن الله يستبعد أن يرشد للصواب ويوفق للإيمان قومًا جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم وتصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربه، وأقروا أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقًّا (٢). ولا بد من التنويه هنا إلى أن كلمة الرسول مثلما تطلق على من اصطفاه الله سبحانه وتعالى من الناس لتبليغ رسالته، فكذلك أطلقها القرآن الكريم على ملائكته، فقال سبحانه وتعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]. (يعني مرسل يقول السمرقندي: (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٢ / ٩٧٧. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٥٧٦. يتضح مما سبق أن الرسل حق والرسالة حق من عند الله سبحانه وتعالى، وكل رسالة لاحقة مكملة للرسالة السابقة، وكانت رسالته صلى الله عليه وسلم خاتم الرسالات، فقد أرسله الله سبحانه وتعالى للناس كافة، وأخذ الله سبحانه وتعالى العهد علی جمیع أنبيائه ورسله أن يؤمنوا بمحمد صلی الله علیه وسلم، وينصروه إذا بعث فيهم وهم أحياء. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ قال عز وجل: النَّبْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِّنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. خامسًا: اليوم الآخر وما فيه: اليوم الآخر هو يوم القيامة، الذي يبعث الناس فيه للجزاء والحساب؛ وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم، ويتضمن الإيمان باليوم الآخر ثلاثة أمور، وهي: الإيمان بالبعث، وهو إحياء الموتى، (٣) تفسير السمر قندي ٩٨/٣. www. modoee.com ٤٢٥ حرف الحاء حيث ينفخ في الصور، فيقوم الناس من بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٤٢]. قال الماوردي: ((فيه وجهان: أحدهما: قبورهم أحياء؛ ليحاسبهم الله على أعمالهم. يعني: بقول الحق. الثاني: بالبعث الذي هو حق))(٣). الإيمان بالجزاء والحساب، فيحاسب الله العبد على عمله حينما ينصب الله الميزان. وواضح أن كلا المعنيين يتناسب مع الإيمان بالجنة والنار، وأنهما المآل سياق الآية الكريمة. الأبدي للخلق. يلحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بأشراط الساعة، وما في القيامة من أهوال، والإيمان بما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه (١). الأمور حق، فأثبت أن الموت حق، قال عز وجل: ﴿وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ يِلَقِ﴾ [ق: ١٩]. قال البغوي: ((﴿وَجَدَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ، غمرته وشدته التي تغشى الإنسان، وتغلب على عقله، ﴿يَاَلَقّ﴾، أي: بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة؛ حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان، وقيل: بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة)»(٢). ويتبين لنا أن المعاني الثلاثة تحتملها الآية الكريمة. کما أثبت القرآن الکریم أن البعث حق، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ (١) انظر: الطريق إلى الإسلام، محمد الحمد ص٦٨. (٢) معالم التنزيل ٤/ ٢٧٣. وأكد القرآن الكريم -كذلك- على أن الجزاء والحساب والميزان حق، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَيِدٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. قال الثعالبي: ((والوزن الحق ثابت وقد أثبت القرآن الكريم أن كل هذه وظاهر ﴿يَوْمَيذٍ﴾ أي: يوم القيامة، قال جمهور الأمة: إن الله عز وجل أراد أن یبین لعباده أن الحساب والنظر يوم القيامة هو في غاية التحرير ونهاية العدل، بأمر قد عرفوه في الدنیا، وعهدته أفهامهم»(٤). كما أكد القرآن على أن الله سبحانه وتعالى يقضي بين الخلائق بالحق الذي هو العدل، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِكَلَقِ﴾ [الزمر: ٧٥]. ومعنى الآية: أن الله قضى بين النبيين الذین جيء بهم، والشهداء، وأممها بالعدل، فأسكن أهل الإيمان بالله وبما جاءت به رسله الجنة، وأهل الكفر به وبما جاءت به (٣) النكت والعيون ٣٥٨/٥. (٤) الجواهر الحسان ٩/٣. ٤٢٦ مَوَسُولَةُ النَِّ الْقُرآن الكَرِيْمِ الحق رسله النار (١). وفي نهاية الأمر نؤكد على أن الأحداث التي تجري يوم القيامة تؤكد على أن المالك الحقيقي لهذا الكون هو الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِدٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]. والمراد من الآية أن يوم القيامة إذا بدت أهوالها، وظهرت للمبعوثين أحوالها، علموا وتحققوا ذلك اليوم أن الملك للرحمن، ولم يتخصص ملكه بذلك اليوم، وإنما علمهم ويقينهم حصل لهم ذلك اليوم(٢). ويتضح من خلال ما سبق أن أركان الإيمان بدءًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلها حق اليقين، وهذا ما أكده القرآن الكريم، ولا جدال ولا ريب في ذلك. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٤/٢١. (٢) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٦٣٣. الحق في الإخبار عن قصص السابقين القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الذي لم ينله التحريف ولا التبديل كغيره من الكتب السماوية، فقد ذکر أنباء من سبق من الأمم والجماعات والأنبياء والأحداث التاريخية بوقائعها الصحيحة الدقيقة، كما يذكر شاهد العيان مع طول الزمن الذي يضرب في أغوار التاريخ إلى نشأة الكون الأولى، بما لا يدع مجالًا لإعمال الفكر، ودقة الفراسة. ولم يعاصر محمد صلى الله عليه وسلم ذلك النبي الأمي تلك الأمم، وهذه الأحداث في قرونها المختلفة، حتی یشهد وقائعها، وينقل أنباءها، كما لم يتوارث كتبها ليدرس دقائقها، ويروي أخبارها. سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا گُنتَ ھَاِبٍ اَلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ ﴿ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَطَاوَلَ عَلِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنتَ تَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٤ - ٤٥]. بل هي أخبار الغيب جاءت لتثبت صدق الوحي وصدق النبوة. قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَ اٌلْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]. www. modoee.com ٤٢٧ حرف الحاء غَحْنُ نَقْصٌ عَلَيْكَ وقال سبحانه وتعالى: ﴿ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ اٌلْفَفِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. فهذه الآيات وغيرها وردت في کتاب الله سبحانه وتعالى لتثبت أن ما ذكره القرآن الكريم من أخبار الأمم السابقة حق لا خيال فيه (١)، وبالتالي فإن القرآن حق، وأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق لا شك في ذلك ولا ريب. أولًا: الحق في الإخبار عن الأمم السابقة: ومن الأمثلة التي تؤكد ذلك قوله عز وجل: ﴿َّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم ◌ِآلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى﴾ [الكهف: ١٣]. يقول الطبري: ((نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين آووا إلى الكهف بالحق، يعني: بالصدق واليقين الذي لا شك فيه ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ﴾ يقول: إن الفتية الذين آووا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من (١) انظر: مباحث في علوم القرآن، مناع القطان ص٤٣. مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم، ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدِّى﴾ يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانًا وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدینهم إلی الله، وفراق ما كانوا فيه من رغد العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل»(٢). ومن الأمثلة أيضًا: ما ورد في شأن ابني آدم عليه السلام، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٧]. یقول ابن كثير: ((يقول الله سبحانه وتعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه -في قول الجمهور- وهما: هابيل وقابيل، كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله، بغيًا عليه وحسدًا له فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ﴾ أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم، وهما: ٤٢٨ جوبيى القرآن الكريم (٢) جامع البيان ١٧ /٦١٥. الحق هابيل وقابيل، فيما ذكره غير واحد من قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]. السلف والخلف، وقوله: ﴿پآلحَقِ﴾ أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه، ولا کذب، ولا وهم ولا تبدیل، ولا زيادة ولا نقصان، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ اَلْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]. و کان من خبرهما، فیما ذكره غیر واحد من السلف والخلف، أن الله سبحانه وتعالى قد شرع لآدم عليه السلام أن یزوج بناته من بنیه لضرورة الحال، ولکن قالوا: کان یولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل ذميمة، وأخت قابيل مضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانًا، فمن يتقبل منه فهي له، فقربا له))(٢). فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قضى الله في كتابه))(١). ثانيًا: الحق في الإخبار عن الأنبياء السابقين: أكد القرآن الكريم أن الأنبياء السابقين حق من عند الله سبحانه وتعالى، ومن الأمثلة التي تؤكد أن القصص القرآني حق لا جدال فیه، حدیثه عن عیسی علیه السلام، (١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٨٢. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره هذا الذي بينت لكم صفته، وأخبرتكم خبره من أمر الغلام الذي حملته مریم هو عیسی بن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو ﴿قَوْلَ اَلْحَقِّ﴾ يعني: أن هذا الخبر الذي قصصته عليكم قول الحق، والكلام الذي تلوته علیکم قول الله وخبره، لا خبر غيره الذي يقع فيه الوهم والشك، والزيادة والنقصان، على ما كان يقول الله تعالى ذكره فقولوا في عيسى أيها الناس: هذا القول الذي أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذین زعموا أنه لغیر رشدةٍ، وأنه كان ساحرًا كذابًا، ولا ما قالته النصارى: من أنه كان لله ولدًا، وإن الله لم يتخذ ولدا، ولا ينبغي ذلك يتضح مما سبق أن الأخبار التي نقلها القرآن الكريم عن الأمم السابقة ليس فيها مجال للتحريف أو التبديل والتغيير، بل هي أخبار صادقة حقة؛ لأنها من عند الله سبحانه وتعالى. (٢) جامع البيان ١٥/ ٥٣٤. www. modoee.com ٤٢٩ حرف الحاء الحق في المعاملات اقترن لفظ الحق بالآيات التي تتناول الحديث عن المعاملات الإسلامية، التي أكدت على وجوب إخراج هذا الحق، سواء كان هذا الحق في المال أو في الحكم والقضاء بين الناس، فلا يكون إلا من منطلق کتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. أولًا: الحق في الأحكام الشرعية: يرى العلماء أن الحكم الشرعي هو: ((خطاب الله سبحانه وتعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلبًا، أو تخييرًا، أو وضعًا))(١). وتنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية، ووضعية. فالتكليفية خمسة: الإيجاب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة. أما الوضعية فهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح، والفاسد(٢). وقد اقترن لفظ الحق في القرآن الكريم بالعديد من الأحكام الشرعية، ومن هذه الأحكام ما يأتي: الواجب: هو ما طلب الشارع فعله من المکلف طلبًا حتمًا، بأن اقترن طلبه بما يدل علی تحتیم فعله، کما إذا كانت صيغة الطلب (١) علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف ص١٠١. (٢) انظر: المعتصر من شرح مختصر الأصول، محمود المنياوي ص ١٥. نفسها تدل على التحتيم، أو دل على تحتيم فعله ترتيب العقوبة على تركه، أو أية قرينة شرعية أخرى(٣). ومن الأمثلة التي تؤكد اقتران الحق بالواجب، قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَحْكُر بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٢]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ. يَوْمَ حَصَادِهِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَشَاتِ ذَا الْقُرْبَىِ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: ٣٨]. التحريم: المحرم هو ما طلب الشارع الكفّ عنه طلبًا حتمًا، بأن تكون صيغة طلب الكف نفسها دالة على أنه حتم (٤). ومن الأمثلة التي تؤكد اقتران الحق بالمحرم ما ورد عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْثُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِءَ لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُشْرِفِ فِيِ اٌلْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. يتبيّن مما سبق أن لفظ الحق اقترن ببعض الأحكام الشرعية كالإيجاب والتحريم، وهذا يؤكد على مدى ثبات الأحكام (٣) علم أصول الفقه، عبدالوهاب خلاف ١٠٥. (٤) المصدر السابق ص ١١٣. ٤٣٠ القرآن الكريم