النص المفهرس

صفحات 21-40

الحفظ
كان تقييده بهم لغوًا. ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم وسائر أنبيائه من قبله
تعالى: ﴿فَالصََّلِحَتُ قَيِنَتُّ حَفِظَتُ ما خوّفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم
بسوء؟(٤).
لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اَللّهُ﴾ [النساء: ٣٤]؛ أي:
حفظ الله عز وجل نوحًا عليه السلام :
حافظاتٌ لأنفسهنّ عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ
فهو سبحانه قد حفظ نوحًا عليه السلام،
ولم يزل يحوطه بكلاءته ورعايته؛ إذ كذبه
قومه، ﴿فَدَهَا رَبَّهُ أَنِ مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:
١٠].
في فروجهنّ وأموالهم، وللواجب عليهنّ
من حقّ الله في ذلك وغيره ﴿بِمَا حَفِظَ
اللّهُ﴾ أي: بحفظ الله إياهنّ إذ صيّرهنّ
كذلك(١). وقد صرن كذلك لصلاحهنّ.
ومن حفظ الله لأوليائه أن يحول بينهم
وبين المعصية؛ قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ
اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛
قال ابن عبّاس والضحّاك بن مزاحم: ((يحول
بین المؤمن وبین معصیته»(٢).
ومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه أنّ
العبد قد یسعی في سبب من أسباب الدنيا
إما الولايات أو التجارات ونحوها؛ فیحول
الله عز وجل بينه وبين ما أراد لما یعلم له
من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر مع كراهته
لذلك. وأعجب من هذا أنّ العبد قد يطلب
بابا من أبواب الطاعات ولا یکون له فيه خير
فیحول الله بينه وبينه وهو لا يشعر (٣).
وأولى الأولياء بالحفظ والنصرة هم
الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
وَيُحَوِّفُونَكَ بِأَلَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾ [الزمر:
٣٢]، أي: أليس الله بكافٍ عبده محمدًّا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦ / ٦٩٢ - ٦٩٤.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠٩/١١ -١١٠.
(٣) نور الاقتباس، ابن رجب ص ٦٢.
فأوحى إليه ﴿أَنْ أَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا
وَوَحْيِنَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]؛ أي: بمرأى منّا
ويحفظنا (٥)، ثمّ لما قضي الأمر، وفاض
الموج کالجبال أنجاه ومن معه من المؤمنین
في الفلك ﴿قَبْرِى ◌ِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
محفوظةً بكلّ من فيها؛ لتبقى آيةً
للعالمين.
حفظ الله عز وجل خليله إبراهيم عليه
السلام :
ويحفظ الله عز وجل خليله إبراهيم
-وهو الفتى الفذّ- عن الضلال بمعتقد قومه،
وَكَذَلِكَ نُرِىّ ◌َِهِيمَ مَلَكُوتَ اُلسَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥].
فيقلّب لهم وجوه الحجج، ويصرّف
لهم البراهين على وحدانية الله عز وجل،
فيخوّفونه، ولكنّه - وقد ربط الله على قلبه
بالإيمان- يجابههم؛ ﴿قَالَ أَتُحَجُونِ فِ اللَّهِ
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٠٩/٢٠.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٧٣.
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الحاء
وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِ إِلَّآ أَنْ
يَشَآءُ رَّي شَيْئاً وَسِعَ بَنِى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَّاً
أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم ◌ِاَللَّهِ مَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ بِلْأَمْنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
◌ُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
وهو - في كلّ مرّة- يقيم عليهم الحجّة،
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ* إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ
أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَنَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾﴾ [العنكبوت: ٢٤].
ثمّ يحفظ الله إبراهيم في زوجه سارة
حين أرادها أحد الملوك الجبابرة على
نفسها (١)، ويحفظه في زوجه هاجر وولده
إسماعيل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ
هَذَا أَلْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ
اَلْأَصْنَامَ ثْ رَبِّ إِنَهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ
فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ، مِنِىٌّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ٦ زَبَنَا إِنْ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِيِ بِوَادٍ
غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ
الصَّلَوةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ
وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ :
[إبراهيم: ٣٥-٣٧].
فيحفظه الله عز وجل في زوجه وابنه
(١) كما صحّ بذلك الحديث عند البخاري في
صحيحه، كتاب البيوع، باب شراء المملوك
من الحربيّ وهبته وعتقه، رقم ٢٢١٧.
إسماعيل، ويفجّر لهما بئر زمزم، ويبشّر
الملك هاجر: «لا تخافوا الضّيعة؛ فإنّ ها
هنا بيت اللّه يبني هذا الغلام وأبوه، وإنّ اللّه
لا يضيع أهله»(٢).
حفظ الله عز وجل يوسف عليه السلام :
حفظ الله عز وجل يوسف عليه السلام إذ
أجمع إخوته أن يجعلوه في غيابات الجبّ،
وهم الذين ما أقنعوا أباه بإرساله معهم إلا
بعد أن أكّدوا له أنّهم حافظوه: ﴿أَرْسِلْهُ
مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَّهُ لَحَفِظُونَ﴾
[يوسف: ١٢].
فقيّض الله له بعض السيّارة، فالتطقوه،
وباعوه إلى أحد رجال الدّولة في مصر،
وكان من أمر امرأة العزيز أن راودته عن
نفسه، فحفظه الله عز وجل وصرف عنه
السوء والفحشاء: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾
[يوسف: ٢٤]؛ فمن أخلص لله خلّصه من
السوء والفحشاء وعصمه منهما من حیث لا
يشعر، وحال بينه وبين أسبابهما(٣).
ولمّا سووم على فعل الفاحشة أو
السجن ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَفِيّ
إِلَيْهٌ وَإِلَّا تَصْرِفِ عَنِّى كَيْدَ هُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُ مِّنَ
اَلَْهِينَ ) فَأَسْتَجَابَ لَهُرَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ
إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ يوسف: ٣٣-٣٤].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب ٩، رقم ٣٣٦٤.
(٣) انظر: نور الاقتباس، ابن رجب ص ٥٨.
مُوسُو حَد النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٦٦

الحفظ
وهو حفظ وإن بدا في ظاهره لبعض
الناس بلاءً، فإنّ البلاء بسجنٍ يسلمه إلى
الجنّة خيرٌ من دعةٍ ورغدٍ في المعصية ينزع
عنه به منشور الولاية، ویتردّى به في النار.
ثمّ يمكّن الله له في الأرض، ويؤتيه من
الملك ويعلّمه من تأويل الأحاديث ويتمّ
نعمته علیه وعلى آل يعقوب کما أتمّها على
آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.
حفظ الله عز وجل الكليم موسى عليه
السلام :
وحفظ الله عز وجل موسى بأنواع الحفظ
والكلاءة؛ فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى
إذاًوحینآ إِلَى أُمِّك مَايُوحَى ﴾﴾ أَنِ اقْذِفِیهِ فِ
٣٧
اُلْتَّابُوتِ فَأَقْذِفِيهِ فِ اَلْيَمْ فَلْيُلْقِهِ اَلْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ
عَدُوَّلِ وَعَدُوٌّلَّهُ, وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِى وَلِنُصْنَعَ
إِذْ تَمْشِىّ لُمْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ
٣٩
عَلى عيقى
أَدُلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمْ
وَفَتَّكَ فُونَا فَلَبِئْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ
عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى ١٥) وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه:
٣٧-٤١].
وَأَِى هَرُونُ هُوَ
٣٣
فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
أَفْصَحُ مِنِى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَّعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ إِنّ
أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ
◌ِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا
◌ِثَايَئِنَّآ أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
[القصص: ٣٣ -٣٥].
ثمّ تتجلّى عظمة الحفظ والكلاءة حين
سرى بالمؤمنين فارًا من بطش فرعون
وجنوده، فأتبعوهم؛ حتّى كان الغرق أمامهم
وحصد الأسنّة والسيوف خلفهم، ﴿فَلَمَّا تَرَّهَا
الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْ رَكُونَ ﴾ قَالَ
كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِِّ سَيَهْدِينِ ، فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى
أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَلَّوْرِ الْعَظِيمِ ) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (١)
وَأَنْجَّنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أَجْمَعِينَ (٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا
الْآَخَرِينَ ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم
مُؤْمِنِينَ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾
٦٧
[الشعراء: ٦١-٦٨].
حفظ الله عز وجل عيسى عليه السلام :
وحفظ عيسى عليه السلام حين قام في
قومه مذكّرًا بنعم الله عز وجل علیهم، وبما
جاءهم به من الآيات البيّنات والمعجزات
فحمله في اليمّ، وربّاه في بیت عدوّه،
وردّه إلى أمّه، وساق إليه من أقصى المدينة
من يحذّره ترصّد أعدائه به، فألجأه إلى
مدین، وقیّض له عبدًا صالحًا يحفيه ویزوّجه
ابنته. ثمّ بعثه الله رسولًا إلی فرعون وقومه،
الواضحات، فمكروا به، ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴾ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِ
مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَبُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ
فقال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَثَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الحاء
بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) فَأَمَا الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَأَعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى الذُّنْيَا
وَاْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾ وَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصََّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾ [آل عمران: ٥٢-
٥٧].
فرفعه الله عز وجل إلى السماء، ثمّ ينزل
قبل القيامة؛ ليقتل الدّجّال، ويقيم الملّة
والعدل، ولیعصم الله به المؤمنین من الفتن.
ولم يعهد حفظٌ لبشرٍ بالتشبيه على أعدائه،
ورفعه إلى السماء، كما كان لعيسى عليه
السلام . والله أعلم.
حفظ الله عز وجل للنبي صلى الله عليه
وسلم:
تواردت آيات القرآن على تأكيد حفظ
الله للنبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من
الكفّار، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن ◌َّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ، وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:
٦٧]؛ أي: بلّغ أنت رسالتي، وأنا حافظك
وناصرك ومؤيّدك على أعدائك ومظفرك
بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد
منهم إليك بسوء يؤذيك(١). وعن عائشة
رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله
عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥١/٣-
١٥٢.
﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
رأسه من القبّة، فقال لهم: (يا أيها الناس،
انصرفوا فقد عصمني الله)(٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (کان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل
منزلًا نظروا أعظم شجرة يرونها، فجعلوها
للنبي صلى الله عليه وسلم، فينزل تحتها،
وينزل أصحابه بعد ذلك في ظلّ الشجر،
فبينما هو نازل تحت شجرة -وقد علّق
السيف عليها- إذ جاء أعرابيٌّ، فأخذ السيف
من الشجرة، ثم دنا من النبي صلى الله عليه
وسلم وهو نائم، فأيقظه، فقال: يا محمّد؛ من
يمنعك مني الليلة؟ فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (الله). فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ
مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:
٦٧](٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ
فَإِنَ حَسْبَكَ اللَّهَّ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ،
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب
سورة المائدة، رقم ٣٠٤٦.
وصحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٢٤٨٩.
(٣) أخرجه ابن حبّان في صحيحه، كما في موارد
الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ١/ ٤٣٠، رقم
١٧٣٩.
وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٢٤٨٩.
٣٦٨
القرآن الكريمِ

الحفظ
وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِِينَ ﴾
[الحجر: ٩٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهٌ.
وَيُحَوْفُونَكَ بِلَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَن يُضْلِلِ
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٢].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، والوقائع
في هذا الباب متواترة تربو على الحصر في
هذا المقام. قال الحافظ ابن كثير: ((ومن
عصمة الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه
وسلم حفظه له من أهل مكة وصناديدها
وحسّادها ومعانديها ومترفيها؛ مع شدة
العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلًا
ونهارًا، بما یخلقه الله تعالى من الأسباب
العظيمة بقدره وحكمته. فصانه في ابتداء
الرسالة بعمه أبي طالب، إِذ کان رئيسًا مطاعًا
كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبّةً
طبیعیةً لرسول الله صلی الله علیه وسلم لا
وکبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر
مشترك في الکفر هابوه واحترموه، فلما مات
أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم
قیّض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام،
وعلى أن يتحول إلى دارهم، وهي المدينة،
فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود،
فكلما همّ أحدٌ من المشركين وأهل الكتاب
بسوء كاده الله وردّ كيده عليه، ولما كاده
اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزل عليه
سورتي المعوذتين؛ دواءً لذلك الداء، ولما
سمّ اليهود ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله
به وحماه منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول
ذكرها))(١).
فإن قيل: فأين ضمان العصمة وقد شجّ
جبينه، وكسرت رباعيته، وبولغ في أذاه؟
فالجواب: أنّ الله عز وجل عصمه من القتل
والأسر وتلف الجملة، فأمّا عوارض الأذى
والمرض، فلا تمنع عصمة الجملة (٢).
حفظ الله عز وجل أصحاب الكهف:
ومن حفظ الله لأوليائه حفظه لأصحاب
الکھف. والمتفگّر في حالھم یجدهم قد
جمعوا في الظاهر كلّ أسباب الضّعف، فهم
فتيةٌ ولو كانوا أكبر من ذلك فربّما صحّ لهم
من التجارب ما يمدّهم بالخبرة والحكنة
لمواجهة ما هم فیه. ولعلّھم لو كانوا أکبر من
ذلك لكان بعضهم قد ارتقى في المناصب
شرعية، ولو كان أسلم لاجتراً عليه كفّارها إلى ما يحصل لهم به منعةٌ، ولكنّهم دون
ذلك سنًّا. وهم مع ذلك قلّةٌ أصحّ ما قيل في
عددهم وأكثره أنهم كانوا سبعة، ولو كانوا
أکثر من ذلك لكانت لهم شوكةٌ يدفعون بها
عن أنفسهم. ولكنّ الله عز وجل قد ربط
على قلوبهم بصدق اليقين وحلاوة الإيمان،
وصانهم في كهفهم؛ ليكونوا لمن خلفهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ١٥٤/٣.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٥٦٩،
مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤٠١.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الحاء
آيَةً على حفظ الله عز وجل أولياءه بعجيب إلى النار. ويبدو أنّهم ضجروا بما يدعوهم
إليه، وخافوا أن يتأثّر به أحدٌ؛ فيكتب لهذا
التقدير ومحكم التدبير.
الصوت المعارض الذيوع والانتشار،
حفظ الله عز وجل مؤمن آل فرعون
رضي الله عنه:
فأخذوا يمكرون به؛ ليئدوا دعوته في
مهدها. ويستشعر هو بفطنة المؤمن وبصيرته
ما يبيّتون، فيختم الجدال معهم بقوله:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَّا أَقُولُ لَكُمَّ وَأَفَوِّضُ
أَمْرِىّ إِلَى اَللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
[غافر: ٤٤].
هو رجلٌ بالتعبير القرآنيّ، ومؤمنٌ
بالوصف الربّانيّ، وإذا كان خير الجهاد كلمة
حقِّ عند سلطانٍ جائٍ؛ فإنّ هذا الرجل أمّةٌ
في الصدع بالحقّ في وجه أمّةٍ لا ترعى في
مؤمنٍ إلَّا ولا ذمَّة. لم يزل يتلطّف مع قومه
في النصح بما يدلّ على حكمته وسعة أفقه
وبصره بمذاهب القول والإقناع، وما أعدل
قوله وأجدله: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ
رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَ كُمْ بِالْبَغِنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن
يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِن يَكُ صَادِقًا
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَتَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨].
ولم یزل یحذّرهم مغبّة كفرهم وعنادهم
وتعاميهم عن الحقّ الواضح المبين، ولم
يزل يخوّفهم مصائر قوم نوح وعاد وثمود
وغيرهم ممّا كانوا يعلمون ومما لا يعلمون،
ثمّ يخوّفهم هول الیوم الأكبر؛ يوم التنادي،
يوم التصايح والتناوح، وانقطاع الحجّة
بالمبطلين، فيولّون مدبرين؛ ولكن إلى
أين؟ وليس ثمّ من الله عاصمٌ. ويذهب
في مكاشفتهم بعيدًا؛ يوقّفهم على حقيقة
الدنيا، وأنّ الآخرة هي دار القرار والنعيم
وكما وقاه الله عز وجل وحفظ عليه
قلبه أن يتأثّر بشركهم، ويشايعهم على
ضلالهم فقد حفظه ﴿فَوَقَتُهُ اُللَّهُ سَيِّئَاتِ
مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَّءُ اَلْعَذَابِ﴾
[غافر: ٤٥].
حفظ الله عز وجل كنز العبد الصالح
لولدیه:
انطلق موسى والخضر في رحلتهما
﴿حَتَّى إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأ
أَنْ يُضَّيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ
فَأَقَامَةُ، قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا
٧٧
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنَبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ
تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٧ -٨٧].
فكان تعليل الخضر: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
◌ِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّ هُمَا
وَيَسْتَخْرِحَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةٌ مِن رَِّكَّ وَمَا فَعَلْنُّهُ.
المقيم، وأنّ ما هم عليه من الشّرك دعوةٌ عَنْ أَمْرِئَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
مُوسُوبَةُ المَفْسِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٧٠

الحفظ
[الكهف: ٨٢].
قال ابن عبّاس وغيره: ((حفظا بصلاح
أبيهما، وما ذكر منهما صلاحٌ))(١).
فلو أنّ الجدار ترك على حاله لانقضّ،
ولو كان انقضّ لنهبته القرية التي لا يرعى
أهلها قری ضیفین، ولا يقومون به. وما كان
في طوق غلامين يتيمين أن يحفظا كنزهما
من أمثال هؤلاء. فلمّا كان أبوهما صالحًا
قيّض الله عز وجل لهما من أوليائه من يقيم
الجدار حتی یکبرا فیستخرجا كنزهما وقد
اكتسبا من القوّة ما يحميه من النّهبة، ومن
العقل ما يربيه ولا يضيّعه.
(١) جامع البيان، الطبري ٣٦٦/١٥.
حفظ الملائكة
كلّف الله عز وجل ملائكته بأعمالٍ
متنوعةٍ؛ منها ما يتعلّق ببني آدم؛ من لحظة
نفخ الرّوح فيه في رحم أمّه، إلى ما بعد
استقراره في مثواه في دار القرار، فهم الذين
يقومون عليه عند خلقه، ويتوفّونه إذا جاء
أجله، ويتنزّلون على الأنبياء والمرسلين
بالوحي، ويقومون بحفظه وكلاءته بأمر الله
وتدبيره، ويحصون على بني آدم أعمالهم ...
وغير ذلك(٢).
وقد وصف الله عز وجل الملائكة
بأنهم حفظةٌ، فقال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ
حَفَظَةً ﴾ [الأنعام: ٦١].
ووصفهم بأنهم حافظون في قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠].
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّكُلُّنَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾
[الطارق: ٤]؛ على بعض معانيها.
ولحفظ الملائكة بني آدم معنیان؛ الأول:
حفظ الكتابة؛ فهم يحفظون أعمال بني آدم؛
بكتابتها في كتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً،
وهم لا يفرّطون في ذلك شيئًا، وهم يحفظون
رزقه وأجله. والمعنی الثاني: أنھم یکلؤون
بني آدم ويحرسونه بأمر الله وتقديره. ومما
يلتحق بحفظ الكلاءة حفظهم للسماء
وحراستهم لها من الشياطين، وحفظهم
(٢) انظر: عالم الملائكة الأبرار، عمر الأشقر
ص٤١ - ٨٢.
www. modoee.com
٣٧١

حرف الحاء
بعض بقاع الأرض. وفيما يأتي تفصيل من معانيه الرقيب، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ
حَفِيظُ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦].
القول في ذلك.
أولًا: حفظ الكتابة والإحصاء:
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِمُ
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَّىَ إِذَا جَّةَ أَحَدَكُمُ
اَلْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّعُونَ﴾
[الأنعام: ٦١].
ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَتْفِظِينَ
كِرَامًا كَئِينَ آ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:
١٠ - ١٢].
والحفظة والحافظون ملائكةٌ يحفظون
على بني آدم أعمالهم ويحصونها؛ فلا
يفرّطون في حفظ ذلك وضبطه وإحصائه،
ولا يضيّعون(١). وعن قتادة قال: ((حفظةٌ
يا ابن آدم يحفظون عليك رزقك وعملك
وأجلك))(٢). وهو كقوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا
حَافِظٌ ﴾ [الطارق: ٤].
وقد اختار أكثر المفسّرين تفسير حفظ
الملائكة في هذه الآيات بحفظ الكتابة
والضبط والإحصاء، وهو الأقرب إلى
سياقاتها دون حفظ الكلاءة والتعهد
والرّعاية، ويضاف إلى قرينة السياق قرينة
تعدية الحفظ إلى المعمول بحرف الجرّ
(على)؛ لتضمّنه معنى المراقبة. والحفيظ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٩/٩.
(٢) أخرجه الطبري في تفسير ٢٨٩/٩، وابن أبي
حاتم في تفسيره ٤ / ١٣٠٦.
وهذا الاستعمال هو غير استعمال
الحفظ المعدّى بنفسه إلى المفعول؛ فإنّه
بمعنى الحراسة؛ نحو قوله: ﴿يَحْفَظُونَهُمِنْ
أَمْرِ اَللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
فالحفظ بهذا الإطلاق يجمع معنى
الرعاية والقيام على ما يوكل إلى الحفيظ (٣).
وجمع سبحانه الملائكة الحفظة
والحافظين باعتبار أنّ المخاطب جملة
النّاس، وقد وگّل الله عز وجل بكلّ عبد
ملكين يكتبان عمله، ويترصّدانه؛ ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُّوَسّوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَغَمْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، إِذْ يَتَلَقَّ الْمُتَلَفِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ
وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِّبُ
عَبِيدٌ﴾ [ق: ١٦-١٨]؛ أي: عنده رقيبٌ حافظٌ
يرقب أعماله ويحفظها، عتيدٌ؛ أي: حاضرٌ
معه أين ما كان (٤). فالملائكة أقرب إلى
الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله لهم
على ذلك، والمتلقّيان هما الملكان اللذان
یکتبان عمل الإنسان، یترصّدانه عن الیمین
وعن الشمال، فما یلفظ ابن آدم من قول، ولا
یتکلّم بكلمة، إلا وهما يراقبانه ویکتبان عليه
ما لفظه، فما يتركان من كلمة ولا حركة (٥).
(٣) انظر: البحر المحيط ١٥١/٤، والتحرير
والتنوير ٢٧٨/٧، ١٧٩/٣٠ - ١٨٠.
(٤) لوامع الأنوار البهية ١/ ٤٥٠.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧
٣٧٢
جَوَسُولَة النَّفِيَّ
القرآن الكريم

الحفظ
وقد يقال: إنّ الله تعالی غنيُّ بعلمه عن
كتابة الملائكة؛ فما الحكمة منها؟ والجواب
-والله أعلم -: إنّ في الكتابة لطفًا للعباد؛ الحرس من البشر، وعلى كلّ قول منهما
لأنهم إذا علموا أنّ الله رقيب عليهم،
والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكّلون
بهم، يحفظون عليهم أعمالهم، ويكتبونها
في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد
في مواقف القيامة کان أزجر لهم عن القبيح،
وأبعد عن السوء(١).
وعلى كلِّ؛ فإنّ اللّه يفعل ما يشاء،
ويحكم ما يريد، ويجب علينا الإيمان بكل
ما ورد به الشرع، سواء عقلناه أم لم نعقله.
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيمٌ
لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور،
ولولا ذلك لما وكّل بضبط الملائكة الكرام
الحفظة الكتبة ما يحاسب عليه، ويجازي به.
وفيه إنذار وتهويل وتشويرٌ للعصاة ولطف
للمؤمنين(٢).
ثانيًا: حفظ الكلاءة والحراسة:
لله عز وجل ملائكةٌ يحفظون بأمره بني
آدم مما يترصّدهم من المضارّ والآفات إلا
ما قدّر علیهم قدرًا نافذًا؛ فلا راد له من الله.
يقول تعالى: ﴿لَهُ،مُعَقِّبَتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ ﴾ [الرعد: ١١].
/٣٩٨.
(١) الكشاف، الزمخشري ٣٥٦/٢.
(٢) المصدر السابق ٣٣١/٦.
وقد اختلف أهل التفسير في المراد
بالمعقّبات، فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم
تتأتّى وجوه مختلفة.
فقالت طائفة: إنّ المعقّبات هي
الملائكة؛ قاله ابن عباس والحسن ومجاهد
وقتادة وعطاء وابن جريج وغيرهم(٣).
وقيل: لهم ﴿مُعَقِبَتٌ﴾؛ لأنّهم يتعاقبون مرّة
بعد مرّة، وذلك أنّ ملائكة اللیل إذا صعدت
أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار
صعدت ملائكة النهار فأعقبتها ملائكة
الليل (٤). ومن عمل عملاً ثم عاد إليه فقد
عقّب، والتعقيب أن يأتي بشيءٍ بعد آخر،
والمعقبات من الإبل اللواتي يقمن عند
أعجاز الإبل المعتركات على الحوض،
فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى (٥).
ويدلّ على هذا المعنى قول النبي صلى الله
علیه وسلم: (یتعاقبون فیکم ملائكة بالليل
وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر
وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم،
فيسألهم ربهم؛ وهو أعلم بهم: كيف تركتم
عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون،
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٥٦/١٣-
٤٥٩، تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣٠.
(٤) انظر: معاني القرآن، الفرّاء ٢/ ٦٠، جامع
البيان، الطبري ١٣ / ٤٥٦.
(٥) انظر: الصحاح، الجوهري ١٨٦/١،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٤٢.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الحاء
وأتيناهم وهم يصلّون)(١).
ثمّ يختلف القول في تفسير الآية عند من
قال: إنّ المعقّبات هم الملائكة؛ فإذا كان
الضمير من ﴿لَهُ﴾ يعود على اسم الله عز
وجل يكون المعنى: لله ملائكة تتعاقّب في
العباد يحفظونهم، وإذا كان الضمير يعود على
العبد المستخفي بالليل والسارب بالنهار
المذكور قبلًا؛ تكون اللام للاختصاص؛
أي: إنّ للعبد ملائكةً يحفظونه؛ لتكلیف الله
لهم بذلك. ثم اختلفوا في قوله تعالى: ﴿مِنْ
أَمْرِ اَللَّهِ﴾، فقال بعضهم: يحفظونه بأمر الله
وبإذنه، أو عن أمر الله، يعني: حفظهم هذا
عن أمر الله لا من عند أنفسهم، وهو راجعٌ
للأوّل. فیکون المعنی: إنّ لله ملائكة أمرهم
بحفظ عباده مما يترصّدهم من المضارّ
والآفات، فهو توكيل الملائكة بهم لحفظهم
من الوحوش والهوامّ والأشياء المضرّة؛
لطفًا منه بهم، فإذا جاء القدر خلّوا بينه وبينه،
قاله عليٌّ وابن عباس رضي الله عنهم، وجاء
رجل من مرادٍ إلى عليٍّ رضي الله عنه فقال:
«احترس فإن ناسًا من مراد يريدون قتلك.
فقال: إنّ مع کل رجل ملکین یحفظانه ما لم
يقدّر، فإذا جاء القدر خلّیا بینه وبین قدر الله،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب فضل صلاة العصر، رقم ٥٥٥،
ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب
فضلٍ صلاتي الصبح والعصر، رقم ٦٣٢،
عند أبي هريرة رضي الله عنه.
وإن الأجل حصنٌ حصينة))(٢).
وقيل: المعقّبات هي من أمر الله،
وهي الملائكة؛ أي: له معقباتٌ من أمر
الله يحفظونه؛ ففي الكلام تقدیم وتأخیرٌ،
وحاصل هذا القول كسابقيه، ولا تعارض (٣).
وقيل: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ على بابها؛ أي:
يحفظونه من ما أمر به الله؛ أي: يحفظونه من
ملائكة العذاب؛ حتى لا تحلّ به عقوبة؛ لأنّ
الله لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى
يغيّروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإن
أصرّوا حان الأجل المضروب ونزلت بهم
النقمة، وزالت عنهم الحفظة المعقّبات (٤).
وملائكة العذاب من أمر الله، وخصّهم بأن
قال: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ لأنّهم غير معاينين،
قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى﴾[ الإسراء: ٨٥
]؛ أي: ليس مما تشاهدونه أنتم(٥).
وقيل: يحفظونه من الجن، وأمر الله
الجنّ. قال كعب: ((لولا أنّ الله وكّل بكم
ملائکة یذبون عنکم في مطعمکم ومشربکم
وعوراتكم لتخطفتكم الجنّ))(٦).
ويحتمل أنّ هؤلاء الملائكة الحرس
مما يخصّ كل إنسان؛ كالحفظة الكاتبين،
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٣ /٤٦٦.
(٣) معاني القرآن، الفرّاء ٢/ ٦٠.
(٤) تفسير مقاتل ٣٦٩/٢.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨/١٢-
٢٩.
(٦) جامع البيان، الطبري ٤٦٥/١٣ -٤٦٦.
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٣٧٤

الحفظ
ويحتمل أن يكون من جملة الملائكة لجملة في الصور، ونؤمّنكم يوم البعث والنشور،
ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم
الناس(١).
إلى جنات النعيم))(٣). قال السدّيّ، في
معناه: ((نحن الحفظة الذين كنّا معكم في
الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة»(٤).
والقول الثاني: أنّ المعقبّات هم الحرس
من البشر الذین یکونون بين يدي السلاطين
والأمراء یحتمون بهم من أمر الله، ولن یغنوا
عنهم من الله شيئًا إذا جاء أمر الله، ونفذ
قدره، فإنّ الله إذا أراد بقوم سوءًا فلا مردّ له
وما لهم من دونه من والٍ، فالمذكور ملك
من ملوك الدنیا له حرس من دونه حرس،
ومواکب من بين يديه ومن خلفه، وهو
مرويُّ عن ابن عباس وعكرمة (٢).
وقال تعالى: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَوِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ
أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:
٣١].
وهو خطابٌ من الملائکة للعبد المسلم،
وذهب جمهور العلماء إلى أنّ قول الملائكة
هذا إنما يكون عند الاحتضار، قال ابن كثير:
«تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار:
نحن كنّا أولياءكم، أي: قرناءكم في الحياة
الدنيا، نسدّدكم ونوفّقكم ونحفظكم بأمر
الله، و کذلك نكون معکم في الآخرة نؤنس
منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة
(١) انظر: إكمال المعلم، القاضي عياض
٥٩٨/٢، الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي
٠٨٩٦/٣
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ /٤٦٥، تفسير
ابن أبي حاتم ٢٢٢٩/٧ - ٢٢٣٠.
قال ابن القيم: «فالملك يتولّى من يناسبه
بالنصح له والإرشاد، والتثبيت، والتعليم،
وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوه
عنه، والاستغفار له إذا زلّ، وتذكيره إذا
نسي، وتسليته إذا حزن، وإلقاء السكينة
في قلبه إذا خاف، وإيقاظه للصلاة إذا نام
عنها، وإيعاد صاحبه بالخير، وحضّه على
التصديق بالوعد، وتحذيره من الركون إلى
الدنیا، وتقصير أمله، وترغيبه فيما عند الله.
فهو أنيسه في الوحدة، ووليّه ومعلّمه ومثبته،
ومسكّن جأشه، ومرغّبه في الخير، ومحذّره
من الشرّ، يستغفر له إن أساء، ويدعو له
بالثبات إن أحسن، وإن بات طاهرًا يذكر الله
بات معه في شعاره، فإن قصده عدو له بسوء
وهو نائم دفعه عنه))(٥).
فهذا حفظٌ خاصٌّ وولايةٌ معقودةٌ من
الملائكة للمسلم، لا يشاركه فيها من بني آدم
إلا من كان مسلمًا. فهي تختلف عن الكلاءة
العامّة من الملائكة لبني آدم.
ومن حفظ الملائكة لبني آدم حراستهم
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ١٧٧.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٢٨.
(٥) روضة المحبين ص ٣٦٧-٣٦٨.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الحاء
للسماء من استراق الشياطين، هو مذكورٌ للمسلمين المعتصمين -يومئذ- بمكّة
والمدینة، والله أعلم.
على لسان مؤمني الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ
فَوَجَدْنَهَا مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾﴾ [الجنّ:
٨].
قال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن الجن يا طوبى للشام، قالوا: يا رسول الله وبم
حین بعث الله رسوله محمدًا صلی الله علیه
وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه
له أنّ السماء ملئت حرسًا شديدًا، وحفظت
من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن
ومن حفظ الملائكة للمسلمين قتالهم
مع المؤمنين وتثبيتهم عند ملاقاة العدوّ؛
﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ فَشَبُِّوا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا
يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة
الكهنة، فیلتبس الأمر ويختلط، ولا یدری
من الصادق. وهذا من لطف الله بخلقه،
ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز))(١).
ومن حفظ الملائكة حراستها لمكة
والمدينة من الدجّال؛ عن أنس بن مالك
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدّجّال
إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا
عليه الملائكة صافّين يحرسونها، ثم ترجف
المدینة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله کل
كافر ومنافق)(٢). وهذا من الحفظ الخاصّ
(١) تفسير القرآن العظيم، ٢٤٠/٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة، رقم
١٨٨١، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن
وأشراط الساعة، باب حديث الجسّاسة، رقم
٢٩٤٣.
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنّ النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (يا طوبى للشام،
ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها
على الشام)(٣). أي: حفظًا لها عن الشرور،
واستجلابًا لكل خير، تجلب إليه الخيرات
وتدفع عنه الهلکات(٤).
ومن حفظ الملائكة للمؤمنين دعاؤهم
لهم؛ ﴿هُوَ أَلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ.
لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وفي دعاء الملائكة للمؤمنين بالرحمة
حفظٌ لهم، ودعاء الملائكة مرجوّ الإجابة
بإذن الله، فكان دعاء الملائكة للمؤمنين
أحد أسباب الحفظ في الدّنيا والآخرة.
حفظ الملائكة: هدایات ودلالات:
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٨٣/٣٥،
رقم ٢١٦٠٦، والترمذي في سننه، أبواب
المناقب، باب في فضل الشام واليمن،
٧٣٤/٥، رقم ٣٩٥٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٧٢٨/٢، رقم ٣٩١٨.
(٤) التنوير شرح الجامع الصغير ٧/ ١٤٤.
مَوَسُولَرَا
القرآن الكريم
٣٧٦

الحفظ
في حفظ الملائكة لبني آدم وكلاءتهم
لهم، وكتابتهم عليهم أعمالهم وأرزاقهم
وآجالهم، فإنّ تأمّلہ یثمر له أطايب الثمر،
ويعود علیه بأماثل العبر، فمن ذلك:
من الواجب على المسلم أن يتأمّل وهو النفاسة في النوع؛ فالكرم صفتهم
النفيسة الجامعة للكمال في المعاملة وما
يصدر عنهم من الأعمال. وأمّا صفة الكتابة
فمرادٌ بها: ضبط ما وكّلوا على حفظه ضبطًا
لا يعتریه نسیانٌ ولا إجحاف ولا زیادة. وأما
صفة العلم بما يفعله الناس فهو: الإحاطة
الهداية الأولى:
بما يصدر عن الناس من أعمال، وما يخطر
بیالهم من تفکیر مما يراد به عمل خير أو
شرِّ، وهو الهمّ. وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾
يعمّ كل شيء يفعله الناس، وطريق علم
الملائكة بأعمال الناس مما فطر الله عليه
الملائكة الموگّلين بذلك.
يجب على المسلم أن يستحيي من هؤلاء
الحافظین الکرام، وأن یکرمهم ویجلّهم أن
يروا منه ما يستحيي أن يراه عليه من هو مثله.
والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا
کان ابن آدم یتأذّی ممن يفجر ویعصي بین
یدیه -وإن كان قد یعمل مثل عمله- فما
الظنّ بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟!(١).
الهداية الثانية:
يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
١٠
كِرَامًا كَئِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾
[الانفطار: ١٠- ١٢].
فأجرى سبحانه وتعالى على الملائكة
الموكّلين بإحصاء أعمال بني آدم أربعة
أوصاف؛ هي: الحفظ والكرم والكتابة
والعلم بما يعلمه الناس. وابتدئ منھا بوصف
الحفظ؛ لأنّه الغرض الذي سيق لأجله
الكلام الذي هو إثبات الجزاء على جميع
الأعمال، ثم ذكرت بعده ثلاث صفات بها
كمال الحفظ والإحصاء، وفيها تنوية بشأن
الملائكة الحافظين. ثمّ وصفهم بالكرم،
(١) انظر: الداء والدواء، ابن القيم ص ٢٥٦.
ويستهدى بذلك في أنّ هذه الصفات
الأربع هي عماد الصفات المشروطة في
كلّ من يقوم بعمل للأمّة من الولاة وغيرهم،
فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا علیه،
فيجب أن يكونوا أمناء حافظين، طاهري
النّفس والفطرة، ضابطين لما يجري على
أیدیھم؛ بأن یکون ما يصدرونه مكتوبًا
مضبوطًا لا يستطاع تغييره، فيمكن لكلّ
من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في
مغيبه أن يعرف ماذا أجرى فيه من الأعمال.
وهذا أصلٌ عظيمٌ في وضع الملفات للنوازل
والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة،
ودفاتر الشهود، والخطاب على الرسوم،
وإخراج نسخ الأحكام والأحباس وعقود
النكاح.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الحاء
كذلك؛ يجب أن يكونوا على علم
كافٍ بما يتعلق بالأحوال التي توكل
إليهم أماناتها؛ بحيث لا يستطيع أحد من
المخالطین أن یموّه علیھم شيئًا، أو أن يلبس
الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما
يمكن. ويختلف العلم المطلوب باختلاف
الأعمال؛ فيقدّم في كل ولاية من هو أعلم
بما تقتضيه ولايته من الأعمال، وما تتوقف
عليه من المواهب والدراية، فليس ما يشترط
في القاضي يشترط في أمير الجيش مثلًا،
وبمقدار التفاوت في الخصال التي تقتضيها
إحدى الولايات يكون ترجيح من تسند
إليه الولاية على غيره؛ حرصًا على حفظ
مصالح الأمة، فيقدّم في كل ولاية من هو
أقوى كفاءة لإتقان أعمالها وأشد اضطلاعًا
بممارستها(١).
كذلك؛ يستهدى به في أهمية الكتابة
للمعاملات المالية والتجارية كالديون
والشراكات والإجارات والوكالات، ونحو
ذلك. وقد جاءت أطول آية في القرآن
الکریم في بيان ذلك والحثّ عليه وتفصيل
بعض الأحكام المتعلّقة به، وفيها تعليل
لأهمية الكتابة بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَط
عِنْدَ اَللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّ تَرْتَابُواْ﴾
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
٣٠/ ١٧٩ - ١٨١.
[البقرة: ٢٨٢].
الهداية الثالثة: لوازم الإيمان بحفظ
الملائكة:
حفظ الملائكة فيه إثبات للبعث؛ فهو
عليهم في حقيقتها. فيجب أن ينتفي عنهم كالدليل على إثباته؛ لأنّ إقامة الحافظ
تستلزم شيئًا يحفظه، وهو الأعمال خيرها
وشّها، وذلك يستلزم إرادة المحاسبة
عليها، والجزاء بما تقتضيه جزاءً مؤخرًا بعد
الحياة الدنيا؛ لئلا تذهب أعمال العاملين
سدّى، وذلك يستلزم أنّ الجزاء مؤخرً إلى ما
بعد هذه الحياة؛ إذ المشاهد تخلّف الجزاء
في هذه الحياة بكثرة، فلو أهمل الجزاء لكان
إهماله منافيًا لحكمة الإله الحكيم مبدع هذا
الكون، قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وهذا الجزاء المؤخّر يستلزم إعادة الحياة
للذوات الصادرة منها الأعمال(٢).
الهداية الرابعة: من أسباب تحصيل
الحفظ الخاصّ للملائكة:
الإيمان والاستقامة سبب تحصيل
ولاية الملائكة للعبد المسلم؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ
قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ
نحنَ
بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ )
أَوْلِيَآؤُّكُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ﴾
[فصلت: ٣٠-٣١].
(٢) المصدر السابق ٢٦٠/٣٠.
٣٧٨
جَنُور
القرآن الكريم

الحفظ
و کلّ ما یقرّب العبدمن ربّه فهو من أسباب فلما أکثر ردّ علیه بعض قوله، فغضب النبي
صلى الله عليه وسلم وقام فلحقه أبو بكر،
فقال: يا رسول الله، كان يشتمنى وأنت
جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت
وقمت! قال: (إنه كان معك ملكٌ يردّ عنك،
فلما رددتّ علیه بعض قوله وقع الشيطان،
فلم أكن لأقعد مع الشيطان)(٢).
تولّي الملائکة له، ويأتي على رأس ذلك ما
يفعله المرء من خير متعدٍّ نفعه إلى الغير،
فلما كان المرء في حاجة النّاس وتعليمهم
من العلم ما يثبتهم ويحفظهم في أمر دنياهم
وأخراهم؛ كان الملائكة في تثبيته وحفظه
والدّعاء له، والجزاء من جنس العمل. عن
أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله علیه وسلم قال: (إن الله وملائكته وأهل
السماوات وأهل الأرض حتى النملة في
جحرها، وحتى الحوت ليصلّون على معلّم
الناس الخير)(١).
وكلّ ما هو من الطهارة الحسية والمعنوية
فإنّه مما يحصّل به حفظ الملائكة، فمن
الطهارة الحسيّة أن يكون الإنسان طيّب
البدن طاهرًا، حسن الرّيح والملبس.
ومن الطهارة المعنوية طهارة القلب من
أمراضه، وأكل الحلال، وحفظ اللسان عن
الفحش، ومقابلة السيئة بالحسنة طمعًا في
صفح الله وعفوه؛ فعن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر رضي الله عنه
والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فجعل
النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه ويبتسم،
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم،
باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم
٢٦٨٥.
قال الترمذي: (حسن صحیح غریب)). وحسّنه
الألباني في تعليقه على المشكاة، رقم ٢١٣.
ومن ذلك: الإكثار من ذكر الله، وقراءة
آية الكرسيّ قبل النّوم. عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: (و کلني رسول الله صلى الله
عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ،
فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت:
لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم. فذكر الحديث؛ فقال: إذا أويت إلى
فراشك فاقرأ آية الكرسيّ؛ لن يزال عليك من
الله حافظٌ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدقك
وهو كذوب؛ ذاك شيطانٌ)(٣).
ولعلّ في تدبّرها توقيفًا على حكمة
تخصيص آية الكرسيّ بتلك الفضيلة، ففيها
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتُودُهُ، حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:
٢٥٥]؛ أي: حفظ السماوات والأرض وما
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٥/ ٣٩٠، رقم
٩٦٢٤، وجوّد الألبانيّ إسناده في السلسلة
الصحيحة، ٢٧١/٥، رقم ٢٢٣١.
(٣) أخرجه البخاري هكذا مختصرًا، كتاب
بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم
٣٢٧٥.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الحاء
فيهما، فهل يعجزه حفظ مخلوقٍ له من
مخلوق؟! فمن قرأها متدبّرًا كان جديرًا
بتلك الكلاءة بأمر الله. والله المستعان.
حفظ الرسل عليهم السلام
بيّن القرآن الكريم أن وظيفة الرسل هي
تبليغ دعوة الله بلاغًا مبينًا، فقاموا عليهم
السلام بذلك خير القيام، وأعفاهم سبحانه
من مسئولية هداية التوفيق للحق؛ لأنه حق
اختص به سبحانه، وأعفاهم أيضًا من
مسئولية حفظ أعمال العباد ومجازاتهم
عليها، وسوف نبيّن ذلك فيما يأتي:
أولًا: حفظ الرسل للرسالة وتبليغها:
اصطفی الله عز وجل رسلا من النّاس،
فكلّفهم بأداء الرسالة إلى من أرسلهم الله
إليهم من البشر، وفي سبيل ذلك حباهم
بمقوّمات البلاغ، ولا شكّ أنّ الأنبياء
والرسل يمثّلون الكمال البشريّ في أرقى
صوره؛ ذلك أنّ الله اختارهم واصطفاهم
لنفسه، فهم أطهر البشر قلوبًا، وأزكاهم
أخلاقًا، وأجودهم قريحةً، وأحدهم ذهنًا،
وأوفرهم عقلًا، وأقواهم قلبًا، والله أعلم
حيث يجعل رسالته. فجمعوا إلى كمال
الخلق تمام الخلق، وكانوا أوسط الناس
نسبًا في أقوامهم(١).
ومما حبا الله به أنبياءه أن عصمهم بحفظه
إيّاهم بما خصّهم به من صفاء الجوهر، ثم بما
أولاهم من الفضائل الجسمية، ثم بالنّصرة
(١) انظر: الرسل والرسالات، الأشقر ص ٧٤-
٨٣.
٣٨٠
القرآن الكريم

الحفظ
ويتثيبت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم، من المرسلين في هذا الأمر سواءٌ. ولمّا
ذكر الله من سمّى من الأنبياء، قال جلّ
ذكره: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَأْكُرَ
وَالُُّوَّةُ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا
لَيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ ( أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَلُهُمُ أَقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٩-٩٠].
ويحفظ قلوبهم، وبالتوفيق إلى البلاغ(١).
وعصمهم في اعتقادهم أن يشركوا بالله ولو
طرفة عين: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
اَلْخَسِرِينَ ﴾ [الزمر: ٦٥].
وعصمهم من مقارفة الكبائر والصغائر
عمدًا، وعلى ذلك إجماع الأمّة، والأكثرون
على عدم وقوع الذنوب منھم سهوًا.
وقد أجمع من يعتدّ بإجماعه من العلماء
على أنّه لا يجوز على الرسل الكذب في
التبليغ، أو تحریفه، أو التقصير فيه، أو
الخیانة فیه، أو کتمانہ لا عمدًا ولا سهوًا،
وإلا لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع،
ولما تميّز الغلط والسهو من غيره، ولاختلط
الحقّ بالباطل. ومن قال بجواز السهو
والنسيان في التبليغ فمراده عدم منع ذلك
عقلًا، ولكنّه یری عصمتهم عن ذلك بورود
الشرع وإجماع الأمة(٢).
وقال تعالى آمرًا محمّدًا صلی الله علیه
وسلم: ﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
ومحمّدٌ صلی الله عليه وسلم ومن قبله
(١) انظر: المفردات، الرغب الأصفهاني
ص٤٣٨.
(٢) إعلام المسلمين بعصمة النبيين، إسحاق
المكي ص ١٩.
فلم يأمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء
بهم إلا إذا كانوا قد بلّغوا الرسالة وحفظوا
الأمانة.
وأمره بالاقتداء بهم يضيء لنا طريقًا
مهمًّا لفهم مستويات حفظ الرّسالة؛ ذلك
أنّ الله عز وجل أنزل من الرّسالات نسخةً
مسطورةً، وأقام من الأنبياء أسوةً منظورةً
تترجم عن مراد الله، كما في قوله تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ، فلا عبرة
بتبليغ الألفاظ ما لم یکن مراد الله عز وجل
منها واضحًا بيّنًا، ثمّ إنّ الأسوة لا تكتمل إلا
بالترجمة العمليّة السلوكيّة، وهو ما أمر الله
به نبيّه صلى الله عليه وسلم ﴿فَبِهُدَ هُمُ
اقْتَدِهِ﴾، وقد وفّى به النبي صلى الله عليه
وسلم، فوصفه ربّه عز وجل: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وأمر المسلمين بالتأسّي به فقال:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ
لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَاَلْيَوْمَ الْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
www. modoee.com
٣٨١

حرف الحاء
[الأحزاب: ٢١].
وأكّدت أم المؤمنين عائشة بقولها حین
سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم،
فقالت: (كان خلقه القرآن)(١). ولا شكّ أن
الرّسل جميعًا قد بلّغوا وبيّنوا البيان العلميّ
والعمليّ.
قال تعالى في عموم الرسل: ﴿وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهُ
وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اَللّهُ
وَمِنْهُم مَّنْ حَقَتْ عَلَيْهِ السَّلَلَةُ فَسِيرُوا
فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اُلْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
فما حقّت الضلالة على المكذّبين إلا
بعد أن أقام الرسل عليهم الحجّة؛ لأنّ الله
عز وجل يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقّ ◌َبْعَثَ
رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]؛ أي: حتى نبعث
رسولًا فيبلّغ بالبلاغ المبين. فلما أخبر
سبحانه أنّهم قد حقّت عليهم الضلالة،
ووصفهم بالمكذّبين؛ علم أن هؤلاء الرّسل
قد بلغوا رسالاتهم على التمام والكمال.
وهاهو هودٌّ عليه السلام يحذّر قومه:
﴿فَإِنْ تَوَلَوْ فَقَدْ أَبْلَغْتَّكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُمْ
وَيَسْتَخْلِفُ رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًاْ إِنَّرَچِ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ﴾ [هود: ٥٧].
وصالح عليه السلام بعد أن كذّبه قومه،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل،
رقم ٧٤٦.
فحلّ بهم العذاب، ﴿فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ
وَلَكِن لَّا يُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].
وشعيبٌ عليه السلام بعد أن أخذت
الرجفة الكفّار من قومه، ﴿فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ
يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ
لَكُمَّ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَ قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾
[الأعراف: ٩٣].
وقد صحّت الأحاديث بأنّ الرّسل قد
بلّغوا ما أرسلوا به؛ فعن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (يجيء النبيّ يوم القيامة ومعه الرجل،
والنبيّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة،
وأكثر من ذلك؛ فيقال له: هل بلّغت قومك؟
فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل
بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: من
يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيدعى
محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته، فيقال
لهم: هل بلّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم.
فیقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا
نبيّنا فأخبرنا أنّ الرسل قد بلّغوا فصدّقناه.
فذلك قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسًَّا
لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ
﴾ [البقرة: ١٤٣])(٢)
ـدا
عَلَيْكُمْ شَهـ
٠
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١١٢/١٨، رقم
١١٥٥٨، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب
التفسير، باب قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم
أمةً وسطًا)، رقم ١٠٩٤٠.
٣٨٢
جوبيبو
القرآن الكريم

الحفظ
صلی الله عليه وسلم قال: (يجيء نوحٌ
وأمته، فيقول الله تعالى: هل بّغت؟ فيقول:
نعم أي ربّ. فيقول لأمته: هل بلّغكم؟
فيقولون: لا، ما جاءنا من نبيِّ. فيقول لنوح:
من يشهد لك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه
وسلم وأمته. فنشهد أنه قد بلّغ)(١).
وعنه أيضًا رضي الله عنه أنّ رسول الله عن دعوته، فإنّ كلّ ذلك قد يثبّط الدّاعية،
فيحتاج إلى تذكيره بأنّ حدود المسئولية
المكلّف بها لا تتجاوز البلاغ المبين، وأنّ
عليه هداية الدلالة والإرشاد، وأمّا التوفيق
فذاك محض فضل الله يهدي من يشاء،
ويضلّ من يشاء. ولا يكون الرسول رقيبًا
على قومه أو حسيبًا عليهم أو مجازيًا لهم
على أعمالهم، فذاك إلى الله عز وجل هو
الرقيب الحسيب سبحانه .
فهذه البيّنات شواهد صدقٍ وعدلٍ
على حفظ الرّسل لأماناتهم ووفائهم بها
على الوجه الأكمل، نشهد أنّهم قد بلّغوا،
ونصحوا، وأقاموا الحجّة.
ثانيًا: نفي حفظ الرسل لأعمال قومهم
ومجازاتهم عليها:
لاشكّ أنّ الدّعاة إلى الله - وفي مقدّمتهم
الأنبياء- يتعرّضون في دعوتهم إلى جملةٍ
من الأمور التي قد تصرفهم بصورة أو
بأخرى عن بعض دعوتهم. وإن لم يربط
الله على قلب الداعية فقد يقع فريسة الهمّ
خوف التقصير، وهو في حدّ ذاته من أخطر
الضغوط النفسية التي يتعرض لها الداعية،
فإذا أضيف إليها خوفه وحسرته على
قومه؛ لإعراضهم وانصرافهم عن الهداية،
وخوفه من أذاهم بالقول والفعل وصدّهم
وصحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٢٤٤٨.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحًا إلى
قومه)، ١٣٤/٤، رقم ٣٣٣٩.
والمتفكّر في القرآن الكريم يجد هذا
المعنى من أكثر المعاني تكرارًا فيه؛ كقوله
تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ
أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَأْ وَمَآ أَنَا عَلَيَّكُمْ
يَحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤]؛ أي: وما أنا عليكم
برقیب أحصي علیکم أعمالكم وأفعالکم،
وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إلیکم،
والله الحفيظ عليكم، لا يخفى عليه شيءٌ
من أعمالكم (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنَّعْ مَآ
أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيْكٌَ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَّ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٦) وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا
جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاٌ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾
[الأنعام: ١٠٦- ١٠٧]؛ أي: إنما بعثناك إليهم
رسولًا مبلّغًا، ولم نبعثك حافظًا عليهم ما
هم عاملوه، ومحصیًا ذلك علیهم، فإن ذلك
إلينا دونك، ولست عليهم بوكيلٍ ولا بقيّم
تقوم بأرزاقهم وأقواتهم، ولا بحفظهم فيما
(٢) جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٧٠-٤٧١.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الحاء
لم يجعل إليك حفظه من أمرهم(١). وقوله:
﴿ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظُ
عَلَيْهِمْ وَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِمٍ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦]٤
أي: إنّ الله حفيظٌ عليهم يحصي عليهم
أفعالهم، ويحفظ أعمالهم؛ ليجازيهم بها
يوم القيامة جزاءهم، ولست أنت يا محمّد
بالوكيل عليهم بحفظ أعمالهم، وإنما أنت
منذر، فبلّغهم ما أرسلت به إليهم، فإنما
عليك البلاغ وعلينا الحساب(٢)، وقوله:
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنّ
عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [الشورى: ٤٨].
وقوله على لسان شعيب: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينٌّ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ
بِحَفِيظٍ ﴾ [هود: ٨٦].
لجميع الرّسل؛ كقوله: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلَّا
اٌلْبَلَغُ اَلْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
الْمُِّينُ﴾[النور: ٥٤].
وقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَّ
فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ
اَلْمُّبِينُ﴾ [التغابن: ١٢].
﴿وَإِنِ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ أَلَّذِى نَعِدُهُمْ آَوْ
نَتَوَفَيَنَّكَ فَإِنََّا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾
[الرعد: ٤٠].
(١) انظر: المصدر السابق ٩/ ٤٧٩-٤٨٠.
(٢) المصدر السابق ٢٠/ ٤٦٨.
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُذَكِّرٌ
◌َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴿ إِلَّا مَن تَوَلَّى
٢١
وَكَفَرَ فَعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ
إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:
٢١-٢٦].
قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَ كُمُ الْحَقُّ مِن
رَّبِّكُمْ فَمَنِ أُهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن
ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾
[يونس: ١٠٨].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في
المعنى نفسه. وكلّها تنفي عن النبيِّ أن يكون
حفيظًا على قومه أو وكيلاً عليهم أو محاسبًا
لهم، وفيها تأكيدٌ على أنّ البلاغ المبين لا
يشمل الرقابة على المدعوّ، ولا حسابه،
فهو تأكيد على أنّ ذلك الأمر عامّ مطّرِدٌ وأنّ المبلّغ مأجورٌ على البلاغ، وليس
أجره مرهونًا باستجابة أحدٍ، وإلا فإنّ بعض
الأنبياء يأتي يوم القيامة وليس معه أحدٌ،
وهو -مع ذلك- قد بلّغ فوّی.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ
وقوله:
فإذا علم الرسل والدّعاة هذا الأمر فقد
تحقّق لهم الاستقرار والأمن النفسيّ الذي
يصقل عزائمهم ويشحذ هممهم، فإذا أصابه
حزنٌ على المعرضين يجد تسلية الله عز
وجل: ﴿لَعَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلََّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
إِن ◌َّشَأْ تُنْزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَايَّةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا
خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٣-٤].
فإن کان المعرض حبيبًا إلى النّفس وهو
ممن يحرص الداعية على هدايته تسلّى
٣٨٤
مَوَسُولَةُ الَّ
القرآن الكريم