النص المفهرس
صفحات 1-20
صَوْو ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الحفظ عناصر الموضوع مفهوم الحفظ ٣٤٦ الحفظ في الاستعمال القرآني ٣٤٧ الألفاظ ذات الصلة ٣٤٩ حفظ الله عز وجل ٣٥٢ حفظ الملائكة ٣٧١ حفظ الرسل عليهم السلام ٣٨٠ ٣٨٦ مجالات الحفظ في حقّ العباد ٤٠٤ ثواب الحافظين، وعاقبة المضيّعين المجلد الثانىعشر حرف الحاء مفهوم الحفظ أولًا: المعنى اللغوي: الحاء والفاء والظاء أصل واحد يدلّ على مراعاة الشيء(١)، فالحفظ لغةً (٢): نقيض النسيان، وهو التعاهد وقلّة الغفلة. وحفظ الشيء حفظًا: استظهره، وحرسه، وراقبه، ورعاه. ورجلٌ حافظٌ، وقومٌ حفّاظٌ، وهم الّذين رزقوا حفظ ما سمعوا، وقلّما ينسون شيئًا يعونه. والحفيظ: الموكّل بالشيء يحفظه، يقال: فلان حفيظنا عليكم وحافظنا. والاحتفاظ: خصوص الحفظ، تقول: احتفظت به لنفسي. والتحفّظ: قلة الغفلة، والتيقظ؛ حذرًا من الشّقطة في الكلام والأمور. وتحفّظت الكتاب، أي: استظهرته شيئًا بعد شيء. وحفّظته الكتاب: حملته على حفظه. واستحفظته كذا، أي: سألته أن يحفظه. ويقال: استحفظت فلانًا مالًا إذا سألته أن يحفظه عليّ، واستحفظته سرًّا، أي: ائتمنته عليه. وقال الله في أهل الكتاب: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: استودعوه وائتمنوا عليه. والمحافظة: المواظبة على الأمور، كالصلاة ونحوها. وحافظ على الأمر وثابر: بمعنّ. وحافظت على الرجل محافظةً وحفاظًا إذا حفظته في غيبته، ووفيت بعهده، وراعیت ودّه. والمحافظة: المراقبة. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف معنى الحفظ في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فالحفظ: منعٌ للشيء بتفقّده ورعايته. ويقال تارةً لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، ومنه: ضبط الصّور المدركة. وتارة يقال لضبط في النفس يؤدّي إلى تأكّد المعقول واستحكامه في العقل، ويضادّه النسيان. وتارةً يقال لاستعمال تلك القوة في الرعاية الحسيّة، ثمّ يستعمل في كلّ تفقّدٍ ورعايةٍ. وعليه يمكن أن يعرّف الحفظ بأنه: منع الشيء وتفقّده ورعايته؛ علمًا وهيئةً ووقتًا، والقيام بجميع ما يحصل به أصله، ويتمّ به عمله، وينتهي إليه كماله(٣). (١) انظر: مقاييس اللغة ٢ /٨٧. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ١٩٨/٣-١٩٩، جمهرة اللغة، ابن دريد ٥٥٢/١، تهذيب اللغة، الأزهري ٤٥٨/٤ - ٤٦٠. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٦٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/ ٤٨٠، التوقيف، المناوي ص ٢٩٨. ٣٤٦ مُوسُو ◌َرُ النَّفِيكِ الوضوء القرآن الكريم الحفظ الحفظ في الاستعمال القرآني وردت مادة (حفظ) في القرآن (٤٤) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٣ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمَّ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] المصدر ٣ (وَحِفْظًّا مِنْ كُلِّ شَيْطَنِ مَّارِدٍ ﴾ [الصافات: ٧] اسم الفاعل ١٥ ﴿إِنَّكُلُّنَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق: ٤] ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِء ◌ٌ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً الجمع ١ [الأنعام: ٦١] الصفة المشبهة ١١ ﴿إِنَّ رَبٍِّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ )﴾ [هود:٥٧] اسم المفعول ٢ ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَنْ تَجِدٌ ٦ فِ لَّوْج ◌َحْفُوظِ ﴾ [البروج: ٢٢] ٢٢ وجاء الحفظ في الاستعمال القرآني على ستة أوجه(٢): الأول: العلم: ومنه قوله تعالى: ﴿بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اَللّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: بما علموا ووعوا. الثاني: الصيانة والعفة: ومنه قوله تعالى: ﴿فَالصَّلِحَتُ قَنِشَتُ حَفِظَتُ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: صائنات لأنفسهن. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢٠٧-٢٠٨. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ١٨٣. www. modoee.com ﴿فَالصَّلِحَتُ قَنِئَتُّ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الفعل المضارع ٧ ٢ فعل الأمر ٣٤٧ حرف الحاء الثالث: الحفظ بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُه ◌َخَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، يعني به: الرعاية. الرابع: الشفقة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ١٢ [يوسف: ١٢]، يعني: مشفقين. الخامس: الضمان: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣]، أي: ضامنون لرده إليك. السادس: الشهادة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ كِرَامَاكَسِينَ ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]، أي: رقباء وشهداء. ٣٤٨ مُوسُو القرآن الكريم الحفظ الألفاظ ذات الصلة الذكر: ١ الذكر لغة: الذّكر هو حفظ الشيء وتذكره عن ظهر قلبٍ(١). والذكر يقال ويراد به هيئةٌ للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة. الذكر اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين الذّكر والحفظ: الذكر كالحفظ، إلا أنّ الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارًا باستحضاره. كما يقال لاستحضار الشيء بالقلب أو بالقول؛ ولذا قيل: الذّكر ذكران: ذكرٌ بالقلب، وذكر باللسان، وكلّ واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيانٍ، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ (٢). الجمع: ٢ الجمع لغة: هو ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض. الجمع اصطلاحًا: جاء (الجمع) بمعنى: إثبات القرآن في الصدر وحفظه عن ظهر قلب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. أي: إنّ علينا جمع القرآن في صدرك یا محمد؛ حتى نثبته فيه، وعلينا قرآنه حتى تقرأه بعد أن جمعناه في صدرك(٣). فالمراد: إنّ علينا جمع الوحي وأن تقرأه، وتبيّته للناس بلسانك، أي: نتكفّل لك بأن يكون جمعه وقرآنه بلسانك، أي: عن ظهر قلبٍ، لا بكتابة تقرؤها؛ فيكون محفوظًا في الصدور بيّنًا لكل سامع، لا يتوقّف على مراجعةٍ، ولا على إحضار مصحفٍ من قربٍ أو بعدٍ (٤). (١) لسان العرب، ابن منظور ٣/ ٥١٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٣٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣/ ٩. (٣) انظر: تفسير مقاتل ٥١٢/٤، جامع البيان، الطبري ٥٠٠/٢٣. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ٣٥٠. www. modoee.com ٣٤٩ حرف الحاء • [القيامة: ١٧]، يقول: حفظه وتأليفه (١). قُرْءَانَهُ. وعن قتادة قال: قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جمْعَهُ, وَقَرْءُ وقيل: ﴿جمعَهُ﴾ يعني: حفظه في قلبك، ﴿وَقُرْءَانَهُ﴾ يعني: يقرأ عليك جبريل حتى تحفظه (٢). الصلة بين الجمع والحفظ: أنّ الجمع يقال: باعتبار الضّم بين الأجزاء، والحفظ يقال: لإبقاء تلك الأجزاء على تأليفها، ففيه إشعارٌ بالتعاهد لا يستفاد من الجمع. الوعي: ٣ الوعي لغة: وعى الشيء والحديث، يعيه وعيًا وأوعاه: حفظه وفهمه وقبله؛ فهو واع. والوعيّ الحافظ الكيّس الفقيه(٣). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُوْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنَّ وَعِيّةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]؛ يعني: أذنٌ حافظةٌ عقلت عن الله ما سمعت (٤). والوعيّ: الفهم المنوّر القلب، يسمع القول فيتلقاه بفهم وتدبّرٍ (٥). الوعي اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين الوعى والحفظ: الحفظ على إطلاقه يشمل الوعي وهو حفظ القلب، والإيعاء وهو حفظ الشيء في وعاء؛ لما في الإيعاء من معنى الحياطة والجمع اللازمين للحفظ. فحفظ العلم وعيٌّ، وحفظ غيره إيعاءٌ. الرعاية: ٤ الرّعاية لغةً: الحفظ (٦)؛ يقال: رعاه يرعاه رعيًا ورعاية: حفظه. وكلّ من ولي أمر قوم فهو رعاية. (١) جامع البيان، الطبري ٥٠١/٢٣. (٢) انظر: معاني القرآن، الفرّاء ٢١١/٣، تفسير السمر قندي ٤٢٧/٣. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٩/ ٣٥٢، وعمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٤ /٣٢٥. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٢١/٢٣. (٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣٦/٦، المحرر الوجيز ٣٥٨/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٠/٨. (٦) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٦٢/٣-١٦٤، لسان العرب، ابن منظور ١٨١/٤-١٨٣. مُوسوبرُ النَّقِيَّة القرآن الكريم ٣٥٠ الحفظ الرعاية اصطلاحًا: وقد استرعاه إياهم: استحفظه، واسترعيته الشيء فرعاه: حفظه. وفي المثل: من استرعى الذئب ظلم؛ لأنّ من ائتمن خائناً فقد وضع الأمانة في غير موضعها. الصلة بين الرعاية والحفظ: أنّ الرّعاية سببٌّ للحفظ (١). ٥ النسيان: النسيان لغة: ترك الإنسان ضبط ما استودع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصدٍ؛ حتى ينحذف عن القلب ذكره(٢). فالنّسيان ضدّ الذّكر والحفظ، والنسيان: التّرك والتضبيع والتفريط (٣). النسيان اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين النسيان والحفظ: النسيان مشعر بالتفريط والتضييع والإهمال التي هي نقيض الحفظ والرعاية. (١) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٠٥. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٣٤. (٣) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٥٤- ٤٥٥، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥٧٩- ٥٨٠. www. modoee.com ٣٥١ حرف الحاء حفظ الله عز وجل أولًا: الحفظ صفة لله تعالى: الحفيظ والحافظ اسمان من أسماء الله تعالى، والحفيظ: الموثوق به بترك التضييع (١)، والحفيظ الذي يضع المحفوظ حيث لا يناله أحدٌ غير حافظه(٢). وقال الخطّابي: ((الحفيظ هو الحافظ؛ فعيلٌ بمعنى فاعل؛ كالقدير والعليم. يحفظ السماوات والأرض وما فيهما؛ لتبقى مدة بقائها؛ فلا تزول ولا تدثر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٥ وَحِفْظًا مِّنْ كُلِّ شَيْطَانِ مَّارِيٍ﴾ [الصافات: ٧]؛ أي: حفظناها حفظًا. والله أعلم. وهو الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطب، ويقيه مصارع السوء؛ كقوله سبحانه: الهو مُعَقِبَتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُمِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]؛ أي: بأمره. ويحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ویعلم نیّاتهم وما تکنّ صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عليه خافية. ويحفظ أولياءه فيعصمهم عن مواقعة الذنوب، ويحرسهم عن مكايدة الشيطان؛ ليسلموا من شرّه وفتنته))(٣). (١) المنهاج في شعب الإيمان، الحليمي ٢٠٥/١. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٣/١٢. (٣) شأن الدعاء ص ٦٧ -٦٨. وتختلف معاني اسم الله الحفيظ، ومرجعها إلى رعاية الشيء والعناية به، ويكثر أن يستعمل كنايةً عن مراقبة أحوال المرقوب وأعماله. وقال الطيبي: ((الحفظ صون الشيء عن الزوال والاختلال، إما في الذّهن، وبإزائه النسيان، وإما في الخارج، وبإزائه التضييع. والحفيظ يصحّ إطلاقه على الله تعالى بكل واحد من الاعتبارين؛ فإنّ الأشياء كلها محفوظةٌ في علمه تعالی، لا یمکن زوالها عنه بسهو أو نسيان. وهو تعالى يحفظ الموجودات عن الزوال والاختلال ما شاء، ويصون المتضادات والمتعاديات بعضها عن بعض، فيحفظها في المركبات محمية عن إفناء بعضها بعضًا، فلا يطفئ الماء النار، ولا تحلل النار الماء. ويحفظ على العباد أعمالهم، ويحصي عليهم أفعالهم، وأقوالهم»(٤). وما جاء مصرّحًا فيه باسم الله (الحفيظ) ثلاث آياتٍ؛ قوله تعالى على لسان هود: ﴿ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتَكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ= إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّ قَوْمًا غَيَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًاْ إِنَّ رَبِّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظٌ﴾ [هود: ٥٧]؛ أي: رقیبٌ؛ فلا تخفی علیه أعمالکم، ولا يغفل عن مجازاتكم، ومن كان رقيبًا على الأشياء کلها حافظًا لها و کانت مفتقرة إلی حفظه من (٤) الكاشف عن حقائق السنن ٦/ ١٧٩٢. ٣٥٢ جو القرآن الكريم الحفظ المضارّ، لم يضرّ مثله مثلكم(١). وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]. أي: حفظ الله خيرٌ من حفظكم، وقرئ: أي: وربّك على أعمال هؤلاء الكفرة (حفظًا) (٢)، والقراءتان بمعنَى، وذلك أنّ من حفيظٌ؛ لا يعزب عنه علم شيءٍ، وهو مجازٍ وصف الله بأنه خيرهم حفظًا فقد وصفه جميعهم يوم القيامة؛ بما كسبوا في الدنيا من بأنه خيرهم حافظًا، ومن وصفه بأنه خيرهم حافظًا فقد وصفه بأنه خيرهم حفظًا(٧). خير وشر(٢). وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اُنَّخَذُوا مِن دُونِ» أَوْ لِيَّةَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦]؛ يعني: الله حفيظ عليه يحصي عليهم أفعالهم، ويحفظ أعمالهم؛ ليجازيهم بها يوم القيامة جزاءهم، ولست أنت يا محمّد؛ بالوكيل عليهم بحفظ أعمالهم، وإنما أنت منذرٌ؛ فبلّغهم ما أرسلت به إليهم، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (٣). وباختلاف معاني الاسم تختلف تعديته بنفسه أو بحرف جر يناسب المعنى، وقد عدّي في القرآن في الآيات المذكورات بحرف (علی) کما یعدّى الرقيب والوكيل والمحيط؛ لأنّه بمعناها (٤). وأمّا الحافظ؛ فمعناه الصائن عبده عن أسباب الهلكة في أمور دينه ودنياه(٥). (١) الكشاف، الزمخشري ٢١٠/٣. (٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٧٢. (٣) المصدر السابق ٢٠/ ٤٦٩. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢/٢٥. (٥) المنهاج في شعب الإيمان، الحليمي ٢٠٤/١. قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ ◌َفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وسيأتي الكلام عليها مفصّلًا. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ، وَيَعْمَلُونَ عَمَلَا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّالَهُمْ حَفِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢]؛ يحتمل أن يكون المعنى: وكنّا لأعمالهم وأعدادهم حافظین، لا یؤودنا حفظ ذلك كلّه (٨)، أو كنّا للشياطين حافظين أن يخرجوا من أمر سليمان أو يفسدوا ما عملوا (٩)، فعلى هذا يعود الضمير في ﴿لَهُمْ﴾ إلى الشياطين، وهو الأشبه بسياق الآية. ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على (٦) قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر وحفص حافظًا بألفٍ بعد الحاء وكسر الفاء، وقرأ الباقون حفظًا بكسر الحاء وإسكان الفاء من غير ألف. النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢٢٢/٢. (٧) جامع البيان، الطبري ١٣/ ٢٣٢. (٨) المصدر السابق ١٦/ ٣٣٣. (٩) انظر: معاني القرآن، الفرّاء ٢٠٩/٢، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٠١/٣. www. modoee.com ٣٥٣ حرف الحاء داود وسليمان وأوليائهما، فيكون المقصود: كنّا حافظين أن ينالهم أحدٌ من الشياطين بسوء، بل كلّ في قبضة سليمان وتحت قهره، لا یتجاسر أحد منهم على الدّنوّ إليه، وهو محگّم فيهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء؛ ولهذا قال: ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ اْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨](١). ويلاحظ أنّ اسمي الله (الحفيظ) و(الحافظ) لم يقترنا بغيرهما من الأسماء الحسنى في القرآن الكريم، فهما من الأسماء التي لم ترد إلا مفردة، ولعلّ حكمة ذلك -والله أعلم- أنّ اسم الحفيظ والحافظ دالّان بالتضمّن على كثيرٍ من الأسماء الحسنى؛ فصفة الحفظ تدلّ على من له حفظٌ، وتتضمّن الحياة والعلم والقدرة وسائر مشروطاتها؛ فإنّ من جهل الشيء أو عجز عن الشيء لا يستطيع أن يحفظه من أن يوجد فيه ما لا يريده وما لا يرضاه(٢). والحفظ يكون من أوصاف الذات ومن أوصاف الفعل؛ ففي صفات الذات يرجع إلى العليم؛ لأنّه يحفظ بعلمه جميع المعلومات فلا يغيب عنه شيء منها، كما يقال: فلانٌ يحفظ القرآن؛ أي: هو حاضرٌ في قلبه، وفي مقابلة هذا الحفظ النسيان، وعلى هذا خرج قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٩/٥. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٣/٢٥، البحر المحيط، أبو حيان ٧/ ٢٦٣. [مريم: ٦٤]. وقوله: ﴿لَّا يَضْلُّ رَبِّ وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]. كما يرجع إلى الهيمنة والإحاطة والرقابة، وضدّه العزوب والغفلة والغياب، ودلّ عليه قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍفِي اُلْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ﴾ [يونس: ٦١]. وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَا وقوله: غَايِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]. وإذا كان الحفظ من صفات الفعل فيرجع إلى حفظه للوجود وكلاءته ورعايته، وضد هذا الحفظ الإهمال والتفريط(٣). ثانيًا: نماذج من محفوظات الله عز وجل المذكورة في القرآن الكريم: إنّ حفظ الله عز وجل شاملٌ جميع خلقه؛ فهو سبحانه وتعالى القيّم بحفظ كل شيء وتدبيره ورزقه، وتصريفه فيما شاء وأحبّ، من تغيير وتبديل وزيادة ونقص، يقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيٌَّ﴾ [سبأ: ٢١]. حافظٌ لأمور خلقه على ما قدّر ودبّر (٤). وقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ (٣) انظر: الأسنى في شرح الأسماء الحسنى، القرطبي ٣٠٨/١-٣٠٩. (٤) تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٤٣٧. ٣٥٤ القرآن الكريم الحفظ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ القدر ما كان وما هو كائنٌ إلى الأبد)(٣)، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام وطويت الصحف، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِبْرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. أي: لا يثقله ولا یشقّ عليه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما؛ بل ذلك سهلٌ عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء(١). وإذا كان الكرسي يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسيّ لیس أکبر مخلوقات الله تعالى، بل هناك ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تكلّ الأبصار وتحير الأفكار، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها الذي أودع فيها من الحکم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصبٍ؟(٢). ١. اللوح المحفوظ. إنّ الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوفٌ به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٨٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١١٠. فأحصى ما هو كائن قبل أن يكون، فخلقهم على ذلك العلم السابق فيهم. وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَأَهَأَ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيْرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وأجرى القدر على علم ما كتبه في اللوح المحفوظ. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملگا، فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقيًّا أو سعيدًا (٤). وفي كتابة المقادير الأزلية جاء قوله تعالى: ﴿نَّ وَالْقَلَمِ وَمَايَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]. وقوله عز وجل: ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّاكُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]؛ فأقسم في الآية الأولى بالقلم الذي سطر المقادير في الأزل، ودلّت الآية الثانية (٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب القدر، باب ١٧، رقم ٢١٥٥. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٠١٣٣ (٤) انظر: الإبانة الكبرى، ابن بطة ٣/ ٣٦٧. www. modoee.com ٣٥٥ حرف الحاء على أنّ الملائكة الموكلين بحفظ أعمال العباد اليوميّ وكتابتها كانوا يستنسخون من الكتاب السابق الذي كتبه القلم في أمّ الكتاب أزلًا، فيكون عمل الرجل اليوميّ مطابقًا لما يستنسخ من اللوح المحفوظ، فسّره بذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (١). وقال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ أي: ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أمّ الكتاب (٢)، فصانه الله عن التضييع والتفريط. ووصفه بأنّه كتابٌ مبينٌ، كما في قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلََّ هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُّطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَاَ حَبَّةٍ فِي ◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَ رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَِ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ثمّ عبّر القرآن عن اللوح المحفوظ بأكثر من عبارةٍ؛ فهو الإمام المبين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْقَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّعُواْ وَءَاثَرَهُمَّ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىِّ إِمَامٍ تُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. فهو الإمام المبين، سمّي كذلك؛ لأنه یبین عن حقیقة جمیع ما أثبت فيه، فالمعنى: وکلّ شيء کان أو هو كائنٌ أحصیناه، فأثبتناه في أم الكتاب(٣). (١) المصدر السابق ١٥٤/٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٣٤. (٣) انظر: المصدر السابق ١٩ / ٤١٢. وهو الكتاب الحفيظ؛ قال تعالى: ﴿بَل ◌َبُواْ أَنْ جَدَهُم مُّنْذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عَيْبُ نْ أَِذَا مِتْنَا وَكُنَّا نَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ٦ قَدْ عَلِنَا مَا نَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمٌّ وَعِندَنَا كِتَبَّ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٢ -٤]؛ أي: يقولون: أإذا متنا وبلينا، وتقطّعت الأوصال منّا، وصرنا ترابًا، کیف یمکن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ ذلك رجعٌ بعيد الوقوع، فيعتقدون استحالته وعدم إمكانه. قال الله تعالى رادًا عليهم: ﴿قَدْ عَلِنَا مَا نَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرّقت الأبدان؟ وأين ذهبت؟ وإلى أين صارت ﴿وَعِنْدَنَاَ كِتَبَّ حَفِيْظُ﴾ أي: حافظ لذلك کله، وسماه الله تعالی حفيظًا؛ لأنه لا يدرس ما کتب فيه، ولا یتغیر ولا يتبدّل(٤). ويحتمل يظٌ ﴾ مفعول بمعنی محفوظً؛ أن تكون أي: محفوظٌ من الشیاطین ومن أن يدرس أو يتغيّر، وهو اللوح المحفوظ (٥). ولا تدافع بين المعنين؛ إذ يلزم لصحّة كونه حافظًا أن يكون محفوظًا حفظه الله عز وجل. والله أعلم. وهو أمّ الكتاب، كما في قوله: ﴿وَعِندَهُ, أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩]. وفي قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١ / ٤٠٤، تفسير القرآن العظیم، ابن کثیر ٣٩٥/٧. (٥) تفسير مقاتل ٤ /١١٠. ٣٥٦ مَوَسُوبَةُ النَّ القرآن الكريم الحفظ لَعَلَّىٌ حَكِيمُ﴾ [الزخرف: ٤]؛ أي: إنّ نسخة هذا القرآن في أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ (١). وهو الكتاب المكنون، كما جاء به قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ،لَقُزْءَان گِيمُ ﴾﴾ فِ كِتَبٍ تَكْنُونٍ ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٩]؛ أي: مصون عند الله في اللوح المحفوظ، وهو كقوله تعالى: ﴿فی مُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ل ◌ِقَرْقُوعَةٍ مُّطَهَّرَةِه ◌ِأَيْدِى سَفَرَوَن) كِرَامِ بَ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. قال ابن بطة: ((ولقد جاءت الآثار عن الأئمة الراشدين وفقهاء المسلمين الذين جعلهم الله هداة للمسترشدين، وأنسًا لقلوب العقلاء من المؤمنين، مما أمروا به من إعظام القرآن وإکرامه، مما فيه دلالة على أن ما يقرأه الناس ويتلونه بألسنتهم هو القرآن الذي تكلّم الله به، واستودعه اللوح المحفوظ، والرّقّ المنشور، حيث يقول الله تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ قَُّانْ تَجِدٌ فِ لَوَج ◌َحْفُوظِ﴾ [البروج: ٢١]. ﴿وَكِنَبِ مَسْطُورٍ ) فِ رَقِ ويقول: مَّنشُورٍ﴾ [الطور: ٢-٣]))(٢). (١) انظر: تفسير مقاتل ٧٨٩/٣، جامع البيان، الطبري ٥٤٦/٢٠ -٥٤٧. (٢) الإبانة الكبرى ٣٢١/٥. ٢. حفظ الله عز وجل للقرآن الكريم. قال تعالى: ﴿ إِنَّا تَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ: لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. أي: حافظون له من التبديل والتغيير في کلّ وقتٍ، فلا یزاد فيه باطلٌ، أو ينقص منه ما هو منه(٣). وقد حفظ الله عز وجل القرآن في اللوح المحفوظ: ﴿بَلَّ هُوَ قُرْءَانٌ فَّهِيدٌ )) فِي لَوَّح تَحْفُوظِ﴾ [البروج: ٢١-٢٢]. واللوح المحفوظ هو الذي فيه جميع الأشياء. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌّ حِيمٌ (٥) فِي كِتَبٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ -٧٨ أي: هو في كتاب مصون عند الله لا يمسه شيءٌ من أذىّ ولا غبار ولا غيره (٤). كما حفظه الله من التبديل والتحريف في تنزيله؛ بأن نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام، وحباه الله عز وجل بصفاتٍ تجعله مؤهّلًا لتبليغه على الوجه الذي أراده الحقّ سبحانه، فقال تعالى: ﴿عَلَّتُهُ شَدِيدُ الْقُوَى )) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٥- ٦]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ ن ◌ُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩- ٢١]. وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَنْزِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٦) نَزَّلَ بِهِ (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ /١٨. (٤) انظر: المصدر السابق ٢٢/ ٣٦٢. www. modoee.com ٣٥٧ حرف الحاء الرُُّعُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٣]. فذكر من أوصاف جبريل عليه السلام أنّه شديد القوى، وذو قوة، ذو مرّة، والقوى جمع قوّة، والمراد استطاعة تنفيذ ما يأمر الله به من الأعمال العظيمة العقلية والجسمانية (١). وقال ابن عباس: ((﴿ذُومِرَّوْ﴾ يعني: ذو كِتَبِ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٨]. منظر حسن)). وتطلق على قوة الذات، وتطلق على متانة العقل وأصالته، وهو المراد هنا؛ لأنه قد تقدّم قبله وصفه بشدید القوى(٢). وقال الزمخشري: ((ذو حصافة في عقله ورأيه، ومتانة في دينه))(٣). ووصفه بأنه مكينٌ عند الربّ، مطاعٌ في السماوات أمينٌ. وهذه الصفات تتضمّن تزکیة سند القرآن، وأنّه سماع محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فحسبك بهذا السند علوًّا وجلالة تزكية الله عز وجل له(٤). وفي هذا ضمانٌ لحفظ القرآن الكريم عن طريق حفظ واسطته الملكيّة. وحفظ الله عز وجل القرآن من الشياطين أن يتقوّلوا مثله، أو یزیدوا فيه وينقصوا (١) التحرير والتنوير ٩٥/٢٧. (٢) المصدر السابق. (٣) الكشاف، الزمخشريّ ٦٣٦/٥. (٤) انظر: التبيان في أيمان القرآن، ابن القيم ص ١٩٢-١٩٤. ويبدلوا، فقال: ﴿وَمَا نَزَّلَتْ بِهِالشَّيَاطِينُ وَمَا يَلْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ٢١٠ -٢١١]. ٢١٠ [الشعراء: وقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿إنّهُ،لَقُرْءَادُ گرِم ®) فِ قال ابن زيد: ((هو كتابٌ لا يمسّه إلا المطهرون؛ زعموا أنّ الشياطين تنزّلت به على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم الله عز وجل أنها لا تقدر على ذلك، ولا تستطیعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا، وهو محجوب عنهم))(٥). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ )) لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢]. والباطل هو إبليس؛ لا يستطيع أن يزيد فيه باطلًا أو ينتقص منه حقًّا(٦). ثم حفظه الله بأن تکفّل بجمعه في صدر النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينساه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. وقال جلّ ذكره: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَفْسَ إِلَّا مَا شَاءَ اللّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧]. وحفظه الله عز وجل بأن هيّأ أسباب حفظه، وجعله ميسّرًا للحفظ والفهم، فقال: (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٣/٢٢. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/١٤، معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٣٧١٠. ٣٥٨ القرآن الكريم الحفظ ﴿وَلَقَدْ يَسَّنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ تُذَّكِرٍ ﴾ [القمر: ١٧]. فكثر حفّاظه في زمن النبي صلى الله علیه وسلم وبعده، حتى وصلنا بالتواتر، فلو غيّر أحدٌ نقطة أو حركة، أو بدل لفظةً لقال له الصبيان قبل العلماء: كذبت أو أخطأت؛ بل صوابه كذا وكذا. ومن لوازم حفظ القرآن الكريم روايةً أن ييسّر سبيل تعاهده؛ إذ ليس الحافظ على الحقيقة من استظهر في وقتٍ ثمّ نسي عن قريبٍ ما استظهره، فهذا لا يقال له: حافظٌ. وليس حفظ القرآن الكريم مقصورًا على تكفّل الله بحفظ روايته، بل لقد تكفّل سبحانه وتعالى بحفظ رعايته، فلا تزال طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الحقّ ظاهرین حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وهذا مرويُّ من أکثر من وجهٍ عن رسول الله صلی الله عليه وسلم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((ما من حرف أو آية إلا وقد عمل بها قوم، أو لها قوم سيعملون بها»(١). وقال الحسن: ((حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة». وقيل: يحفظه في قلوب من أراد بهم خيرًا (٢). وهذا مستلزمٌ بالضرورة لحفظ درايته؛ إذ (١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ٢٧٨/١ رقم ٨٤. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٣٥/٥. لا یعمل بالقرآن علی مراد الله إلا بفهم مراد الله عز وجل. ومن ظهور الطائفة المنصورة على الحقّ إقامتهم للشّرع ظاهرًا وباطنًا، وفي القلب منه تدبّر القرآن، ولا سبیل له إلا بفهم معاني القرآن، فلزم أنّ معاني القرآن محفوظة كحفظ مبانيه. وقد خصّ القرآن بهذه الخصيصة بخلاف غيره من الكتب المتقدمة، فإنه تعالى لم يتكفّل بحفظها بل استحفظها الأنبياء إياها فحفظوها وحفظها من اتّبعهم بإحسان من الربّانيين والأحبار: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ اُلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ [المائدة: ٤٤]. ثم خلف من بعدهم خلف ﴿وَرِثُواْ اَلْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَافِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. فحرّفوا وبدلوا وكتموا ونسوا حظًّا مما ذكّروا به، قال تعالى في اليهود: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّقُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: ٤٦]. وقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحَرِّقُونَ اَلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِةٌ، وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَا www. modoee.com ٣٥٩ حرف الحاء ذُكِرُوايِدٍ﴾ [المائدة: ١٣]. وقال في النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَّا مِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ١٤]. وقال في أهل الكتاب عمومًا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوَّا بِهِ ثَمَنَّا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وعن أبي الحسن بن المنتاب، قال: (كنت عند إسماعيل (ابن حمّاد الأزديّ) يومًا فسئل: لم جاز التبديل على أهل التّوراة ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال: قال الله في أهل التّوراة: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِنَبِ اَللَّهِ﴾ فوكل الحفظ إليهم، وقال في القرآن: ﴿إِنَّا ◌َحْنٌ فَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَّهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فتعهّد الله بحفظه فلم يجز التّبديل على أهل القرآن)). قال: ((فذكرت ذلك للمحاملي، فقال: ما سمعت كلامًا أحسن من هذا))(١). ٣. حفظ السماوات والأرض. حفظ الله عز وجل السماوات والأرض أن تزولا. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ أَنْ تَزُولَاً وَلَيْن زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهَِّ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]. (١) ترتيب المدارك، القاضي عياض ٢٨٣/٤. فلا يقدر على حفظهما وإمساكهما عن الزوال والاضطراب إلا هو سبحانه. ونظرة إلى السماوات والأرض وإلى هذه الأجرام التي لا تحصى منتثرةً في ذلك الفضاء الذي لا تعلم له حدود. و کلّها قائمة في مواضعها، تدور في أفلاكها محافظةً على مداراتها، لا تختلّ، ولا تخرج عنها، ولا تبطئ أو تسرع في دورتها، ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. ﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ وَلَا أَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلِّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: ٤٠]. وكلها لا تقوم على عمٍ، ولا تشدّ بأمراسٍ، ولا تستند على شيءٍ من هنا أو من هناك. إنّ نظرةً إلى تلك الخلائق الهائلة العجيبة جديرةٌ بأن تفتح البصيرة على قدرة الله التي تمسك هذه الخلائق، وتحفظها أن تزول. ولئن زالت السماوات والأرض عن مواضعها، واختلّت وتناثرت بددًا؛ فما أحدٌ بقادرٍ على أن يمسكها بعد ذلك أبدًا. وذلك هو الموعد الذي ضربه القرآن لنهاية هذا العالم؛ حين يختلّ نظام الأفلاك، فتضطرب وتتحطم وتتناثر، ويذهب كل شيء في الفضاء لا يمسك أحدٌ زمامه(٢). ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ اْأَرْضِ وذلك (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٤٨/٥ - ٢٩٤٩. ٣٦٠ جَوَسُو ◌َرُ النَّفِيد القرآن الكريم الحفظ وَالسَّمَوَتُ ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُرُمَّا فِى الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِبِآَمْرِ وَبُمْسُِ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِدٍ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ اَلْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]؛ أي: إنّ من آياته العظيمة أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره، فلم تتزلزلا، ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا، يقدر بها أنّه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض يخرجون(١). وقال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَآءُ سَقْفًا تَّحْفُوظَاً وَهُمْ عَنْ ءَيْنِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١-٣٢]. فلمّا كانت الأرض لا تستقر إلا بالجبال، أرساها بها وأوتدها؛ لئلا تميد بالعباد وتضطرب، فلا يتمكنوا من الاستقرار والسكون فيها ولا عمارتها، فأرساها بالجبال، فحصل من المصالح والمنافع ما به قوام حياتهم. ولما كانت الجبال المتّصل بعضها ببعضٍ قد تمتدّ سلاسلها، فلو بقيت بحالها جبالًا شامخاتٍ، وقللا باذخاتٍ؛ (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٤٠. لتعطل الاتصال بين كثير من البلدان. فمن حكمة الله ورحمته أن جعل بين تلك الجبال طرقًا سهلةً لعلهم يهتدون فيصلون إلى حاجاتهم، ولعلهم يهتدون بالاستدلال بذلك على المنان (٢). وجعل الله السماء سقفًا محفوظًا، بألا تسقط على الأرض، كما تقدّم. وحفظها من التشقّق والانفطار؛ فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَلِ فَوقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجِ﴾ [ق: ٦]؛ أي: وما لها من صدوع وفتوق وشقوق(٣). وقال عزّ من قائل: ﴿أَلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَوُّتٍ فَأَرْجِعُ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورِ﴾ [الملك: ٣]؛ أي: هل ترى من صدوعٍ وشقوقٍ وخللٍ؟ (٤) وحفظ الله عز وجل السماء من الشياطين؛ فقال تعالى: ﴿وَزَبَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَحَفِظَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ رَّحِيمٍ ﴿ إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَبَعَهُ شِهَابٌ تُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٧ -١٨]. وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَمَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ◌ُ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانِ مَّارِدٍ بِينَةٍ الكَواكِبِ ﴿ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْعَلَِّ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ٥ مُحُورًا وَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبُ إِلَّ مَنْ (٢) انظر: المصدر السابق ص ٥٢٢. (٣) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٠٨. (٤) المصدر السابق ٢٣/ ١٢٠. www. modoee.com ٣٦١ حرف الحاء خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ومهارتٍ طبعيّة. وهذا يشترك فيه عموم ٦ - ١٠ ]. والمراد بحفظ السماء من الشياطين منعهم من الاطّلاع على ما أراد الله عدم الاطلاع عليه من أمر التكوين ونحوه، مما لو ألقته الشياطين في علم أوليائهم لكان ذلك فسادًا في الأرض، وفتنة للناس في الحقّ(١). وهذا الحفظ متحقّقٌ بترصّد الملائكة الموكّلة بحراسة السماء منهم؛ فترميهم بالشهب، في قول مؤمني الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآَةَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُيّان ◌ِ وَأَنَّا كُنَّ نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ آلْآَنَ يَجِدٌّ لَّهُ شِهَابَا رَّصَدًا﴾ [الجنّ: ٨-٩]. ٤. حفظ الله عز وجل للعباد جميعًا (الحفظ العامّ). حفظ الله عز وجل لخلقه وكلاءتهم نوعان: النوع الأول: حفظٌ عامٌّ لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيتها ويحفظ بنيتها، ويهديها إلى مصالحها بهدايته العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى﴾ [طه: ٥٠]. فهداهم إلى ما فيه بقاؤهم ونماؤهم، بما ركّبه فيهم من فطرةٍ يسمّيها العلماء غريزة البقاء، ويسّر لهم سبل اتّقاء المكروهات والمضارّ ودفعها، بما حباهم به من أسلحةٍ (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١/١٤. الخلائق؛ الحيوان والبشر، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر. ووكّل بالآدميّ ملائكة يحفظونه ویکلؤونه بأمر الله(٢). والنوع الثاني: حفظه الخاصّ لأوليائه سوى ما تقدّم، وأعلاه حفظهم عمّا يضرّ إيمانهم وصيانة عقودهم في التوحيد عن اكتفائهم بالتقليد، وتحقيق العرفان في أسرارهم بجميل التأييد، وليس كل الحفظ أن يحفظ عبدًا بين البلاء عن البلاء، وإنما الحفظ أن يحفظ قلبًا على خلوص المعرفة من الأهواء؛ حتى لا يزلّ عن الطريقة المثلی، ولا یحید إلی البدع والهوى. وقيل: من حفظ لله جوارحه حفظ الله عليه قلبه، ومن حفظ لله حقّه حفظ الله عليه حظه(٣). قال ابن تيمية: علّق الله سبحانه الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذمّ بالإيمان به وتوحيده وطاعته، فمن كان أکمل في ذلك کان أحقّ بتولّي الله له بخير الدنيا والآخرة، وحفظه وكلاءته. ثم جميع عباده مسلمهم وكافرهم هو الذي يرزقهم، وهو الذي يدفع عنهم المكاره، وهو الذي يقصدونه في النوائب. قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِّن نَّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الْضُُّّ فَإِلَيِْ (٢) انظر: الحق الواضح المبين، السعدي ص ٥٩-٦١. (٣) الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي ٦/ ١٧٩٣. ٣٦٢ مُوسُوبَةُ التَّقِين جوسى القرآن الكريم الحفظ تَجَْرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنُّ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرٍ رَبِّهِم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢]؛ أي: بدلًا عن الرحمن. هذا أصحّ القولين. فلا يكلؤ الخلق بالليل والنهار؛ فيحفظهم ويدفع عنهم المكاره إلا الله. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنْدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُّكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّإِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّ فِى غُرُورٍ ( ٢٠ أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْإِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍ وَنُفُورٍ ﴾ [الملك: ٢٠ -٢١](١). وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِيكُمْ مِنِ ظُلُمُتِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّهَا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنَجَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ (٣ قُلِ اللَّهُ يُنَبِّكُم مِنْهَا وَمِن كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ اُلْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِّمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. كثيرٌ- من كلاءته للخلق عامّةً. وفي الكتاب المنظور آياتٌ معجزاتٌ شاهداتٌ علی کلاءة الله عز وجل خلقه، وقد نظر علماء الفلك والكونيّات وطبقات الأرض والطبّ وغيرها من العلوم، فرأوا من ذلك ما لا يحصيه كتابٌ، حتّى لقد ألّف أحد علماء الكونيات البريطانيين كتابًا بعنوان (ستّة أرقام فقط)، ذكر فيه ستّة ثوابت عددية مسئولة عن صفات الكون التي تناسب نشأة حياة المخلوقات واستمرارها، بحيث إنّ تغیرًا طفيفًا فيها بالزيادة أو النقصان يستحيل معه وجود الحياة واستمرارها. وقد أضاف العلماء - كلٍّ في تخصّصه- عشرات الأرقام والثوابت الدقيقة، ومئات الشواهد البيّنة التي تدلّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شھیدٌ؛ علی بديع صنع الله، وجميل حفظه للخلق جميعًا، وللبشر خاصّةً. ومن دلائل حفظ الله لمخلوقاته أن جعل الأرض مهادًا وكفاتًا، وجعل فيها رواسي شامخاتٍ، وأجرى فيها الأنهار والبحار، وأحاطها بغلاف من طبقاتٍ يحميها من الأشعة الضارة والنيازك والمذنّبات وغيرها من التكوينات الفضائية التي لو وصل بعضها إلى الأرض لما تهيّأ لسكّانها عيشٌ، فهذا -وأمثاله في الكتاب المسطور ولا استقرّ بهم قرارٌ. وحفظ الجنين في بطن أمّه: ﴿أَلَّنَخْلُنُ ◌َفَجَعَلْتَهُ فِ قَرَارٍ تَّكِينٍ إِلَ قَدَرٍ ٢٠ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ مَّعْلُومٍ ﴿ فَقَدَرْنَا فَيَعْمَ الْقَدِرُونَ﴾ [المرسلات: (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٤١/٢٧ بتصرّفٍ ٢٠-٢٣]. واختصار. www. modoee.com ٣٦٣ حرف الحاء فھیّا له هذا القرار المکین، وأمده بغذائه، وعزله عن الروائح الكريهة، وعدّل وضعه بما ييسّر خروجه إذا حان القدر المعلوم، ثمّ أخرجه من بطن أمّه لا يعلم، فجعل له من العقل والإدراك والحواسّ ما هو سبب -بقدرة الله وتدبيره- لبقائه ومعاشه؛ هذا مع غناه عز وجل عنهم، وافتقارهم وحاجتهم إليه. وكما حفظ الله الناس في أمور معاشهم ممّا فیه صيانة أبدانهم وأركانهم، فقد حفظهم في أمر معادهم، مما فيه فوزهم بالجنان، ونجاتهم من النيران، ذلك أنّه خلق العباد حنفاء كلّهم على الفطرة، وهداهم السبيل، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحلّ الله لهم، وأمرتهم أن یشرکوا بالله ما لم ینزّل به سلطانًا، فبعث الله إليهم الرّسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وفي هذا ما إن أخذوه بحقّه کان صيانةً لهم عن النار. وهذا من عظیم کلاءته ورحمته. ٥. حفظ الله عز وجل لأوليائه (الحفظ الخاصّ). قال تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ لَهُمُ الْبُشْرَى ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةَّ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ -٦٤]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب)(١). والوليّ فعيلٌ بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله تعالى أمره فلا يكله إلى نفسه لحظة، فهؤلاء لسان حالهم ومقالهم: ٠٠٠٠٠٠٠ ﴿إِنَّ وَلِّىَ اَللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ اَلْكِنَبِ وَهُوَ يَتَوَّلَى الصَّلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. أو هو فعيلٌ بمعنى فاعل؛ مبالغةً، وهو الذي یتولی عبادة الله تعالی وطاعته. وكلا الوصفين شرطٌ في ولاية الوليّ، فيجب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستبقاء؛ ليدوم حفظ الله تعالى له، وتولي أموره في السراء والضراء(٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه علیه، ثمّ یقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)(٣). فأثبت أنّ للصّالحين حفظًا خاصًّا؛ وإلا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم ٦٥٠٢. (٢) الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي ٠١٧٢٦/٥ (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب ١٣، رقم ٦٣٢٠. موسوعة النفسية الموضوي القرآن الكريم ٣٦٤