النص المفهرس

صفحات 61-74

قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع
لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة،
وذلك أن الله عمّ لهم منافع جميع ما یشهد
له الموسم، ويأتي له مكة أيام الموسم من
شيئًا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على
العموم في المنافع التي وصفت)»(١).
ومن المنافع الدنيوية أيضًا ما يصيبونه
من لحوم البدن في ذلك اليوم، كقوله في
البدن: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى}
[الحج: ٣٣]. على أحد التفسيرين.
وقوله: ﴿قُلُواْمِنْهَا﴾ في الموضعین،
و کل ذلك نفع دنيوي.
قال ابن عاشور: ((وخص من المنافع أن
یذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما
رزقهم من بهيمة الأنعام، وذلك هو النحر
والذبح للهدايا، وهو مجمل في الواجبة
والمتطوع بها، وقد بيّنته شريعة إبراهيم من
قبل بما لم يبلغ إلينا، وبيّته الإسلام بما فيه
شفاء)»(٢).
وقوله في الآية الثانية: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن
رَّبِّكُمّْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ
فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾
[البقرة: ١٩٨].
(١) جامع البيان، الطبري ١٨ / ٦١٠.
(٢) التحرير والتنوير ٢٤٦/١٧.
فقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ﴾
قال ابن عطية: ((الجناح أعم من الإثم؛ لأنه
فيما يقتضي العقاب، وفيما يقتضى العقاب
والزجر. وقال ابن عرفة: والنفي بـ (ليس)
منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك لما يتوهم وقوعه، والإثم كان متوهمًا
وقوعه في سفر الحج للتجارة، بخلاف
النفي بـ(لا) حسبما ذكره المنطقيون في
السالبة والمعدومة، مثل: الحائط لا يبصر،
وزید لیس یبصر، أو غير بصير))(٣).
وقيل في سبب نزول هذه الآية: أنهم
كانوا يتوهمون أن سفر الحاج إذا خالطته نية
التجارة ینقص من ثوابه، أو یوقع في الإثم،
فنزلت الآية (٤).
وقد كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من
سوق ذي المجاز إلى مكة حرم عندهم البيع
والشراء، قال النابغة:
كادت تساقطني رحلي وميثرتي
بذي المجاز ولم تحسس به نغما
من صوت حرمية قالت وقد ظعنوا
هل في مخفیکم من يشتري أدما
قلت لها وهي تسعى تحت لبتها
لا تحطمنك إن البيع قد زرما
أي: انقطع البيع، وحرم.
وعن ابن عباس: كانت عكاظ ومجنة
وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن
(٣) أحكام القرآن، إلكيا الهراسي ٨٨/١.
(٤) تفسير ابن عرفة ٢٥٣/١.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الحاء
يتجروا في المواسم، فنزلت: (ليس عليكم وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في موسم
الحج) أي: قرأها ابن عباس بزيادة: (في
مواسم الحج))(١).
على أن شبهة قامت عندهم في تحريم
التجارة من وجوه:
أحدها: أنه تبارك وتعالى منع الجدال في
الحج، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة
في قلة القيمة وکثرتها؛ فوجب أن تكون
التجارة محرمة.
ثانيها: أن التجارة كانت محرمة في وقت
الحج في الجاهلية، وذلك شيء حسن؛ لأن
المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى،
فوجب ألا يشوب هذا العمل بالأطماع
الدنيوية.
وثالثها: أن المسلمین علموا أن کثیرًا من
المباحات صارت محرمة عليهم في الحج:
كاللبس والاصطياد والطيب والمباشرة،
فغلب على ظنهم أن الحج لما صار سببًا
لحرمة اللبس مع الحاجة إليه، فأولى منه
تحريم التجارة؛ لقلة الاحتياج إليها.
ورابعها: عند الاشتغال بالصلاة يحرم
الاشتغال بالتجارة.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ
لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٢٣٧.
فلهذا السبب بيّن الله تعالى هاهنا أن
التجارة جائزة غير محرمة(٢).
قال في اللباب: ((وكان العرب يسمون
ونفي الجناح في التجارة في الحج يدل التاجر في الحج الداج، ويقولون: هؤلاء
الداج، وليسوا بالحاج، ومعنى الداج:
المكتسب الملتقط، وهو مشتق من
الدجاجة، وبلغوا في الاحتراز عن الأعمال
إلى أن امتنعوا من إغاثة الملهوف والضعيف
وإطعام الجائع، فأزال الله هذا الوهم، وبيّن
أنه لا جناح في التجارة، ولما كان ما قبل
هذه الآية في أحكام الحج، وما بعدها في
الحج، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم
مِنْ عَرَفَتٍ ﴾ [البقرة: ١٩٨].
دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في
زمان الحج؛ فلهذا السبب استغني عن
ذكره»(٣).
وحمل أكثر المفسرين هذه الآية على
التجارة في أيام الحج(٤).
قال في اللباب: ((واتفقوا على أن التجارة
إن أوقعت نقصًا في الطاعة لم تكن مباحة،
وإن لم توقع نقصًا في الطاعة كانت مباحة،
وتركها أولى؛ بقوله تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُواْ إِلَّا
لِيَعْبُدُواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٤٣٦/٢.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٣٧.
٣٦٢
القرآن الكريم

والإخلاص هو ألا يكون له حامل على
الفعل سوى كونه عبادة، والحاصل أن الإذن
في هذه التجارة جارٍ مجرى الرّخص))(١).
وقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا﴾ الفضل
هنا هو المال، وابتغاء الفضل التجارة لأجل
الربح، والابتغاء من فضل الله: كناية عن
العمل والطلب لتحصيل الرزق، والرزق:
فضل من الله.
فالآية الكريمة صريحة في إباحة طلب
الرزق لمن هو في حاجة إلى ذلك في موسم
الحج، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض
الله. قال ابن عاشور: «فهي جملة معترضة
بين المتعاطفين بمناسبة النهي عن أعمال في
الحج تنافي المقصد منه، فنقل الكلام إلى
إباحة ما کانوا یتحرجون منه في الحج، وهو
التجارة ببيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي،
إبطالًا لما كان عليه المشركون؛ إذا كانوا
يرون التجارة للمحرم بالحج حرامًا))(٢).
وقال الشنقيطي: ((لم يبين هنا ما هذا
الفضل الذي لا جناح في ابتغائه أثناء الحج،
وأشار في آيات أخر إلى أنه ربح التجارة،
كقوله: ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن
فَضْلِ اَللَّهِ ﴾ [المزمل: ٢٠].
الضرب في الأرض عبارة عن السفر
للتجارة، فمعنى الآية: يسافرون يطلبون ربح
(١) اللباب في علوم الكتاب ٤٣٨/٢.
(٢) التحرير والتنوير ٢٣٧/٢.
التجارة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَآبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾
[الجمعة: ١٠]، أي: بالبيع والتجارة، بدليل
قوله قبله: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
أي: فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا
الربح الذي كان محرما عليكم عند النداء
لها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن
غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل
على أنه المراد؛ لأن الحمل على الغالب
أولى، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد
بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة)»(٣).
وقال في البحر: ((وقد انعقد الإجماع
على جواز التجارة والاكتساب بالكل،
والاتجار إذا أتى بالحج على وجهه)) (٤).
قال ابن عجيبة: ((وهاهنا قاعدةٌ ذكرها
الغزالي في الإحياء، وحاصلها: أن العمل
إذا تمحّض لغير الله فهو سبب المقت
والعقاب، وإذا تمحض لله خالصًا فهو
سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوب
من الرياء، أو حظوظ النفس فينظر إلى
الغالب، وقوة الباعث، فإن كان باعث الحظ
أغلب سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن
عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان
باعث التقرب أغلب حط منه بقدر ما فيه من
(٣) أضواء البيان ١/ ٨٩.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٢٦٣/٢.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الحاء
باعث الحظ، وإن تساويا تقاوما وتساقطا،
وصار العمل لا له ولا عليه.
ثم قال: ويشهد لهذا إجماع الأمة على
أن من خرج حاجًّا، ومعه تجارة صحّ حجه،
وأثیب علیه، ثم قال: والصواب أن يقال:
مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي، وكان
غرض التجارة کالتابع، فلا ینفك نفس السفر
عن ثواب، ثم طرّد هذا الاعتبار في الجهاد
باعتبار الغنيمة، يعني: ينظر لغالب الباعث
وخلوص القصد، وكذلك الصوم للحمية
والثواب، ينظر لغالب الباعث.
قلت: وتطّرد هذه القاعدة في المعاملات
كلها، وجميع الحركات والسكنات والحرف
وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ
مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود،
والمشوب ينظر للغالب كما تقدم)) (١).
المراد التجارة بالمال الحلال، أما الحرام
فلا(٢).
ومن فوائد هذا القيد: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾
أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه وشرائه أن
یکون مترقبًا لفضل الله، لا معتمدًا على قوته
وكسبه، ومنها: ظهور منّة الله على عباده،
بما أباح لهم من المكاسب، وأن ذلك من
مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى .
المنافع السياسة في الحج:
الحج بالنسبة للأمة الإسلامية مؤتمر
سنوي، وظاهرة عالمية، ليس لها نظير،
تنصهر في رحابه مختلف الأعراق
واللغات والبلدان والطبقات، في وحدة
إيمانية، ولحمة أخوية، ومناسك مشتركة،
تدهش الناظرين، وتدل على حكمة أحكم
الحاكمين.
وقد أشار صاحب (الظلال) إلى بعض
منافع الحج السياسية، حيث قال: ((والحج
بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة،
مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب
في أعماق الزمن، منذ أبيهم إبراهيم الخليل:
ومِلَّةَ أَبِكُمْ إِتَزَهِيمَّ هُوَ سَمَّنْكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن
قَلَ
[الحج: ٧٨].
ویجدون محورهم الذي یشدهم جميعًا
وقوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ دليل على أن إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعًا،
ويلتقون عليها جميعًا ... ، ويجدون رايتهم
التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي
تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان
والأوطان، ویجدون قوتهم التي قد ينسونها
حينًا، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي
يضم الملايين، الملايين التي لا يقف لها
أحد، لو فاءت إلى رايتها الواحدة، التي لا
تتعدد، راية العقيدة والتوحيد.
وهو مؤتمر للتعارف والتشاور، وتنسيق
الخطط، وتوحيد القوى، وتبادل المنافع،
(١) البحر المديد ٢٢٩/١.
(٢) تفسير ابن عرفة ٢٥٣/١.
مَوَسوبر البشير
القرآن الكريم
٣٦٤

والسلع، والمعارف، والتجارب، وتنظيم
ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل
المتكامل مرة كل عام، في ظل الله، بالقرب
من بيت الله، وفى ظلال الطاعات البعيدة
والقريبة، والذكريات الغائبة والحاضرة، في
أنسب مكان، وأنسب جو، وأنسب زمان،
فذلك إذ يقول الله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُواْ
مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧].
كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته
وتجاربه ومقتضياته)) (١).
ففي موسم الحج تلتقي مكة بالوفود
المقبلة من كل فج عميق، تلتقي بأفراد
الإنسانية الموحدة المهتدية المحبة لله
وللمسجد الأول أبي المساجد في القارات
كلها، تتصافح الوجوه، وتتعارف النفوس
على تلبية النداء الصادر بحج البيت، النداء
الذي صدر من قديم، وزاده الإسلام قوة
ووحدة.
ويمكن الوقوف في السيرة النبوية على
موقفين يستشّف منهما استفادة الرسول
صلى الله عليه وسلم من موسم الحج في
جوانب سياسية وإعلامية:
الأول: قبل الهجرة، وهو عرض الرسول
صلى الله عليه وسلم نفسه على العرب
في مواسمهم، ليس للدعوة إلى الله ونشر
الإسلام فحسب، بل طلبًا للحماية والنصرة،
(١) في ظلال القرآن ٥/ ١٩٣.
وهو معنى سياسي خالص، وقد تكلل هذا
الجهاد السياسي بالنجاح، وقطف الرسول
صلى الله عليه وسلم ثمرته بعقد بيعتي العقبة
الأولى والثانية، والبيعة - كما هو معروف-
عمل سياسي محض، وخاصة البيعة الثانية
التي تضمنت اشتراط النصرة والحماية،
روی الحاکم في المستدرك عن جابر بن عبد
الله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم
لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في
الموسم، ومجنة وعكاظ ومنازلهم من منی،
يسألهم: (من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ
رسالة ربي، فله الجنة؟)(٢).
أما الموقف الآخر: فهو بعد الهجرة،
وقيام الدولة الإسلامية، إذ أعلن رسول
الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج،
مبادئ الإسلام وتعاليمه، من خلال خطبة
يوم عرفة، وخطبة يوم الحج الأكبر، إضافة
إلى قرارات سياسية مهمة تمس علاقات
الدولة الإسلامية بغيرها، ولا تزال هذه
الخطبة منبرًا دينيًا ذا طابع سياسي حتى أيامنا
هذه.
ففي صحيح البخاري أن أبا هريرة قال:
(بعثني أبو بكر في تلك الحجة - أي التي
كان أمير الحج فيها أبو بكر، وذلك في السنة
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٦/٢٢، رقم
١٤٤٥٦.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
١٣٣/١، رقم ٠٦٣
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الحاء
التاسعة للهجرة- في مؤذنين -يوم النحر- حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم
هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب،
فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له
منه)(٣).
تؤذّن بمنی: ألا یحج بعد العام مشرك، ولا
يطوف بالبيت عریان، ثم أردف رسول الله
صلى الله عليه وسلم عليًّا، فأمره أن يؤذّن
بـ(براءة) فأذّن معنا علي في أهل منى يوم
النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف
بالبيت عريان)(١).
وزاد الترمذي: (ولا يجتمع المسلمون
والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه
وبین النبي صلی الله عليه وسلم عهد فعهده
إلی مدته، ومن لا مدة له فأربعة أشهر)(٢).
وفي حجة الوداع في يوم الحج الأكبر،
وقد اجتمع حوله مئة ألف من الناس، قام
فيهم خطيبًا، وألقى خطبة جامعة، تضمنت
أول إعلان عام لحقوق الإنسان عرفته
البشرية، أعلن فيه المساواة والعدل، وحرمة
الدماء والأموال، وحقوق النساء، ووضع
دماء الجاهلية، وأموالها الربوية.
ففي صحيح البخاري عن عبد الرحمن
بن أبي بكرة عن أبيه في حديث طويل،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب لا يطوف بالبيت عريان، ٢/ ١٥٣، رقم
١٦٢٢.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الحج، باب
ما جاء في كراهية الطواف عريانًا، ٢١٣/٣،
رقم ٨٧١.
وصححه الألباني في الإرواء، رقم ١١٠١.
فهذان مثالان أو موقفان يظهران منافع
الحج السياسية، والسياسة في الإسلام لا
تنفصل عن الدين بل هي جزء أصيل منه؛
وذلك لأن الإسلام دين ودولة في آن واحد.
ومن فوائد الحج التي تتجلى فيها المنافع
السياسية: كونه مؤتمر اجتماع وتعارف،
وتنسيق وتعاون بين المسلمين، ولاسيما
مع جعل ذلك واقعًا عمليًّا منظّمًا في عدد
من صوره، في مثل المؤتمرات الإسلامية
المصاحبة للحج التي تجمع قيادات
المسلمين في العالم الإسلامي، وفي مواطن
الأقليات الإسلامية، ويتدارسون فيها جملة
من قضايا العالم الإسلامي، تحت رعاية
الجهات الرسمية والمؤسسات الشرعية
العامة.
وتتجلى السياسة أيضًا في مخاطبة الكافة
ممن يحضرون الحج، وممن لا يحضرونه
بما ينقل لهم عن طريق الأشخاص، ليعلموه
ويبلّغوا من وراءهم (فرب مبلغ أوعى من
سامع) (٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: ربّ
مبلغ أوعى من سامع، رقم ٦٧.
(٤) أخرجه البخاري فيِّ صحيحه، كتاب الحجّ،
٣٦٦
القرآن الكريمِ

=NO
أو بما يستجدّ من وسائل کما في عصرنا
الحاضر، من النقل المباشر وغير المباشر
للحج، وما يعلن فيه من بیان للقضايا التي
تهم الأمة كلها، وهو ما يتضح في خطبة
عرفة، تلك الخطبة التي كانت السياسة من
أهم موضوعاتها في خطبة رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، تلك الخطبة التي شملت
الحديث عن جملٍ من السياسة الداخلية
والخارجية، وبيانٍ للحقوق والواجبات
للفرد في الإسلام.
وتتجلى ناحية سياسية أخرى وذلك
في: تحديد حرمة المكان، وبيان عمقه
الاستراتيجي الذي یشرع لمن یدین بالدین
أن تطأ قدمه المدينة المحرمة المقدسة،
فیأتي الحاج المسلم مبتهجًا مسرورًا، ياوي
إلى البيت الحرام، بشعور الانتماء العظيم
للأمة، كما لو كان البيت بيته، بينما تتمنع
قداستها وحرمتها عن قبول من لا یدین بدین
أهلها، ولا ينتمي لولائها الديني زمانًا ومكانًا
وأمةً أن يطأها بقدمه، ولمّا يؤمن بقدسيتها
وحرمتها واجبًا من واجبات إسلامه، لا
وسيلة لتحقيق أغراضه، ومن هنا تتجلى
خطورة أهمية بقاء هذه الولاية في أيادي
سنيّة أمينة، كما تتجلى خطورة أي دعوة
تسعى إلى تدويل الحرمين مهما كانت
حججها.
باب الخطبة أيام منى، ٢/ ١٧٦، رقم ١٧٤١.
ومن فوائد الحج السياسية اليوم: إثبات
صلاحیة الشريعة لكل زمان ومكان، فکم من
زائر للبيت الحرام قد شوّهت عنده صورة
بلاد الإسلام، ومنطلق العقيدة والشريعة
قبل وصوله، فلما دخل بلاد الحرمين، وزار
البيت الحرام رأى عدم تعارض الشريعة
مع الأخذ بالوسائل العصرية، والتفوق في
الأمور الدنيوية، وتوظيف الدنیا للدین، وقد
رأينا وسمعنا شهادات كثيرة وتعبيرات عن
المشاعر تغيّرت فيها النظرة التي أوجدها
التشويه الإعلامي للإسلام وأهله، حتى ظن
بعض الناس من أبناء المسلمين البعيدين أن
الدين لا يتوافق مع العلم.
فيجب على المسلمين أن يستغلوا
هذا المؤتمر العالمي غير المسبوق ولا
الملحوق في معالجة ما أهمهم من أمر
دينهم ودنياهم، فلا يجوز أن تترك هذه
الحشود الهائلة يوم الحج الأكبر دون توجيه
جامع، تلقى به خصومها، صحيح أنهم في
محاريب ذكر، وساحات تسبيح وتحميد،
وأوقات تبتل إلى الله ونشدان لرضاه، لكن
من قال: إن كسر العدو ليس عبادة؟ والسهر
على هزيمتهم ليس تهجدًا؟ إن صيحة (الله
أكبر) تفتتح بها الصلاة لينأى بها المؤمنون
عن مشاغل الدنيا، ويفتتح بها الجهاد لتكون
كلمة الله هي العليا، ولتجف دموع البائسين
وآلام المستضعفين، ومن هنا نفهم قول الله
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الحاء
سبحانه للمحتشدين في عرفات، ولمن الحج، وممن لا يحضرونه، بما ينقل لهم
وراءهم من جماهير المؤمنين في كل مكان:
﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ
مُؤْمِنِينَ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمْ﴾
[التوبة: ١٤ -١٥](١).
عن طريق الأشخاص، ليعلموه، ويبلّغوا
من وراءهم، أو بما يستجد من وسائل، كما
في عصرنا الحاضر، من النقل المباشر،
وغير المباشر للحج، وما يعلن فيه من بيان
للقضايا التي تهم الأمة كلها، وما يبثّ في
الحج من خطب ودروس وندوات.
وبهذه الإطلالة يتبين أن منافع الحج
السياسية باب واسع من أبواب حكمه،
يمكن العمل لتحقيق أكبر قدر منها بتوظيف
هذه الشعيرة توظيفًا شرعيًّا، يتفق مع أهداف
الحج، ويحقق منافعه، من خلال ضبط
إداري وسياسي وتراتيب دعوية راقية،
تعمل من أجل وحدة الأمة على منهاج
النبوة، فيعود منها المسلم وقد ارتوى من
معين العبادة، وتشبّع بروح الوحدة، وآب
مستشعرًا وظيفته الدعوية في كل فج أتى
منه.
المنافع العلمية الدعوية في الحج:
الحج مؤتمر يمكن استغلاله لتبادل
المعارف، والتجارب، والعلوم المختلفة،
عن طريق إقامة الندوات، والمحاضرات،
والمشاورات والمؤتمرات الإسلامية
المصاحبة للحج، التي تجمع علماء
المسلمين في العالم الإسلامي، وفي مواطن
الأقليات الإسلامية.
ويمكن مخاطبة الكافة، ممن يحضرون
(١) انظر: علل وأدوية، الغزالي ص ١٥٨.
المنافع التربوية في الحج:
ومن منافع الحج أنه يعوّدنا على بعض
السلوكيات التربوية، والأخلاق والعادات
الحسنة، ومنها:
التعود على النظام والانضباط: فللحجّ
مواقيت مكانيّة وزمانية يجب التقيّد
بها، وعدم الإخلال بها، أو التّساهل
فيها، وله أركانٌ وواجبات يجب الإتيان
بها كما هي، من غیر زيادة أو نقصان،
وله محظورات يحرم اقترافها.
إنجاز الأعمال أولًا بأول، وعدم
تأخيرها: يتّضح ذلك من خلال قيام
الحجّاج بإنجاز الأعمال أولًا بأول،
وعدم تأخيرها؛ عملًا بقاعدة: ((لا تؤخّر
عمل اليوم إلى الغد)) ففي كلّ يومٍ من
أيام الحجّ يعملون أعمالًا تختلف عن
اليوم الذي قبله، ولا يؤخّرون عمل يومٍ
ليوم آخر، بل هم في حركةٍ مستمرّة،
وعملٍ دءوب، فينجزون أعمالًا كثيرة
في أيام قليلة.
٣٦٨
مَوَسُوبَةُ الْمَّقِين
القرآن الكريم

=NO
فقه التعامل مع الخلاف والمخالف:
فعندما نتأمّل في مناسك الحجّ نجد
أنّ لها أشكالا مختلفة، فمن الحجّاج
من يحجّ مفردًا، ومنهم من يحجّ قارنًا،
ومنهم من يحج متمتعًا، وذلك أفضل،
ونجد أنّ الحجاج يختلفون في أعمال
يوم النّحر، فمنهم من يحلق، وذاك
أفضل، ومنهم من يقصّر، ومنهم من
يقدّم الهدي على الرّمي، ومنهم يفعل
العكس، ولا حرج عليهم في ذلك،
ويختلفون في مغادرة مكّة والخروج
منها، فمنهم المتعجّل، ومنهم المتأخر:
﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن
تَأَخَّ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهٍ لِمَنِ أَنَّقَى﴾ [البقرة:
٢٠٣]. ومع اختلافهم في ذلك نجد أنهم
إخوة متحابّون في الله، ولم يحصل
بینھم شجارٌ ولا خصام، ولا تدابر، ولا
تقاطع، کما أنه لم يحصل قبل ذلك بین
الصحابة رضوان الله عليهم .
والحج أيضًا ثقة في الله وتوکل علیه:
فالتو کل شعور نفیس غریب، وهو أغلى
من أن يخامر أي قلب، إنه ما يستطيعه
إلا امرؤ وثيق العلاقة بالله، حساس
بالاستناد إلیه والاستمداد منه، وعندما
ينقطع عون البشر، وتتلاشى الأسباب
المرجوة، وتغزو الوحشة أقطار النفس،
فلا يردها إلا هذا الأمل الباقي في
جنب الله، عندئذ ينهض التوكل يرد
الوساوس، وتسكن الهواجس (١).
وإن أبرز شيء في الحج نأخذ منه هذا
الدرس هي قصة هاجر زوج إبراهيم وأم
إسماعيل حيث قالت لزوجها: آلله أمرك
بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذن لا يضيعنا(٢).
والحج يجمع بين العقل والعاطفة: وهذه
ليس صفة خاصة بالحج فقط، إنما يستمدها
الحج من المنهج الشامل للإسلام ذاته،
الذي يجمع بين الجسم والروح في نظام
الإنسان، وبين السماء والأرض في نظام
الكون، وبين الدنيا والآخرة في نظام الدين،
ويسلك بها جميعًا طريقًا واحدًا، ويصبغها
صبغة واحدة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ
اَللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨].
فكما أن الإسلام منهج عقلاني عاطفي،
فهو نظام مثالي واقعي ونظري تطبيقي سواء
بسواء.
إن مناسك الحج تنمية العواطف
المسلمين نحو ربهم ودينهم، وماضيهم
وحاضرهم، ويكفي أنها تجمعهم من
أطراف الأرض شعثًا غبرًا، لا تفريق بين
ملك وسوقة، ولا بین جنس وجنس، ليقفوا
في ساحة عرفة في تظاهرة هائلةٍ، الهتاف
فيها لله وحده، والرجاء في ذاته، والتكبير
(١) فن الذكر والدعاء، الغزالي ص ١٠٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، ١٤٢/٤، رقم ٣٣٦٤.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الحاء
لاسمه، والضراعة بين يديه، فقر العبودية
ظاهر، وغنى الربوبية باهر، ومن قبل إلى الحج الآن ثم يعودون مكتفين بأن
الشروق إلى ما بعد الغروب، لا ذكر إلا لله،
ولا طلب إلا منه سبحانه (١).
والمقصود من هذه الرحلة أمور عقلية
وعاطفية معًا، فإن الإنسان لا يعيش بالفكر
النظري وحده، ولكن مشاعره وعواطفه
شديدة السيطرة عليه، والإسلام يجتهد
في تحويل الإيمان من صورة عقلية تسكن
الرأس إلى معانٍ عاطفية، تغمر القلب،
و تتشبث بالفؤاد، وينفعل الإنسان بها، ويحيا
طول عمره وفقها.
وإذا كان القرآن قد بيّن العلة من فريضة
الحج، فقال: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ
وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِيَ أَبَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى
مَا رَزَقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ﴾ [الحج: ٢٧].
وقد جاءت كلمة (منافع) منكرة لتفيد
العموم والشمول، سواء كانت منافع مادية
أو معنوية، فإن الجانب الروحي في الحج
ظاهر كل الظهور في شعائر كثيرة من
شعائره؛ ولهذا فإن إثراء الجانب الروحي
هدف ظاهر من أعمال الحج وأقواله حتى
تعود وفود الرحمن جياشة العواطف بحب
الله وخشيته، متواصية على تنفيذ وصاياه
وإعظام حقوقه.
(١) انظر: مائة سؤال عن الإسلام، محمد الغزالي
ص٨٥.
فالحج لیس رحلة ميتة، إن ناسًا يذهبون
حملوا لقبًا، هل درست قضایاهم؟ لا، هل
عادوا من موسم الحج بتحالف على محاربة
الفساد الداخلي والغزو الخارجي؟ لا، إن
الحج ليس عبادة فردية، لا في ديننا ولا في
تاريخنا، فيجب أن نعلم ديننا، وكفانا جهلًا
حتى لا نستيقظ على الويل والثبور، وعظائم
الأمور (٢).
ثانيًا : الثمرات الأخروية للحج:
١. ذكر الله وشكره.
ذكر الله تعالى مقصد مؤكد في كل
مناسك الحج؛ وذلك أن أي منسك في
المناسك لا يخلو من ذكر، ولم لا والحج
كله تلبية لأمر الله، وترك لكل شيء فرارًا
إلى الله تعالى ؟!
حتى جعل الله الذكر من علل الحج،
فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالحَجْ يَأْتُوكَ رِجَالًا
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَّ عَمِيقٍ
لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ
٢٧
﴾ [الحج: ٢٧ -٢٨].
الله.
وإذا تأملنا بعض آيات القرآن التي
تتحدث عن الحج أدركنا هذه الحقيقة،
وعلمنا أن ذكر الله هو أساس شعائر الحج.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ
(٢) انظر: الخطب، الغزالي ١٢٨/٣.
٣٧٠
مَوْسُورُ
القرآن الكريم

عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ
الْحَرَاءِّ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنْكُمْ وَإِن
كُنْتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ
وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللّهَ
كَذِكْرِ كُمْءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشْدَّ ذِكْرَأُ فَمِنَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِىِ الدُّنْيَا وَمَا
لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ { وَمِنْهُم مَّن
يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَفِي
٢٠١
اُلْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ
اِْسَابِ﴾ [البقرة: ١٩٨-٢٠٢].
ومن الملاحظ أن التعبير عن مناسك
الحج في الآيات السابقة أخذ كلمة (الذكر)
دائمًا، حتى رمي الجمرات أسماه القرآن
ذكرًا: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ
فَلَ إِثْمَ عَلَيَّةٍ لِمَنِ أَنَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وهي أيام التشريق، ورمي جمرة العقبة
في العيد، فكأن المقصود من الموضوع هو
الذكر الجهير لله تعالى، وما رمي الجمرات
إلا رمز.
ثم قال جل ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّتٍ
جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم
مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنَْمِّ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ:
أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ
وَهِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَِّنَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ
وَالْمُقِيمِىِ الصَّلَوَةِ وَهَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ
٣٥
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِن شَعَِ اللَّهِ لَكُنْ
فِيهَا خَيْرٌ فَاذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج:
٣٤-٣٦].
والحق أن الحج كله هو هذا الهدير
الموصول بذكر الله من أمواج بشرية متصلة،
لا شغل لها إلا الجوار بالتلبية والهتاف
بالتسبيح.
وهناك العديد من أعمال الآخرة في
الحج غير الذكر، ومنها: التفقه في الدين،
والاهتمام بشؤون المسلمين عمومًا،
والتعاون على البر والتقوى، والدعوة إلى
الله سبحانه، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، والاستكثار من الصلاة، والطواف،
والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه
وسلم .
٢. الفوز بما وعد الله به الحجاج
من تكفير السيئات والفوز بالجنة.
من المنافع الأخروية للحج الحصول
على الأجر والثواب والرضوان من الله عز
وجل ، وتكفير الذنوب والمعاصي، فيرجع
الحاج من حجه کیوم ولدته أمه.
كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله
عنه قال: سمعت النبي صلی الله عليه وسلم
يقول: (من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق،
www. modoee.com
٣٧١

حرف الحاء
رجع کیوم ولدته أمه)(١).
قال في المنتقى: ((يريد - والله أعلم - أنه
لا ذنب له؛ لأن ما أتی به من العمل قد كفّر
سائر ذنوبه، فصار كيوم ولدته أمه، لا ذنب
له)»(٢). وقال السندي: ((وعلى هذا فهذا
الحديث من أدلة أن الحج يغفر به الكبائر
أيضًا ، بل هذا الحديث يفيد مغفرة ما تقدم
من الذنوب وما تأخر)) (٣). وقال القرطبي:
((وهذا يتضمن غفران الصغائر والكبائر
والتبعات)) (٤). وهذا الأجر العظيم للحج
بسبب أنه من أفضل الأعمال عند الله،
فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه
وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان
بالله ورسوله). قيل: ثم ماذا؟ قال: (جهاد
في سبيل الله). قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج
مبرور)(٥) والمبرور: المقبول، وهو الذي لا
خلل فيه.
والمبرور أيضًا الذي لا يخالطه شيء
من المأثم، وهو من البر، وهو اسم جامع
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحجّ،
باب قول الله: (ولا فسوق ولا جدال في
الحج)، ١١/٣، رقم ١٨٢٠.
(٢) المنتقى شرح الموطأ، الباجي ١٥/٣.
(٣) حاشية السندي على النسائي ١١٢/٥.
(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم
١٨٠/٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب فضل الحج المبرور، ١٣٣/٢، رقم
١٥١٩.
للخير (٦).
قال الحسن البصري: ((هو أن يرجع
زاهدًا في الدنيا، راغبًا في العقبى)»(٧).
ويرى بعض العلماء: أن بر الحج إنما
هو: إيفاء أركانه وواجباته، أي: الإتيان به
على الوجه الأكمل. ويرى البعض أن الحج
المبرور ما قام فيه الحاج بإطعام الطعام،
وإفشاء السلام، ولین الكلام مع رفقائه،
وهو راجع إلى الوجه الأول أيضًا؛ لأن من
تمام الحج الرفق بالمسلمین، و کما جاء عنه
صلى الله عليه وسلم قوله: (وتعين الرجل
علی دابته تحمله عليها، أو ترفع له متاعه
عليها صدقة)(٨).
وهكذا في الحج، ولما كان هذا الجمع
من كل قطر على اختلاف العادات والبيئات،
فتختلف طبائع المجتمعات عن بعضها،
جاءت آداب الحج في كتاب الله لتقضي
على كل تلك الفوارق، وتمنع كل أسباب
النزاع؛ ليظل الحجيج متآلفين متآخین، فقال
تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَضَ
فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَاَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَاَ جِدَالَ فِى
الْحَجْ ﴾ [البقرة: ١٩٧].
(٦) عمدة القاري، العيني ١٤/ ٢٠٠.
(٧) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ١١/ ٤٨٠.
(٨) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من
المعروف، ٦٩٩/٢، رقم ١٠٠٩، عن أبي
هريرة رضي الله عنه.
جَوَسُولَةُ النَّهِنَّ
القرآن الكريم
٣٧٢

=NO
لأن هذه الثلاثة تؤدي إلى الفرقة، وإلى
النزاع والشقاق، وهم إنما جاءوا ليشهدوا
منافع لهم، ولا يتم شهود المنافع مع وجود
النزاع والخصومات، ومع وجود الرفث.
المبرور، وهو أن ننظر إلى الحاج حينما
خرج من بلده وجاء إلى الأراضي المقدسة،
وأدى المناسك ... الخ، ثم عاد إلى بلده
كيف صارت حالته؟! نزن الحالة الأولى مع
الحالة الثانية، هل هو أحسن حالًا في سلوكه،
ومنهجه، وأمانته، ومعاملاته، ومحافظته
على العبادات، وفي وفائه للحقوق أهو خير
مما ذهب، أو هو کما ذهب رجع؟ فإذا كان
خیرًا مما ذهب فیکون قد استفاد من رحلة
الحج؛ لأن رحلة الحج فیھا تهذيب للنفس.
يقول الشيخ ابن عثيمين: ((فالحج
المبرور هو الذي اجتمعت فيه أمور:
الأمر الأول: أن یکون خالصًا لله، بأن لا
يحمل الإنسان على الحج إلا ابتغاء رضوان
الله، والتقرب إليه سبحانه وتعالى ، لا يريد
رياء ولا سمعة، ولا أن يقول الناس: فلان
حج، وإنما يريد وجه الله.
الثاني: أن يكون الحج على صفة حج
النبي صلی الله عليه وسلم ، يعني: أن يتبع
الإنسان فيه الرسول صلی الله عليه وسلم ما
استطاع.
الثالث: أن يكون من مال مباح ليس
حرامًا، بأن لا یکون ربا، ولا من غش، ولا
من ميسر، ولا غير ذلك من أنواع المفاسد
المحرمة، بل يكون من مال حلال.
الرابع: أن يجتنب فيه الرفث والفسوق
وبعضهم قال: هناك ميزان للحج والجدال؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَتَ
وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجْ﴾ [البقرة:
١٩٧])(١).
وقوله: (ليس له جزاء إلا الجنة) أعظم
بهذا الجزاء! يخرج المسلم في رحلة أيامًا
وأسابيع أو أشهرًا فيعود بهذا الجزاء، وهو
الجنة، ومعنى ذلك: أنه يستحق عند الله
-عطاءً منه- أن يدخله الجنة، إذن: عليه أن
يحافظ على تلك النعمة وعلى هذا العطاء،
وأن لا يحرم نفسه منه، أي: بما يضاد
موجباتها. قال في فيض القدير: ((وقوله:
(ليس له جزاء إلا الجنة) أي: إلا الحكم
له بدخول الجنة، فلا يقتصر لصاحبه من
الجزاء علی تکفیر بعض ذنوبه، بل لابد أن
يدخلها، أي: مع السابقين، أو بغير عذاب،
وإلا فكل مؤمن يدخلها وإن لم يحج))(٢).
ويالها من جائزة! غفران الذنوب
جميعها، فیرجع المسلم بعد أداء حجه على
الوجه الذي يحبه الله ورسوله وما عليه
خطیئة، ويرجع إلى داره بعدما هاجر وجاهد
وتبرأ من المشركين، وعطف على الفقير
(١) شرح رياض الصالحين ١٤٧٣/٣.
(٢) فيض القدير، المناوي ٣/ ٥٣٨.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الحاء
والمسكين، وحاله من البعد عن الذنوب
والآثام کحاله یوم ولدته أمه، صفحة بيضاء
نقية، لم تكدّرها أو تشبها شائبة.
٣. تزكية النفوس وتطهيرها
بالإحسان إلى الفقراء.
حضّت الشريعة المسلم على تزكية
نفسه، وتطهيرها، وتحريرها من شح النفس
وبخلها، فأمرت بإعطاء الفقراء والمساكين
حقهم من الزكوات، وحثّت على الإنفاق
عليهم والإحسان إليهم، ووعدت على ذلك
الأجر الجزيل، وفي الحج يحتاج الناس
إلى الزاد الذي به قيام النفوس، وفي هذا
الموقف يأمر الله الحجاج أن يخرجوا من
أموالهم وأزوادهم ما يطعمون به الفقير من
النّسك الذي ذبحوه تقربًا إلى الله تعالى،
فقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآَيْسَ
الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٢٨].
فيفعل الحاج من ذلك ما يفعل طعمةً
للفقراء والمساکین، و تقوی لله عز وجل.
قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ أُوْمُهَا وَلَا
بِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:
٣٧].
وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم
أمر النفقة في الحج، فقال صلى الله عليه
وسلم: (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل
الله بسبعمائة ضعف)(١).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٠٦/٣٨،
مَوَسُوعـ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
وهذا الدرس لم يفهمه من يبخل على
قريبه، أو جاره الفقير من المسلمين، فيمنع
عنهم ما ينفعهم أخذه، ولا يضره عطاؤه،
ولم يفهمه أيضًا من يقدّم في نسكه العجفاء
أو العرجاء أو ذات العيب، فإنما ذلك شيء
يقرّبه الإنسان لربه، والإنسان عندما يقرّب
لحبيب أو يهدي لصديق فإنه يختار من
الأشياء الجيد النفيس. والله أعلم.
موضوعات ذات صلة:
الزكاة، الصلاة، الصيام، العبادة، مكة
٢٣٠٠٠.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
١/ ٨٦٤، رقم ٥٩٩٣.
٣٧٤