النص المفهرس

صفحات 21-40

وقيل: التسعة الأول مع ليلة النحر من أشهر وبعض ذي الحجة))(٢).
الحج))(١).
ومن قال بالقول الأول حجته: أن الأشهر
جمعٌّ، وأقلّه ثلاثةٌ، وأيضًا فإن أيام النحر
يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج: من رمي
الجمار، والذبح والحلق، وطواف الزيارة،
والبيتوتة، يعني ليالي منى، وإذا حاضت
المرأة، فقد تؤخّر الطواف الذي لابد منه
إلى انقضاء أيامٍ بعد العشرة، ومذهب عروة
تأخیر طواف الزيارة إلى آخر الشهر.
وأجيب على حجتهم هذه: أن لفظ
الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد؛ بدليل
قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
وأيضًا فإنه نزّل بعض الشهر منزلة
كلّه، فإن العرب تسمّي الوقت تامًا بقليله
وكثيره، يقال: زرتك سنة كذا، وأتيتك
يوم الخميس، وإنما زاره، وأتاه في بعضه،
وأيضًا فإن الجمع ضمّ شيءٍ إلى شيءٍ، فإذا
جاز أن يسمى الاثنان جماعةً جاز أن یسمی
الاثنان وبعض الثالث جماعةً، وأما رمي
الجمار فإنما يفعله الإنسان وقد حلّ بالحلق
والطواف والنحر، فكأنه ليس من أعمال
الحج، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في
حكم القضاء لا في حكم الأداء. والأشهر:
جمع، وأقلّه ثلاثة، وقد حملناه علی شهرین
وبعض الثالث، وذلك شوال، وذو القعدة،
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٢٤/٢.
وإذا علم أن أشهر الحج هي شوال وذو
القعدة وبعض ذي الحجة أو كلها، فلا يحرم
بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج
أن يحرم بالحج في أشهر الحج، فمن أحرم
بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن
حجه، ويكون ذلك عمرة، كمن دخل في
صلاة قبل وقتها، فتكون نافلة، والدليل على
هذا قوله: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ فخصّ
هذه الأشهر بفرض الحج فيها، فلو كان
الإحرام بالحج في غير هذه الأشهر منعقدًا
جائزًا لما كان لهذا التخصيص فائدة، مثل
الصلوات علّقها بمواقيت لم يجز تقديمها
عليها (٣).
وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ أي: في
أشهر؛ لقوله بعده: ﴿فَمَن ◌َضَ فِيهِنَّ الْحَجّ﴾.
و(الحج) مبتدأ، و(أشهر) خبره، والمبتدأ
والخبر لابد أن يصدقا على ذاتٍ واحدٍ،
و(الحج) فعل من الأفعال، و(أشهر) زمانٌ،
فهما غيران، فلابد من تأويل، وهو القول أن
في الكلام حذفًا تقديره: أشهر الحج أشهر،
أي: لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز
في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهلية في
غيرها، كقوله: البرد شهران، أي: وقت البرد
شهران، أو: وقت الحج أشهر، أو: وقت
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣٨٢/١.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الحاء
عمل الحج أشهر، والغرض إنما هو أن يكون غالبًا. قال الزجاج: معناه أشهر الحج أشهر
معلومات، وهو شوال وذو القعدة وتسع
الخبر عن الابتداء هو الابتداء نفسه، والحج
ليس بالأشهر، فاحتيج إلى هذه التقديرات،
ومن قدّر الكلام: الحج في أشهر، فیلزمه مع
سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ
بنصبها أحد (١).
من ذي الحجة، قال ابن عباس: جعلهن الله
للحج وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح
لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج،
وأما العمرة فإنه يحرم بها في كل شهر،
وقوله: ﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾ أي: عند فآخر هذه الأشهر يوم عرفة، وقد جاء في
بعض الأخبار في تفسير أشهر الحج: وعشر
من ذي الحجة، وفي بعضها: تسع من ذي
الحجة، فمن قال: تسع فإنما عبّر به عن
الأيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(الحج عرفة)(٣) فمن وقف بعرفة في يوم
عرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه، ومن قال:
عشرة عبّر به عن اللیالي، فمن لم يدركه إلى
طلوع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج،
والشهور إنما يؤرخ بالليالي (٤).
المخاطبين مشهورات، بحيث لا تحتاج
إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين
شهره، وكما بيّن تعالى أوقات الصلوات
الخمس، وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم
التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة
بينهم. قال ابن عاشور: ((ووصف الأشهر
بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب
من قبل، فهي من الموروثة عندهم عن شريعة
إبراهيم، وهي من مبدأ شوال إلى نهاية أيام
المحرم، وبعضها بعض الأشهر الحرم؛
لأنهم حرّموا قبل يوم الحج شهرًا وأيامًا،
وحرّموا بعده بقية ذي الحجة والحرام كله؛
لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع
الحجيج إلى آفاقهم، وأما رجب فإنما حرّمته
مضر؛ لأنه شهر العمرة)) (٢).
والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور
العلماء: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي
الحجة، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢١٩/١،
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٢٤/٢.
(٢) التحرير والتنوير ٢٣١/٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٤/٣١، رقم
١٨٧٧٤، والترمذي في سننه، أبواب الحج،
باب فيمن أدرك الإمام بجمع، ٢٢٨/٣،
رقم ٨٨٩، والنسائي في سننه، كتاب مناسك
الحج، باب فرض الوقوف بعرفة، ٢٥٦/٥،
رقم ٣٠١٦، وابن ماجه في سننه، كتاب
المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر،
١٠٠٣/٢، رقم ٣٠١٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٣١٧٢.
(٤) الكشف والبيان، الثعلبي ٣٨٢/١.
٣٢٢
القرآن الكريم

ثالثًا: الأهلة مواقيت الحج:
قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ
مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ
اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَرُّ
وَأَتُوَأْ أَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَاً وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((قال
العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت
هذه الآية: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ
مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ يعلمون بها حلّ
دینهم، وعدّة نسائهم، ووقت حجّهم))(١).
وفي البخاري عن البراء قال: كانوا إذا
أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره،
فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّبِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ
مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنِ أَتَّقَىُّ وَأَتُواْ
اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبَوَبِهَا﴾(٢).
والمعنى: يسألك أصحابك - أيها
النبي -: عن الأهلة وتغيّر أحوالها، قل
لهم: جعل الله الأهلة علامات یعرف بها
الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت،
مثل الصيام، والحج، ومعاملاتهم، وليس
الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية، وأول
(١) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، سورة البقرة، باب قوله: (وليس البر
بأن تأتوا البيوت من ظهورها)، ٢٦/٦، رقم
٤٥١٢.
الإسلام من دخول البیوت من ظهورها حین
تحرمون بالحج، أو العمرة، ظانين أن ذلك
قربة إلى الله، ولكن الخير هو فعل من اتقى
الله، واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت
من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة،
واخشوا الله تعالى في كل أموركم، لتفوزوا
بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة.
وفي قوله: ﴿مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ﴾ يدخل فيه
مواقيت الصلوات والصيام والزكاة والعقود
وغيرها، وإنما خص الحج بالذكر لكثرة ما
يترتب عليه من الأوقات العامة والخاصة،
وكذلك هي مواقيت للعدد والديون
والإجارات وغيرها، قال تعالى لما ذكر
العدة: ﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].
وقوله في الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وقال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآپِهِمْ تَرَبُُّ
أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا
مَّوْقُوتًا ﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَّ الِبِينِ
أَحْصَى لِمَا لَبِئُواْ أَمَدًا ﴾ [الكهف: ١٢].
وذلك لمعرفة كمال قدرة الله فيإفاقتهم،
فلو استمروا على نومهم لم يحصل الاطلاع
على شيء من ذلك من قصتهم، فمتی ترتب
على ضبط الحساب وإحصاء المدة مصلحة
في الدين والدنيا كان مما حث وأرشد إليه
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الحاء
القرآن(١).
قال ابن عاشور: ((وذكر فوائد خلق
الأهلة في هذا المقام للإيماء إلى أن الله
جعل للحج وقتًا من الأشهر، لا يقبل
التبديل ؛ وذلك تمهيدًا لإبطال ما كان في
الجاهلية من النسيء في أشهر الحج في
بعض السنين))(٢). ونلحظ هنا أنهم سألوا
عن الأهلة فأجابهم الحق تبارك وتعالى
بغير ما ينتظرون؛ إشارة إلى أن السؤال عن
سر الاختلاف ليس فيه منفعة شرعية، وإنما
ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية.
ومما سبق كله نجد أن سياق النص
وسبب نزوله یشیر إلی أن ذکر الحج هنا قد
جاء في معرض إبطال الشرك، وتصحيح
الفهم الجاهلي، فكأنه يقول: إن الأهلة
مواقيت للناس والحج، وما يفعلونه في
الحج من التمنع من دخول البیوت من تحت
السقوف إنما هو محض افتراء على الله عز
وجل، ولا علاقة له بالبر أبدًا.
رابعًا: أماکن ومشاعر للحج ورد ذكرها
في القرآن:
ورد ذكر أماكن ومشاعر للحج في
القرآن، منها: الصفا والمروة، وعرفات،
والمشعر الحرام.
أما ذكر الصفا والمروة، وكونهما من
(١) انظر: القواعد الحسان، السعدي ص١٣٨.
(٢) التحرير والتنوير ٢/ ١٩٤.
شعائر الله، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَآيِاللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ
فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَنْ تَطََّّعَ
خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرْ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
ومعنى الآية: إن الصفا والمروة من معالم
دين الله الظاهرة التي تعبّد الله عباده بالسعي
بينهما، فمن قصد الكعبة حاجًّا أو معتمرًا،
فلا إثم عليه ولا حرج في أن یسعی بينهما،
بل يجب عليه ذلك، ومن فعل الطاعات
طواعية من نفسه مخلصًا بها لله تعالى ، فإن
الله تعالى شاكر يثيب على القليل بالكثير،
علیم بأعمال عباده فلا یضیعھا، ولا يبخس
أحدًا مثقال ذرة.
وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ﴾ الصفا: جمع
الصّفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال
امرؤ القيس:
لها كفل كصفا المسيل
أبرز عنها جحاف مضر
والمروة: من الحجارة ما لان وصغر،
قال أبو ذؤيب الهذلى:
حتى كأني للحوادث مروة
بصفا المشرق کل یوم تقرع
أي: صخرة رخوة صغيرة، وإنما عنى
الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكة،
دون سائر الصفا والمروة؛ فلذلك أدخل
فيهما الألف واللام(٣). فالألف واللام فيهما
(٣) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٧٩/١.
مَوَسُولَةُ الَّة
القرآن الكريم
٣٢٤

للتعريف لا للجنس، ومع توسعة المسجد تعبدنا الله بها في هذه المواضع؛ لكونها
الحرام صارا متصلين به.
واختلف في اشتقاق الصفا، فقيل: من
قولهم: صفا يصفو: إذا خلص. وحکي عن
جعفر بن محمد قال: نزل آدم على الصفا
وحواء على المروة فسمّي الصفا باسم آدم
المصطفى، وسميت المروة باسم المرأة،
وقيل: إن اسم الصفا ذكّر بإساف، وهو صنم
كان عليه مذكر الاسم، وأنّثت المروة بنائلة،
وهو صنم کان علیه مؤنث الاسم(١).
وقوله: ﴿مِنْ شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ الشعائر: جمع
شعيرة، من الإشعار بمعنى الإعلام، ومنه
قولك: شعرت بكذا، أي: علمت به، وقد
كانت الشعائر كلها معروفة لديهم، وهي
أمكنة وأزمنة وذوات؛ فالصفا والمروة
والمشعر الحرام من الأمكنة، والشهر الحرام
من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد من
الشعائر الذوات.
وسيأتي تفصيل الكلام على هذا الركن
وكون الصفا والمروة من شعائر الله أي : -السعي بين الصفا والمروة- في أركان
الحج التي ذكرت في القرآن.
أعلام دينه ومتعبداته، تعبدنا الله بالسعي
بينهما في الحج والعمرة.
وشعائر الحج: معالمه الظاهرة للحواس،
التي جعلها الله أعلامًا لطاعته، ومواضع
نسكه وعباداته، كالمطاف والمسعى
والموقف والمرمى والمنحر.
وتطلق الشعائر أيضًا على العبادات التي
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ١١١.
علامات على الخضوع والطاعة والتسليم
فكل ما كان معلمًا لقربان
لله تعالى (٢)
يتقرب به إلى الله عز وجل من دعاء،
وصلاة، ومن ذبيحة، وأداء فرض وغير ذلك
فهو شعيرة.
والصفا والمروة داخلة في الشعائر التي
أمرنا بتعظيمها، كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ
يُعَظِّمْ شَعََبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾
[الحج: ٣٢].
وأن تعظيمها المنصوص في هذه الآية:
يدل على عدم التهاون بالسعي بين الصفا
والمروة. وإنما جعلها كذلك لأنها من أثار
هاجر وإسماعيل وما جرى عليهما من
البلوى، ويستدل بذلك على أن من صبر
على البلوى، لابد وأن يصل إلى أعظم
الدرجات (٣).
ومن مناسك الحج التي ذكرت في
القرآن، عرفات والمشعر الحرام:
فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ
عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ اٌلْمَشْعَرِ
الْحَرَامِهـ
﴾ [البقرة: ١٩٨].
(٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٢٤٨.
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٢١٦/٢.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الحاء
يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون: نحن قطّان
بيت الله، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛
لأن عرفات خارج عن الحرم، وعامة الناس
يقفون بعرفات، فأمر الله النبي صلى الله
عليه وسلم والمسلمين أن يفيضوا من
حیث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من
المزدلفة كفعل قريش، وهذا هو مذهب
جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه
الإجماع. حيث قال: «والذي نراه صوابًا من
تأويل هذه الآية: أنه عنى بهذه الآية قریشًا،
ومن كان متحمسًا معها من سائر العرب؛
الإجماع الحجة من أهل التأويل على أن
ذلك تأويله))(١).
دفعتم، والتعبير بـ ﴿آنَضْتُم ﴾ يصوّر لك
هذا المشهد، كأن الناس أو دیة تندفع؛ وأصل
الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبع
بقوة، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على
سبيل المبالغة (٢). والعرب كانوا يسمون
الخروج من عرفة الدفع، ويسمون الخروج
من مزدلفة إفاضة، وكلا الإطلاقين مجاز؛
لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة، ومن بلاغة
القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين لما
في (أفاض) من قرب المشابهة من حيث
(١) جامع البيان، الطبري ٤ / ١٩٠.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة ١/ ١٦١.
مَوَسُوع
القرآن الكريم
وسبب نزولها: أن قريشًا كانوا يقفون معنى الكثرة دون الشدة؛ ولأن في تجنب
(دفعتم) تجنبًا لتوهم السامعين أن السير
مشتمل على دفع بعض الناس بعضًا؛ لأنهم
كانوا يجعلون في دفعهم ضوضاء وجلبة
وسرعة سير، فنهاهم النبي صلى الله عليه
وسلم عن ذلك في حجة الوداع، وقال: (یا
أیھا الناس علیکم بالسکینة، فإن البر ليس في
الإيضاع) (٣) (٤).
وقوله: ﴿مِّنْ عَرَفَتٍ﴾(من) ابتدائية،
والتصريح باسم (عرفات) في هذه الآية للرد
على قريش؛ إذ كانوا في الجاهلية يقفون في
(جمع) وهو المزدلفة؛ لأنهم حمس، فیرون
أن الوقوف لا يكون خارج الحرم، ولما
كانت مزدلفة من الحرم كانوا يقفون بها،
وفي قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم﴾ أي: ولا يرضون بالوقوف بعرفة؛ لأن عرفة من
الحل ... ؛ ولهذا لم يذكر الله تعالى المزدلفة
في الإفاضة الثانية باسمها، وقال: ﴿مِنْ
حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ لأن المزدلفة هو
المكان الذي يفيض منه الناس بعد إفاضة
عرفات؛ فذلك حوالة على ما يعلمونه(٥).
وعرفات: فيه الصرف وعدمه كأذرعات،
وسمي عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحجّ،
باب أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالسّكينة
عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسّوط، رقم
١٥٨٧.
(٤) التحرير والتنوير ٢٣٨/٢.
(٥) المصدر السابق ٢٣٩/٢.
٣٢٦

السلام لجبريل حين علّمه المناسك: قد فيه في النهار، فيعرف بعضهم بعضًا. وقيل:
لأنه أعرف الأماكن التي حوله (٤).
عرفت، أو لمعرفة آدم حواء فيها (١). أو
لأن جبریل عرّف فیه الأنبياء مناسكهم، أو
أنه سمّي بذلك لعلو الناس فيه، والعرب
تسمي ما علا (عرفة) و(عرفات) ومنه
سمّي عرف الديك لعلوه (٢). لأنه مرتفع؛
وكل شيء مرتفع يسمى بهذا الاسم. ومنه:
أهل الأعراف، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَ أَعْطَبُ
اَلْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ [الأعراف: ٤٨].
وقيل في اشتقاق عرفة: أنه من فأحدها: يوم الحج الأكبر.
الاعتراف؛ لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة
اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية
والاستغناء، ولأنفسهم بالفقر والذلة
والمسكنة والحاجة، ويقال: إن آدم وحواء
عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا: ربنا
ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه وتعالى:
الآن عرفتما أنفسكما.
وقيل: إنه من العرف وهو الرائحة الطيبة،
قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ اَلْنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ﴾
[محمد: ٦].
أي: طيّها لهم، ومعنى ذلك أن المذنبين
لما تابوا في عرفات، فقد تخلصوا عن
نجاسات الذنوب، ويكتسبون به عند الله
تعالى رائحة طيبة (٣). وقيل: لأن الناس
يتعارفون بينهم؛ إذ إنه مكان واحد يجتمعون
(١) البحر المديد، ابن عجيبة ١ / ١٦١.
(٢) النكت والعيون، الماوردي ١٤٣/١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ١٩٠.
وتسمى عرفات المشعر الحلال،
والمشعر الأقصى، وإلال -على وزنهلال-
، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة،
قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له
إلال إلى تلك الشّراج القوابل (٥).
وبقي ليوم عرفة خمسة أسماء أخرى
قال الله تعالى: ﴿ وَأَذَنٌ مِنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ»
إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الأَكْتَرِ﴾ [التوبة: ٣].
وثانيها: الشفع، وثالثها: الوتر، ورابعها:
الشاهد، وخامسها: المشهود في قوله:
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ﴾ [البروج: ٣](٦).
وذکر (عرفات) باسمه تنویھًا به، ويدل
علی أن الوقوف به رکن، وقد قال صلی الله
علیه وسلم: (الحج عرفة)(٧)، فلم یذکر من
المناسك باسمه غير عرفة، والصفا والمروة،
وفي ذلك دلالة على أنهما من الأركان،
خلافًا لأبي حنيفة في الصفا والمروة(٨).
كما سيأتي.
﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهُ عِندَ
و قوله:
(٤) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٣٣٨/٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٥٢/١.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ١٩١.
(٧) سبق تخريجه قريبًا.
(٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٥٥٩.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الحاء
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يقول الحق جل جلاله: والفجر))(٣).
فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا
المزدلفة وبيتوا بها، فإذا صليتم الصبح
بغلس فقفوا عند (المشعر الحرام) وهو جبل
في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتھلیل
والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل
الرسول عليه الصلاة والسلام.
واختلف في الذّكر المأمور به عند
المشعر الحرام ما هو؟ فقال بعضهم: هو
الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء،
والصلاة تسمّى ذكرًا؛ قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ
الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
وأيضًا فإنه أمر بالذكر هناك، والأمر
للوجوب، ولا ذکر هناك یجب إلا هذا. وعن
سفيان بن عيينة قوله: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ
عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين
جميعًا(١).
وقال الجمهور: هو ذكر الله بالتسبيح
والتحميد والتهليل، قال ابن عباس رضي
الله عنهما: ((كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة
لا ينامون)»(٢). قال ابن عثيمين: ((وقوله:
﴿فَأَذْكُرُوا اللهَ﴾ أي: باللسان والقلب
والجوارح، فيشمل كل ما فعل عند المشعر
من عبادة، ومن ذلك صلاة المغرب والعشاء
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٥٤.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٤٤٥/٢.
و(المشعر) هو المعلم، وسمي بذلك لأن
الدعاء عنده، والمقام فيه من معالم الحج،
فهو (مفعل) اسم مكان، وهو المكان الذي
تؤدى فيه شعيرة من شعائر الله عز وجل ،
وهو اسم مشتق من الشعور، أي: العلم، أو
من الشعار، أي: العلامة؛ لأنه أقيمت فيه
علامة كالمنار من عهد الجاهلية، ولعلهم
فعلوا ذلك لأنهم يدفعون من عرفات آخر
المساء، فيدركهم غُيْس ما بعد الغروب،
وهم جماعات كثيرة، فخشوا أن يضلوا
الطريق، فيضيق عليهم الوقت (٤).
وحدّ المشعر: ما بين منى ومزدلفة، من
حد مفضي مازمي عرفة إلى محسر، وليس
مأزما عرفة من المشعر. قال في المحرر:
«و(المشعر الحرام) هو جمعٌ کله، فهي كلها
مشعر إلى بطن محسر، كما أن عرفة كلها
موقف إلا بطن عرنة، بفتح الراء وضمها،
روي عن النبي صلی الله عليه وسلم أنه قال:
(عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة
كلها مشعر، وارتفعوا عن بطن محسر)(٥)
وذکر هذا عبد الله بن الزبير في خطبته، وفي
(٣) تفسير القرآن الكريم، ٣٣٩/٣.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٥٩/١.
(٥) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب المناسك،
باب الموقف بعرفات، ١٠٠٢/٢، رقم
٣٠١٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٢/ ٨٣٤.
٣٢٨
مَوَسُ بَةُ الَّقِّ
القرآن الكريم

المزدلفة قرن قزح الذي كانت قريش تقف دنا منها. قال الرازي: ((وفي تسمية المزدلفة
عليه، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام أقوال: أحدها: أنهم يقربون فيها من منى،
ندبُّ عند أهل العلم)»(١).
ووصف المشعر بـ(الحرام) أي: ذي
الحرمة؛ لأنه داخل حدود الحرم، وقال
العلماء: إن هذا الوصف وصف قيدي؛
ليخرج المشعر الحلال، وهو عرفة، وقالوا:
إن المشعر مشعران: حلال وهو عرفة،
وحرام وهو مزدلفة. فعرفة مشعر حلال؛
لأنها من الحل؛ ولهذا يجوز للمحرم أن
يقطع الأشجار بعرفة. وفيها: دلالة على
أن مزدلفة في الحرم، كما قیده بالحرام،
وأن عرفة في الحل، كما هو مفهوم التقييد
بـ (مزدلفة).
والمشعر الحرام: مزدلفة، سميت
مزدلفة؛ لأنها ازدلفت من منى، أي: اقتربت؛
لأنهم یبیتون بها قاصدين التصبيح في منى،
ويقال للمزدلفة أيضًا (جمع) لأن جميع
الحجيج يجتمعون في الوقوف بها الحمس
وغيرهم من عهد الجاهلية، قال أبو ذؤيب:
فبات بجمع ثم راح إلی منی
فأصبح رادًا يبتغي المزح بالسحل (٢).
أو: لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء
والمغرب، وقيل: إن آدم عليه السلام
اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها، أي:
(١) المحرر الوجيز، ابن عاشور ١/ ٢٢٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٠/٢.
والازدلاف: القرب، والثاني: أن الناس
يجتمعون فيها، والاجتماع: الازدلاف،
والثالث: أنهم يزدلفون إلى الله تعالى،
أي: يتقربون بالوقوف»(٣). قال ابن عاشور:
((ومن قال: إن تسميتها جمعًا لأنها يجمع
فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل عن
کونه اسمًا من عهد ما قبل الإسلام، وتسمى
المزدلفة أيضًا (قزح) بقاف مضمومة، وزاي
مفتوحة ممنوعًا من الصرف، باسم قرن
جبل بين جبال من طرف مزدلفة، ويقال
له: الميقدة؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا
يوقدون عليه النيران، وهو موقف قريش في
الجاهلية، وموقف الإمام في المزدلفة على
قزح)) (٤).
واختلف في المبيت في مزدلفة هل هو
رکن أم واجب؟
قال ابن كثير: ((وإنما سميت المزدلفة
المشعر الحرام لأنها داخل الحرم، وهل
الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به؟
كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض
أصحاب الشافعي، منهم: القفال، وابن
خزيمة؛ لحديث عروة بن مضرس، أو
واجب، كما هو أحد قولي الشافعي يجبر
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٣/٣.
(٤) التحرير والتنوير ٢٤٠/٢.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الحاء
بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء، والمفرد بالعمرة: أن يعتمر ولا يحج، وأما
كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال المتمتع: أن يعتمر في أشهر الحج، ويمكث
للعلماء))(١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: ((ومزدلفة مشعر
من المشاعر، فیکون فیه ردٌ على من قال: إن
الوقوف بها سنة، والقول الثاني: أنه رکن لا
يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والقول
الثالث: أنه واجب يصح الحج بدونه،
ولكن يجبر بدم، وأنا أتوقف بين کونها
رکنًا، وواجبًا، أما أنها سنة فهو ضعيف، لا
يصح)»(٢).
خامسًا: أنواع النسك:
حج بيت الله الحرام يكون بأنساك ثلاثة:
فالأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر
الحج، ويأتي بمناسكها، ثم يحرم بالحج من
جوف مكة، ويأتي بأعماله.
ويقابله القران: وهو أن يحرم بهما معًا،
ويأتي بمناسك الحج، فيدخل فيها مناسك
العمرة (أي: يحج ويعتمر في إحرام واحد).
والإفراد: بأن يأتي بالحج وحده بدون أن
یکون معه عمرة (أو أن يحرم بالحج وبعد
الفراغ منه بالعمرة).
فالحاصل أن المحرمين أربعة: مفرد
بالحج، ومفرد بالعمرة، والمتمتع، والقارن،
فأما المفرد بالحج: أن يحج ويعتمر،
(١) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥٥٤.
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٣٤١/٤.
بمکة حتی یحج بعدما فرغ من عمر ته، وأما
القارن: فهو الذي يحرم بالحج والعمرة
جميعًا، فمن كان مفردًا بالحج أو بالعمرة،
فلا يجب عليه الهدي، ومن كان متمتعًا، أو
قارنًا فعليه الهدي.
وهذه الأنساك الثلاثة مشروعة، وقد
حكى جماعات من أهل العلم الإجماع على
صحتها جميعًا، قال الخطابي: ((لم تختلف
الأمة في أن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة
إلى الحج كلها جائزة)»(٣).
وقال القرطبى: ((لا خلاف بين العلماء
في أن التمتع جائز، وأن الإفراد جائز، وأن
القران جائز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه
وسلم رضي كلًّا، ولم ينكره في حجته على
أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورضيه
منهم)) (٤). وكذا نقل الإجماع على ذلك
البغوي (٥) وابن قدامة (٦).
وقد ورد النص في القرآن على نسك
التمتع، في قوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى
اَلَّْفَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فقوله: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ أي: فمن
انتفع بالتقرب إلى الله تعالى بالعمرة قبل
(٣) انظر: عون المعبود، المباركفوري ١٣٤/٥.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٧/٢.
(٥) معالم التنزيل، ١٦٦/١.
(٦) المغني ١٢٢/٣.
٣٣٠
مَوَسُوبَةُ الْبَعِيد
القرآن الكريم

=NO
الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره، وقيل:
من استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة
محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج،
فما استيسر من الهدى أي: فعليه دم استيسر
علیه بسبب التمتع، وهو دم جبران، يذبحه إذا
أحرم بالحج، ولا يأكل منه عند الشافعي(١).
قال أبو حيان: ((وفسّر التمتع هنا بإسقاط أحد
السفرين؛ لأن حق العمرة أن تفرد بسفر غير
سفر الحج، وقيل: لتمتعه بكل ما لا يجوز
فعله من وقت حلّه من العمرة إلى وقت
إنشاء الحج)»(٢).
وقد أشار القرآن كذلك إلى نسكي
(القران والإفراد):
فالإفراد دل على مشروعيته عموم قوله
تعالى: ﴿وَتِقُواْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فإنه يشمل بعمومه نسك الإفراد، قال
الرازي: («قوله: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
يقتضي الإفراد؛ بدليل أنه تعالى قال:
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ المدي﴾ والقارن
يلزمه هديان عند الحصر، وأيضًا أنه تعالى
أوجب على الخلق عند الأداء فدیة واحدة،
والقارن يلزمه فديتان عند الحصر ... ، فثبت
أن الإفراد أقرب إلى التمام، فكان الإفراد
إن لم یکن واجبًا علیکم بحكم هذه الآية،
فلا أقل من كونه أفضل))(٣). وقال ابن نجيم
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٠٦/١.
(٢) البحر المحيط ٢٤٠/٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥٨/٣.
في البحر الرائق: ((دليل الإفراد قوله تعالى:
﴿وَأَيِّقُوا الَْجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤).
وأيضًا فالآية اقتضت عطف العمرة
على الحج، والعطف يستدعي المغايرة
بين المعطوف والمعطوف عليه، والمغايرة
لا تحصل إلا عند الإفراد، فأما عند القران
فالموجود شيء واحد، وهو حج وعمرة،
وذلك مانع من صحة العطف(٥).
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ ◌َا أَسْتَيْسَرَ مِنَ أَهَدَى﴾ [البقرة:
١٩٦].
حيث ذكر الله أن من حجاج بيت الله
من يكون متمتعًا، واسم التمتع هنا يشمل
القران، مما يدل على أن من الحجاج من
ليس متمتعًا، ولم يبق من الأنساك إلا الإفراد،
فیدل ذلك على جواز حج الفرد وصحته.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ
فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَاَ جِدَالَ فِى
اٌلْحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
حيث ذكر الله تعالى أن بعض المسلمين
یفرض الحج في أشهره، ومما يدخل في
ذلك دخولًا أوليًّا حج الإفراد؛ إذ لم يذكر
تعالى في الآية عمرة مع الحج، مما يدل
على جواز عقد إحرام الحج وحده.
ودليل القرآن: قال في البحر الرائق: ((أما
(٤) البحر الرائق ٣٨٤/٢
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥٨/٣.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الحاء
الأول: فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُُّ
أَلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
دليل الإفراد، قوله: ﴿وَأَِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
دليل القرآن، قوله: ﴿فَنْ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى
اَلَْحْ﴾ [البقرة: ١٩٦].
دليل التمتع))(١).
واختلف الناس في الأفضل من هذه
الثلاثة الأنساك: فقيل: الإفراد أفضل ... ،
وقيل: القران أفضل، وقيل: التمتع أفضل،
وقيل: التمتع والقران أفضل من الإفراد،
وقيل: أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة،
لا أفضلية لبعضها على بعض (٢).
(١) البحر الرائق، ابن نجيم ٧/ ٦٠.
(٢) انظر: المجموع، النووي ٧/ ١٥٢.
أركان الحج المذكورة في القرآن
أعمال الحج هي: أركان وواجبات
وسنن، فالركن: ما لا يحصل التحلّل إلا
بالإتيان به، والواجب: هو الذي إذا تركه
يجبر بالدم، والسّنن: ما لا يجب بتركها
شيءٌ.
قال النيسابوري في تفسيره: ((وأركان
الحج -عند الثلاثة- خمسة: الإحرام،
والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي
بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو
التقصير، وخالف أبو حنيفة وأصحابه في
السعي، فقالوا: هو واجب، يجزي عنه
الدم»(٣).
وأركان الحج كلها قد ذكرت في القرآن
الكريم، إما نصًّا، أو إشارة.
أولًا: الإحرام:
أشار الله تعالى إلى هذا الركن في قوله:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَضَ فِيهِنَّ
﴾ [البقرة: ١٩٧].
ومعنى فرض: نوى وعزم، فنية الحج
هي العزم عليه، وهو الإحرام، ويشترط في
النية عند بعضهم مقارنتها لقول من أقوال
الحج، وهو التلبية، أو عمل من أعماله،
كسوق الهدي، وعند البعض: يدخل الحج
بنية ولو لم يصاحب قولًا أو عملًا. قال
(٣) غرائب القرآن، النيسابوري ١/ ٤٦٥.
٣٣٢
مَوَسُوبَةُ النَّفِيـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

=NO
ابن عاشور: ((وهو أرجح؛ لأن النية في لم يقيده))(٤).
العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من
أعمال العبادة، ولا خلاف أن السنة مقارنة
الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة
براكبها))(١).
وقال ابن كثير: ((وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ
فِيهِنَ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حجًّا،
وفيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج،
والمضي فيه، قال ابن جرير: أجمعوا على
أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب
والإلزام))(٢).
وقال الرازي: ((وفرض الحج لا يمكن
أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدي
فإنه لا إشعار البتة في التلبية بكونه محرمًا،
لا بحقيقة ولا بمجاز، فلم يبق إلا أن یکون
فرض الحج عبارة عن النية، وفرض الحج
موجب لانعقاد الحج)»(٣).
واستدل بهذه الآية الشافعي ومن تابعه
على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره.
قال ابن عاشور: ((قلت: لو قيل: إن فيها
دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام بالحج
قبل أشهره لكان قريبًا، فإن قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ
فِيهِنَ اْمَجَّ﴾ دليل على أن الفرض قد يقع
في الأشهر المذكورة، وقد لا يقع فيها، وإلا
(١) التحرير والتنوير ٢٣٣/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٤٣/١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٩/٣.
ثانيًا: الطواف:
ومن أركان الحج التي ذكرت في القرآن
طواف الإفاضة، وقد نص الله عز وجل على
الأمر به في كتابه، في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ
تَفَتَهُمْ وَلْيُوقُواْ نُدُورَهُمْ وَلْبَطَّوَّفُواْ
بِالْبَيْتِ الْعَشِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
فقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ المراد: الطواف
الركن، وهو طواف الإفاضة والزيارة،
هکذا قال جمع کبیر من المفسرین، حتى
قال الطبري أنه لا خلاف بين المفسرين
في ذلك، حيث قال: ((وعني بالطواف
الذي أمر جل ثناؤه حاج بيته العتيق به في
هذه الآية، طواف الإفاضة، الذي يطاف به
بعد التعريف، إما يوم النحر، وإما بعده، لا
خلاف بين أهل التأويل في ذلك))(٥).
وقال الشنقيطي: ((وبهذا تعلم أن
الله تعالى أوجب طواف الركن، بقوله:
﴿وَلْيَطَّوَّقُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾ وقد بيّنه
صلى الله عليه وسلم بفعله))(٦).
وقال: ((وحجة يوم النحر أعظم أركانها
طواف الإفاضة، فبدونه لا تسمى حجة؛
لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به
في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّقُواْ
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩١.
(٥) جامع البيان، ١٨/ ٦١٦.
(٦) أضواء البيان ٤/ ٣٩٧.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الحاء
بِأَلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾))(١).
﴿بَلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الباء أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ
و قوله:
للإلصاق. فيجب الطواف بجميع البيت،
فمن سلك الحجر، أو على شاذروان الكعبة،
وهي من البيت فلم يطف جميع البيت فلا
. (٢)
يجوز (١).
ففي قوله: ﴿پالْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾ دليل
((لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء
الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه
إبراهیم، وإن كانت قریش قد أخرجوه من
البيت، حين قصرت بهم النفقة؛ ولهذا طاف
رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء
الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم
يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما
على قواعد إبراهيم العتيقة؛ ولهذا قال ابن
أبي حاتم ... ، عن ابن عباس، قال: لما نزلت
هذه الآية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾
طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من
ورائه))(٣).
ثالثًا: الوقوف بعرفة:
الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم،
وقد ورد الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَّا
أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: ١٩٨].
(١) المصدر السابق ٤ /٣٧٧.
(٢) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ١/ ١٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٨/٥.
قال السعدي: ((وفي قوله: ﴿فَإِذَا
عِندَ اَلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ دلالة على أمور:
أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفًا
أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من
عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف، وذکر
الإفاضة من (عرفات) يقتضي سبق الوقوف
به؛ لأنه لا إفاضة إلا بعد الحلول بها»(٤).
وقال في اللباب: ((وروي عن علقمة
والنّخعي أنهما قالا: الوقوف بالمزدلفة ركنٌ
بمنزلة الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا
أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ
عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ فإذا قلنا: بأن
الوقوف بعرفة رکن، وليس ذكره صريحًا في
الكتاب، وإنما وجب بإشارة الآية الكريمة
أو بالسنة»(٥).
وقال الشيخ ابن عثيمين: ((لو قال
قائل: إن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم
مِّنْ عَرَفَتٍ﴾ ليس أمرًا بالوقوف بها،
فالجواب: أنه لم يكن أمرًا بها؛ لأنها قضية
مسلمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم
مِّنْ عَرَفَتٍ﴾(٦).
رابعًا: السعي بين الصفا والمروة:
سبق الكلام عن الصفا والمروة، وأنهما
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٢.
(٥) اللباب في علوم الكتاب ٤٤٥/٢.
(٦) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٣٤١/٣.
٣٣٤
جَوَسُولَةُ النَِّّية
القرآن الكريم

إِنَّ الصَّفَا
من شعائر الله، كما قال تعالى:
وَاَلْمَرْوَةَ مِنْ سَعَابِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَلَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:
١٥٨].
وفي هذه الآية مشروعية الطواف بين
الصفا والمروة، ويؤخذ ذلك من كونه من
شعائر الله، والظاهر أن السعي بينهما ركن
من أركان الحج، لا یتم الحج إلا به، وقال
بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج، یجبر
بدم، ويصح الحج بدونه، وقال آخرون: إنه
سنة وليس بواجب، والقول بأنه سنة ضعيف
جدًّا؛ لأن قوله تعالى: ﴿مِن شَعَآِاللهِ﴾ يدل
على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي
السنة فقط، الشعيرة هي طاعة عظيمة لها
شأن كبير في الدين، بقي أن يكون مترددًا
بين الركن والواجب، والأظهر أنه رکن؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسعوا، فإن
الله كتب عليكم السعي)(١)(٢). فالأقرب:
أنه رکن، ولیس بواجب.
وفي قوله: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَعَلَّوَّفَ
بِهِمَا﴾ هذا تفريع على كونهما من شعائر
الله، وأن السعي بينهما في الحج والعمرة
من المناسك، وهو خبر يقتضي الأمر بما
(١) أخرجه أحمد فى مسنده، ٣٦٣/٤٥، رقم
٢٧٣٦٧.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، رقم
١٠٨٨.
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ١٤٩/٣.
عهد من الطواف بهما.
وليس المقصد منه إباحة الطواف لمن
شاء؛ لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، وإنما
المقصد منه رفع ما وقع في نفوس قوم من
العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج،
وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير
صواب(٣).
وقال القاضي أبو محمد عبد الحق:
وأيضًا فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع
إلی معنی أن یطوف، وتکون (لا) زائدة صلة
في الكلام؛ كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾
[الأعراف: ١٢].
وكقول الشاعر:
ما کان یرضی رسول اللّه فعلهم
والطّيان أبو بكرٍ ولا عمر (٤).
ولهذا أكّدت الجملة الكريمة بـ (أن)
لأن بعض المسلمین کانوا مترددین في کون
السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله،
وكانوا يظنون أن السعي بينهما من أحوال
الجاهلية، کما سبق بيانه.
وفي قوله: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ الجناح
الإثم، وأصله من جنح إذا مال عن القصد،
يقال: جنح الليل إذا مال بظلمته، وجنحت
السفينة: إذا مالت إلى الأرض.
قال الله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْلِلسَّلِّمِ فَاجْنَحْ
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ١٧٥.
(٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الحاء
﴾ [الأنفال: ٦١].
مَا
ومنه: جناح الطائر(١).
وقوله: ﴿أَن يَتَّوَّفَ﴾ أي: يدور،
واختلفوا في وجه الآية، وتأويلها، وسبب
تنزيلها.
وقد جاء في سبب نزول الآية: أن
الأنصار كانوا يحجون لمناة، وكانت مناة
خزفًا وحديدًا، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا
بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام
سألوا، فأنزلت(٢).
خامسًا: حلق الرأس أو التقصير:
ومن واجبات الحج الحلق أو التقصير،
وقد أشار الله تعالى إليه في قوله: ﴿وَلَا تَمْلِقُواْ
رُوسَكُمْ حَتَّ بَبْغَ الْهَدْىُ مَعِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفي قوله: ﴿َُلِّقِينَ رُهُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾
[الفتح: ٢٧].
وفي قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ
وَلْيُونُواْتُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].
فدلت الآيات السابقة على أن من النسك
في الحج حلق الرأس. قال القرطبي: ((لا
خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك
مندوب إليه))(٣)
وفي قوله: ﴿مُحِّقِينَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾
دلالة أن الحلق نسك، وأنه أفضل من
(١) الكشف والبيان، الثعلبي ١/ ٢٨١.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٦٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٣٨٢.
التقصير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:
(رحم الله المحلّقين) قالوا: يا رسول الله:
والمقصّرين؟ قال: (رحم الله المحلّقين)
قالوا: والمقصّرين؟ فقال: (والمقصّرين) (٤)
في الرابعة أو الثالثة ... ، فدل دعاؤه للمحلّقين
بالرحمة مرارًا: على أن الحلق نسك؛ لأنه لو
لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالرحمة،
ودل تأخير الدعاء للمقصّرين إلى الثالثة أو
الرابعة: أن التقصير مفضول، وأن الحلق
أفضل منه، والتقصير مع كونه مفضولًا:
يجزئ بدلالة الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن
الله تعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ اُلْسَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن
شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُهُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾
[الفتح: ٢٧].
وقد روى الشيخان وغيرهما التقصير عن
جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم -.
وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن
التقصير مجزئ.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾
قضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر
بالحلق. قال الجوهري في صحاحه: ((التفث
في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار،
والشارب وحلق الرأس، والعانة، ورمي
الجمار، ونحر البدن، وأشباه ذلك))(٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحجّ،
باب الحلق والتقصير عند الإحلال، ٢/ ١٧٤،
رقم ١٠٧٢٧.
(٥) الصحاح ١/ ٦٤.
٣٣٦
القرآن الكريم

محظورات الحج وكفاراتها
محظورات الحج هي: ما يحرم على
المحرم بسبب إحرامه، وهي: حلق الشعر،
وتقليم الأظافر - قياسًا على حلق الشعر
بجامع الترفه-، ولبس المخيط، والمقصود
به ما يفصل على الجسد، مما صنع على
قدر العضو، وتغطية الرأس، والطيب، وقتل
الصيد، وعقد النكاح، والمباشرة لشهوة،
فيما دون الفرج، والجماع.
وقد ذكر الله تعالى في القرآن بعض
محظورات الحج، ومنها:
١. الرفث والفسوق والجدال.
قال تعالى: ﴿فَلَّ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
جِدَالَ فِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فقوله: ﴿فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ
فِي الْحَجْ ﴾ أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا
تجادلوا في الحج، وإيراد الإنشاء بصيغة
الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء، كما هو
مقرر في المعاني(١).
فنلحظ أنه سبحانه بعد أن قال: ﴿الحَجّ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ قال: ﴿فَلَ رَفَتَ وَلَا
فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجّ﴾ فيكون
ذلك تمهيدًا له، وتهوينًا لمدة ترك الرفث
والفسوق والجدال لصعوبة ترك ذلك على
الناس؛ ولذلك قللت بجمع القلة.
(١) أضواء البيان ٢٠/٥.
قوله: ﴿فَلَاَ رَفَتَ﴾ وقرأ عبدالله: (رفوث)
وهو مصدر بمعنى: الرفث(٢). واختلف
في المراد بـ(الرفث) فقيل: الرفث: اللغو
من الكلام، والفحش منه، قاله أبو عبيدة،
واحتج بقول العجاج:
ورب أسراب حجيج كظّم
عن اللغا ورفث التّكلم
والمراد به هنا الكناية عن قربان النساء،
والكناية بهذا اللفظ دون غيره لقصد جمع
المعنيين الصريح والكناية، وكانوا في
الجاهلية يتوقون ذلك.
قال النابغة:
حیاك ربي فإنا لا يحل لنا
لهو النساء وإن الدین قد عزما
يريد من الدين: الحج، وقد فسروا قوله:
لهو النساء بالغزل(٣).
وقال قوم: الرفث كلمة جامعة لكل ما
يريد الرجل من أهله، وقيل: هو التعرض
بمعانقة ومواعدة أو مداعبة أو غمز (٤).
فيكون الرفث في الأصل: الإفحاش في
القول، وبالفرج الجماع، وباليد الغمز
للجماع، هذا أصل اللغة. وملخص هذه
الأقوال في معنى الرفث: أنها دائرة بين شيء
يفسد الحج وهو الجماع، أو شيء لا يليق
لمن كان ملتبسًا بالحج لحرمة الحج. فدلت
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٢٩/٢.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٣٤/٢.
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٥٣/٢.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الحاء
الآية على النهي عن الرفث في هذه الوجوه
كلها، ومن أجله حرّم العلماء ما دون الجماع
في الإحرام، وأوجبوا في القبلة الدم، ومثله
قوله: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا
يرفث)(١)(٢)
وأما مغازلة النساء والحديث في شأن
الجماع (المباح) فذريعة ينبغي سدها؛ لأنه
يصرف القلب عن الانقطاع إلى ذكر الله في
الحج.
حكم الرفث في الحج:
قال الشنقيطي: ((لا خلاف بين أهل العلم:
أن المحرم إذا جامع امرأته قبل الوقوف
بعرفات: أن حجه يفسد بذلك، ولا خلاف
بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات
الإحرام إلا الجماع خاصة، وإذا فسد حجه
بجماعه قبل الوقوف بعرفات: فعليه إتمام
حجه هذا الذي أفسده، وعليه قضاء الحج،
وعليه الهدي ... ، وإن كان جماعه بعد رمي
جمرة العقبة، وقبل طواف الإفاضة: فحجه
صحيح عند الجميع ... ، وتلزمه فدية))(٣).
قال أبو حيان: ((وأجمع العلماء على أن
الدم»(٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصّوم،
باب هل يقول إنّ صائمٌ إذا شتم، رقم ١٨٠٥.
(٢) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ١/ ٨٧.
(٣) أضواء البيان ٢٩/٥.
(٤) البحر المحيط ٢/ ٢٦٠.
وقال ابن عاشور: «فإن حصل نسيان،
فقال مالك: هو مفسد، ويعيد حجه إذا لم
يمض وقوف عرفة، وإلا قضاه في القابل
نظرًا إلى أن حصول الالتذاذ قد نافى تجرد
الحج والزهد المطلوب فيه، بقطع النظر
عن تعمد أو نسيان، وقال الشافعي في أحد
قوليه وداود الظاهري: لا يفسد الحج، وعليه
هدي»(٥) .
وقوله: ﴿وَلَا فُونَ﴾ الفسوق هو
الخروج عن الطاعة، واختلف المفسرون
في المراد فيه، فكثير من المحققين حملوه
على كل المعاصي، قالوا: لأن اللفظ صالح
للكل، ومتناول له، والنهي عن الشيء
يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه، فحمل
اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من
غير دليل، وهذا متأكد بقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
وبقوله:
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَأَلْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض
الأنواع، ثم ذكروا وجوهًا مختلفة، وهي من
الجماع يفسد الحج، وأن مقدماته توجب باب التفسير بالمثال، واختلاف التنوع، لا
اختلاف التضاد.
فقيل: أراد به هنا النهي عن الذبح
للأصنام؛ لأنه يتعلق بإبطال ما كانوا عليه في
الجاهلية، ومنه: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ يِهِ.﴾
(٥) التحرير والتنوير ٢٣٤/٢.
مُوسُوبَةُ التَّقِّ
القرآن الكريم
٣٣٨

[الأنعام: ١٤٥].
بذلك یکون مبرورًا، و المبرور ليس له جزاء
وفسر أيضًا بفعل ما نهي عنه في الإحرام إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة
من قتل صيد، وحلق شعر وغيره.
غير أن الظاهر شمول الفسوق لسائر
الفسق، والمعاصي كلها لا يختص منها
شيء دون شيء، ويدخل فيه ما سبق وغيره،
كالتنابز بالألقاب.
قال تعالى: ﴿يَتْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ﴾
[الحجرات: ١١].
والسباب، كما قال: (سباب المسلم
فسوق)(١)(٢).
قال ابن كثير: ((والذين قالوا: الفسوق
هاهنا هو جميع المعاصي معهم الصواب،
کما نھی تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم،
وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في
الأشهر الحرم آكد))(٣).
وقوله: ﴿وَلَاَ جِدَالَ﴾ الجدال: مصدر
جادله إذا خاصمه خصامًا شديدًا، والجدل:
هو المماراة والمنازعة والمخاصمة،
وحرّمت هذه لكونها تثير الشر، وتوقع
العداوة، والمقصود من الحج الذل
والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من
القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، رقم
٤٩.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٢٥٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ١ / ٥٤٥.
في كل مكان وزمان، فإنها يتغلظ المنع عنها
في الحج(٤).
واختلف في المراد بالجدال هنا: فقيل:
السباب والمغاضبة، والمقصود هنا: الجدال
المنهي عنه، وهو الذي يخاف معه الخروج
إلى السباب والتكذيب والتجهيل (٥).
واتفق العلماء على أن مدارسة العلم
والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه،
واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر،
وإقامة حدود الدین ليست من المنهي عنه،
فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة
والمشاتمة، وينافي حرمة الحج(٦).
قال الشيخ ابن عثيمين: ((والجدال إن
كان لإثبات الحق، أو لإبطال الباطل، فإنه
واجب، وعلى هذا فيكون مستثنى من هذا
العموم؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]))(٧).
وخص الفسوق والجدال بالذكر في
الحج تعظيمًا لحرمة الحج، ولأن التلبس
بالمعاصي في مثل هذه الحال من التشهير
لفعل هذه العبادة أفحش وأعظم منه في
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٩١.
(٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٣١/٢.
(٦) التحرير والتنوير ١/ ٥٥٧.
(٧) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٣٣٦/٤.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الحاء
غيرها، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه
وسلم في حق الصائم: (فلا یرفٹ ولا یجهل،
فإن جهل عليه فليقل: إني صائم؟)(١) ...
ومعلوم خطر ذلك في غير ذلك اليوم، ولكنه
خصه بالذکر تعظيمًا لحرمته.
٢. الصيد.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ
الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُمٌ وَمَنْ قَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ
مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ
اُلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْيِهِ ﴾ [المائدة: ٩٥].
ونظيره: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ
حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
﴿غَيْرَ مُحِلّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
ونظيره:
[المائدة: ١].
ونظيره: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة:
٢].
والمعنى الإجمالي للآية الكريمة: يأيها
الذين آمنوا بالله إيمانًا حقًّا لا تقتلوا الصيد
وأنتم محرمون، ومن قتل منکم الصيد وهو
بهذه الصفة فعلية جزاء من النعم مماثل الصيد
المقتول، ومقارب له في الخلقة والمنظر،
أو في القيمة، وهذا الجزاء المماثل للصيد
المقتول يحكم به رجلان منكم، تتوافر
فيهما العدالة والخبرة، حتی یکون حکمهما
أقرب إلى الحق والصواب، ويكون هذا
الجزاء الواجب على قاتل الصيد: ﴿مَدْيّاً
بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: يصل إلى الحرم، فيذبح
فيه، ويتصدق به على مساكينه، أو يكون
على قاتل الصيد: ﴿كَفَّرَةٌ﴾ هي ﴿طَعَامُ
مَسَكِينَ﴾ بأن يطعمهم من غالب قوت البلد،
ما يساوي قيمة هذا الجزاء المماثل للصيد
المقتول، بحيث يعطي لكل مسكين نصف
صاغ من بر، أو صاعًا من غيره، أو يكون
عليه ما يعادل هذا الطعام صيامًا، بأن يصوم
عن طعام كل مسكين يومًا، وما قل عن طعام
المسكين يصوم عنه يومًا كاملًا(٢).
وفي قوله: ﴿لَ نَقْتُلُواْ اُلْصَّيْدَ﴾ يتناول
القتل عن طريق المباشرة أو التسبب، كما
يتناول أي عمل يؤدي إلى صيد الحيوان،
وإنما كان النهي في الآية منصبًّا على القتل؛
لأنه هو المقصود الأعظم من وراء مباشرة
عملية الصيد؛ إذ الصائد يريد قتل المصيد؛
لكي يأكله في الغالب(٣). قال السعدي:
((والنهي عن قتله يشمل النهي عن مقدمات
القتل، وعن المشاركة في القتل، والدلالة
عليه، والإعانة على قتله، حتى إن من تمام
ذلك أنه ینھی المحرم عن أكل ما قتل، أو
صيد لأجله، وهذا كله تعظيم لهذا النسك
العظیم، أنه يحرم على المحرم قتل وصيد ما
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصّوم،
باب فضل الصّوم، رقم ١٨٩٤.
(٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ١٣٧٦/٣.
(٣) المصدر السابق ٣/ ١٣٧٤.
٣٤٠
جَوَسُ بَرُ النَفسِير
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ