النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ عناصر الموضوع مفهوم الحج ٣٠٢ ٣٠٣ الحج في الاستعمال القرآني ٣٠٤ الألفاظ ذات الصلة ٣٠٥ الحج قبل البعثة ٣١٩ الحج من أركان الإسلام ٣٣٢ أركان الحج المذكورة في القرآن ٣٣٧ محظورات الحج وكفاراتها ٣٥٠ آداب الحج ٣٥٨ حكمة تشريع الحج وثمراته المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر حرف الحاء س مفهوم الحج أولًا: المعنى اللغوي: الحجّ مصدر من الفعل: حجّ، بمعنى قصد، ويطلق الحجّ ويراد به القصد، قال ابن منظور: «الحجّ القصد، حجّ إلينا فلان، أي: قدم، وحجّه یحجّه حجًا: قصده، وحججت فلانًا واعتمدته أي: قصدته، ورجلٌ محجوجٌ أي: مقصود))(١). تقول: حججت البيت أحجّه حجًّا، فأنا حاجٌ، وأحججت فلانًا إذا بعثته ليحجٌ(٢). والحجّ بفتح الحاء وكسرها، لغتان مشهورتان، ونقل الطبري: أنّ الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل العالية، قال: ((ولم نر أحدًا من أهل العربية ادّعى فرقًا بينهما في معنى ولا غيره، غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين، إلا ما قاله حسين الجعفي: إنّ الحج بالفتح اسمٌ، والحج بالكسر عملٌ»(٣). فأصل الحج في اللغة: القصد مطلقًا - إلى كل شيء-، فكلّ قصدٍ حجّ، وقال جماعة: إنّه القصد لمعظّم (٤). وقال الخليل: ((كثرة القصد إلى معظّم))(٥). والفرق بين الحجّ ومجرد القصد: أنّ الحجّ: هو القصد على استقامة، ومن ثمّ سمي قصد البيت حجًّا؛ لأنّ من يقصد زيارة البيت لا يعدل عنه إلى غيره (٦). ثانيًا: الحج في اصطلاحًا نقل القرآن الكريم لفظ الحجّ من معناه اللغوي العام إلى معنى اصطلاحي خاص؛ ليكون اسمًا وعنوانًا للعبادة الإسلامية المعروفة، وذلك كما خصّت الصلاة وغيرها من المعنى اللغوي العام إلى معنى اصطلاحي خاص. ويعرّف الحج في الاصطلاح بأنّه: قصدٌ لبيت الله عز وجل بصفة مخصوصة، في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة؛ تقرّبًا إلى الله عز وجل(٧). (١) لسان العرب، ٧٧٨/٢. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري ١/ ٣٠٣. (٣) جامع البيان ٦/ ٤٦. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤٥٩/٥. (٥) المطلع على ألفاظ المقنع، البعلي ص ١٩٦. (٦) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١٢٦. (٧) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٨٢، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص٧٦. مُؤَسُولَةُ النَّيده القرآن الكريمِ ٣٠٢ الحج في الاستعمال القرآني وردت مادة (حجّ) في القرآن الكريم (٣٣) مرة، أما ما يتعلق منها بلفظ (الحج) فقد بلغ (١٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨] اسم فاعل ١ [التوبة: ١٩] مصدر ٩ وَأَيِمُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل الاسم ١ عمران: ٩٧] وجاء الحجّ في الاستعمال القرآني بمعناه الشرعي، وهو قصد البيت لأداء النسك (٢)، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أي: قصد البيت لأداء النسك. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١٩٣ - ١٩٤. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢١٨. www. modoee.com ٣٠٣ أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاَجِّ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ حرف الحاء الألفاظ ذات الصلة العمرة: ١ العمرة لغة: العمرة بالضّم: هي الزيارة التي فيها عمارة الودّ(١). العمرة اصطلاحًا: «زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه))(٢). الصلة بين الحجّ والعمرة: الحجّ والعمرة عبادتان يشتركان في أنّ كلّ منهما قصدٌ لبيت الله الحرام، بشروط مخصوصة، إلا أنّه يوجد فرق بين العبادتين، من ذلك: أنّ العمرة يمكن للإنسان أن يؤديها في السّنة كلها، أمّا الحج فله وقت واحد في السنة، لا يجوز أن يؤدى في غيره، ولا يجوز أن يحرم به إلا في أشهر الحج: شوّال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وكذلك: فإنّ أركان العمرة تقتصر على الإحرام والطواف والسعي، ثم الحلق أو التقصير، أمّا الحج ففيه زيادة على ذلك كالوقوف بعرفة (٣) الطواف: ٢ الطواف لغة: مشتق من الفعل طاف، وأصله طوف بمعنى دار حول الشيء، وطاف بالبيت: دار حوله (٤). الطّواف اصطلاحًا: لا يختلف عن المعنى اللغوي، فالطواف بالبيت يعنى: المشي والدوران حوله(٥). الصلة بين الطّواف والحج: الطّواف بالبيت الحرام (طواف الزيارة) ركن من أركان الحجّ، كالوقوف بعرفة (٦)، لا يصح الحجّ بدونه، وقد يؤدى الطّواف كعبادة مستقلّة عن عبادة الحجّ. (١) تاج العروس، الزبيدي ١٣/ ١٣٠. (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣/ ٢٩٧. (٣) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٢٦٧/١. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٢٧٢٢. (٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١١. (٦) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف الكويتية ٤٩/١٧. ٣٠٤ القرآن الكريم الحج قبل البعثة الحج إلى الكعبة هو فرض إلهي قدیم، يمارس منذ أن قام إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام ببناء الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفي القرآن آيات تدل على أن الحج كان مفروضًا قبل الإسلام، وتشير إلى مناسكه ومنافعه، فالناس كانوا يأتون من كل فجّ عميق، مشاة وركبانًا، رجالًا ونساء؛ ليطوفوا بالبيت العتيق، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِاَلْتَحْ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِنَ مِن كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وهذه الآية تؤید ما ذكرته الروايات من أن موسم الحج لم یکن قاصرًا على أهل مكة أو الحجاز، بل كان من الحجاج من يأتي من اليمن والشام والعراق وغيرها، منهم من كان يأتي للحج، ومنهم من كان يأتي للدعوة لدینه، ومنهم من كان يأتي للاتجار، ومنهم من كان يأتي للمفاخرة، والخطابة، وإنشاد الشعر. حتی کان الحج لدی العرب قبل ظهور الإسلام مناسبة دينية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية، يلتقون فيها للعبادة، والمتاجرة، والتعارف. وقد ظل المشركون يؤمّون المسجد الحرام، ويقومون بمناسك الحج إلى ما بعد فتح مكة، حتى حرّم الإسلام على المشركين بدءًا من العام التاسع الهجري أن يقربوا المسجد الحرام. وعلى هذا فقد عرف العرب الحج قبل الإسلام، فكان الحج معلومًا عندهم، مشروعًا لديهم، فخوطبوا بما علموا، وألزموا ما عرفوا، فكان سائر العرب يحجون قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا على شريعة سيدنا إبراهيم عليه السلام في الحج، إلا أنھم غيّروا وحرّفوا فیه کثیرًا. وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم معهم قبل فرض الحج، فوقف بعرفة، ولم يغيّر من شرع إبراهيم ما غيّروا، حيث كانت قريش تقف بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه، ونحن الحمس، وكما أحدثوا من الطواف حول البيت عرايا، إلى أن جاء الإسلام، وفرض الحج، فتغيّر مفهوم الحج، وما کان علیہ العرب قبل الإسلام، حیث نزل القرآن وألغى هذه العادات الجاهلية. قالت عائشة رضي الله عنها: (كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم یفیض منها، فذلك قول الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ www. modoee.com ٣٠٥ حرف الحاء [البقرة: ١٩٩])(١). ويشهد لهذا الكلام قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَّنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. حيث نلحظ أن الخطاب في هذه الآية الكريمة جاء للناس كافة، أما باقي أركان الإسلام فقد توجه الخطاب فيها إلى المؤمنين، مثل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا ﴾ [النساء: ١٠٣]. وقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وهذا دليل على عالمية الحج، وإلا فما معنى أن يتوجه الخطاب للناس عند الحديث عن الحج دون سائر الأركان؟ كما في قوله السابق في آل عمران: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾، وقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجّ﴾ [الحج: ٢٧]. إلا أن يكون دلالةً على أن الحج كان معروفًا في الأمم السابقة. ففي قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ يشير إلى أن فريضة الحج هي استحقاق رباني، ولتتأمل هذا التعبير: ﴿وَللَّهِ عَلَى﴾ فهو إذن استحقاق، وهو دين (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)، ٢٧/٦، رقم ٤٥٢٠. على الناس، كل الناس، كيف لا والمسجد الحرام هو أول بيت وضع لعبادة الله؟! كيف لا ومكة هي أم القرى؟! من هنا كان الخطاب للناس كل الناس. وهنا يبرز سؤال وهو: هل يطلب الحج من كل الناس بمن فيهم غير المؤمنين؟ والجواب: نعم، فكما خوطب الإنسان أن يعبد ربه وحده، وفق ما بيّنه الله تعالى في رسالاته، خوطب أيضًا بأن يقصد البيت الحرام الذي فيه عبد الآباء الأوائل ربهم، والذي منه انطلقوا ليكونوا خلفاء الأرض، ومن أراد أن يستجيب إلى هذا الأذان، فعليه أن يقبل شروط أداء هذا الاستحقاق، وهو الإيمان والإسلام. ومما يدل على عالمية الحج أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِىِبِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]. فنلحظ في قوله: ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ و﴿وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾ وقوله في الآية السابقة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ و﴿غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ وبالرجوع إلى الآية التي في سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُوَكَ رِجَالًا وَعَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كِلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ وهي آخر آية ذكر فيها لفظ الحج في القرآن الكريم، نجد أن أذان إبراهيم عليه السلام بالحج كان أذانًا عالميًّا، بدلالة ﴿وَأَذِّن فِ اَلنَّاسِ﴾ و﴿مِن كُلِّ فَتْ ٣٠٦ مُؤْو ◌َةُ النَِّيّة جوب القرآن الكريم =NO عَمِيقٍ﴾. إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون الحج فهي إذن العودة إلى حيث بدأ الإنسان، عندهم كما في شريعة محمد تمامًا، في کیفیته، وأوقاته، وصفاته؛ لأننا قد وجدنا المغايرة في الصوم واضحة، فهكذا في غيرها، فالشرعة عامة للجميع، والمنهاج خاص. بل إن الحاج يتمثّل الحالة التي كانت أولًا من البساطة في المظهر واللباس. إذن يمكن القول أن الحج إلى البيت العتيق كان في شريعة الأنبياء والرسل، فقد صحت آثار تشیر إلى هذا المعنى، منها ما ورد في صحيح مسلم أن يونس وموسى عليهما السلام قد حجّا، فعن ابن عبّاس: (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بوادي الأزرق فقال: (أيّ وادٍ هذا؟) فقالوا: هذا وادي الأزرق. قال: (كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثّنيّة، وله جوارٌ إلى اللّه بالتلبية) ثمّ أتى على ثنية هرشى فقال: (أيّ ثنيةٍ هذه؟) قالوا ثنية هرشی. قال: (كأنّي أنظر إلى يونس بن متّى عليه السلام على ناقةٍ حمراء جعدةٍ، عليه جبةٌ من صوفٍ، خطام ناقته خلبةٌ وهو يلبّي)(١). ومما يدل على أن الحج كان معروفًا ما جاء في سورة القصص من قوله تعالى: ﴿قَالَ إِّ أُرِيدُ أَنْ أَنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ مَتَيْنِ عَلَ أَنْ تَأْجُرَّبِ ثَمَنِىَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. فالمقصود هنا ثمانية أعوام، على اعتبار أن في کل عام حجة إلى بيت الله الحرام، وهذا أيضًا يدل على أنهم كانوا يحجون. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب مررت ليلة أسري بي على موسى بن عمران، عليه السلام، رقم ٢٤١. يقول ابن عاشور: ((والحج من أشهر العبادات عند العرب، وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه السلام ، كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالحَجّ﴾ [الحج: ٢٧] الآية، حتى قيل: إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج، وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى ، قال النابغة یصف الحجيج، ورواحلهم: عليهن شعث عامدون لربهم فهن كأطراف الحني خواشع وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب، ولا يمسّون الطيب، ولا يقربون النساء، ولا يصطادون، وكان الحج طوافًا بالبيت، وسعيًا بين الصفا والمروة، ووقوفًا بعرفة، ونحرًا بمنى، وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطًا ولا سمنًا، أي: لأنه أكل المترفهين، ولا يستظل بسقف، ومنهم من يحج متجردًا من الثياب، ومنهم من لا یستظل من الشمس، ومنهم من يحج صامتًا، لا يتكلم، ولا يشربون الخمر في أشهر www. modoee.com ٣٠٧ حرف الحاء الحج، ولهم في الحج مناسك وأحكام)»(١). إبراهيم عليه السلام والنداء بالحج: أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بعد أن رفع قواعد البيت أن يؤذن في الناس للحج، فقال تعالى: ﴿وَأَذِّنِ فِ النَّاسِ بِالحَجْ يَأْتُوكَ رِحَالًا وَقَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم، حيث قال في دعائه: ﴿فَأَجّعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَتِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يهفو إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار. فقوله: ﴿وَأَذِّن﴾ الأذان في اللغة: الإعلام، أي: ناد فيهم ليحجوا (٢). وقد ذكر المفسرون: أنه لما أمره ربه أن یؤذّن في الناس بالحج، قال: یا رب کیف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبیس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجّوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل (١) التحرير والتنوير ١ / ٥٤٧. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/١٧. شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك(٣). وقال ابن عباس: ((فأول من أجابه أهل الیمن، فهم أکثر الناس حجًّا))، وقال مجاهد: ((من أجاب مرة حج مرة، ومن أجاب مرتين أو أكثر فيحج مرتين أو أكثر، بذلك المقدار)) (٤). واختلف في المراد بالخطاب في قوله: ﴿وَأَذِّن﴾ فقيل: إن الخطاب لإبراهيم، كما هو ظاهر من السياق، وهو قول الجمهور (٥). وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ ﴾ أي: إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك، وإنما قال: ﴿يَأْتُوَ﴾ لأن المدعو یتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج؛ لأن نداء إبراهيم للحج: أي: ملبين دعوتك، حاجين يأتوك بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك. وقيل: إن في تعليق فعل ﴿يَأْتُكَ﴾ بضمیر خطاب إبراهیم دلالة على أنه كان يحضر موسم الحج كل عام، يبلّغ للناس التوحيد، وقواعد الحنيفية (٦). وفي هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور فوجوب الحج بها (٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٩٩/٤. (٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١١٢/٣، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٠٩/١١. (٥) معالم التنزيل، البغوي ٣٧٩/٥. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/١٧. ٣٠٨ جَوَسُولَةُ النَّة القرآن الكريم #O على هذه الأمة مبني على أن شرع من قبلنا على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت شرع لنا ... ، مع أنه دلت آيات أخر على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضًا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ أَلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. يَاتَوَكَ رِجَالًا وَعَلى ماشيًا؛ لأن الله يقول: كُلِّ ضَامٍِ﴾. والذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله صلى الله علیه وسلم ، فإنه حج راكبًا مع كمال قوته صلی الله عليه وسلم)) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَآِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨](١). وقوله: ﴿يِجَالًا﴾ أي: مشاة، جمع راجل(٢). أي: يأتيك من لهم رواحل، ومن يمشون على أرجلهم، ولكون هذه الحال أغرب قدّم قوله: ﴿رِجَالًا﴾ ثم ذكر بعده ﴿وَعَلَ كُلِّ ضَامِرٍ﴾ تكملة لتعميم الأحوال؛ إذ إتيان الناس لا يعدو أحد هذین(٣). وقال ابن كثير رحمه الله في تفسیر هذه الآية: ((وقوله: ﴿يَأْتُكَ رِجَالًا وَعَلَ كُلٍ ضَامٍ﴾ قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيًا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا؛ لأنه قدّمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم ... ، وعن ابن عباس قال: ما آسى (١) انظر: أضواء البيان ٤/ ٣٠٠. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٨٥/٤. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/١٧. وقوله: ﴿يَأْنِينَ﴾ وإنما أسند الإتيان إلى الرواحل دون الناس فلم يقل: (يأتون) لأن الرواحل هي سبب إتيان الناس من بعد لمن لا يستطيع السفر على رجليه، ويجوز أن تجعل جملة ﴿يَأْنِينَ﴾ حالًا ثانية من ضمير الجمع في ﴿يَأْتُوكَ﴾ لأن الحال الأولى تضمنت معنى التنويع والتصنيف، فصار المعنى: يأتوك جماعات، فلما تأول ذلك بمعنى الجماعات جرى عليهم الفعل بضمير التأنيث. هذا الوجه أظهر؛ لأنه يتضمن زيادة التعجيب من تيسير الحج حتى على المشاة، وقد تشاهد في طريق الحج جماعات بين مكة والمدينة يمشون رجالًا بأولادهم وأزواجهم، وكذلك يقطعون المسافات بین مکة وبلادهم(٥). وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ نَجْ عَمِيقٍ﴾ وقرأ ابن مسعود: (معيق) يقال: بئر بعيدة العمق والمعق (٦). أي: بعيد، ومنه قول الشاعر (٧): (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٤/٥. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/١٧. (٦) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٢٨٥. (٧) النكت والعيون، الماوردي ١١٢/٣. www. modoee.com ٣٠٩ حرف الحاء تلعب لديهن بالحريق مدی نیاط بارح عمیق والفج: الشق بين جبلين تسير فيه الركاب، فغلب الفج على الطريق؛ لأن أكثر الطرق المؤدية إلى مكة تسلك بين الجبال، والعميق: البعيد إلى أسفل؛ لأن العمق البعد في القعر، فأطلق على البعيد مطلقًا بطريقة المجاز المرسل، أو هو استعارة بتشبيه مكة بمكان مرتفع، والناس مصعدون إليه، وقد يطلق على السفر من موطن المسافر إلى مكان آخر إصعاد، كما يطلق على الرجوع انحدار وهبوط، فإسناد الإتيان إلى الرواحل تشريف لها بأن جعلها مشاركة للحجيج في الإتيان إلى البيت(١). أهم شعائر الحج في شريعة إبراهيم عليه السلام: سبق الإشارة إلى أنه يرجع تاريخ الحج إلى عهد نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، فهو أول من بنى البيت على التحقيق، وأول من طاف به مع ولده إسماعيل عليهما السلام، وهما اللذان سألا ربهما سبحانه وتعالى أن يريهما أعمال الحج ومناسكه، فقال تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَّآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾ [البقرة: ١٢٨]. ومن ثمّ نعلم أن الله تعالی قد تعبّد ذرية إسماعيل بهذه المناسك، وأنها بقيت في العرب إلى عهد الإسلام الحنيف، غير أن العرب لما نسوا التوحيد، وداخلهم الشرك تبع ذلك تحريف وتغيير في أعمال هذه العبادة. إذن يمكن القول أن الكثير من أعمال الحج كان على عهد إبراهيم عليه السلام ، ولكن المشركين ابتدعوا بعض الأمور التي لم تكن مشروعة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم في ذلك، وبيّن المشروع من أعمال الحج. ولنعد إلى الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَاً أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكْنَا وَتُبْ عَلَيْنًَ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. لنتبين منها بعض هذه المناسك في عهد إبراهيم، وأحكامها. فقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكًا﴾ أصل النسك بضمتين غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة غالبًا، والبعد عن العادة(٢). واختلفوا في تسميته منسگًا على وجهين: أحدهما: لأنه معتاد، ويتردد الناس إليه في الحج والعمرة، من قولهم: إن لفلان منسگًا، إذا کان له موضع معتاد لخير أو شر، (٢) روح المعاني، الألوسي ٩/٢. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/١٧. مُوسُوبَةُ التَّقَد القرآن الكريم ٣١٠ فسميت بذلك مناسك الحج لاعتیادها. والثاني: أن النسك عبادة الله تعالى؛ ولذلك سمّي الزاهد ناسكًا لعبادة ربه، فسميت هذه مناسك لأنها عبادات(١). واختلف في المراد بالمناسك هنا - التي طلب إبراهيم ربه أن يريه إياها- فبعضهم حمل المناسك على شعائر الحج، وأعماله كالطواف والسعي والوقوف، وبعضهم حمله على المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج، مثل: منى وعرفات والمزدلفة ونحوها، وبعضهم حمله على المجموع (٢). ولعله هو الصواب. ومعنى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾ هذا دعاء وسؤال لإرشادهم لكيفية الحج الذي أمرا به من قبل أمرًا مجملًاً(٣). والمعنى: أي: علمناها على وجه الرؤية والمشاهدة؛ ليكون أبلغ، ويحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السیاق والمقام، ویحتمل أن یکون المراد ما هو أعم من ذلك، وهو الدين كله، والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ؛ لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج تغليبًا عرفيًّا، فیکون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل (١) النكت والعيون، الماوردي ١/ ٩٤. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠٩/٢. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١٣/١. الصالح (٤). قال ابن كثير في قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكًا﴾: وَأَرِنَا ((وعن مجاهد قال: قال إبراهيم: مَنَاسِكَا﴾ فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد، وأتم البنيان، ثم أخذ بيده، فأخرجه، فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منّى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: کېّر وارمه، فکېّر ورماه، ثم انطلق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهیم، قال له: کېّر وارمه، فكبّر ورماه، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا، فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، فأخذ بيد إبراهیم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها: ثلاث مرار، قال: نعم)»(٥). قيل: فسميت بسبب ذلك: عرفات. وفي طلب إبراهيم من الله أن يعلّمه مناسك الحج ظهور لشرف عمل الحج، حيث كان متلقّى عن الله بلا واسطة(٦). وفي الآية: أن الأصل في العبادات (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٦. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٣/١. (٦) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١/ ١٨٣. www. modoee.com ٣١١ حرف الحاء أنها توقيفية، يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكًا﴾. وفيها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعوا الله عز وجل أن يريهما مناسكهما، فلولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتعبدا بدون هذا السؤال(١). وعن قتادة قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكًا﴾ فأراهما الله مناسكهما: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين -أو دينه-(٢). وقد جاء الإشارة إلى بعض مناسك الحج في زمن إبراهيم كالطواف في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْزَهِمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلَّيِفِينَ وقال الشنقيطي في تفسير هذه الآية: ((فإذا علمت ذلك: فاعلم أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ وَالْقَآِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُورِ﴾ [الحج: ٢٦]. كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي وسيأتي الكلام على الطواف لاحقًا - إن شاء الله -. عريانة، فتقول: من يعيرني ثوبًا تجعله على فرجها»(٤). الحج ومشركو العرب: كان المشركون يحجون، ويعتمرون، وقد اتفق العرب جميعًا على احترام البيت، وتعظيمه، وكان من دخله يصبح آمنًا مما يخيفه، إلا أنهم ابتدعوا في الحج بعض الأمور التي لم تكن مشروعة، ومنها: (١) انظر: تفسير القرآن الكريم، الفاتحة والبقرة، ابن عثيمين ٣/ ٥٢. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣/ ٧٦. * أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة. وقد جاء أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة. قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرّمين منهم أكل ما لم يحرّمه الله علیھم من حلال رزقه؛ تبرّرًا عند نفسه لربه: ﴿وَبَقِىَّ مَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ من الكساء واللباس عند كل مسجد))(٣). ويؤيد هذا ماء جاء في البخاري عن عروة: (( .... كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس، والحمس قريش، وما ولدت، وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف (٣) جامع البيان، الطبري ٣٨٩/١٢. (٤) أضواء البيان ٤ / ٤٠١. ٣١٢ مَوَسُوبَة النفسية القرآن الكريم فيها، فمن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عريانًا ... ))(١). وفي مسلم: عن ابن عباس قال: ((كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها، وتقول: الیوم یبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]))(٢). وقد روي: أن الحمس كانوا يقولون: نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن یطوف إلا في ثیابنا، ولا یأکل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العرب صدیق بمکة یعیرہ ثوبًا، ولا يجد ما يستأجر به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانًا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى: (اللقى) بفتح اللام، قال شاعرهم(٣): کفی حزنًا کري علیه کأنه لقی بین أيدي الطائفین حرام (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحجّ، باب الوقوف بعرفة، ١٦٣/٢، رقم ١٦٦٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب في الوقوف، رقم ١٢١٩. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التّفسير، باب في قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، ٤/ ٢٣٢٠، رقم ٣٠٢٨. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٣/٨. وفي الكشاف عن طاووس: ((كان أحدهم يطوف عريانًا، ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي علیه ضرب وانتزعت منه؛ لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلًا ليتعرّوا من الذنوب كما تعرّوا من الثياب)) (٤) وقد أبطله النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ أمر أبا بكر رضي الله عنه عام حجته سنة تسع أن ينادي في الموسم: (أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)(٥). # كانت قريش لا تقف مع الناس في عرفات ترفعًا عليهم. كانت قريش لا تقف مع الناس ترفعًا، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الله جل جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ [البقرة: ١٩٩]، يا معشر قريش ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بأن تقضوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ﴾ في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام (٦). يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لعطف خبر على خبر، (٤) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٢٤. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان، ٢/ ١٥٣، رقم ١٦٢٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يحج بالبيت مشرك، رقم ١٣٤٧ . (٦) البحر المديد، ابن عجيبة ١/ ١٦١. www. modoee.com ٣١٣ حرف الحاء وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة لیذکر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن یکون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطّان بيته))(١). وقال الألوسي: ((قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. أي: من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب عام، والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف بجمع، ومعناها: ثم أفيضوا أيها الحجاج من مکان أفاض جنس الناس منه قديمًا وحديثًا، وهو عرفة لا من مزدلفة)»(٢). کانت إذا فرغت من الحج وقفت عند البيت، فذكرت مفاخر آبائها. حيث كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم بين مسجد منى وبين الجبل بعد فراغهم من الحج يذكرون فضائل آبائهم، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَنَسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْكُ ءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «وقال (١) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥٥٥. (٢) روح المعاني ٨٩/٢. سعید بن جبير عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات (ويحمل الديات) ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله علی محمد صلی الله عليه وسلم: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْرِكُمْ ءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشْدَّ ذِكْرًا﴾(٣). فقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْرِكُمْ ءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشْدَّ ذِكْرًا﴾ أي: فإذا فرغتم من عباداتكم، وأديتم أعمال حجكم، فتوفروا على ذكر الله وطاعته كما كنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آبائكم، بل عليكم أن تجعلوا ذكركم لله تعالى أشد وأكثر من ذكركم لمآثر آبائكم؛ لأن ذکر مفاخر الآباء إن کان کذبًا أدى إلى الخزي في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، وإن كان صدقًا فإنه في الغالب يؤدي إلى العجب، وكثرة الغرور، أما ذکر الله بإخلاص وخشوع فئوابه عظيم، وأجره كبير، وفضلًا عن ذلك فإن المرء إذا كان لا ینسی أباه، فالأولی أن لا ینسی من ربّاه، وهو الله رب العالمين، فالمقصود من الآية الكريمة الحث على ذكر الله تعالى، والنھي عن التفاخر بالأحساب والأنساب (٤). وكانت العرب في الجاهلية تحج (٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥٥٧. (٤) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ٣٤٤/١. ٣١٤ مَوَسُوع القرآن الكريمِ #O بالعدد، وتبدل الشهور (النسيء). ﴿إنّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةً يقول الله تعالى: فِيِ الْكُفْرِ يُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ. عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اَللَّهَ زُيَّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]. يقول ابن کثیر في تفسير هذه الآية: «هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله، وتحریمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم، وتأخيره إلى صفر، فيحلّون الشهر الحرام، ويحرّمون الشهر الحلال؛ ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة، كما قال شاعرهم -وهو عمير بن قيس المعروف- بجذل الطعان: لقد علمت معد أنّ قومي کرام النّاس أنّ لھم کراما ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما فأيّ النّاس لم تدرك بوتر وأيّ النّاس لم نعلك لجاما))(١). فقوله: ﴿إِنَّمَا النَِّىُّ﴾ النسيء عند العرب: تأخير يجعلونه لشهر حرام، فيصيّرونه حلالًا، ويحرّمون شهرًا آخر من الأشهر الحلال عوضا عنه في عامه(٢). قال الخازن: ((ومعنى النسىء المذكور في الآية: هو تأخير شهر حرام إلى شهر آخر، وذلك أن العرب فى الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرم، وتعظيمها، وكان ذلك مما تمسکت به من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية، وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم، فكانوا یکرهون تأخیر حروبهم إلى الأشهر الحلال، فنسؤوا، يعني: أخّروا تحريم شهر إلى شهر آخر، فكانوا يؤخّرون تحريم المحرم إلى صفر، فيستحلون المحرم، ويحرّمون صفر، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخّروه إلى ربيع الأول، فكانوا يصنعون هکذا یؤخّرون شهرًا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذا باقي شهور السنة)»(٣). (١) تفسير القرآن العظيم، ١٥٠/٤. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٤٨/١. (٣) لباب التأويل، ٢٦٦/٣. www. modoee.com ٣١٥ حرف الحاء وقوله: ﴿زِيَادَةٌ فِ اَلْكُفْرِ﴾: قال ابن عدة الأشهر الحرم، بلا زيادة ولا نقصان، ظنًّا منهم أنهم ما عصوا مستترين بهذه الفتيا الإبليسية، كما قال تعالى: ﴿زُيَنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَلِهِمْ﴾ والمزين للباطل قطعًا هو الشيطان (٢). عاشور: ((ووجه كونه كفرًا أنهم يعلمون أن الله شرع لهم الحج، ووقّته بشهر من الشهور القمرية المعدودة، المسماة بأسماء تميزها عن الاختلاط، فلما وضعوا النسيء قد علموا أنهم يجعلون بعض الشهور في غیر موقعه، ويسمونه بغیر اسمه، ويصادفون إيقاع الحج في غير الشهر المعين له، أعني شهر ذي الحجة؛ ولذلك سموه النسيء اسمًا مشتقًا من مادة النساء، وهو التأخير، فهم قد اعترفوا بأنه تأخير شيء عن وقته، وهم في ذلك مستخفّون بشرع الله تعالى، ومخالفون لما وقّت لهم عن تعمد، مثبتين الحل لشهر حرام، والحرمة لشهر غير حرام؛ وذلك جرأة علی دین الله، واستخفاف به؛ فلذلك يشبه جعلهم لله شرکاء، فکما جعلوا لله شركاء في الإلهية، جعلوا من أنفسهم شرکاء لله في التشريع، يخالفونه فیما شرعه، فهو بهذا الاعتبار كالكفر))(١). وقوله تعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ کفروا﴾ أي: بالنسيء، يزدادون ضلالًا فوق ضلالهم، وقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِمُونَهُ عَامًا﴾ يعني: النسيء، وهو الشهر الذي أخّروه، أي: أخروا حرمته إلى الشهر الذي بعده؛ ليتمكنوا من القتال في الشهر الحرام، فعامًا يحلّون، وعامًا يحرّمون، حتى يوافقوا (١) التحرير والتنوير ١٠/ ١٩١. مَوَسُو ◌َرُ النفسيةِ الوضوء القرآن الكريم وبهذا النسيء والتأخير: أوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم؛ فلهذا السبب عاب الله عليهم، و جعله سببًا لزيادة كفرهم، وإنما كان ذلك سببًا لزيادة الكفر؛ لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم(٣). تلبيتهم التي تتضمن الإشراك. جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ويلكم قد قد) فیقولون: إلا شریگا هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت) (٤). فکره النبي صلى الله عليه وسلم مخالطة المشركين في الحج، وسماع تلبيتهم التي تتضمن الإشراك، أي: قولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وطوافهم عراة، وكان بينه وبين المشركين عهد لم يزل عاملًا لم (٢) أيسر التفاسير، الجزائري ٣٦٦/٢. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٢١. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحجّ، باب التلبية وصفتها، ٨٤٣/٢، رقم ١١٨٥. ٣١٦ =NO ينقض، والمعنى أن مقام الرسالة يرباً عن أن فتوهم العرب الذين جاءوا من بعد ذلك أن السعي بين الصفا والمروة طواف بالصنمين، یسمع منكرًا من الكفر ولا يغيره بيده؛ لأن ذلك أقوى الإيمان، فأمسك عن الحج تلك السنة، وأمر أبا بكر الصديق على أن يحج بالمسلمین، وأمره أن يخبر المشرکین بأن لا يحج بعد عامه ذلك مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأكثر الأقوال على أن براءة نزلت قبل خروج أبي بكر من المدينة، فكان ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم صادرًا عن وحي؛ لقوله تعالى في هذه السورة: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧]. وكانت الأوس والخزرج وغسان يعبدون مناة، وهو صنم بالمشلل، قرب قدید، فكانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، تحرجًا من أن يطوفوا بغير صنمهم، ففي البخاري فيما علقه عن معمر إلی عائشة قالت: كان رجال من الأنصار ممن کان یھل لمناة قالوا: يا نبي الله، كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة(٢)، فلما فتحت مكة، وأزيلت الأصنام، وأبيح الطواف بالبيت، وحج المسلمون مع أبي بكر، وسعت قریش بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. بين الصفا والمرة، وسأل جمع منهم النبي صلى الله عليه وسلم: هل علينا من حرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله هذه الآية))(٣). وقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. .. الآية(١). وفي سبب نزولها: أن رجالًا من الأنصار تحرج العرب في الطواف بين الصفا ممن كان يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم كان بين مكة والمدينة، قالوا: يا رسول الله والمروة. إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فنزلت هذه الآية (٤). ورد أنهم في الجاهلية كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة؛ تعظيمًا لمناة. قال ابن عاشور: (( ... وضع -عبد المطلب- إسافًا على الصفا، ونائلة على المروة، وجعل المشركون بعد ذلك أصنامًا صغيرة، وتماثيل بين الجبلين في طريق المسعى، (١) انظر: التحرير والتنوير ٩٨/١٠. (٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب (ومناة الثالثة الأخرى)، ١٤١/٦، رقم ٤٨٦١. (٣) التحرير والتنوير ٢/ ٦٠. (٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ١٦٤. www. modoee.com ٣١٧ حرف الحاء الصلة بين الحج في شريعة الإسلام عن ذلك؛ لأن مكة كانت في تلك الفترة من وشريعة إبراهيم عليه السلام: الحج نداء قدیم جدید، قدیم لأن أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام أول من أعلنه، وصدع بأمر الله، حين قال له: ﴿وَأَزِّنِفِ النَّاسِ بِالْحَمْ يَأْتُوكَ رِحَالًا وَعَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِنْ كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وجديد لأن خاتم الأنبياء محمد صلى الله علیه وسلم ندب إلیه، وقاد قوافله، ووضع مناسکه، وبین ما رصد الله له من جوائز، وربط به من منافع، وكان آخر عهده بالجماهير الحاشدة، وهي تصيح إليه في حجة الوداع، يزودهم بآخر وصاياه، وأحفلها بالخير والبر. وقد سبق بيان أن الحج كان مفروضًا قبل الإسلام، أي من عهد إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام ، وأقره الإسلام في الجملة، ونزل في إيجابه وتأكيد فرضيته قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ثم إن هذه الآية المصرحة بفرضية الحج ولیس لدینا غيرها هي إحدى آيات سورة آل عمران التي نزلت عقب غزوة أحد مباشرة، ومن المعروف أن غزوة أحد وقعت في السنة الرابعة من الهجرة، وعلى هذا يمكن القول بأن الحج فرض قبل سنة تسع، ولم ينفذ إلا فيها لما كان من عجز المسلمين الزمن خاضعة لسلطان قريش، فلم يسمح للمسلمين بأداء هذه العبادة العظيمة، وقد أرادوا العمرة فعلًا، فصدوهم عن المسجد الحرام، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَجِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. فعجز المسلمين أسقط عنهم هذه الفريضة، كما أن العجز مسقط لفريضة الحج عن كل مسلم، ولما فتح الله سبحانه وتعالى على رسوله مكة سنة ثمانٍ من الهجرة لم یتوان الرسول صلی الله عليه وسلم ، فأمر الناس بأداء فريضة الحج، وأمر أبا بكر أن يحج بالناس، فحج بهم في السنة التاسعة المباشرة لعام الفتح تمامًا. فَضْو مُوسُوبَةُ الَِّ القرآن الكريمِ ٣١٨ الحج من أركان الإسلام أولًا: فرض الحج و توقیته: اختلف أهل العلم في السنة التي فرض فيها الحج، وقد ذكر القرطبي في وقت فرضية الحج ثلاثة أقوال: فقيل: سنة خمس. وقيل: سنة سبع. وقيل: سنة تسع. ولم يعز الأقوال إلى أصحابها، سوى أنه ذكر عن ابن هشام عن أبي عبيد الواقدي أنه فرض عام الخندق، بعد انصراف الأحزاب، وكان انصرافهم آخر سنة خمس(١). قال ابن عاشور: ((وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ علیه الفقهاء، وهو أن دليل وجوب الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقد استدل الشافعي بها على أن وجوبه على التراخي، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرر سنة ثلاث، وأصبح المسلمون منذ يومئذٍ محصرين عن أداء هذه الفريضة، إلى أن فتح الله مكة، ووقعت حجة سنة تسع)»(٢). إلا أن ما رجحه الشنقيطي في أضواء البيان هو أن الحج إنما فرض عام تسع، كما (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ١٤٤. (٢) التحرير والتنوير ٤ /٢٢. أوضحه ابن القیم. يقول الشنقيطي: ((لأن آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع. قال رحمه الله: ((وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى- وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج؛ لأنه لم يفرض))(٣). وكما اختلف العلماء في وقت فرض الحج، اختلفوا كذلك في الآية التي فرض فيها الحج. والمتجه أن تكون هي قوله تعالى: ﴿وَإِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ فهذه الآية هي التي فرض بها الحج على المسلمين. قال ابن عاشور: «وقد استدل بها علماؤنا على فرضية الحج، فما كان يقع من حج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبل نزولها، فإنما کان تقربًا إلى الله، واستصحابًا للحنفية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مرتين بمكة قبل الهجرة، (٣) أضواء البيان ٤/ ٣٤١. www. modoee.com ٣١٩ حرف الحاء ووقف مع الناس، فأما أيجاب الحج في وليس معه غير المسلمین، فكان ذلك أجلی مظاهر كمال الدين. الشريعة الإسلامية فلا دلیل علی وقوعه إلا هذه الآية، وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحج، فلا يعدّ ما وقع من الحج قبل نزولها وبعد البعثة إلا تحنثًا وتقربًا، وقد صح أنها نزلت سنة ثلاث من الهجرة، عقب غزوة أحد، فيكون الحج فرض يومئذٍ))(١). ((ونلحظ أن في هذه الآية من صيغ الوجوب صيغتین: لام الاستحقاق، وحرف (على) الدال على تقرر حق في ذمة المجرور بها. وقد تعسر أو تعذر قيام المسلمين بأداء الحج عقب نزولها؛ لأن المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك، فلعل حكمة إيجاب الحج يومئذٍ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحج مهما تمكنوا من ذلك، ولتقوم الحجة على المشركين بأنهم يمنعون هذه العبادة، ويصدون عن المسجد الحرام، ويمنعون مساجد الله أن یذکر فيها اسمه))(٢). ولهذا نجد أنه لما فتح الله مكة وجاءت الوفود مسلمين، وغلب الإسلام على بلاد العرب، تمكّن الدين، وخدمته القوة، فأصبح مرهوبًا بأسه منع المشركون من الحج، فحج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عشرة، وفي قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: ٩٧]. بدل من ﴿النَّاسِ﴾ لتقييد حال الوجوب. وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها، واتحدت أغراضها، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتًا في كتب التفسير وغيرها، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جدًّا، وسبيل البعيد الراحلة والزاد؛ ولذلك قال مالك: السبيل القدرة، والناس على قدر طاقتهم، وسيرهم، وجلدهم. واختلف فيمن لا زاد له، ويستطيع الاحتراف في طريقه: فقال مالك: إذا كان ذلك لا یزري فلیسافر، ویکتسب في طريقه، وقال بمثله ابن الزبير والشعبي وعكرمة(٣). ثانيًا: أشهر الحج وميقات أدائه: الحج له ميقات زماني: وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال في اللباب: ((أجمع المفسّرون على أن شوالًا وذا القعدة من أشهر الحج، واختلفوا في ذي الحجة. فقيل: إنها بكلیتها من أشهر الحج، وقيل: بل العشر الأول من ذي الحجة فقط هي من أشهر الحج، (١) التحرير والتنوير ٢١/٤. (٢) المصدر السابق. (٣) انظر: المصدر السابق ٢٣/٤. ٣٢٠ جوبي القرآن الكريم