النص المفهرس

صفحات 41-46

الحذر
إلى ساحل البحر، وعلم فرعون بخروج
بني إسرائيل خلسة، فأمر بما يسمى (التعبئة
العامة)، وأرسل في المدائن حاشرين
يجمعون له الجند؛ ليدرك موسى وقومه،
ويفسد عليهم تدبيرهم، وهو لا يعلم أنه
تدبير صاحب التدبير، وانطلق عملاء فرعون
يجمعون الجند ... زاعمين أنهم حاذرون،
أي: مستيقظون لمكائدهم، ومحتاطون
لأمرهم، ممسكون بزمام الأمور، إنها حيرة
الباطل المتجبر دائمًا في مواجهة أصحاب
العقيدة المؤمنین)»(١).
(وكلام فرعون هذا- الذي حكاه القرآن
عنه- یوحی بهلعه وخوفه مما فعله موسی
عليه السلام؛ إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع
والجزع بالتهوين من شأنه، ومن شأن الذین
خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحاق
بهم وتأديبهم، وبالظهور بمظهر المستعد هو
وقومه؛ لمجابهة الأخطار والتمرد بكل قوة
وحزم))(٢).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٥٩٨/٥.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي، ١٠/ ٢٥٠.
ثمرات الحذر المحمود
أولًا: النجاة من الفتن:
لقد أطلع الله سبحانه وتعالى رسوله
صلى الله عليه وسلم على الكثير من الفتن
التي ستواجه هذه الأمة؛ ولهذا أطال الرسول
بالحديث عن الفتن والتحذير منها، وبيان
المخرج منها، ففي الحديث الذي أخرجه
الإمام مسلم عن عمرو بن أخطب رضي
الله عنه قال (صلى بنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم الفجر. وصعد المنبر؛ فخطبنا
حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد
المنبر؛ فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل
فصلى. ثم صعد المنبر؛ فخطبنا حتى غربت
الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن،
فأعلمنا أحفظنا)(٣).
ولا سبيل للتخلص من الفتن إلا بالحذر
من مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله
عليه وسلم، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُغَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، سبيله هو ومنهاجه وطريقته وسنته
وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن
وأشراط الساعة، باب إخبار النبي صلى
الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة،
٤/ ٢٢١٧، رقم ٢٨٩٢.
www. modoee.com
٤٥٥

حرف الحاء
وأعماله، فما وافق ذلك؛ قبل، وما خالفه؛ تستشرفه)(٤). أي: من تطلع إليها وتعرض
فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا ما لها؛ أصابته ووقع فيها، ومن كان حذرًا منها؛
نجا من الوقوع فيها ولم تصبه.
کان، کما ثبت في الصحيحين وغيرهما،
ثانيًا: فعل الطاعات والابتعاد عن
المنهيات:
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو
رد)(١)(٢).
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا
الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢].
إنها القاعدة التي يرجع إليها الأمر كله:
طاعة الله وطاعة الرسول الذي لا تبقى معه
إلا الطاعة المطلقة لله وللرسول، والحذر
من المخالفة ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى
رَسُولِنَا الْبَغُ اَلْمُبِينُ﴾ وقد بلّغ وبيّن، فتحددت
التبعة على المخالفين (٣).
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
فطاعة الله وطاعة رسوله، من أسباب
حصول الرحمة.
وعندما يعرف الإنسان أهمية أمر النبي
صلى الله عليه وسلم يحذر من التعرض
للفتنة، ويتقي أسباب الوقوع فيها، قال
صلى الله عليه وسلم: (من تشرّف لها
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات
الأمور، ١٣٤٣/٣، رقم ١٧١٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٨٩ - ٩٠.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٩٧٦/٢.
الحذر من الله تعالى يحرك دواعي
الخوف الكامنة في أعماق النفوس، ويجعل
من نفس العبد رقيبًا على نفسه؛ فيمنعها
من ارتكاب المحرمات، ويلتزم بأوامر الله
تعالی ونھیه؛ فیکون ممن مدحهم الله تعالی
بقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَِّشَ
إلَّا الَُّ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
فيلتزم بالواجبات وتقربه إلى الله
بالنوافل، مما يجعله قريبًا من الله تعالى وينال
محبته، قال تعالى في الحديث القدسي: (من
عادی لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب
إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت
عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل
حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي
يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي
يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن
سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما
ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن،
باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم
٥١/٩، رقم ٧٠٨١، ومسلم في صحيحه،
كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن
كمواقع القطر، ٢٢١١/٤، رقم ٢٨٨٦.
جَوَسُولَةُ التَّقِّ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٤٥٦

الحذر
المؤمن، یکره الموت وأنا أكره مساءته)(١).
فيعيش في سعادة ولذة لا تضاهيها لذة
وهو يناجي ربه، قال تعالى في وصف عباده
الحذرين الخائفين:
جَنَوبَهُمْ
تتجافى
عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [السجدة: ١٦].
والمعنى: أن هؤلاء المؤمنين الصادقين،
تتنحى وترتفع أجسامهم، عن أماكن
نومهم، وراحتهم، حالة كونهم يدعون ربهم
بإخلاص وإنابة؛ خوفًا من سخطه عليهم،
وطمعًا في رضاه عنهم(٢).
وقال تعالى مخبرًا عن حال المؤمن
الحذر من عذاب الله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ
الَّيْلِ سَلِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةً
رَيِّدُ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ٩].
أي: أذلك الكافر أحسن حالًا ومالًا، أم
المؤمن بالله، الذي هو مطيع خاشع يصلي
الله في ساعات الليل، وخشوعه مستمر
حال سجوده وحال قيامه، يخاف الآخرة،
ويرجو رحمة ربه، فيجمع بين الخوف
والرجاء، وتلك هي العبادة الكاملة، التي
يفوز بها صاحبها؟!(٣).
فإذا علم الإنسان أن الأنفاس تعد علیه،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب التواضع، ١٠٥/٨، رقم ٦٥٠٢.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١١ / ١٥١.
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢٥٨/٢٣.
وأن الحفظة الكاتبين يراقبون أعماله، وأنه
حيثما حلّ متابع، وأن طريق الهروب من الله
مسدود، ولا حيلة له إلا الاستسلام والانقياد
والإقبال على طاعة الله، والاستفادة من
المهلة الممنوحة له، بادر إلى فعل الطاعات
واجتناب المنهيات.
ثالثًا: الاستعداد لمواجهة العدو:
من أهم ثمار الحذر، وأوسعها تأثيرًا
على المسلمين: الاستعداد لملاقاة الأعداء،
وإعداد العدة من أجل ملاقاتهم، وكلما
زادت التجهيزات، وأعداد الجنود؛ قلت
خسائر المسلمين.
والحذر في المعركة يكون عن طريق
اختيار الموقع المناسب للجيش، وإرسال
العيون؛ لمتابعة أخبار العدو والتقصي
عن أحوالهم، ويكون أيضًا عن طريق رفع
الروح المعنوية لجنود المسلمين، وتشجيع
الصناعات العسكرية التي تساعد على
النصر، والآيات الدالة على ذلك كثيرة
منها قوله تعالى: ﴿ يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ
حِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُواْ ثُّبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾
[النساء: ٧١].
قال ابن كثير رحمه الله: ((يأمر الله عباده
المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا
يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد،
www. modoee.com
٤٥٧

حرف الحاء
وتكثير العدد بالنفير في سبيله))(١).
وقال القرطبي: ((أمر أهل الطاعة بالقيام
بإحياء دينه، وإعلاء دعوته، وأمرهم ألا
يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى
يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف
يردون عليهم، فذلك أثبت لهم)) (٢).
ومن الآيات الدالة على أهمية الاستعداد
ووجوبه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ
فَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآيِفَةٌ مِّنْهُم
مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ
فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ
أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ
حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمُّ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ
تَفْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتْكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ
عَلَيْكُم مَّيْلَةُ وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّنِ مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَن
تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّه ◌َعَدَّ
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].
قال الشوكاني: ((قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ
أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] زيادة التوصية
للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ
السلاح))(٣).
قال الألوسي: ((﴿وَلْيَأْخُذُّواْ﴾ أي:
أي:
الطائفة الأخرى ﴿حِذْرَهُمْ﴾
احترازهم، وشبهه بما يتحصن به من الآلات
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٧/٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٣/٥.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٨٧.
ولذا أثبت له الأخذ تخييلًاً وإلا فهو أمر
معنوي لا يتصف بالأخذ» (٤).
وحكمة الأمر بالحذر للطائفة الثانية: أن
العدوّ قلّما يتنبه أول الصلاة؛ لبدء المسلمين
فيها، إذ هو إذا رآهم صفًّا؛ ظن أنهم قد
اصطفوا للقتال، واستعدوا للحرب والنزال،
فإذا رآهم سجدوا علم أنهم في صلاة،
فيخشى أن يميل على الطائفة الأخرى عند
قیامها في الصلاة کما یتربص ذلك بهم عند
كل غفلة.
وقد بين الله تعالى علة الأمر بأخذ الحذر
والسلاح حتى في الصلاة بقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُ
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةٌ وَحِدَةٌ﴾ أي: تمنى
أعداؤكم الذين كفروا بالله وبما أنزل عليكم
لو تغفلون عن أسلحتکم و أمتعتکم، التي بها
بلاغكم في سفركم؛ بأن تشغلكم صلاتكم
عنها؛ فيميلون حينئذ عليكم، ويحملون
حملة واحدة، وأنتم مشغولون بالصلاة،
واضعون السلاح، تاركون حماية المتاع
والزاد؛ فيصيبون منكم غرّة؛ فيقتلون من
استطاعوا قتله، وينتهبون ما استطاعوا نهبه؛
فلا تغفلوا عنهم(٥) .
وليس في الآية دليل على أن الحذر
يتعارض مع القدر؛ لأن الأمر بالحذر داخل
(٤) روح المعاني، الألوسي ١٣١/٣.
(٥) تفسير المراغي ١٤١/٥.
٤٥٨
جوب
القرآن الكريم

الحذر
في القدر؛ فالأمر به؛ لندفع عنا شر الأعداء، بعد تحققه ﴿وَأَعْلَمُوْ اْأَنَّاللَّهَ غَفُورُ﴾ يغفر لمن
يقلع عن عزمه أو ذنبه خشية منه ﴿حَلِيمٌ﴾ لا
لا لندفع ما قدره الله، إذ القدر: هو جریان
الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب بإذن الله علی
قدر المسببات التي أرادها الله، والحذر من
جملة الأسباب، فهو عمل بمتقضى القدر لا
بما يضاده.
یعاجل بالعقوبة، فلا یتوهم من تأخيرها أن ما
نهي عنه لا يستتبع المؤاخذة، وإعادة العامل
اعتناء بشأن الحكم، ولا يخفى ما في الجملة
مما يدل على سعة رحمته تبارك اسمه))(١).
رابعًا: تحقيق المغفرة والرحمة والفوز
بالجنة :
من ثمار الحذر المحمود تحقيق المغفرة
والرحمة، وذلك أن الأخذ بالأسباب
والحذر من العواقب يحقق مغفرة الله
ورحمته بالعباد، والله سبحانه وتعالى واسع
المغفرة.
وبسبب الحذر تحصل المغفرة والرحمة،
قال تعالى: ﴿وَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم
بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِأَوْ أَكْتَنْتُمْ فِي أَنفُسِكُمّْ عَلِمَ
اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ
سِرَّ إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًاً وَلَا تَعْزِمُوا
عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَةٍ.
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهٌ
وَأَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قال الألوسي: ((﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
فِيَّ أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم على ما لا يجوز،
أو من ذوات الصدور التي من جملتها ذلك
﴿فاحذَرُوهُ﴾ ولا تعزموا عليه أو -احذروه-
بالاجتناب عن العزم ابتداء، أو إقلاعًا عنه
فهو سبحانه لا يعجل بالعقوبة على من
خالف أمره ونهيه (٢).
قال ابن عطية: هذا تحذير من الوقوع
فيما نهى عنه، وتوقيف على غفره وحلمه
في هذه الأحكام التي بيّن ووسّع فيها من
إباحة التعريض ونحوه(٣).
ومما يدل على تحقيق المغفرة والرحمة
لمن اتقى وحذر من عذاب الله قوله
سبحانه: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ
فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ثُقَنَّةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ
اللّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اَللَّهِ الْمَصِيُ ﴿ قُلْ إِن تُخْفُواْ
مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ
السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ ٢ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ
خَيْرٍ تُخْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْأَنَّ بَيْنَهَا
وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأْ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ اَللَّهُ نَفْسَهُ:
وَاَللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ
(١) روح المعاني، الألوسي ١/ ٥٤٥.
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ٣١٩/١.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٣١٨.
www. modoee.com
٤٥٩

حرف الحاء
رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٢٨-٣١].
وفي هذه الآيات يحذر الله الناس
عقابه الصارم إن خالفوا، ويبين أنه رءوف
بالعباد إن أطاعوا والتزموا الأوامر واجتنبوا
النواهي.
وفي قوله: ﴿وَاللهُ رَهُون پآلْعِبَادِ ﴾ دلیل
على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة
منه سبحانه بعباده لطفًا بهم(١).
فليحذر الإنسان يوم القيامة الرهيب،
ففیه یجد كل إنسان ما قدمه من عمل خير أو
شر، قلیل أو کثیر، فإن كان العمل خيرًا؛ سرّ
صاحبه، وإن كان شرًّا؛ ودّ صاحبه أن يكون
بینه وبین عمله بعد ما بين المشرقین.
فالحذر من الله تعالی وخوفه طریق إلى
الجنة، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من
خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن
سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)(٢).
وهذا مثل ضربه النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم لسالك الآخرة؛ فإن الشيطان
على طريقه، والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه،
فإن تيقظ في مسيره، وأخلص النية في عمله؛
أمن من الشيطان وجنده (٣).
(١) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣٨١.
(٢) أخرجه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق
والورع، ٤/ ٦٣٣، رقم ٢٤٥٠.
(٣) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٣٣٥١/٨.
٤٦٠
مُوسُوْ بَرَا
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
موضوعات ذات صلة:
الأمن، التقوى، الجهاد، الحرب، القتال،
النصر