النص المفهرس

صفحات 1-20

صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الحذر
عناصر الموضوع
مفهوم الحذر
٤١٦
الحذر في الاستعمال القرآني
٤١٧
الألفاظ ذات الصلة
٤١٨
أنواع الحذر
٤٢٠
مجالات المحذور منه في القرآن
٤٢٤
نماذج قرآنية من الحذرين
٤٤٨
ثمرات الحذر المحمود
٤٥٥
المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر

حرف الحاء
مفهوم الحذر
أولًا: المعنى اللغوي:
(حذر) الحاء والذال والراء أصل واحد، هو من التحرز والتيقظ، يقال: حذر يحذر حذرًا،
ورجل حذرٌ وحذورٌ: أي: متيقظٌ متحرزٌ، وحذار بمعنى: احذر، قال ابن فارس: ((حذار من
رماحنا حذار ... وحذرون)) أي: خائفون))(١).
قال ابن منظور: الحذر والحذر: الخيفة، ورجل حذرٌ وحذرٌ: متيقظ شديد الحذر والفزع
ومتحرز، وحاذرٌ: متأهب معدٍّ، کأنه يحذر أن یفاجأ، والجمع: حذرون وحذاری، والتحذير:
التخويف (٢).
ومن خلال ما سبق تبين أن الحذر يتمركز معناه اللغوي حول التحرز والتيقظ والاستعداد
والتأهب.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الكفوي: ((اجتناب الشيء خوفًا منه))(٣).
وجاء في تفسير المنار أنه: الاحتراز والاستعداد؛ لاتقاء شر العدو، وذلك بمعرفة حاله
ومبلغ استعداده وقوته، ومعرفة وسائل مقاومته، وأن يعمل بتلك الوسائل (٤).
وقد يأتي بمعنى: ((الاحتراس من الضرر))(٥).
وخلاصة القول: إن المعنى اللغوي والاصطلاحي يتمثلان في التيقظ والتأهب، وأخذ
الحيطة والاحتراس من الضرر.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٧/٢.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٤ /١٧٦.
(٣) الكليات، الكفوي ص٤٠٩.
(٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢٠٤/٥.
(٥) مرقاة المفاتيح، الملا على القاري ٨/ ٣١٦٢.
٤١٦
القرآن الكريم

احذر
الحذر في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (ح ذر) في القرآن (٢١) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٨
٦٤]
الفعل الأمر
٦
﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٤١]
﴿يَجْعَلُونَ أَصَنِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوْعِقِ حَذَّرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:
٥
١٩]
اسم الفاعل
١
﴿وَإِنَّا تَجَمِيعُ حَذِرُونَ ﴾ [الشعراء: ٥٦]
اسم المفعول
١
﴿وَإِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: ٥٧]
وجاء الحذر في القرآن على ثلاثة أوجه (٢):
الأول: الخوف: ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] يعني:
یخوّفکم عقابه.
الثاني: الامتناع: ومنه قوله تعالى: ﴿وَ إِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٤١] يعني: فامتنعوا.
الثالث: الكتمان: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلِ أُسْتَهْزِءُوَ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:
٦٤] يعني: ما تكتمون.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٩٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ١٩١.
www. modoee.com
٤١٧
﴿قُلِ أُسْتَهْزِءُ وَ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَرُونَ
(٦٤) [التوبة:
مصدر سماعي

حرف الحاء
الألفاظ ذات الصلة
١
الخوف:
الخوف لغةً:
الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على الذّعر والفزع (١).
الخوف اصطلاحًا:
قال الراغب: ((الخوف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّه الأمن،
ويستعمل ذلك في الأمور الدّنيويّة والأخرويّة))(٢).
ويقول الجرجانيّ: ((الخوف توقّع حلول مكروه أو فوات محبوب))(٣). وقيل: اضطراب
القلب وحركته من تذكّر المخوف، وقيل: فزع القلب من مكروه يناله أو من محبوب يفوته (٤).
الصلة بين الحذر والخوف:
أن الخوف توقع الضرر المشكوك في وقوعه، ومن يتيقن الضرر؛ لم يكن خائفًا له،
وكذلك الرجاء لا يكون إلا مع الشك، ومن تيقن النفع؛ لم يكن راجيًا له، والحذر: توقي
الضرر، وسواء كان مظنونًا أو متيقنًا، والحذر یدفع الضرر، والخوف لا يدفعه، ولهذا يقال:
خذ حذرك، ولا يقال خذ خوفك (٥).
الاحتراز:
٢
الاحتراز لغة:
الحرز: الموضع الحصين، واحترزت من كذا وتحرّزت: توقيته، واحترز (٦)، أي:
تحفظ (٧).
الاحتراز اصطلاحًا:
التحفظ (٨).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٢٣٠.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٠٣.
(٣) التعريفات، الجرجاني، ص ١٠١.
(٤) دليل الفالحين، البكري، ٢٨٣/٤.
(٥) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٤٠.
(٦) انظر: الصحاح، الجوهري ٣/ ٨٧٣، مختار الصحاح، الرازي، ص ٧٠.
(٧) مجمل اللغة، ابن فارس ص ٢٢٥.
(٨) التوقيف، المناوي، ص ٤٠.
٤١٨
ـَ النَّسيــ
القرآن الكريم

الذر
الصلة بين الحذر والاحتراز:
أن الاحتراز هو التحفظ من الشيء الموجود، والحذر هو التحفظ مما لم يكن، إذا علم
أنه يكون، أو ظن ذلك (١)
٠
الأمن:
٣
الأمن لغة:
ضد الخوف، والفعل منه: أمن يأمن أمنًا (٢).
الأمن اصطلاحًا:
عدم توقع مكروه في الزمان الآتي (٣)، وأصله: طمأنينة النفس وزوال الخوف(٤).
الصلة بين الحذر والأمن:
الحذر: توقي الضرر، سواء كان مظنونًا أو متيقنًا، وفيه التحفظ مما لم يكن، إذا علم أنه
يكون، أو ظن ذلك، وأما الأمن فهو حالة من الاستقرار وطمأنينة النفس، وعدم توقع مكروه
في الزمن الآتي.
(١) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٤٠.
(٢) العين، الفراهيدي ٣٨٨/٨.
(٣) التعريفات، الجرجاني، ص ٣٧.
(٤) التوقيف، المناوي، ص ٦٣.
www. modoee.com
٤١٩

حرف الحاء
أنواع الحذر
أولًا: الحذر المحمود:
الحذر المحمود هو الذي يرضاه الله
تعالى ورسوله صلی الله علیه وسلم ، وهو
ما كان معتدلاً بين الإفراط والتفريط؛ لأنه
الحذر الذي ترجى ثماره، ويسعد صاحبه
في آخرته.
ومن الحذر المحمود:
١. الحذر من الله وعقابه.
قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
فِىّ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ
حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
أي: اعلموا أيها الناس أن الله تعالى
يعلم ما يجول في نفوسکم من خير أو شر،
وما تهجس به خطرات قلوبکم من مقاصد
واتجاهات؛ فاحذروا أن تقصدوا ما هو شر،
أو تفعلوا ما هو منکر، واعلموا أنه تعالی
غفور لمن تاب وعمل صالحًا، حليم لا
یعاجل الناس بالعقوبة، ولا يؤاخذهم إلا بما
كسبوا.
فالجملة الكريمة تحذير وتبشير،
وترغيب وترهيب؛ لكي لا يتجاسر الناس
على ارتكاب ما نهى الله عنه، ولا ييأسوا من
رحمته متى تابوا وأنابوا (١). أي: يحذركم
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ٥٤٠.
عقوبته في ارتكابکم نهیه(٢).
وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
أي: يحذركم نقمته، أي: مخالفته
وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه، وعادى
أولياءه(٣).
٢. المؤمن الحذر من عذابه ونقمته
ممدوحا.
فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَِّلِ سَاجِدًا
وَقَآَيِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِعُ قُلْ هَلْ
يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُوا
الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩].
٣. الحذر من العدو.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ
حِذْرَكُمْ فَانِفِرُواْ ثُّبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾
[النساء: ٧١].
قال السعدي: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين
بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين. وهذا
يشمل الأخذ بجميع الأسباب، التي بها
يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم
وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق،
وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات
التي تعین علی ذلك، وما به یعرف مداخلهم،
ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ٣٣٠/٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١/٢.
٤٢٠
مُوسُوبَةُ الَّ
القرآن الكريم

الحذر
الله))(١).
بكر (٤)، وأخذ بكل وسائل الحيطة والحذر؛
وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أجل أن تنجح الهجرة سرًّا، مع كونه صلى
الله عليه وسلم مستشعرًا لمعية الله تعالى،
إلا أنه كان حذرًا من إدراك المشركين.
على حذر من أعدائهم، فهذا موسی علیه
السلام لما قتل قبطيًّا؛ أصبح خائفًا حذرًا
من جنود فرعون، قال تعالى: ﴿فَرَجَ مِنْهَا
خَلِفًا يَتَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ نَِّ مِنَ الْقَوْمِ اَلَّالِمِينَ
[القصص: ٢١].
على نفسه يتلفّت، ويترقب متابعة أحد له(٢).
وهذا لوط عليه السلام استجاب لأمر
الله، لما أمره الله بقوله: ﴿ فَأَشرِ يأَمْلِكَ پقطع
مِّنَ الَتْلِ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُ أَحَدٌ
وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥].
فكان الأمر للوط أن يسير بقومه في
الليل قبل الصبح، وأن يكون هو في
مؤخرتهم يتفقدهم، ولا يدع أحدًا منهم
يتخلف، أو يتلكأ، أو يتلفت إلى الديار على
عادة المهاجرين الذين يتنازعهم الشوق
إلى ما خلفوا من ديارهم؛ فيتلفتون إليها
ويتلكأون(٣).
وفعله النبي صلى الله عليه وسلم
والصحابة رضوان الله عليهم في حياتهم
کثیرًا، فقد اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم
في غار ثور أثناء هجرته هو وصاحبه أبو
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٦.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ٢٠/ ٧٧.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٤٩/٤.
وکان صلی الله عليه وسلم قلما يريد
غزوة يغزوها إلا ورّى بغيرها(٥).
والتورية: أن يذكر لفظًا يحتمل معنيين،
أي: فخرج موسى من مدينة فرعون خائفًا أحدهما أقرب من الآخر؛ فیسأل عنه وعن
طريقه؛ فيفهم السامع بسبب ذلك أنه يقصد
المحل القريب، والمتكلم صادق، لكن
لخلل وقع من فهم السامع خاصة؛ وذلك
لئلا يتفطن العدو فیستعد للدفع والحرب(٦).
وفي ذلك تعلیم لأمته وحثهم على الأخذ
بوسائل الحذر الممكنة.
وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم
المؤمن المتيقظ الحذر فقال: (لا يلدغ
المؤمن من جحر واحد مرتين)(٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المناقب، باب هجرة النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه إلى المدينة، ٥٨/٥، رقم
٣٩٠٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من أراد غزوة فورى بغيرها،
ومن أحب الخروج يوم الخميس، ٤ / ٤٨،
رقم ٢٩٤٨، ومسلم في صحيحه، كتاب
التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك
وصاحبیه، ٢١٢٨/٤، رقم ٢٧٦٩.
(٦) فيض القدير، المناوي ٥/ ٩٧.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ٣١/٨،
رقم ٦١٣٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
www. modoee.com
٤٢١

حرف الحاء
ومعنى الحديث: أن المؤمن الممدوح لَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
هو الكيِّس الحازم الذي لا يؤتى من ناحية
الغفلة مرة بعد أخرى وهو لا يشعر، ولیکن
متیقظًا حذرًا؛ حتى لا يقع في مکروه، وهو
لا يشعر (١).
والخلاصة: أن الحذر المحمود أمر
يحبه الله ويرضاه، ويصب في مصلحة العبد
الدينية والدنيوية؛ ولذلك أمر الله به وحض
عليه.
ثانيًا: الحذر المذموم:
الحذر أمر محمود، لكن إذا خرج عن
هدفه المشروع كان مذمومًا، وهذا النوع
من الحذر لا يجوز؛ وذلك لأنه مدعاة لترك
العمل.
فالحذر من قوة العدو، وانهزام المسلم
من ساحة المعركة؛ خوفًا على نفسه من
القتل، وحذرًا من جبروت الأعداء حذر
مذموم؛ لأنه جبن وضعف وهوان؛ ولذلك
ذم الله تعالى الذين خرجوا من ديارهم
على كثرتهم حذرًا من الموت، ويقصدون
بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا
يغني حذر عن قدر، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ
أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اللّهَ
الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن من
جحر مرتين، ٤/ ٢٢٩٥، رقم ٢٩٩٨.
(١) شرح السنة، البغوي، ١٣ / ٨٨.
والمعنى: قد علمت أيها الرسول
الكريم، أو أيها الإنسان العاقل - حال أولئك
القوم الذين خرجوا من ديارهم التي ألفوها
واستوطنوها، وهم ألوف مؤلفة، وكثرة
كاثرة، وما كان خروجهم إلا فرارًا وخوفًا
من الموت الذي سيلاقيهم- إن عاجلاً أو
آجلاً -.
ومن لم يعلم حالهم فها نحن أولاء
نعلمه بها، ونحيطه بما جرى لهم عن طريق
هذا الكتاب، الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه.
والمقصود من هذه الآية الكريمة: حض
الناس جميعًا على الاعتبار والاتعاظ،
وزجرهم عن الفرار من الموت هلعًا وجبنًا،
وتحريضهم على القتال في سبيل الله، فقد
قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَقَتِلُواْ فِىِ سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ وإفهامهم أن الفرار من الموت لن
یؤدی إلا إلى الوقوع فيه (٢).
وهذه القصة عبرة وعظة يراد مغزاها،
ولا تراد أحداثها وأماكنها وأزمانها، وتحديد
الأماكن والأزمان لا يزيد هنا شيئًا على
عبرة القصة ومغزاها، إنما يراد هنا تصحيح
التصور عن الموت والحياة، وأسبابهما
الظاهرة، وحقيقتهما المضمرة، ورد الأمر
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ٥٥٥.
٤٢٢
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الحذر
فيهما إلى القدرة المدبرة. والاطمئنان إلى
قدر الله فيهما، والمضي في حمل التكاليف
والواجبات دون هلع ولا جزع؛ فالمقدر
كائن، والموت والحياة بيد الله في نهاية
المطاف.
يراد أن يقال: إن الحذر من الموت لا
يجدي، وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة،
ولا يمدان أجلًا، ولا يردان قضاء، وإن الله
هو واهب الحياة، وهو آخذ الحياة، وإنه
متفضل في الحالتين: حین یهب، وحین
يسترد، والحكمة الإلهية الكبرى كامنة
خلف الهبة، وخلف الاسترداد، وإن مصلحة
الناس متحققة في هذا وذاك، وإن فضل الله
عليهم متحقق في الأخذ والمنح سواء(١).
وقد كان المنافقون يحرصون كل
الحرص على إخفاء مخططاتهم وأقوالهم
الشنيعة، ويحذرون أن يسمع بها أحد
غيرهم، فذم الله هذا الحذر المذموم فقال:
يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ
سُورَةٌ ثُنَبِّتُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ
اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤].
أي: يخاف المنافقون ويتحرزون أن
تنزل على المؤمنين سورة تكشف أحوالهم،
وتفضح أسرارهم، وتبين نفاقهم، وتخبرهم
بحقيقة وضعهم، فيفتضح أمرهم، وتنكشف
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ٢٦٤.
أسرارهم (٢).
قال السدي: ((قال بعض المنافقين:
والله وددت لو أني قدمت؛ فجلدت مائة
جلدة، ولا ينزل فينا شيء بفضحنا؛ فنزلت
الآية))(٣).
قال القرطبي: ﴿يَحْذّرُ الْمُنَفِقُونَ
أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ نزلت في شأن
المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساوئهم
ومثالبهم، ولهذا سميت بالفاضحة والمثيرة
والمبعثرة، وقال الحسن: كانوا يسمون هذه
السورة الحفّارة؛ لأنها حفرت ما في قلوب
المنافقين؛ فأظهرتها (٤).
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ٢٨٩/١٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٩٥/٨.
(٤) المصدر السابق ٨/ ١٩٦.
www. modoee.com
٤٢٣

حرف الحاء
مجالات المحذور منه في القرآن
إن الكلام عن مجالات المحذور منه في
القرآن الكريم يتطلب بيان الحذر من الله
تعالى ونقمته، وعذابه، والحذر من مخالفة
أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، والحذر
من فتنة الإعراض والصد عن الصراط
المستقيم، والحذر من الموت، والحذر من
کید الشيطان والکافرین والمنافقین، والحذر
من طاعة الأزواج والأولاد فيما يغضب الله
سبحانه ، وتفصيل هذه الأمور فيما يأتي:
أولًا: الحذر من الله تعالى:
حذر الله عباده المؤمنين من عذابه
ونقمته في مواضع من كتابه العزيز، وهدد
المخالفين المتواطئين على مصلحة الأمة
ومصيرها.
فقال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ اَلْكَفِرِينَ
أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَمَةٌ
وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
٢٨
قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ
وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا ◌ِ اْأَرْضِّ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ
مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأُ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ,
وَاَللَّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٨ -٣٠].
ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون،
الکفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم علی دینھم،
وتظاهرونهم على المسلمين من دون
المؤمنين، وتدلّونهم على عوراتهم، فإنه
من يفعل ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَىْءٍ﴾،
يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله
منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر
﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةً﴾ إلا أن تكونوا
في سلطانهم؛ فتخافوهم على أنفسكم،
فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا
لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه
من الكفر، ولا تعينهم على مسلم بفعل (١).
قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو
وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد
-وهؤلاء كانوا من اليهود بباطنون(٢) نفرًا
من الأنصار؛ ليفتنوهم عن دينهم - فقال
رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد
بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء
اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم؛ لا
يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا
مباطنتهم وملازمتهم؛ فأنزل الله تعالى هذه
الآية.
وقال الكلبي: نزلت في المنافقين: عبد
الله بن أبي وأصحابه، کانوا یتولون اليهود
والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن
يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله
(١) جامع البيان، الطبري ٦/ ٣١٣.
(٢) أي: يألفونهم ويوالونهم.
٤٢٤
القرآن الكريم

الذر
عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، في النفس من الذات العلية (٤).
ونھی المؤمنین عن مثل فعلهم.
وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس:
نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري،
و کان بدريًّا نقيبًا، وكان له حلفاء من اليهود،
فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم
الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إن معي
خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن
يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو؛
فأنزل الله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ
أَوْلِيَآءُ ﴾ الآية(١).
وأتبع النهي بالتهديد والوعيد، فقال:
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ﴾،
يقول سيد قطب: ((فقد تضمن التهديد
تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في
صورة عجيبة من التعبير حقًّا))(٢).
وبعد التحذير المفهوم من السياق یورد
تحذيرًا صريحًا، وذلك بقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ
اللهُ نفسَهُ﴾ وهذا تهدید عظیم لمن تعرض
لسخطه بموالاة أعدائه؛ لأن شدة العقاب
بحسب قوة المعاقب وقدرته(٣).
وهذا التحذير فيه ما فيه من التهديد
والتخويف من موالاة الکافرین؛ لأن التحذير
من ذات الله، يقتضى الخوف ووقوع الرهبة
(١) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص ١٠٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٨٦/١.
(٣) تفسير المراغي ١٣٨/٣.
وما يزال التحذير مستمرًّا متجددًا مع
السياق القرآني حتى يصل قوله تعالى: ﴿قُلّ
إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ
وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْ ءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩].
يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر
والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم
خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال
والآنات واللحظات وجميع الأوقات،
وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب
عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع
أقطار الأرض والبحار والجبال(٥)
.
و((قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
إتمامًا للتحذير، وذلك لأنه لما بين أنه
تعالى عالم بكل المعلومات كان عالمًا بما
في قلبه، و کان عالمًا بمقادير استحقاقه من
الثواب والعقاب، ثم بين أنه قادر على جميع
المقدورات، فكان لا محالة قادرًا على
إيصال حق كل أحد إليه، فيكون في هذا تمام
الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب)»(٦).
ثم يتابع السياق الحملة على القلب
البشري، فيكرر تحذير الله للناس من
نفسه: ﴿وَيُحَذِّرُ كُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ويذكرهم
برحمته في هذا التحذير، والفرصة متاحة
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ٧٦.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١/٢.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٥/٨.
www. modoee.com
٤٢٥

حرف الحاء
قبل فوات الأوان ﴿وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ واحد من السلف: من رأفته بالعباد: حذرهم
ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير، وهو من نفسه؛ لئلا يغتروا به (٣).
دليل على إرادة الخير والرحمة للعباد (١).
والحكمة من تكرار قوله تعالى:
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نفسَهُ﴾ مرتین في ثلاث
آيات، ذكرها ابن حيان في البحر المحيط،
فقال: ((كرر التحذير للتوكيد والتحريض
على الخوف من الله بحيث يكونون ممتثلي
أمره ونهيه، ﴿وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ لما ذكر
صفة التخويف وكررها، كان ذلك مزعجًا
للقلوب، ومنبها علی إیقاع المحذور مع ما
قرن بذلك من اطلاعه على خفايا الأعمال
وإحضاره لها يوم الحساب، وهذا هو
الاتصاف بالعلم والقدرة اللذين يجب أن
يحذر لأجلهما، فذكر صفة الرحمة ليطمع
في إحسانه، وليبسط الرجاء في أفضاله،
فیکون ذلك من باب ما إذا ذكر ما يدل على
شدة الأمر، ذكر ما يدل على سعة الرحمة،
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ
﴾ [الأنعام: ١٦٥])(٢).
مم.
لغفور رحيـ
والتحذير في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ
اللَّهُ نَفْسَهُ, وَاَللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:
٣٠].
رحمة من الله سبحانه ؛ لئلا يغتروا به،
فيعاملوه بما لا تحسن معاملته. قال غير
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٨٦/١.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان، ١٠٢/٣.
وفي هذه التحذير دليل على الابتعاد
عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم،
والميل إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز
أن یولی کافر ولایة من ولایات المسلمین،
ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح
لعموم المسلمين (٤).
ومن الآيات الدالة على الحذر من الله
تعالى قوله سبحانه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِىّ
أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَّا
تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا إِلََّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًاً
وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَقِّ يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ
أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ
فَأَخْذَرُوهُ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢٣٥].
فبعد أن بين الله سبحانه وتعالى جملة
من الأحكام المتعلقة بقضايا الأسرة، حذر
من مخالفتها ومخالفة أمره، وهذا رصد
لما في النفوس من وساوس وخواطر،
ونيات منعقدة على الخير أو الشر، ومبيتة
للإخلاص أو الخداع، فالله سبحانه وتعالى
مطلع على كل شيء، مجاز على كل شيء؛
فليحذره أولئك الذين يدبرون السوء،
(٣) إغاثة اللهفان، ابن القيم ١٧٥/٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٢٧.
٤٢٦
مَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم

الحذر
وينوون الغدر(١).
بالقلوب، الغائرة في الضمائر، فالقضية بين
قال الطبري: ((واعلموا، أيها الناس، رجل وامرأة، وخشية الله والتحذير مما
يجول ويحيك في الصدور هي الضمانة
الأخيرة لتنفيذ التشريع.
أن الله يعلم ما في أنفسكم من هواهن
ونکاحهن وغير ذلك من أمورکم، فاحذروه.
فإذا هز الضمير البشري هزة الخوف
والحذر؛ فصحا وارتعش رعشة التقوی عاد؛
ليملأ بالطمأنينة والثقة بعفو الله وحلمه
ومغفرته (٥)
يقول: فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن
تأتوا شيئًا مما نهاكم عنه، من عزم عقدة
نکاحهن، أو مواعدتهن السر في عددهن،
وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنهن في حال
ما هن معتدات، وفي غير ذلك)) (٢)
وقد جاء هذا التحذير عقب ذكر
الأحكام السابقة على سنن القرآن من القرن
بين الأحكام بالمواعظ؛ ترغيبًا وترهيبًا،
وتشجيعًا على التزام أوامر الله وترك
نواهيه (٣).
قال الألوسي: ((﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ﴾ من العزم على ما لا يجوز
أو من ذوات الصدور التي من جملتها ذلك
﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ ولا تعزموا عليه أو- احذروه-
بالاجتناب عن العزم ابتداء أو إقلاعًا عنه بعد
تحققه»(٤).
وهذا الربط بين التشريع وخشية الله،
المطلع على السرائر؛ نظرًا للمشاعر
المكنونة والعلاقات الحساسة العالقة
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب،
٢٨٣/١.
(٢) جامع البيان، الطبري ٥/ ١١٧.
(٣) تفسير المراغي، ١٩٥/٢.
(٤) روح المعاني، الألوسي ٥٤٥/١.
وبعد أن أمر الله تعالى بالحذر قال:
﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ أي: ولولا
مغفرته وحلمه؛ لعنتّم غاية العنت؛ فإنه
سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم،
ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء فما
نهاكم عنه؛ فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار.
(٦)
فإنه هو الغفور الحليم
وفي هذا التحذير قرن الأحكام بالموعظة
ترغيبًا وترهيبًا؛ لتأكيد المحافظة عليها(٧)،
وهذا نھایة التحذير من الوقوع فیما نھی عنه؛
لأن الله توعدهم على ما يقع في ضمائرهم
من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير
دون الشر، ثم لم يؤيّسهم من رحمته، ولم
يقنطهم من عائدته (٨). وفي الآية دليل على
وجوب مراقبة الله تعالى فى السر والعلن
واتقاء الأسباب المفضية بالعبد إلى فعل
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٦/١.
(٦) التفسير القيم، ابن القيم ص ١٥٠.
(٧) التفسير المنير، الزحيلي ٣٧٩/٢.
(٨) المصدر السابق ٢/ ٣٨٢.
www. modoee.com
٤٢٧

حرف الحاء
محرم.
ثانيًا: الحذر من مخالفة الرسول صلى
الله عليه وسلم:
أمر الله سبحانه أن ییجّل نبيه صلى الله
علیه وسلم ویعظّم، فلا يدعی باسمه بأن
يقال: یا محمد، ولکن یقال: يا نبي الله، یا
رسول الله، ولا یقاس دعاؤه كدعاء بعضنا
بعضًا في جواز الإعراض والتساهل في
الإجابة، والانصراف من مجلسه بغير إذن،
فإن المبادرة إلى إجابته صلى الله عليه
وسلم واجبة، والرجوع عن مجلسه بغير إذن
محرم، ثم حذر سبحانه وتوعد المخالفين
لتلك الأوامر والآداب.
فقال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْسِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
الَّذِينَ يُقَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَذَاْ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُغَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن
حيان في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ
يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ قال: هم المنافقون
كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة -
ويعني بالحديث الخطبة - فيلوذون ببعض
الصحابة حتى يخرجوا من المسجد، وكان
لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا
بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم
الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا
أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي
صلی الله عليه وسلم ؛ فیأذن له من غير أن
يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم
والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بطلت
جمعته(١).
وذكر البغوي أنها نزلت في ظروف
حفر الخندق ووقعة الأحزاب، حیث کان
المنافقون ينسحبون تسللًا وخفية من
المعسكر، ولا ينفذون أوامر النبي صلی الله
عليه وسلم(٢).
وهذا الحكم يعم كل من خالف أمر الله
وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليست
خاصة بالمنافقين فقط (٣)
.
يقول الألوسي في معنى هذه الآية:
((أي: لا تقيسوا دعاءه عليه الصلاة والسلام
إیاکم علی دعاء بعضكم بعضًا في حال من
الأحوال، وأمر من الأمور، التي من جملتها
المساهلة فيه، والرجوع عن مجلسه عليه
الصلاة والسلام بغیر استئذان؛ فإن ذلك من
المحرمات، وإلى نحو هذا ذهب أبو مسلم
واختاره المبرد والقفال. وقيل: المعنى لا
تحسبوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على
بعض؛ فتعرضوا لسخطه ودعائه عليكم عليه
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٢٦٥٦/٨،
رقم ١٤٩٣٤.
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ٣/ ٤٣٣.
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٣١٦/١٨.
٤٢٨
جوب
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الحذر
عن مجلسه بغیر استئذان ونحو ذلك، وهو
مأخوذ مما جاء في بعض الروايات عن ابن
عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وروي
عن الشعبي، وتعقبه ابن عطية بأن لفظ الآية
يدفع هذا المعنى، وكأنه أراد أن الظاهر عليه
على بعض. وقيل: إنه يأباه بينكم وهو في
حيز المنع، وقيل: المعنى: لا تجعلوا دعاءه
عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل كدعاء
صغیرکم کبیرکم وفقیرکم وغنیکم، يسأله
حاجته فربما أجابه وربما رده، فإن دعاءه
صلى الله عليه وسلم مستجاب لا مرد له
عند الله عز وجل، فتعرضوا لدعائه لكم
بامتثال أمره، واستئذانه عند الانصراف عنه
إذا كنتم معه على أمر جامع، وتحققوا قبول
استغفاره لكم، ولا تتعرضوا لدعائه عليكم
بضد ذلك»(١).
يقول المراغي: «فليتق الله من يفعلون
ذلك منکم، فينصرفون عن رسول الله بغير
إذنه، أن تصيبهم محنة وبلاء في الدنيا، أو
يصيبهم عذاب مؤلم موجع في الآخرة، بأن
يطبع الله على قلوبهم؛ فيتمادوا في العصيان
ومخالفة أمر الرسول، فیدخلھم النار وبئس
القرار.
والآية تعم كل من خالف أمر الله، وأمر
رسوله، وجمد على التقليد من بعد ما تبين
(١) روح المعاني، الألوسي ٩/ ٤١٤.
الصلاة والسلام بمخالفة أمره والرجوع له الهدى، وظهر له الصواب من الخطأ))(٢).
((فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حتى
تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه،
وهي لفتة ضرورية، فلا بد للمربي من وقار،
ولابد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو
متواضعًا هينًا لينًا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم؛
فیدعوه دعاء بعضهم لبعض .. یجب أن تبقى
للمربي منزلة في نفوس من یربیھم یرتفع بها
علیهم في قرارة شعورهم، ویستحیون هم أن
يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير))(٣).
((وهذه الآية تحكم الصلة التي بين
المؤمنين وبين النبي صلوات الله وسلامه
عليه بعد أن جاءت الآية السابقة؛ لتحكم
الصلة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وأنها
صلة وثيقة العرى، ملاكها السمع والطاعة
لرسول الله من كل مؤمن ومؤمنة)» (٤).
وفي هذه الآية تأديب للمؤمنين إزاء
مجالس الرسول ودعائه، وتنويه بالذين
يتصرفون في ذلك بما يليق بمركزه ومقامه،
فلا يتركون مجالسه إلّا لعذر وبعد الاستئذان
منه وإذنه. فهم المؤمنون حقًّا بالله ورسوله.
وتندید بالذین یتصرفون في ذلك تصرفاً غير
لائق فيتسللون من مجالسه. وإنذار دنيوي
(٢) تفسير المراغي ١٤١/١٨-١٤٢.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٣٥/٤.
(٤) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٠١٣٣٤/٩
www. modoee.com
٤٢٩

حرف الحاء
وأخروي لهم(١).
وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر
على الوجوب، ووجهها أن الله تبارك
وتعالى قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد
بالعقاب عليها بقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فتحرم مخالفته،
فيجب امتثال أمره (٢).
عن قتادة، في قوله: ((﴿لََّجْعَلُواْ دُعَاءُ
الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُمَآءِ بَعْسِكُمْ بَعْضَاً﴾
[النور: ٦٣].
قال: أمرهم الله أن يفخموه ويشرفوه
صلی الله عليه وسلم))(٣).
من أوامر الله والرسول؛ فهو خارج عن
الإسلام، سواء رده من جهة الشرك، أو من
جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت
إليه الصحابة رضي الله عنهم من الحكم
بارتداد مانعي الزكاة، وقتلهم، وسبي
(٤)
ذراريهم (٤).
ثالثًا: الحذر من العذاب:
من صفات المؤمن التقي: الحذر من
عذاب الله وغضبه؛ فالله تعالى يعلم كل
(١) التفسير الحديث، محمد عزت دروزة،
٤٥٤/٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٢/١٢.
(٣) أخرجه محمد بن نصر المروزي في تعظيم
قدر الصلاة، ٦٦٤/٢، رقم ٧٢٠.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٤٥٦/٦.
شيء، ولا تخفى عليه خافية، وقد أخبرنا ربنا
سبحانه أن عذابه هو الذي يجب أن يحذر،
فلا يبلغه أي عذاب، فقال: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ
زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الصُّرِّ
عَنكُمْ وَلَا تَهْوِيلًا ( أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
يَعْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ، وَخَافُونَ عَذَابَدٌْ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ
مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧].
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك
الذین یعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا
أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة
وهذه الآيات تدل على أن من رد شيئًا من دونه عند ضرّ ينزل بكم، فانظروا هل
يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله
عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة؛ فإنهم
لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما
يملكه ويقدر عليه خالقکم وخالقهم. وقيل:
إن الذین أمر النبيّ صلی الله عليه وسلم أن
یقول لهم هذا القول، كانوا يعبدون الملائكة
وعزيرًا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون
نفرًا من الجنّ.
وهؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون
أربابًا ﴿يَتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أي:
يبتغي المدعوّون أربابًا إلى ربهم القربة
والزّلفة؛ لأنهم أهل إيمان به، والمشركون
بالله يعبدونهم من دون الله ﴿أَيُمْ أَقْرَبُ﴾
أيهم بصالح عمله واجتهاده في عبادته
مُوسُو ◌َرُ النَفسِيكِ الوضوء
القرآن الكريم
٤٣٠

الحذر
أقرب عنده زلفة ﴿وَيَرْجُونَ﴾ بأفعالهم
تلك ﴿رَحْمَتَهُ﴾ ويخافون أمره ﴿عَذَابَهُمْ
إِنَّ عَذَابَ رَيْكَ﴾ يا محمد ﴿كَانَ مَحْذُورًا ﴾
متقى (١).
وكان سبب نزول هاتين الآيتين ما الله عز وجل (٤).
أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه ، قال: «كان ناس من
الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن
وتمسك هؤلاء بدینهم، فأنزل الله عز وجل:
﴿ قُلِ أَدْعُواْ الَّذِيْنَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ
كَشْفَ الُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴾ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُنْ إِنَّ عَذَابَ
رَيْكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧](٢).
وعلى الرغم من هذه الرواية؛ فقد
اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية
على أقوال:
أحدها: أنها نزلت في نفر من الجن
کان یعبدهم قوم من الإنس؛ فأسلم الجن
ابتغاء الوسيلة عند ربهم، وبقي الإنس على
كفرهم؛ قاله عبد الله بن مسعود.
الثاني: أنهم الملائكة، كانت تعبدهم
قبائل من العرب، وهذا مروي عن ابن
مسعود أيضًا .
(١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٧١.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب
قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتهم من
دونه)، ٦/ ٨٥، رقم ٤٧١٤.
الثالث: هم وعیسی وأمّه، قاله ابن عباس
ومجاهد. وهم المعنّون بقوله تعالى: ﴿ قُلِ
أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ﴾(٣).
وفي الجملة: هذه الآيات في عبادة غير
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾
تذييل قصد به التعليل لما قبله وهو خوف
العذاب (٥)، الذي ينبغي أن يحذر منه،
ويخاف من وقوعه وحصوله(٦).
قال أبو السعود: ((حقيقًا بأن يحذره
كلّ أحدٍ، حتى الملائكة والرسل عليهم
الصلاة والسلام وهو تعليلٌ لقوله تعالى:
﴿وَخَافُونَ عَذَابَهٌ ﴾ وتخصيصه بالتعلیل؛
لما أن المقام مقام التحذير من العذاب، وأن
بینھم وبین العذاب بونًا بعيدًا»(٧).
وتقديم الرجاء على الخوف؛ لما أن
متعلقه أسبق من متعلقه، ففي الحديث
القدسي: (سبقت رحمتي غضبي) (٨)، وفي
اتحاد أسلوبي الجملتين إيماء إلى تساوي
رجاء أولئك الطالبين للوسيلة إليه تعالى
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٣/ ٢٥٠.
(٤) التفسير الوسيط، الزحيلي ١٣٦١/٢.
(٥) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٧٧/٨.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨٩/٥.
(٧) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٧٩/٥.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: (في لوح محفوظ)،
٩/ ١٦٠، رقم ٧٥٥٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى
وأنها سبقت غضبه، ٢١٠٨/٤، رقم ٢٧٥١.
www. modoee.com
٤٣١

حرف الحاء
بالطاعة والعبادة وخوفهم، وقد ذكر العلماء
أنه ينبغي للمؤمن ذلك ما لم يحضره الموت
فإذا حضره الموت ينبغي أن يغلّب رجاءه
على خوفه(١).
وفي الآيات بيان حقيقة عقلية، وهي:
أن دعاء الأولياء والاستغاثة بهم، والتوسل
إليهم بالذبح والنذر أمر باطل ومضحك في
نفس الوقت؛ إذ الأولياء كانوا قبل موتهم
يطلبون الوسيلة إلى ربهم بأنواع الطاعات
والقربات، ومن كان يعبد لا يعبد. ومن
کان یتقرب لا یتقرّب إلیه، ومن كان يتوسّل
لا یتوسل إليه، بل یعبد الذي کان یعبد،
ویتوسل إلى الذي كان يتوسل إليه، ويتقرب
إلى الذي كان يتقرب إليه، وهو الله سبحانه
وتعالى (٢).
ومن الآيات الدالة على الحذر من
العذاب: ما وصف الله به عبده المؤمن بأنه
حذر من عذاب الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرِّدَهَا
رَبَّهُ, مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةٌ مِّنْهُ نَسِىَ مَا
كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن
سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَليلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ
النَّارِ ، أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا
يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهُ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى
الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ
(١) روح المعاني، الألوسي ٨/ ٩٥.
(٢) أيسر التفاسير، الجزائري ٣/ ٢٠٨.
الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٨ - ٩].
هذه مقابلة بين العامل بطاعة الله وغيره،
وبين العالم والجاهل، وأن هذا من الأمور
التي تقرر في العقول تباينها، وعلم علمًا
يقينًا تفاوتها، فليس المعرض عن طاعة
ربه، المتبع لهواه، کمن هو قانت أي: مطيع
لله بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل
الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة
العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء،
وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة،
على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق
الرجاء رحمة الله، فوصفه بالعمل الظاهر
والباطن (٣).
يقول سيد قطب: الآية الأولى عرضت
الصورة النكدة من الإنسان، مقابل صورة
أخرى، صورة القلب الخائف الوجل،
الذي يذكر الله، ولا ينساه في سراء ولا
ضراء، والذي يعيش حياته على الأرض في
حذر من الآخرة، وفي تطلع إلى رحمة ربه
وفضله، وفي اتصال ينشأ عنه العلم الصحيح
المدرك لحقائق الوجود.
هذه صورة مشرقة مرهفة؛ فالقنوت
والطاعة والتوجه وهو ساجد وقائم، وهذه
الحساسية المرهفة وهو يحذر الآخرة،
ويرجو رحمة ربه، وهذا الصفاء وهذه
الشفافية التي تفتح البصيرة، وتمنح القلب
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٢٠.
موسوعة التفسير
القرآن الكريمِ
٤٣٢

الزر
نعمة الرؤية والالتقاط والتلقي، هذه كلها عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ﴾(٢).
ترسم صورة مشرقة مضيئة من البشر تقابل
تلك الصورة النكدة المطموسة التي رسمتها
الآية السابقة، فلا جرم يعقد هذه الموازنة(١).
رابعًا: الحذر من الفتن:
أعظم فتنة قد تصيب العبد: فتنة الإعراض
والصد عن الصراط المستقيم، ولقد حذر
الله نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه
الفتنة، فقال تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنْزَلَ
اللَّهُ وَلَا تَقَّعَ أَهْوَاءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَقْتِنُوكَ
عَنْ بَعْضِ مَّ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمَّ أَنَّمَا يُرِيدُ
اللّهُ أَنْ يُصِيبَهُم بِبَعْضٍ ذُنُوبِهِمٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
لَفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وذکر الواحدي في سبب نزول هذه الآية
عن ابن عباس قال: إن جماعة من اليهود
منهم کعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا
وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا
بنا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ؛ لعلنا
نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد قد
عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن
اتبعناك؛ اتبعنا اليهود ولن يخالفونا، وإن بيننا
وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك، فتقضي
لنا علیھم، ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبی
ذلك رسول الله صلی الله عليه وسلم؛ فأنزل
الله تعالى فيهم: ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَـ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٠٤٢/٥.
((والمعنى: وأنزلنا إليك الكتاب -یا
محمد- فیه حکم الله، وأنزلنا إليك فيه أن
أحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواء
هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينهم لهوّا
ولعبًا، واحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن
بعض ما أنزلناه إليك -ولو كان أقل قليل-
؛ بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق،
أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذي
يناسب شهواتهم، وقد كرر سبحانه على
نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب التزامه
في أحكامه بما أنزل الله؛ لتأكيد هذا الأمر
في مقام يستدعى التأكيد؛ لأن اليهود كانوا
لا یکفون عن محاولتهم فتنته صلی الله عليه
وسلم وإغرائه بالميل إلى الأحكام التي تتفق
مع أهوائهم، ولأنه قد جاء في الآية السابقة
ما قد يوهم بأن لكل قوم شريعة خاصة
بهم ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾
وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد
سبحانه أن ينفى هذا الوهم نفيًا واضحًا وأن
يؤكد أن شريعة القرآن هي الشريعة العامة
الخالدة، التي يجب أن يتحاكم إليها الناس
في كل زمان ومكان؛ لأنها نسخت ما سبقها
من شرائع»(٣).
وإنما حذره وهو رسول مأمون؛ لقطع
(٢) أسباب النزول ص ١٩٨.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ /١٨٥.
www. modoee.com
٤٣٣

حرف الحاء
أطماع القوم(١).
وقد جاء هذا التحذير مسبوقًا بأمرین،
سبق بمقدمةٍ له وهذه المقدمة جاءت
بأسلوبين:
أحدهما أمر، وهو ﴿آعكم﴾، والآخر
نهي وهو ﴿وَلَاتَنَّعَ﴾. وهذا فيه تأكید
لأهمية المحذّر منه.
قال سيد قطب: فالتحذير هنا أشد وأدق،
وهو تصوير للأمر على حقيقته، فهي فتنة
يجب أن تحذر، والأمر في هذا المجال لا
يعدو أن يكون حكمًا بما أنزل الله كاملًا،
أو أن يكون اتباعًا للهوى وفتنة يحذر الله
منها ... فإن تولوا فلا عليك منهم، ولا
يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم
الله وشريعته، ولا تجعل إعراضهم يفت
في عضدك أو يحولك عن موقفك؛ فإنهم
إنما يتولون ويعرضون؛ لأن الله يريد أن
يخزيهم على بعض ذنوبهم، فهم الذين
سيصيبهم السوء بهذا الإعراض، لا أنت
ولا شريعة الله ودينه، ولا الصف المسلم
﴿وَإِنَّ
المستمسك بدينه، ثم إنها طبيعة البشر .
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ فهم يخرجون
وینحرفون؛ لأنهم هكذا، ولا حيلة لك في
هذا الأمر، ولا ذنب للشريعة، ولا سبيل
لاستقامتهم على الطريق(٢).
(١) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٤٥٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢/ ٩٠٤.
وفي الآية دليل على جواز النسيان على
النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال:
ن
يَفْتِنُوكَ﴾ وإنما يكون ذلك عن نسيان لا
عن تعمد (٣)
وفي هذه الآية تحذیر شدید من اتباع
أهواء الناس خشية الإضلال عن الحق،
ووجوب الحكم في كل القضايا بما أنزل
الله، ولا يجوز الاحتكام إلى أية شريعة،
أو قانون غير الوحي الإلهي، المتمثل في
الكتاب والسنة.
فليحذر المسلم من الانزلاق إلى متابعة
الهوى، وترك الحق بحجة تکثیر السواد، أو
بحجة قبول الدعوة وانتشارها؛ فإنّ دعوة
الله ليست بحاجة إلى تكثير سواد أتباعها
من طريق الخيانة، وإرضائهم بالباطل وبما
يسخط الله تعالى.
خامسًا: الحذر من الموت:
حذر الله سبحانه وخوف من الموت
كثيرًا؛ لكي يبتعد الإنسان عن المعاصي،
ويقترب من الطاعات، إلا أن لفظ الحذر
من الموت لم يرد في القرآن الكريم بصورته
الصريحة إلا في موضعين في القرآن الكريم:
١. حذر الموت من شدة الصواعق.
ذكر الله تعالى حال المنافقين ومن أي
شيء يحذرون، فقال تعالى: ﴿أَوْكَصَيِّبٍ
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٦/ ٢٢١.
٤٣٤
مَوَس ◌َرُ النَفسِير
القرآن الكريمِ