النص المفهرس

صفحات 21-40

الحدود
أسباب الاعتداء على حدود الله
قد أشارت نصوص القرآن الكريم إلى
الأسباب التي تؤدي إلى تعدي حدود الله،
ويمكن إجمالها في ثلاثة أسباب: الكفر
والنفاق، والجهل، والظلم.
أولًا: الكفر والنفاق:
وقعت الإشارة إلى ارتباط الكفر
والنفاق بتعدي حدود الله في قوله تعالى:
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا
يَعْلَمُوْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ. وَاَللَّهُ عَلِيمُ
حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٩٧]
قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره:
الأعراب أشدّ جحودًا لتوحيد الله، وأشدّ
نفاقًا، من أهل الحضر في القرى والأمصار.
وإنما وصفھم جل ثناؤه بذلك، لجفائهم،
وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل
الخير، فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلّ علمًا
بحقوق الله.
وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلََّيَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ
اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾، يقول: وأخلق أن لا يعلموا
حدود ما أنزل الله على رسوله))(١).
فأما الكفر فأصله التغطية، ومنه قيل:
(كفر السحاب السماء، وكفر المتاع فى
الوعاء، وكفر الليل بظلامه. وليل كافر.
ولبس کافر الدروع، وهو ثوب يلبس فوقها.
(١) جامع البيان، الطبري ٤٢٩/١٤.
وكفرت الريح الرسم، والفلاح الحب، ومنه
قيل للزراع الكفار)»(٢).
((والكافر على الإطلاق متعارف فيمن
يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو
ثلاثتها، وقد يقال: كفر لمن أخلّ بالشّريعة،
وترك ما لزمه من شكر الله عليه))(٣).
والمعنى الأول هو المراد في الآية، وجاز أن
تدل على المعنى الثاني بالإشارة.
وأما النفاق فهو نوع من أنواع الكفر:
لأن المنافق أبطن الكفر، فکان حکمه عند
الله حكم الكافر ولذلك يفضح يوم القيامة
ويجعل في الدرك الأسفل من النار، وإن
كان يعامل في الحياة الدنيا معاملة المسلم،
وتجري عليه أحكام المسلمین.
وقد نص القرآن الكريم على أن الإنسان
إذا کفر لم یکن له من نفسه نازع یحثه على
الطاعة، أو وازع يحجزه عن الفواحش
والمنكرات.
قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَقَرْتُمْ يَوْمًا
يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًاِ السَّمَةُ مُنْفَظِرٌ بِهِ، كَانَ
وَعْدُهُ مَفْعُولًا ﴾ [المزمل: ١٧ -١٨].
وفي الآية تقريع لمن كفر وبيان لأنه
لا يحجزه عن مجاوزة حدود الله شيء،
بمعنى: ((فكيف تتقون الله وتخشونه إن
جحدتم يوم القيامة والجزاء. وقرأ أبو
(٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤ / ٣٦١.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧١٥.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الحاء
السمال قعنب فكيف تتقون -بكسر النون
على الإضافة -))(١)، وهي قراءة أوضح في
الدلالة على المعنى، وأقل شأنها أن تكون
قراءة تفسيرية.
وللكفر بيوم القيامة خصوصًا تأثير
خاص في الجرأة على حدود الله، لأن الذي
لا یرجو ثوابًا ولا یخاف حسابًا ولا عقابًا،
لن يرده عن هواه شيء، وقد علل القرآن
الكريم ضلال المشركين في آيات كثيرة
بكفرهم بالآخرة.
قال تعالى: ﴿فَمَا لَمْ عَنِ التَّذْكِرَوْ مُعْرِضِينَ
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَفِرَةٌ { فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةمِ
٤٩
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْنَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً
٥١
كَلَّا بَلَ لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ ﴾ [المدثر:
(٥٢
٤٩-٥٣].
وهو تعجيب من غرابة حالهم بحيث
يجدر أن يستفهم عنها المستفهمون (٢): ((أي
ما الذي حصل لهم حال كونهم معرضين
عن القرآن المشتمل على التذكرة الكبرى،
والموعظة العظمى؟ أو فما لهؤلاء الكفرة
الذين قبلك فى مكة معرضون عما تدعوهم
إليه، وتذكّرهم به؟ كأنهم في نفورهم عن
الحق وإعراضهم عنه من حمر الوحش
إذا فرت من رماة يرمونها، أو من أسد يريد
افتراسها.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٠/١٩.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٩/٢٩.
فالقسورة: إما جماعة الرماة الذين
يتصيدونها، أو الأسد، وهو رأي جمهور
اللغويين، سمي بذلك لأنه يقهر السباع،
قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت
الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون، إذا
رأوا محمدًا صلّى الله عليه وسلّم، هربوا
منه، كما يهرب الحمار من الأسد. وهذا
التشبيه في غاية التقبيح والتهجين لحالهم،
وإعلامهم بأنهم قوم بله.
والآية دليل على أن إعراضهم عن
الحق والإيمان بغير سبب ظاهر مقنع، ولا
استعداد للتفاهم والاقتناع، ففي تشبيههم
بالحمر مذمة ظاهرة، ونداء عليهم بالبلادة
والغباوة، وعدم التأثر من مواعظ القرآن، بل
صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجبًا
لنفرتهم»(٣).
وزادت الآية في بيان عنادهم وإعراضهم
بإضراب انتقالي فقالت: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِي
مِنْهُمْ أَنْ يُؤْثَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ وقد تضمنت
«حالة أخری من أحوال عنادهم، إذ قال أبو
جهل وعبد الله بن أبي أمية وغيرهما من
كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: لا
نؤمن لك حتی یأتي إلى كل رجل منا كتاب
فيه من الله إلى فلان بن فلان، وهذا من
أفانين تكذيبهم بالقرآن أنه منزل من الله)) (٤).
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢٤٣/٢٩.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ٣٣١.
٣٩٦
مَوَسُولَةُ الْبَعِيد
القرآن الكريمِ

الحدود
والمعنى: ((بل يريد كل واحد من هؤلاء أهوالها ففسدت أعمالهم، قال ابن كثير:
((أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها،
وتکذیبهم بوقوعها)»(٣).
المشركين أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل
على النبي. قاله مجاهد وغيره، كقوله:
﴿ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَقَّى نُوْقَى
مِثْلَ مَآ أُوِيَ رُسُلُ اللهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وفي رواية عن قتادة: یریدون أن يؤتوا
براءة بغير عمل))(١).
فلما صورت الآيات عنادهم وإعراضهم،
أعقبته ببيان الدافع الحقيقي وراء هذا العناد
والإعراض: وهو أنهم لا يؤمنون بالآخرة
ولا يخافون حسابًا على ما عملوا: ﴿كَلَّابَل
لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ﴾.
و «﴿كلّ﴾ إبطال لظاهر كلامهم ومرادهم
منه، وردع عن ذلك، أي لا یکون لهم ذلك.
ثم أضرب على كلامهم بإبطال آخر
بحرف الإضراب فقال: ﴿بَل لَّا يَخَافُونَ
آآخِرَةَ﴾: أي لیس ما قالوه إلا تنصلًا، فلو
أنزل عليهم کتاب ما آمنوا وهم ﴿لَّ مَخَافُونَ
اْآخِرَةَ﴾، أي لا يؤمنون بها، فكني عن عدم
الإيمان بالآخرة بعدم الخوف منها، لأنهم
لو آمنوا بها لخافوها، إذ الشأن أن يخاف
عذابها إذ كانت إحالتهم الحياة الآخرة أصلًا
لتكذيبهم بالقرآن»(٢).
وهو ما بخل واستغنى إلا لأنه كذب
فلما لم يؤمنوا بالآخرة، لم يخافوا بالحسنى، كما أن من أعطى واتقى ما فعل
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٤/٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣١/٢٩.
وقد دلت الآية على أن التكذيب بالآخرة
سبب لعدم الخوف من أهوالها، الذي ينتج
عنه عدم الارتداع عن محارم الله وعدم
الوقوف عند حدوده.
ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى أيضًا:
وَكَذَّبَ يِاَلْصُنْفَ
﴿وَأَمَّا مَنْ يَعْلَ وَأَسْتَغْفَ )
فَسَتْيَسِرُ لِلْمُسْرَى { وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ: إِذَا تَرَدََّ
[الليل: ٨-١١].
والمعنى: ((وأما من بخل بماله، ولم
يبذل منه شيئًا في سبيل الله وطريق الخير،
واستغنى عن الله ورحمته بزعمه، واكتفى
بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وزهد في
الأجر والثواب وفضل الله، وكذّب بالجزاء
الأخروي، فسنأخذ بيده ونسهله للحال
الصعبة التي لا تنتج إلا شرًّا، حتى تتعسر
عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن
فعلها، حتى يصل إلى النار، ولا يفيده شيئًا
ماله الذي بخل به، إذا وقع في جهنم ...
وقوله: ﴿إِذَاتَرَدَّ﴾﴾ معناه سقط في جهنم، أي
من حافاتها)» (٤).
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٤/٨.
(٤) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢٨٨٨/٣.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الحاء
ذلك إلا لأنه صدق بالحسنى، فدل ذلك
على أن من كذب بالآخرة تجرأ على حدود شديدًا ومعنى أنهم يذرونه: يتركونه فلا
یؤمنون به، ولا یعملون له(٣).
الله؛ لأنه لا يدفعه رجاء ثواب لطاعة، ولا
يرده خوف عقاب عن معصية.
ومن كان لا يؤمن الآخرة تعلق بالحياة
كَلَّا
الدنيا كما دل على ذلك قوله جل وعلا:
بَلْ تُحِبُّونَ الْعَلِلَةَ ، وَتَذَرُونَ الْأَخِرَةَ ﴾[القيامة:
٢٠- ٢١].
ومعنى الآية: «أنتم قوم قد غلبتكم الدنيا
بشهواتها، فأنتم تحبونها حبًّا تتركون معه
الآخرة والنظر في أمرها))(١).
وقوله جل وعلا أيضًا: ﴿إِنَّ هَوَّلَاءِ
يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا تَقِيلًا ﴾
[الإنسان: ٢٧].
بمعنى «﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ﴾ أي: المكذبين
لك أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات،
ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم یفد فيهم ذلك
شيئًا، بل لا يزالون يؤثرون، ﴿اَلْعَاجِلَةَ﴾
ويطمئنون إليها، ﴿وَيَذَرُونَ ﴾ أي: يتركون
العمل ويهملون ﴿وَرَآءَهُمْ﴾ أي: أمامهم
﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ وهو يوم القيامة، الذي مقداره
خمسون ألف سنة مما تعدون، وقال تعالى:
﴿يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَبِيرٌ﴾ [القمر: ٨].
فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة
فيها))(٢).
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٤٠٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٠٣.
وقيل في يوم القيامة ﴿يَوْمَانَقِيلًا﴾ أي:
ومن كان حاله كذلك -أي لم يؤمن
بالآخرة-، كان همه الحياة الدنيا وحدها،
وقصر رجاؤه عن غيرها، قال تعالى:
﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَزَةَ
الدُّنْيَاَ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَأَعْلَمُ
بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى
[النجم: ٢٩-٣٠].
((أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق
وأهجره. وقوله: ﴿وَلَ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنيَا﴾
أي: وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك
هو غاية ما لا خير فيه. ولذلك قال: ﴿ ذَلِكَ
مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ أي: طلب الدنيا والسعي
لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام
أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(الدنیا دار من لا دار له، ومال من لا مال له،
ولها يجمع من لا عقل له) (٤).
وفي الدعاء المأثور: (اللهم لا تجعل
(٣) لباب التأويل، الخازن ٣٨١/٤.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٠/ ٤٨٠، رقم
٢٤٤١٩.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
١/ ٤٤٢، رقم ٣٠١٢.
٣٩٨
مَوَسُو ◌َ النَّفِيد
القرآن الكريم

الحدود
الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا)(١))(٢).
وفي الإعراض عنه عدم اهتمام بأمره،
وعدم اغترار بحاله، وزهد في مشابهته
وحرص على مخالفته.
فلما لم يؤمن هؤلاء بالآخرة تعلقوا
بالدنيا ولم يرجوا غيرها، وانقطع علمهم
عندها ((فهم إنما يبصرون أمر دنياهم
ويجهلون أمر دينهم، ثم صغرهم وازدری
بهم، أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن
آثروا الدنيا على الآخرة)»(٣).
ثانيًا: الجهل:
وأما السبب الثاني من أسباب التعدي
على حدود الله ومجاوزتها فهو الجهل،
وقد أشار إليه أيضًا قوله تعالى ﴿الأَعْرَابُ
أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ
مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[التوبة: ٩٧].
وعدم العلم ﴿وَأَجْدَرُ أَلََّيَعْلَمُواْحُدُودَ مَا
أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ سبب جلي للتعدي،
لأن الذي لا يعرف الحد لا يمكن أن ينتهي
إليه، بل لا يعلم أصلًا إن كان جاوزه أو لم
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٢٨/٥، رقم ٣٥٠٢.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٢٧٢،
رقم ١٢٦٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٩/٧.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١٠٥/١٧
يجاوزه.
وقد قيل إن مرد ذلك («لجفائهم، وقسوة
قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم
لذلك أقسى قلوبًا، وأقلّ علمًا بحقوق
الله)»(٤)، وقيل: ((السبب في كون الأعراب
أشد كفرًا ونفاقًا بعدهم عن مجالسة العلماء
وسماع القرآن والسنن والمواعظ)»(٥).
لكننا بعد تأمل دقيق، نلحظ أن الجهل
المذكور في الآية مرتبط بالكفر والنفاق،
فهو جهل من كفر فزهد في الحق وأعرض
عنه ولم يرد أن يتعلمه، لا أنه وقع له الجهل
بحدود الله ابتداء من غير قصد، فجهل
حدود الله، ولو علمها لوقف عندها.
ويؤيد ذلك أن هذا الجهل مرتبط بطائفة
واحدة من الأعراب، لا بجميعهم، لأن
منهم طائفة مدحهم القرآن الكريم بعد ذلك
في قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا
يُنفِقُ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِّ أَلا إِنَّهَا
قُرْبَّةٌ لَّهُمَّ سَيُدْ خِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِّةِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
[التوبة: ٩٩].
رَّحِيمُ
غير أن الآية - وإن دلت على جهل من
أعرض عن الحق وزهد في تعلمه-، فقد
أشارت إلى أن الجهل بحدود الله سبب
للتعدي عليها ومجاوزتها، حتى ولو لم يقع
(٤) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤٢٩.
(٥) لباب التأويل، الخازن ٣٩٨/٢.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الحاء
من العبد بسبب الكفر والنفاق والإعراض.
على أن نصوص القرآن الكريم قد دلت
على أن الإعراض عن تعلم الحق المفضي
إلى الجهل به سبب للهلاك والعذاب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ذُكْرَ بِثَايَتِ
رَبِّهِ، فَأَخْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاءُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ ءَاذَاِمْ وَقْرَأْ وَإِن
تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذَا أَبَدًا )
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا
كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ أَّن
يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَىّ
أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا
• [الكهف: ٥٧-٥٩].
فـ((لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه
الآيات والبينات فیعرض عنها، وینسی ما
قدمت يداه، أي: مع إعراضه عن التأمل
في الدلائل والبینات يتناسی ما قدمت يداه
من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة،
والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن
كفره المتقدم»(١).
والإعراض عن التأمل في الدلائل
والبينات والتشاغل والتغافل مفض إلى
الجهل وعدم العلم، وقيل: ((﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ
يداهُ﴾ أي ترك كفره ومعاصیه فلم يتب منها،
فالنسيان هنا بمعنى الترك)) (٢)، وهو ناتج عن
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٧٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/١١.
التشاغل والتغافل والإعراض المفضي إلى
الجهل أيضًا.
وهذا الإعراض فرع عن قسوة القلب وما
ران عليه من الكفر والمعاصي، كما نصت
على ذلك الآية: ((﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ
أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ بسبب
کفرهم، أي نحن منعنا الإیمان من أن يدخل
قلوبهم وأسماعهم»(٣).
وكذلك قيل في معنى ((الضالين)) في قوله
تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مِرَّطَ الَّذِينَ أَنْتَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الْمَّالِينَ ﴾
[الفاتحة: ٧]: ((هم الذين لم يعرفوا الحق، أو
لم يعرفوه على الوجه الصحيح)) (٤).
هذا والجهل جهلان:
جهل يتسبب فيه صاحبه بإعراضه
وتغافله وتشاغله عن طلب معرفة الحق
زهدا فیه وبغضًا له واتباعًا لهواه -كما
تقدم-، ومثل هذا ليس لصاحبه فيه
عذر، بل هو متوعد بأشد العذاب يوم
القيامة، وهو فوق ذلك مذمة ونقيصة
ينبز بها في الحياة الدنيا تحقيرًا وتصغيرًا
ولا كرامة.
وجهل يقع من العبد بغير قصد، ومتى
تبين له الحق اتبعه، ومثل هذا حري
أن یعذر صاحبه، وقد روى ابن ماجه
(٣) المصدر السابق.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ١ / ٥٧.
٤٠٠
مَوَسُولَةُ الَّفِي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحدود
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ،
والنسيان، وما استكرهوا عليه)(١).
وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله
علیه وسلم، قال: (إن الله وضع عن
أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا
عليه)(٢).
لكن قد يقال: إن من أمكنه العلم وقدر
على تطلبه بسؤال العالم ونحوه ففرط فيه ثم
وقع في المحارم بطلت حجته ولم يكن له
عذر، والأسلم له أن يجتنب ما رابه ويأخذ
بالورع، حتى يجتنب الوقوع في الحمى،
كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه
وسلم في قوله: (الحلال بين، والحرام بين،
وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس،
فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه،
ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق،
باب طلاق المكره والناسي، ١ /٦٥٩، رقم
٢٠٤٣.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم
على ضعف أبي بكر الهذلي، وله شاهد من
حديث أبي هريرة أخرجه الأئمة الستة.
انظر: مصباح الزجاجة ٢/ ١٢٥.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق،
باب طلاق المكره والناسي، ٦٥٩/١، رقم
٢٠٤٥.
قال البوصيري: هذا إسناد صحيح إن سلم من
الانقطاع، والظاهر أنه منقطع.
انظر: مصباح الزجاجة ٢/ ١٢٦.
في سننه عن أبي ذر الغفاري، قال: الحمى، يوشك أن يواقعه)(٣). وفي سنن
الترمذي عن أبي الحوراء السعدي، قال:
قلت للحسن بن علي: ما حفظت من رسول
الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفظت من
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما
يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة،
وإن الكذب ريبة) (٤).
ثالثًا: الظلم:
والسبب الثالث من أسباب مجاوزة
حدود الله هو ((الظلم)) كما أشار إلى ذلك
قوله سبحانه: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ
يِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
تَأْخُذُواْ مِمَّاَءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافًا أَلَّا يُقِيمَا
حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا
وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ الَّهِ فَأَوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ () فَإِن
طَلَّقَهَا فَلَا تَِّلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن
طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَجَعَآ إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا
حُدُودَ اَللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[البقرة: ٢٢٩ -٢٣٠].
٢٣٠
وقوله جل وعلا: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه، ١/ ٢٠،
رقم ٥٢.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة
والرقائق والورع، ٦٦٨/٤، رقم ٢٥١٨.
قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٣٧/١، رقم ٣٣٧٨.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الحاء
اَلْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ
بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
◌ُِّنَةٍ وَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُ، لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا ﴾ [الطلاق: ١].
وأصل الظلم: الجور ومجاوزة الحد(١).
وقد وقع بمعنى الشرك في قوله جل
وعلا: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ
[الأنعام:
أُوْلَكَ لَهُمُ اْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
٨٢].
کما فسره بذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيما روى البخاري عن عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه قال: ((لما نزلت
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَوْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أينا لم
يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]))(٢).
والظلم أيضًا: وضع الشيء في غير
موضعه(٣).
وورد الظلم في القرآن الکریم بمعنیین:
أحدهما: ظلم الإنسان نفسه كما ورد
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٧٣/١٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد آتينا
لقمان الحكمة أن اشكر لله)، ١٦٣/٤، رقم
٣٤٢٨.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٧٣/١٢.
صريحًا في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَعَذَّ
حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
أي: ((ضرّها بمخالفة أمر الله عزّ
وجڵّ»(٤).
والثاني: ظلم الإنسان غيره بمجاوزته
لحدوده وتعديه على حقوقه، كما دل على
ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ
هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فأما ظلم العبد غیره فقد یکون باعتدائه
علیه بأخذ ماله، أو سفك دمه، أو النيل من
عرضه، أو عدم توفيته إياه حقًّا من حقوقه،
وقد وقع النص على تحريمه وتعظيم إثمه
في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن
أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال:
(يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي،
وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا) (٥).
و «معنى قوله: (حرمت الظلم على نفسي)
أي تقدّست عنه وتعالیت، والظّلم مستحيل
منه سبحانه وتعالی جدّه؛ لأنه إنّما یکون إذا
تعدّيت الحدود وتجوّزت المراسم، والباري
جّت قدرته لیس فوقه أحد یحدّ له حدًّا أو
پرسم له رسمًا حتی یکون متجاوزًا لذلك
ظالمًا، ولا فوقه من يستحق أن یطیعه حتّی
(٤) الكشف والبيان، الثعلبي ١٧٨/٢.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب تحريم الظلم، ٤ / ١٩٩٤، رقم
٢٥٧٧.
٤٠٢
مَوَسُولَةُ النَّشيد
القرآن الكريم

الحدود
يحلّل له الحلال ويحرّم عليه الحرام، ولكن آية الطلاق لما حدت للأزواج حدودًا أردفت
﴿وَمَن يَتَعَدّ حَدُودَ اللَّهِ
ذلك بقوله سبحانه:
تحريم الشّيء يقتضي المنع منه والکفّ عنه
فسمّی الباري سبحانه تقدّسه عن الظلم بهذا
اللّفظ فقال (حرّمت على نفسي)(١).
وقد نص قوله سبحانه (وجعلته بينكم
محرمًا) وقوله: (فلا تظالموا) على تحريم
ظلم العباد بعضهم بعضًا، وقوله: (فلا
تظالموا): هو بفتح التاء أي لا تتظالموا،
والمراد: لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد
لقوله تعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم
على نفسي وجعلته بينكم محرمًا) وزيادة
تغليظ «في تحریمه))(٢).
وأما ظلم العبد نفسه ((ففيه وجوه،
أحدها: ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله،
وثانيها: ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع
الدنيا والدين، فمثال منافع الدنيا: أنه إذا
اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة
((الطلاق)) لا يرغب في التزوج به ولا معاملته
أحد، وأما مثال منافع الدين: فالثواب
الحاصل على حسن العشرة مع الأهل
والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله
تعالی وتکالیفە»(٣).
وظلم العبد غیرہ ظلم منه لنفسه أيضًا
فبينهما عموم وخصوص، ويشهد لذلك أن
(١) المعلم بفوائد مسلم، المازري ٢٩٠/٣.
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
٠١٣٢/١٦
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٥٣.
فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾)» فجعل ظلمهم نساءهم
ظلمًا لأنفسهم؛ لأنه يؤدي إلى اختلال
المعاشرة واضطراب حال البيت، وفوات
المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات.
وظلم نفسه أيضًا بتعريضها لعقاب الله في
الآخرة)) (٤).
هذا والظلم والجهل أصل کل ضلال،
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ
مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنَّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا ﴾﴾
[الأحزاب: ٧٢].
((فالحي العالم الناصح لنفسه لا يؤثر
محبة ما يضره ويشقى به ويتألم به، ولا
يقع ذلك إلا من فساد تصوره ومعرفته، أو
من فساد قصده وإرادته، فالأول: جهل،
والثاني: ظلم، والإنسان خلق في الأصل
ظلومًا جهولًا ... فأصل كل خير: هو العلم
والعدل، وأصل كل شر: هو الجهل والظلم.
وقد جعل الله سبحانه للعدل المأمور به
حدًّا، فمن تجاوزه کان ظالمًا معتدیًا، وله من
الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه، الذي
خرج به عن العدل»(٥).
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٤٢٣.
(٥) إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢/ ١٣٦.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الحاء
الفرق بين قربان الحدود وتعديها
إذا وردت ((حدود الله)) في الاستعمال
القرآني بمعنى المنهيات وحدها، أردفتها
الآية بالنهي عن قربانها، كما في قوله عز
وجل: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى
الْمَسَجِدُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوُهَا كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
[البقرة: ١٨٧].
والقرب في اللغة: ((نقيض البعد. قرب
الشيء، بالضم، يقرب قربًا وقربانًا أي: دنا،
فهو قريب، الواحد والاثنان والجميع في
ذلك سواء))(١).
فإذا ورد في سياق النهي دل على المبالغة
فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًّا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا
نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ
٣٥
[البقرة: ٣٥].
((ومعنى ﴿وَلَا نَقْرَبَا﴾ ههنا: لا تأكلا،
ودليل ذلك قوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ
شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ أي لا تقرباها
في الأكل))(٢).
وقد استعمل القرآن الكريم هذه الصيغة
في الأمر باجتناب المنهيات على وجه
العموم، فقال سبحانه وتعالى:
تَعَالَوَاْ أَقْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
قُلْ
(١) لسان العرب، ابن منظور ١/ ٦٦٢.
(٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١١٤/١.
أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا
تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍّ فَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإَِاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَمَا بَطَنَّ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ
إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ
١٥١
[الأنعام: ١٥١].
كما استعملها في الأمر باجتناب بعض
الفواحش المخصوصة، كما قال سبحانه
في تحريم الزنا: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ
* [الإسراء: ٣٢]
٣٢
فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا
((والزنا: وطء المرأة بدون عقد شرعي
يجيز للرجل وطأها. والفاحشة: ما عظم
قبحه من الأقوال والأفعال. يقال فحش
الشيء، فحشًا، کقبح قبحًا- وزنًا ومعنى-،
ويقال أفحش الرجل، إذا أتى الفحش بضم
الفاء وسكون الحاء-، وهو القبيح من القول
أو الفعل. وأكثر ما تكون الفاحشة إطلاقًا
على الزنا.
وتعليق النهي بقربانها، للمبالغة في
الزجر عنها، لأن قربانها قد يؤدى إلى الوقوع
فيها، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع
فيه))(٣).
وفوق تضمن النهي عن («القربان»
للمبالغة في الزجر، فإنه تضمن أيضًا النهي
عن المقدمات التي تؤدي إلى الوقوع في
هذه الفاحشة، بمعنى: ((ولا تقربوا الزنى
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٣٩/٨.
ـُ البَّشَيّـ
جوب
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٠٤

الحدود
ودواعیه؛ کي لا تقعوا فیه، إنه كان فعلًا بالغ
القبح، وبئس الطريق طريقه))(١).
وهذا الأسلوب القرآني تضمن إعجازًا
تربويًّا في تأديب المؤمنین وتزكية نفوسهم،
وهو يعلمهم - لا مجرد ترك الفواحش-،
بل وأن يجعلوا بينهم وبينها مسافات فاصلة
تعصمهم من الخطأ والزلل، ((وهذا لون
حكيم من ألوان إصلاح النفوس، لأنه إذا
حصل النهي عن القرب من الشيء، فلأن
پنھی عن فعله من باب أولى.
فكأنه سبحانه يقول: كونوا أيها
المسلمون بعيدين عن كل المقدمات التي
تفضي إلى فاحشة الزنا، كمخالطة النساء،
والخلوة بهن، والنظر إليهن ... فإن ذلك
يفتح الطريق إلى الوقوع فيها))(٢).
ومن الطريف أن السنة النبوية قد سمت
المقدمات باسم النتيجة ترهيبًا منها وتنفيرًا،
وهو من أبلغ الأساليب التربوية، ومن ذلك
ما روى مسلم عن ابن عباس، قال: ما رأيت
شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة: أن النبي
صلی الله عليه وسلم قال: (إن الله کتب على
ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة،
فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق،
والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك
أو یكذبه)(٣).
(١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٢٨٥.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٣٩/٨.
فمعلوم أن ما سمي في الحدیث ((زنا))
کزنا العينين واللسان ليس له حكم الزنا
الکامل، ولا حد فیه، وقد سماها ابن عباس
رضي الله عنهما لممًا: أي صغائر، ولكن
تسمية هذه الأمور زنا من باب تسمية المقدمة
بالنتيجة، وهو يتضمن تعظيم الصغير حتى لا
يتهاون المؤمن به.
عن قربان مال اليتيم
وقد ورد النهي
أيضًا، ولكنه علق باستثناء يتضمن شرطًا:
﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيِ إِلَّا بِأَتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى
يَبْلُغَ أَشُدَّهٌ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ
لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٌ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ
وَمَََّّكُمْ إِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأنعام:
١٥٢].
وقال أيضًا: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَنِيمِ إِلَّا
بِأَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَقَّ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ
الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤].
والنهي عن قربان مال اليتيم يعني النهي
عن إنفاقه والتصرف فيه، ((ولما اقتضى هذا
تحريم التصرف في مال اليتيم، ولو بالخزن
والحفظ، وذلك يعرض ماله للتلف، استثني
منه قوله: ﴿إِلَّا بِلَّى هِىَ أَحْسَنُ﴾: أي إلا
بالحالة التي هي أحسن» (٤).
وقد دل الاستثناء على جواز التصرف
باب كتب على ابن آدم حظه من الزنا وغيره،
٢٠٤٦/٤، رقم ٢٦٥٧.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٣/٨.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الحاء
بشرط أن لا يكون إلا بالتي هي أحسن،
وحدت الآية لذلك غاية وهي: أن ((يبلغ
صاحبه أشده أي: فیسلم إلیه، کما قال تعالی
في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِنْهُمْ رُشّدًا
قَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦] الآية))(١).
والحاصل أن القرآن الكريم نهى عن
قربان فواحش مخصوصة مبالغة في التحذير
منها، وتعلیمًا للمؤمن أن يجتهد في التحرز
منها: جاء في التفسير الوسيط: ((قال بعض
العلماء: وكثيرًا ما يتعلق النهي في القرآن
بالقربان من الشيء، وضابطه بالاستقراء:
أن كل منهي عنه من شأنه أن تميل النفوس
إليه، وتدفع إليه الأهواء، جاء النهي فيه عن
القربان، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ
ذلك الميل في النفس مكانة تصل بها إلى
اقتراف المحرم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ
مَالَ الْيَّتِيِمِ إِلَّ يِِّ هِىَ أَحْسَنُ﴾، ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ
اَلْزِّفَ﴾، ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَ
أما المحرمات التي لم يؤلف ميل
النفوس إليها، ولا اقتضاء الشهوات لها،
فإن الغالب فيها، أن یتعلق النھی عنها بنفس
الفعل لا بالقربان منه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْأَوْلَدَكُمْ
خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ
فهذه وإن كانت فواحش، إلا أنها ليست
ذات دوافع نفسية، يميل إليها الإنسان
بشهوته، بل هي في نظر العقل على المقابل
من ذلك، يجد الإنسان في نفسه مرارة
ارتکابها، ولا یقدم علیھا إلا وهو کاره لها،
أو في حكم الكاره))(٢).
وأما إذا ورد النهي عن تعدي الحدود
نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَاْ
وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُوَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ فهو:
إما أن يتعلق بتجاوز حدود السعة في
المباح، كتعدي حد المرتين في الطلاق
مما يحرم المرأة على الزوج ويغلق دونه
باب الرجعة، إلا أن تتزوج زوجًا آخر
زواجًا صحیحًا لا يقصد منه التحليل،
ويطأها فيه، ثم يطلقها أو يتوفى عنها
وتنقضي عدتها، أو كمضارة الزوجة
لتختلع، وكان هو الراغب في فراقها،
ولو لم یضارها ما كان له أن يأخذ مما
آتاها من مهر شيئًا، وقد أباح الشرع له
ذلك إن كانت هي الراغبة في فراقه من
غير مضارة.
وإما أن يتعلق بحق محدد من حقوق
العباد، كحقوق الدائنين والورثة
والموصى لهم في التركة، نحو
المنصوص عليه في آيات الميراث
من سورة النساء، والذي أعقبه قوله
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٤٠/٨.
(١) المصدر السابق.
مَوَسُولَةُ النَّفِيـ
القرآن الكريم
٤٠٦

الحدود
سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ، يُدْخِلْهُ نَارًا
خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ
* [النساء: ١٣ -١٤].
١٤
وعليه فتعدي حدود الله إما أن يكون
اعتداء على حقوق الناس، وإما أن يكون
مجاوزة لحدود السعة في المباح، وفي كل
منها ظلم من العبد لنفسه.
جزاء تعدي حدود الله تعالى وعقوبته
عقوبة تعدي حدود الله تعالى:
في سياق سورة الطلاق التي عدت من
خالف الصفة المشروعة في الطلاق ظالمًا
لنفسه: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ وَأَتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ
لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُونِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ
أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِهِنَةٍ وَتَّكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَمَنْ
يَتَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، لَا تَدْرِى لَعَلَّ
اُللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: ١].
ورد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ.
مَخْرَجَالْ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُّ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِوْ قَدْ جَعَلَ
اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: ٢-٣].
وقد دلت الآية بمفهومها على أن من
جاوز حدود الله تعرض للعقوبة، كما أن
من وقف عندها سلم منها، قال الحسين بن
الفضل: ((ومن يتق الله في أداء الفرائض،
يجعل له مخرجًا من العقوبة))(١).
وقد تأول كثير من المفسرين هذه الآية
بالنظر إلى سياقها، فقالوا: إن من تعدى
حدود الله فى الطلاق فجاوز الصفة الشرعية
ضيق الشرع علیه، وحرم مراجعة زوجته.
ن
قال ابن عطية: ((وقوله تعالى:
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥٩/١٨.
www. modoee.com
٤٠٧

حرف الحاء
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَّمًا ل وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ﴾. وفي رواية
يَحْتَسِبُ﴾.
قال علي بن أبي طالب وكثير من
المتأولين: نفي من معنى الطلاق، أي ومن
لا يتعدى في الطلاق السنة إلى طلاق
الثلاث وغير ذلك يجعل الله له مخرجًا إن
ندم بالرجعة المباحة، ویرزقه ما یطعم أهله
ويوسع عليه، ومن لا يتق الله فربما طلق
وبت وندم، فلم یکن له مخرج، وزال عليه
رزق زوجته))(١). وقال في البحر المديد:
(يقول الحق جلّ جلاله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهُ﴾
بأن طلّق للسنّة، ولم يضار بالمعتدّة، ولم
يخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد،
وغير ذلك، ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ مما عسى يقع
في شأن الأزواج من الغموم والمضائق،
ويفرّج عنه ما يعتریه من الكروب»(٢).
وروى ابن جرير بسنده عن مجاهد،
قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل
فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى
ظننا أنه رادها عليه، ثم قال: ينطلق أحدكم
فیر کب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس یا
ابن عباس، وإن الله عزّ وجلّ قال: ﴿وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ سَخْرَحًا﴾ وإنك لم تتق الله
فلا أجد لك مخرجًا، عصیت ربك، وبانت
منك امرأتك، قال الله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٢٤/٥.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٧ /٦٨.
جوبيبو
القرآن الكريم
أخرى: ((أن رجلاً سأل ابن عباس فقال: إنه
طلق امرأته مئة، فقال: عصيت ربك، وبانت
منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك
مخرجًا، وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مَخْرَجًا﴾، وقال: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَِّنَّ﴾))(٣).
وعن عكرمة قال: ((من طلق كما أمره الله
يجعل له مخرجًا)» (٤).
وروى ابن جرير أيضًا عن جوییر، عن
الضحاك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ.
مَخْرَجًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِ
﴾، قال: ((يعني بالمخرج واليسر إذا
طلق واحدة ثم سكت عنها، فإن شاء راجعها
بشهادة رجلين عدلين، فذلك اليسر الذي
قال الله، وإن مضت عدتها ولم يراجعها،
كان خاطبًا من الخطاب، وهذا الذي أمر
الله به، وهكذا طلاق السنة فأما من طلق عند
كلّ حيضة فقد أخطأ السنة، وعصى الربّ،
وأخذ بالعسر))(٥).
فهذه النصوص تدل على أن من تعدى
حدود الله عوقب بالتشديد والتضييق عليه،
وهذه العقوبة ذات بعد تشريعي، وهي تشبه
ما أخبر به القرآن الكريم من معاقبة بني
إسرائيل بسبب عدوانهم واقترافهم الحرام،
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٤٣٣.
(٤) المصدر السابق ٢٣ /٤٤٦.
(٥) المصدر السابق.
٤٠٨

الحدود
قال تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
عَلَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ كَثِيرًا ﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ
أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا
[النساء: ١٦٠ - ١٦١].
أليمًا
((قال مقاتل: حرّم الله على أهل التوراة
الربا، وأن یأکلوا أموال الناس ظلمًا، ففعلوا،
وصدوا عن دين الله، وعن الإيمان بمحمد
عليه السلام، فحرّم الله عليهم ما ذكر في
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
كُلَّ ذِى ظُفَره
[الأنعام: ١٤٦] عقوبة لهم.
قال أبو سليمان: وظلمهم: نقضهم
میثاقهم، و کفرهم بآيات الله، وما ذکر في
الآيات قبلها. وقال مجاهد: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: صدّهم أنفسهم وغيرهم
عن الحق. قال ابن عباس: صدهم عن سبیل
الله، يعني الإسلام، وأكلهم أموال الناس
بالباطل، أي: بالكذب على دين الله، وأخذ
الرّشی علی حکم الله، وتبدیل الكتب التي
أنزلها الله ليستديموا المأكل))(١).
وذهبت طائفة إلى أن ما وعد به المتقي
من أن يجعل له مخرج، هو المخرج من
البلاء والشدائد: ((قال أبو العالية: مخرجًا
من كل شدة. وقال الربيع ابن خيثم: يجعل
له مخرجًا من كل شي ضاق على الناس،
وعن ابن عباس أيضًا ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَحًا﴾
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٤٩٧.
ینجیه من کل کرب في الدنيا والآخرة)»(٢).
وبهذا المعنى تكون عقوبة المتعدي
لحدود الله ذات بعد قدري؛ فهو الذي لا
يجعل له من الشدائد مخرج لأنه لم يتق
الله. ويشهد لذلك ما في سنن ابن ماجه عن
ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد
القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق
بالذنب يصيبه)(٣)
.
((وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما
رزقه، قاله علي بن صالح. وقال الكلبي:
ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة. يجعل له
مخرجًا من النار إلى الجنة. وقال الحسن:
مخرجًا مما نهی الله عنه)) (٤).
ورجح ابن جزي أن الآية تعم هذه
الأقوال جميعها فقال: ((وقيل: إنها على
العموم، أي: من يتق الله في أقواله وأفعاله
يجعل له مخرجًا من كرب الدنيا والآخرة،
وقد روي هذا أيضًا عن ابن عباس، وهذا
أرجح لخمسة أوجه:
أحدها: حمل اللفظ على عمومه فيدخل
في ذلك الطلاق وغيره.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٩/١٨.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب
العقوبات، ١٣٣٤/٢، رقم ٤٠٢٢.
قال البوصيري: هذا إسناد حسن.
انظر: مصباح الزجاجة ٤ / ١٨٧.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٩/١٨.
www. modoee.com
٤٠٩

حرف الحاء
الثاني: أنه روي أنها نزلت في عوف بن
مالك الأشجعي، وذلك أنه أسر ولده وضيق
علیه رزقه، فشکی ذلك إلى رسول الله صلی
الله عليه وسلم، فأمره بالتقوى، فلم يلبث إلا
یسیرًا، وانطلق ولده ووسع الله رزقه.
والثالث: أنه روي عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قرأها فقال: مخرجًا من
شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن
شدائد يوم القيامة.
والرابع: روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: إني لأعلم آية لو أخذ الناس
بها لكفتهم ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اَللّهَ يَجْعَل لَّهُ عَرَحًا﴾
الآية: فما زال يقرؤها ويعيدها. الخامس:
قوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فإن هذا
لا يناسب الطلاق وإنما یناسب التقوی علی
العموم))(١).
وبناء على هذا القول فإن الطلاق وما
يتفرع عنه من ضيق مثل للشدائد التي يخرج
منها العبد بتقواه، ومثل للعقوبات التي لا
يسلم منها من لم يتق الله.
قال السعدي: «وکما أن من اتقى الله
جعل له فرجًا ومخرجًا، فمن لم يتق الله،
وقع في الشدائد والآصار والأغلال، التي
لا يقدر على التخلص منها والخروج من
تبعتها، واعتبر ذلك بالطلاق، فإن العبد إذا لم
یتق الله فيه، بل أوقعه على الوجه المحرم،
(١) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٨٥/٢.
كالثلاث ونحوها، فإنه لا بد أن يندم ندامة
لا يتمكن من استدراكها والخروج منها)»(٢).
ولئن تضمنت النصوص السابقة
التصريح بالعقوبة الفردية، فقد جاء في
حديث النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة
إلى بعد جماعي في العقوبة، وهو ما روی
البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله
عنهما، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
(مثل القائم على حدود الله والواقع فيها،
كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب
بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان
الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا
على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في
نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم
وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على
أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا)(٣).
فقد دل الحديث على أن شيوع تعدي
حدود الله في الناس من غير أن يكون منهم
من ينهى عن ذلك، يؤدي إلى معاقبتهم
جميعًا بعقوبة تعمهم، وأن الخلاص من
هذه العقوبة لا يكون بمجرد الوقوف عند
حدود الله، بل بالأخذ على أيدي المتعدين
لها أيضًا فهو شرط النجاة، كما نص على
ذلك رسول الله صلی الله عليه وسلم بقوله:
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٧٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة،
باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه،
١٣٩/٣، رقم ٢٤٩٣.
٤١٠
مؤشر النفسية الموضوي
القرآن الكريم

الحدود
(فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن لمدة ما، كما تقول: خلد الله ملكه))(٢).
أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا).
قال ابن حجر: ««نجوا ونجوا): أي کل
من الآخذين والمأخوذين، وهكذا إقامة
الحدود يحصل بها النجاة لمن أقامها
وأقيمت عليه، وإلا هلك العاصي بالمعصية
والساكت بالرضا)) (١).
ویشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَكَآَیْن
مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا
حِسَابًا شَدِيدًا وَعُذَّبْنَهَا عَذَا بَائِكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ
أَمَِّهَا وَكَانَ عَنِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا
شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ الَّذِينَ مَامَنُواْ قَدْ أَنْزَلَ
اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرَان﴾ [الطلاق: ٨-١٠].
هذا عن العقوبات الدنيوية، وما أعد الله
عز وجل لمن يتعدى حدوده في الآخرة
أشد وأعظم: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ، يُدْرِظْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا
[النساء:
وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾
١٤].
فنصت الآية على أن من تعدى حدود
الله متوعد بنار جهنم والخلود فيها، وظاهره
الزجر والترهيب عن مواقعة جميع المعاصي
والآثام.
قال القرطبي: ((والعصيان إن أريد به
الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر
وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار
(١) فتح الباري، ابن حجر ٢٩٦/٥.
ودلل الرازي على تخصيص هذا العموم
بقوله: ((هذا العموم مخصوص بالكافر،
ويدل عليه وجهان:
الأول: أنا إذا قلنا لكم: ما الدليل على أن
كلمة (من) في معرض الشرط تفيد العموم؟
قلتم: الدلیل علیه أنه يصح الاستثناء منه،
والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل
فیه.
فنقول: إن صح هذا الدلیل فهو يدل على
أن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
مختص بالكافر؛ لأن جميع المعاصي يصح
استثناؤها من هذا اللفظ فيقال: ومن يعص
الله ورسوله إلا في الكفر، وإلا في الفسق،
وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل،
فهذا يقتضي أن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾
في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك
لا يتحقق إلا في حق الكافر)»(٣).
ثانيًا: ثواب الحافظيين لحدود الله
تعالی:
كما أن مجاوزة حدود الله سبب للضيق
والحرج، وسبب لنزول البلاء والعقاب في
الحياة الدنيا، وسبب للعذاب في الآخرة،
فإن لزوم حدود الله والوقوف عندها وعدم
تعديها سبب لرفع الضيق ونزول الفرج
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٢/٥.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٥٢٧.
www. modoee.com
٤١١

حرف الحاء
وتيسير الأمر، وقد وعدت سورة الطلاق الضيق، وتيسير الأمور.
التقي بوعود ثلاثة:
١. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَبْعَللَّهُ نَخْحَان وَبَرْزُقْهُ
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ -٣].
((قال عمر بن عثمان الصدفي: ومن يتق
(أي: ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما الله فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه
نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه
من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر
بياله))(١).
٢. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِ يُهْرً﴾
[الطلاق: ٤].
((أي ييسر الله عليه في أمره، ويوفقه
للعمل الصالح. وقال عطاء: یسهل الله علیه
أمر الدنيا والآخرة)»(٢).
٣. ﴿وَمَنْ يَثَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ
لَهُوَأَجْرًا ﴾ [الطلاق: ٥].
«ومن يتق الله بطاعته، ويعمل بما جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم یکفر عنه سيئاته
من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى
الجمعة، ويعظم له في الآخرة أجرًا، قاله ابن
عباس))(٣).
وقيل: ((أي: يذهب عنه المحذور،
ويجزل له الثواب على العمل اليسير)) (٤).
فقد وعد من يحفظ حدود الله بوعود
ثلاثة: اثنين في الدنيا، وهما: المخرج من
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ /١٤٦.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٥٦٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٢/٨.
وثالث فى الآخرة: وهو تكفير السيئات
وتعظيم الأجر.
يخرجه من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق
إلى السعة، ومن النار إلى الجنة. ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ من حيث لا يرجو. وقال
ابن عيينة: هو البركة في الرزق. وقال أبو
سعيد الخدري: ومن يبرأ من حوله وقوته
بالرجوع إلى الله يجعل له مخرجا مما كلفه
بالمعونة له)»(٥) .
وأعظم هذه الوعود تكفير الذنوب
وإعظام الأجر، ((وقوله: ﴿وَمَنْ يَثَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ
عَنْهُ سَمِئَاتِهِ﴾ يقول: ومن يخف الله فيتقه
باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، يمح الله
نظم له واجرا
عنه ذنوبه وسيئات أعماله
يقول: ويجزل له الثواب على عمله ذلك
وتقواه، ومن إعظامه له الأجر علیه أن يدخله
جنته، فيخلده فيها))(٦).
٠
وقد وقع هذا الوعد صريحًا في قوله
سبحانه في آية النساء: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ
فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٠/١٨.
(٦) جامع البيان، الطبري ٤٥٦/٢٣.
٤١٢
مُوسُوبة النفسية
القرآن الكريم

الحدود
[النساء: ١٣].
((فقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾، يعني:
بساتين تجري من تحت غروسها وأشجارها
الأنهار ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾، يقول:
باقین فیها أبدا لا يموتون فيها ولا یفنون،
ولا يخرجون منها ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ
اٌلْعَظِيمُ﴾، يقول: وإدخال الله إياهم
الجنان التي وصفها على ما وصف من
ذلك ﴿اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾، يعني: الفلح
العظيم))(١).
موضوعات ذات صلة:
الذنب، الفواحش، القتل، الكفارات
(١) المصدر السابق ٧٠/٨.
www. modoee.com
٤١٣