النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْبَر النفسية الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الحدود
عناصر الموضوع
مفهوم الحد
٣٧٦
الحدود في الاستعمال القرآني
٣٧٨
الألفاظ ذات الصلة
٣٧٩
حق تشريع الحدود لله سبحانه وتعالى
٣٨٠
٣٨٥
أحكام شرعية وصفت بحدود الله تعالى
٣٩٥
أسباب الاعتداء على حدود الله
٤٠٤
الفرق بين قربان الحدود وتعديها
٤٠٧
جزاء تعدي حدود الله تعالى وعقوبته
المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر

حرف الحاء
مفهوم الحد
أولًا: المعنى اللغوي:
الحدّ لغة: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر(١)، أو لئلا يتعدى
أحدهما على الآخر، وفصل ما بين كل شيئين: حد بينهما (٢).
ويرد أيضًا بمعنى طرف الشيء، قال ابن فارس: ((الحاء والدال أصلان: الأول المنع،
والثاني طرف الشيء.
فالحد: الحاجز بين الشيئين. وفلان محدود، إذا كان ممنوعًا. وإنه لمحارف محدود ،
كأنه قد منع الرزق. ويقال للبواب حداد، لمنعه الناس من الدخول ... )) (٣).
ومنه سمي حد الزنا والخمر ونحوها حدًّا: لأنّه يمنع صاحبه من المعاودة (٤)، ويمنع
غیره من أن يسلك مسلكه(٥).
وأما الأصل الثاني: فهو طرف الشيء: يقال: حد السيف والسكين: حرفه (٦). ومنتهى كل
شيء: حده؛ ومنه: أحد حدود الأرضين وحدود الحرم (٧).
فالحد إذن: طرف الشيء، والحاجز بين الشيئين.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
حدود الله: ((الأشياء التي بين تحريمها وتحليلها، وأمر أن لا يتعدى شيء منها فيتجاوز
إلى غير ما أمر فيها أو نهى عنه منها، ومنع من مخالفتها))(٨).
فهي بهذا المعنى دالة على جميع الأحكام الشرعية التي تضمنتها الشريعة الإسلامية من
واجبات ومندوبات ومباحات ومكروهات ومحرمات، وسواء أوقع النص عليها صراحة
في الكتاب والسنة أم استنبطت من دليل آخر يرجع إليهما كالإجماع أو القياس أو غيرهما.
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٢١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤٣٧/٢.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١٤٠/٣.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/٢.
(٤) الصحاح، الجوهري ٢/ ٤٦٣.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٢١، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/ ٤٣٧.
(٦) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/٢.
(٧) لسان العرب، ابن منظور ١٤٠/٣.
(٨) المصدر السابق.
٣٧٦
جوب
القرآن الكريمِ

محدود
وقد ((شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس، لأن الأحكام الشرعية،
تفصل بين الحلال والحرام، والحق والباطل، وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام،
وما هم عليه بعده)) (١).
وتسمية العقوبات الشرعية المقدرة حدودًا اصطلاح الفقهاء، ولم ترد في القرآن الكريم
بهذا اللفظ.
ورغم أن لفظ الحدود يفيد معنى ما ينتهى إليه ويمنع تجاوزه، فإنها قد صنفت إلى أنواع
أربعة، منها ما يمنع تجاوزه ومنها ما لا يمنع.
قال الراغب: ((وجميع حدود الله على أربعة أوجه:
* إمّا شيء لا يجوز أن يتعدّى بالزيادة عليه ولا القصور عنه، كأعداد ركعات صلاة
الفرض.
وإمّا شيء تجوز الزيادة عليه ولا يجوز النقصان عنه.
وإمّا شيء يجوز النقصان عنه ولا تجوز الزيادة عليه.
وإمّا شيء يجوز كلاهما))(٢).
فقد جعل الحدود أربعة أنواع، ومثل للنوع الأول بعدد ركعات الصلاة، ولكنه لم يمثل
الباقي. وهو بهذا المعنى قد جعل ((حدود الله)) مرادفة بصورة كاملة للأحكام الشرعية. أما
ابن منظور فقد اقتصر على ما استفيد من الدلالة القرآنية فجعلها نوعين: ما لا يقرب، وما لا
يتعدى، قال: ((فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ومنها ما لا يتعدى كالمواريث المعينة وتزوج الأربع، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِفَلاَ
تَعْتَدُوهَا﴾﴾ [البقرة: ٢٢٩]))(٣).
ومدار الخلاف في ذلك على إطلاق الحدود بمعنى الأحكام الشرعية، وهي دلالة
اصطلاحية، وبين إطلاقها بدلالة خاصة استفيدت من القرآن الكريم.
والمعنى الاصطلاحي مشتق من المعنى اللغوي، الذي هو طرف الشيء والحاجز بين
شيئين، فالشارع الحكيم أمر أن لا يُتُعدَّى شيءٌ من هذه الحدود، ومنع من مخالفتها.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١٣/٢.
(٢) المفردات، ص٢٢٢.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ٣/ ١٤٠.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الحاء
الحدود في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حدد) في القرآن (٢٥) مرة، يخصّ موضوع البحث منها (١٤) مرة(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الجمع
١٤
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]
وجاءت الحدود في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الحاجز بين الشيئين الذي
يمنع اختلاط أحدهما بالآخر (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص ٤٢٥.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٢٢١.
٣٧٨
مُوسُوبَةُ اللَّهـ
القرآن الكريم

الحدود
الألفاظ ذات الصلة
١
الحمى:
الحمى لغة:
المنع والدفع(١).
الحمی اصطلاحًا:
مكان مخصب يحظره الملك لرعي مواشيه ويتوعد من يرعى فيه بغير إذنه بالعقوبة
الشديدة (٢).
وأصله: ((المحمي، أطلق المصدر على اسم المفعول، وفي اختصاص التمثيل في
الحديث بـ (الراعي يرعى حول الحمى) نكتة، وهي: أن ملوك العرب كانوا يحمون المراعي
مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم
النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا
الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له ولو اشتد
حذره، وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع
فيه بغير اختياره، أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن
يقع فيه، فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقًّا وحماه: محارمه)) (٣).
الصلة بين الحمى والحدود:
ولا ريب أن لهذه ((الحمى)) حدودًا فاصلة بينها وبين غيرها، فمن هنا أشبه لفظ ((الحمى))
في الحديث لفظ الحدود في الآيات المتقدمة، وكما تضمن قوله سبحانه: ﴿يَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَالِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] الإشارة إلى ما
نهى الله عنه، تضمن قوله صلى الله عليه وسلم: (كالراعي يرعى حول الحمى) الإشارة
إلى المنهيات، وقد وقع تفسيرها بذلك تفسيرًا صريحًا في الحديث، في قوله عليه الصلاة
والسلام: (ألا وإن حمى الله محارمه).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٩٨/١٤.
(٢) انظر: إرشاد الساري، القسطلاني ١ / ١٤٤.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١٢٨/١.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الحاء
حق تشريع الحدود لله سبحانه وتعالى
تقدم أن حدود الله نوعان:
١. حدود حدها للناس في مطاعمهم
ومشاربهم ومناکحهم وغيرها ...
٢. وعقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه
كحد السارق والزاني والقاذف(١).
والحدود بالمعنى الثاني عقوبات مقدرة
على جرائم محددة لم يجعل الله سبحانه
وتعالى لأحد فيها اجتهادًا أو تقديرًا، لا
حاكم ولا قاض ولا عالم ولا مفتِ، وهي
قسيمة للتعازير التي يوكل تقديرها إلى
القاضي (٢).
فلئن كان من غير الممكن التصرف فيها
بالتقدير، فالتصرف فيها بالإيجاب والإنشاء
غیر ممکن من باب أولى، فهو حق خالص
لله وحده لا ينازعه فيه إلا معتد مدع ما
ليس له، متجرئ على الله محاد له، مبارز له
بالمعاصي.
وحدود الله بالمعنى الثاني جامعة لكل
ما شرع، وادعاء أحد من الناس ملكه لحق
تشريعها منازعة لله عز وجل في شرعه
وأمره، وقد عد القرآن الكريم ذلك بابًا
من أبواب الشرك، قال تعالى: ﴿أَمّ لَهُمْ
شُرَكَوْاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ
◌ِهِ اَللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُّ وَإِنَّ
(١) لسان العرب، ابن منظور ١٤٠/٣.
(٢) الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٧/ ٥٢٧٤.
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الشورى:
٢١].
وقد أفادت ((أم)) في الآية الإضراب
والاستفهام فـ ((هي بتقدير بل وألف
الاستفهام»(٣).
((ومعنى الاستفهام الذي تقضيه ((أم)) التي
للإضراب هو هنا للتقريع والتهكم، فالتقريع
راجع إلى أنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن
به الله، والتهكم راجع إلى من شرعوا لهم
الشرك، فسئلوا عمن شرع لهم دين الشرك:
أهم شركاء آخرون اعتقدوهم شركاء لله
في الإلهية وفي شرع الأديان كما شرع الله
للناس الأديان؟ وهذا تهكم بهم؛ لأن هذا
النوع من الشركاء لم يدعه أهل الشرك من
العرب. وهذا المعنى هو الذي يساعد تنکیر
شركاء ووصفه بجملة ﴿شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ
الدِّينِ﴾. ويجوز أن يكون المسؤول عن
الذي شرع لهم هو الأصنام التي يعبدونها،
وهو الذي درج علیه المفسرون، فیکون لهم
في موضع الحال من شركاء))(٤).
ومبنى ذلك على تحديد معنى الشركاء
في الآية: أهم شركاء للمشركين في ما هم
عليه من الضلال والغواية؟ أم هم شركاء
لله -على حد زعم المشركين لا على
الحقيقة-؟ قال ابن عطية: ((والشركاء في
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٢/٥.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ٧٦.
٣٨٠
مُوسُوبَةُ الْبَفي
القرآن الكريم

الحدود
هذه الآية: يحتمل أن يكون المراد بهم الله؟!)) (٢).
الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون
للكفار المعاصرين
الضمير في
لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع
الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك
هاهنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة
الإشراك بالله، ویحتمل أن يكون المراد بـ
((الشركاء)»: الأصنام والأوثان على معنى: أم
لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته،
لهؤلاء
عُو
ويكون الضمير: في:
المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير
في: ﴿لَهُم﴾ للأصنام الشركاء، أي شرع
هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن
به الله))(١).
فيكون المعنى على القول الثاني: أن يأذن به سبحانه.
هؤلاء المشركين اتخذوا أوثانًا وشرعوا
لها من العبادة والدعاء وتقريب القرابين
ونحوها شيئًا لم يأذن به الله ولم ينزل به
سلطانًا، وإنما ابتدعوه من عند أنفسهم.
وأما على القول الأول: فإن طائفة ممن
يشارك هؤلاء المشركين في صفة الضلال
والغواية من أسلافهم أو غيرهم قد ابتدع
لهم شرعًا لم یأذن به الله، فنهجوه واتبعوه،
فکان ذلك منهم اتخاذًا لهم آلهة من دون
الله، فكان الاستفهام بمعنى ((ألهم آلهةٌ
﴿شَرَعُواْ﴾ أي ابتدعوا لهم دينًا لم يأذن به
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣/٥.
وفيه على كلا الرأيين ((فضح فظاعة
شر کهم بعروه عن الانتساب إلى الله، أي إن
لم يكن مشروعًا من الإله الحق فهو مشروع
من الآلهة الباطلة وهي الشركاء. وظاهر
أن تلك الآلهة لا تصلح لتشريع دين؛ لأنها
لا تعقل ولا تتكلم، فتعين أن دين الشرك
دين لا مستند له. وقريب من هذا قوله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ
شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] .. ))(٣).
وأيًّا يكن المعنى، فإن الآية قد أنكرت
على المشركين إما تشريعهم ما لم يأذن به
الله، أو اتباعهم لشرع شرعه غير الله ولم
ومعنى ﴿شَرَعُوا﴾: ((أثبتوا ونهجوا
ورسموا. و﴿الدِّينِ﴾ هنا العوائد والأحكام
والسيرة، ويدخل في ذلك أيضًا المعتقدات،
لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعًا، فأما
في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة،
وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير
ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة
والحامي، وغير ذلك من السوائب ونحوها،
والإذن في هذه الآية الأمر. و﴿كَلِمَةُ
اُلْفَصّلِ﴾: هي ما سبق من قضاء الله تعالى
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٦٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٦/٢٥.
www. modoee.com
٣٨١

حرف الحاء
بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة، والقضاء في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من
تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى
شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم)) (٢).
بينهم: هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم)) (١).
وعليه فقد تضمنت الآية تشنيعا على من
شرع من عنده شيئًا لم يأذن به الله، سواء
أتعلق بالعقائد أم بالأحكام، وفي القرآن
الكريم من ذلك مما شنع به على المشركين
أمثلة كثيرة بلغ المشركون فيها من السفه
مبلغًا يذر الحليم حيرانًا، حتى قتلوا أولادهم
وحرموا على أنفسهم طيبات أحلت لهم:
فمن ذلك ما نص عليه قوله تعالى:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَاءٍ عَلَى اللَّهِ قَدْ
ضَلُواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ [الأنعام:
١٤٠].
فشنعت عليهم ما ابتدعوا من باطل أفضی
بهم إلى قتل أولادهم کما دل على ذلك قوله
سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ
زَبَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُّرْدُوهُمْ
وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا
فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ()﴾
[الأنعام: ١٣٧].
وإلى أن حرموا على أنفسهم طيبات
أحلها الله لهم، أي: ((قد خسر الذين فعلوا
هذه الأفعال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا
فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣/٥.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس
رضي الله عنهما، قال: ((إذا سرك أن تعلم
جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة
في سورة الأنعام)»(٣) مشيرًا إلى نحو قوله
عز وجل: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَّا ذَرَأَ مِنَ
الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ
هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَيْنَا فَمَا
كَانَ لِشُرَكَآيِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى
اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى
شُرَكَآيِهِمُ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
[الأنعام: ١٣٦]
قال ابن عباس: ((وذلك أن أعداء الله
كانوا إذا احترثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة،
جعلوا لله منها جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان
من حرث أو ثمرة أو شيء من نصیب الأوثان
حفظوه وأحصوه. فإن سقط منه شيء فيما
سمّي لله ردّوه إلى ما جعلوا للوثن. وإن
سبقهم الماء إلى الذي جعلوه للوثن، فسقى
شيئًا جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن، وإن
سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا
لله، فاختلط بالذي جعلوا للوثن، قالوا:
((هذا فقير))! ولم يردوه إلى ما جعلوا لله.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٧/٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب،
باب جهل العرب، ١٨٤/٤، رقم ٣٥٢٤.
٣٨٢
موسوالر النفسيةِالوضوء
القرآن الكريم

الحدود
وإن سبقهم الماء الذي جعلوا لله فسقى ما يَحْكُمُونَ﴾))(٣).
سمّي للوثن، تر کوہ للوثن. وكانوا يحرّمون
من أنعامهم البحيرة والسائبة والوصيلة
والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم
يحرّمونه لله. فقال الله في ذلك: ﴿وَجَعَلُواْ
لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ
نَصِيبًا﴾ الآية))(١).
وكما يفعلون ذلك في الحرث يفعلونه
في الأنعام، قال قتادة: ((عمد ناس من أهل
الضلالة فجزّؤوا من حروثهم ومواشيهم
جزءًا لله وجزءًا لشركائهم. وكانوا إذا خالط
شيء مما جزّؤوا لله فيما جزءوا لشركائهم
خلّوه. فإذا خالط شيء مما جزؤوا لشركائهم
فيما جزؤوا لله ردّوه على شركائهم. وكانوا
إذا أصابتهم السّنة استعانوا بما جزؤوا لله،
وأقرّوا ما جزؤوا لشركائهم، قال الله:
﴿سَآءُ مَا يَحْكُمُونَ﴾))(٢).
وروي عنه أيضًا أنهم «كانوا يجزئون
من أموالهم شيئًا، فيقولون: «هذا لله، وهذا
للأصنام)»، التي يعبدون. فإذا ذهب بعيرٌ
مما جعلوا لشركائهم، فخالط ما جعلوا
لله ردّوه. وإن ذهب مما جعلوه لله فخالط
شيئًا مما جعلوه لشركائهم تركوه. وإن
أصابتهم سنة، أكلوا ما جعلوا لله، وتركوا
سَآءُ مَا
ما جعلوا لشركائهم، فقال الله:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ١٣٢.
(٢) انظر: المصدر السابق.
ومن ذلك أيضًا ما نص عليه قوله جل
وعلا: ﴿وَقَالُواْ هَذِيِةَ أَنْعَهُ وَحَرْتُ حِجْرٌلًا
يَطَعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمٌ حُرِّمَتْ
◌ُهُورُهَا وَأَنَْهٌ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيَّهَا أَفْتِرَآءَ
عَلَيَّةٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
[الأنعام: ١٣٨].
ومعنى ((﴿حِجْرٌ﴾ حرام، فعل بمعنى
المفعول كالذبح والطعن، ويستوى فى
الوصف به المذكر والمؤنث، والواحد
والجمع؛ لأن حكمه حكم الأسماء غير
الصفات)» (٤).
ونصت الآية على أنهم «حرموا أنعامًا
وحرثًا وجعلوها لأصنامهم وقالوا:
يَطَعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ﴾ وهم خدام
الأصنام. ثم بين أن هذا تحكم لم يرد به
شرع، ولهذا قال: ((بزعمهم)). ﴿وَأَنْعَمُ
حُرِّمَتْ ◌ُهُورُهَا﴾ يريد ما يسيبونه لآلهتهم
على ما تقدم من النصيب، وقال مجاهد:
المراد البحيرة والوصيلة والحام. ﴿وَأَنْعَمُ
لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾ يعني ما ذبحوه
لآلهتهم. قال أبو وائل: لا يحجون عليها.
﴿أَفْتِرَآءَ﴾ أي للافتراء«على الله)»، لأنهم
كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا)»(٥).
وقال سبحانه أيضًا:
وَقَالُواْ مَا
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٥٤١.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٩٤.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الحاء
بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّنُكُورِنَا
وَمُحَزَّمٌ عَلَى أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُنْ قَّيْنَّةً فَهُمْ
فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ
حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعـ
فأخبر سبحانه ((عن هؤلاء الكفرة أنهم
قالوا في أنعام بأعيانها: ((ما في بطون هذه
الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا))، واللبن
ما في بطونها، وكذلك أجنتها. ولم يخصص
الله بالخبر عنهم أنهم قالوا: بعض ذلك
حرام علیهن دون بعض.
وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يقال
إنهم قالوا: ما في بطون تلك الأنعام من لبن
وجنین حلّ لذکورهم خالصة دون إناثھم،
وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم، إلا
أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتًا،
فيشترك حينئذ في أكله الرجال والنساء»(١).
وإجمالًا فقد جعل القرآن الكريم تشريع
ما لم يأذن به الله في مرتبة مقارنة للشرك
فأخبر سبحانه عن المشركين أنهم يأتون
الفواحش ويزعمون أن الله أمرهم بها:
﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآَنَا
وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَدِ
أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ))
[الأعراف: ٢٨].
ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اَلْفَوَِشَ مَاظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ
(١) جامع البيان، الطبري ١٢/ ١٤٨.
◌ِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلَّ بِهِ، سُلْعَنَّا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا
نَّعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٣].
أي ((﴿قُلْ إِنَّمَاحَرَّمَ رَنِيَ﴾ أي المحسن إليّ
بجعل ديني أحسن الأديان ﴿الْفَوَحِشَ﴾ أي
کل فرد منها، وهي ما زاد قبحه؛ ولما كانت
الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن
الإسرار بها غير مراد بالنهي قال: ﴿مَاظَهَرَ
مِنْهَا﴾ بين الناس ﴿وَمَابَطْنَ﴾، ولما كان هذا
ثمَ﴾
خاصًّا بما عظمت شناعته قال: ﴿
أي مطلق الذنب الذي يوجب الجزاء، فإن
الإثم الذنب والجزاء؛ ولما كان البغي زائد
القبح مخصوصًا بأنه من أسرع الذنوب
عقوبة، خصه بالذكر فقال: ﴿وَالْبَغْىَ﴾ وهو
الاستعلاء على الغير ظلمًا، ولكنه لما كان
قد يطلق على مطلق الطلب، حقق معناه
العرفي الشرعي فقال: ﴿بِغَيْرِ اَلْحَقِّ﴾ ...
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ أي الذي اختص بصفات
الكمال ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ فإنه لا يوجد
ما يسميه أحد شريكًا إلا وهو مما لم ينزل
به الله سلطانًا بل ولا حجة به في الواقع ولا
برهان ... ﴿وَأَنْ﴾ أي وحرم أن ﴿تَقُولُواْ عَلَى
اللَّهِ﴾ أي الذي لا أعظم منه ولا كفوء له ﴿مَا
لَانَعْلَمُونَ ﴾ أي ما ليس لكم به علم بخصوصه
ولا هو مستند إلى علم أعم من أن یکون من
الأصول أو لا)»(٢).
وعد القرآن الكريم الجرأة على التشريع
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٣٩٠/٧.
٣٨٤
ضوء
القرآن الكريم

الحدود
بغیر وحي من الله أو علم كذبًا وافتراء على
الله، قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ
اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿ مَتَعٌ قَلِيلٌ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
[النحل: ١١٦-١١٧].
(١١٧)
أي: ((ولا تقولوا الكذب للذي تصفه
ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة، من
غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي)»(١).
وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ
لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ
ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَُّونَ ا وَمَا
ظَنُّ الَّذِينَ يَغْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةْ
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَشْكُرُونَ ﴾ [يونس: ٥٩-٦٠].
أي: ((أي شيء ظنهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
أيحسبون أن لا يجازوا عليه ... وفي إبهام
الوعيد تهديد عظيم ﴿إِنَ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ﴾ حيث أنعم عليهم بالعقل وهداهم
بإرسال الرسل وإنزال الكتب. ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة))(٢).
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٦ / ٦٠٦.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١١٧/٣.
أحكام شرعية وصفت بحدود الله تعالى
وردت (حدود الله) علی معنیین:
أحدهما: المنهيات.
والثاني: حد ما ينهى عن تجاوزه من
المباحات.
مثال الأول: ما روى الطبراني عن
طاوس قال: سمعت أبا الدرداء، يقول:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها،
وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن كثير
عن غير نسيان فلا تكلفوها، رحمة من الله
فاقبلوها)(٣).
فالحدود في الحديث قسيمة للفرائض،
ولذلك فلا يمكن أن تكون إلا المحرمات.
ومثال الثاني ما روى الدار قطني والبيهقي
عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل
فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات
فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها،
وسکت عن أشياء من غير نسیان فلا تبحثوا
عنها) (٤).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط،
٧/ ٠٧٤٦١،٢٦٥
قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث غريب
ومكحول لم يسمع من أبي ثعلبة.
انظر: معجم ابن عساكر ٢ / ٩٦٥.
(٤) أخرجه الدار قطني في سننه، كتاب الرضاع،
٣٢٥/٥، رقم ٤٣٩٦، والبيهقي في السنن
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الحاء
وعن ابن عباس أن رسول الله صلی الله
علیه وسلم قال: (إن الله أعطى كل ذي حق
حقه، وإن الله فرض فرائض وسن سنتًا،
وحد حدودًا، وأحل حلالًا، وحرم حرامًا،
وشرع الإسلام، وجعله سهلًا سمحًا واسعًا،
ولم يجعله ضيقًا)(١).
فالحدود في الحديثين دالة على قسم
آخر غير الفرائض والمنهيات وهي حدود
المباحات، بل إنها في الثاني ذكرت مع
المباح المطلق مما يجعل لها دلالة خاصة
على نوع من المباحات.
هذا وقد وردت حدود الله في القرآن
الكريم دالة على بعض الأحكام الخاصة:
فأغلبها متعلق بأحكام العلاقة الزوجية
وإصلاح ما طرأ من الخلل عليها وانتهائها،
ويتضمن هذا أحكام الطلاق الرجعي
والبائن بينونة صغرى أو كبرى، وأحكام
العدد، وأحكام الظهار.
وبعضها متعلق بالحقوق الواجبة في
تركة الميت، من الديون والوصايا، ومن
يرث ومن لا يرث، وأنصبة كل وارث.
الكبرى، ٢١/١٠، رقم ١٩٧٢٥.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
٢٣٠/١، رقم ١٥٩٧.
(١) أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده،
٣٤٣/٤، رقم ٢٤٥٨.
قال الهيثمي: وفيه حسين بن قيس الملقب
بحنش، وهو متروك الحديث.
انظر: مجمع الزوائد ١/ ١٧٢.
وبعضها متعلق بأحكام العبادات الواجبة
كالصلاة وصيام رمضان، أو المندوبة
كصيام التطوع والاعتكاف، وما تعلق بها من
مفطرات ومفسدات ونواقض.
أولًا: ما تعلق بأحكام العلاقة الزوجية
وإصلاح ما طرأ من الخلل عليها
وانتهائها:
شرع الله الزواج ليكون سكنًا للنفوس،
وجعل كلَّا من الزوجين لباسًا للآخر يستره،
وألقى بينهما المودة والرحمة. واستمرار
السكن والمودة والرحمة مشروط بالمعاشرة
بالمعروف وحفظ كل من الزوجين حقوق
الآخر. غير أن الخلاف والنزاع قد يستطير
ويستشري حتى تنقطع مقاصد العلاقة
الزوجية، ومن أجلى تلك الصور («الإيلاء»:
وهو أن يحلف الزوج ألا يقرب امرأته،
فيمنعها حقًّا من حقوقها، وينقض مقصدًا
أساسيًّا في العلاقة الزوجية. فإن آلى الزوج
فحلف ألا يقرب امرأته، فقد حد القرآن
الكريم له حدًّا: أربعة أشهر يتربصها ثم
يوقف بعدها؛ فإما أن يعود إلى الوفاء بحقها
ويكفر عن يمينه، أو يطلقها ويسرحها، فيغني
الله كلا منهما من سعته: قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ
يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآِهِمْ تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ
وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ
اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (س)
سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦-٢٢٧].
مَوَسُو ◌َة النَّية
القرآن الكريم
٣٨٦

الحدود
((فإذا انقضت الأربعة الأشهر: وقف
المولي عند مالك والشافعي، فإما فاء، وإلّا
طلّق، فإن أبى الطلاق: طلق علیه الحاكم،
وقال أبو حنيفة: إذا انقضت الأربعة الأشهر:
وقع الطلاق دون توقيف، ولفظ الآية يحتمل
القولين))(١).
وإذا طلق الرجل زوجته، ولم يجاوز
المرة الثالثة، كان هذا الطلاق رجعیًّا. ومن
طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا لم تنته العلاقة
الزوجية بمجرد تلفظه بالطلاق، ولکنه یمنح
فرصة لمراجعتها. فتعتد المرأة في بيته، ولها
السكنى والنفقة، ويراجعها زوجها متى شاء
من غير أن يحتاج إلى عقد جدید.
قال سبحانه: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ أَلِْدَّةٌ وَأَتَّقُوا
اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا
يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبِهِنَةٌ وَتَلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾
[الطلاق: ١].
فقد فرضت الآية على من أراد أن
يطلق زوجته أن یتحری زمانًا معينًا فمعنی:
﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: ((إذا أردتم تطليقهن
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَ﴾: أي لزمان عدتهن
وهو الطهر؛ لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها
وتحصل في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول
(١) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ١٢٢.
عليها زمان العدة، وكان ابن عباس وابن عمر
يقرآن: (فطلقوهن في قبل عدتهن) وهذا في
المدخول بها؛ لأن غير المدخول بها لا عدة
عليها))(٢).
فلیس للأزواج أن یطلقوا متی شاءوا، بل
قيل لهم ((التمسوا لطلاقهن الأمر المشروع،
ولا تبادروا بالطلاق من حين يوجد سببه،
من غير مراعاة لأمر الله. بل ﴿فَطَلِقُوهُنَّ
لِمِدَّتِنَ﴾ أي: لأجل عدتهن، بأن يطلقها
زوجها وهي طاهر، في طهر لم يجامعها
فيه، فهذا الطلاق هو الذي تكون العدة فيه
واضحة بينة، بخلاف ما لو طلقها وهي
حائض، فإنها لا تحتسب تلك الحيضة، التي
وقع فيها الطلاق، وتطول عليها العدة بسبب
ذلك، وكذلك لو طلقها في طهر وطئ فيه،
فإنه لا يؤمن حملها، فلا يتبين ولا يتضح
بأي عدة تعتد، وأمر تعالى بإحصاء العدة،
أي: ضبطها بالحیض إن كانت تحیض، أو
بالأشھر إِن لم تکن تحیض ولیست حاملاً
فإن في إحصائها أداء لحق الله، وحق الزوج
المطلق، وحق من سيتزوجها بعد، وحقها
في النفقة ونحوها. فإذا ضبطت عدتها،
علمت حالها على بصيرة، وعلم ما يترتب
عليها من الحقوق، وما لها منها، وهذا الأمر
بإحصاء العدة، يتوجه للزوج وللمرأة، إن
(٢) لباب التأويل، الخازن ٣٠٥/٤.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الحاء
كانت مكلفة، وإلا فلوليها)»(١).
وقد نهت الآية الأزواج عن إخراجهن
من البيوت في العدة، كما نهتهن أيضًا عن
الخروج إلى انقضائها: ((﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ
مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: أي ليس للزوج أن يخرجها
من مسكن النكاح ما دامت في العدة،
ولا يجوز لها الخروج أيضًا لحق الزوج
إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت
ولا تنقطع العدة. والرجعية والمبتوتة في
هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا
معنى إضافة البيوت إليهن، كقوله تعالى:
﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ
ءَايَتِ اَللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِ﴾ [الطلاق: ٢].
[الأحزاب: ٣٣].
فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك.
وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَ ﴾ يقتضي أن يكون
حقًّا على الأزواج. ويقتضي قوله: ﴿وَلَا
يَخْرُجْنَ﴾ أنه حق على الزوجات))(٢).
والأصل في عدد النساء (ثلاثة قروء)) ولا
يحل للمطلقة فيها أن تکتم ما يدعو زوجها
لمراجعتها كالحمل، ولزوجها الحق في
مراجعتها من غير أن يستأذن وليها أو يعطيها
مهرًا أو يعقد عقدًا جديدًا، على أن يكون
قاصدًا للإصلاح لا للإضرار، وأن يوفیها ما
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦٩.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٤/١٨.
أوجب الله لها من حق مثل ما عليها أن توفيه
ما أوجب الله عليها من حق، قال تعالى:
وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ فُرُوَةٌ
وَلَا يَجِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَهُ فِي أَزْحَامِهِنَّ
إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَبُعُولَُنَّ أَحَقُّ بِرَوَِّنَ
فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَئِنَ
بِالْعُرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
﴾ [البقرة: ٢٢٨].
غير أن آية سورة الطلاق قد أمرت
بالإشهاد على الرجعة، قال جل وعلا:
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوَ
فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُوْ
وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن
﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ
وظاهر قوله سبحانه:
عدلٍ مِنگ۴﴾ يدل على وجوب الإشهاد، قال
ابن العربي: ((وهذا ظاهر في الوجوب بمطلق
الأمر عند الفقهاء، وبه قال أحمد بن حنبل
في أحد قوليه، والشافعي. وقال مالك، وأبو
حنيفة، وأحمد، والشافعي في القول الآخر:
إن الرجعة لا تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر
إلى الإشهاد، كسائر الحقوق، وخصوصًا
حل الظهار بالكفارة)) (٣)، بمعنى أن الأمر
مصروف عندهما بهذه القرينة من الوجوب
إلى الاستحباب.
وقد تضمنت الآية أمرًا آخر: وهو
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٢٨٢/٤.
٣٨٨
القرآن الكريم

الحدود
الإمساك بمعروف أو المفارقة بمعروف،
والإمساك بالمعروف: ((هو حسن العشرة في
تضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم
بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما
الإنفاق وغير ذلك، والمفارقة بالمعروف: قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضٍ
مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلََّّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبَيِّنَةِ﴾
[النساء: ١٩].
هو أداء المهر والتمتيع، ودفع جميع
الحقوق، والوفاء بالشروط وغير ذلك»(١).
والطلاق رجعي ما لم تنقض العدة أو
يجاوز المرتين: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكُ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنُّ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
تَأْخُذُواْ مِمَّاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا
حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُِ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا
وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلُِّونَ
٢٣٩
[البقرة: ٢٢٩].
فقوله سبحانه: ﴿الطَّلَقُ مَنَّتَانِ﴾: ((بیان
لعدد الطلاق الذي یجوز إيقاعه، وهو طلاق
السنة ﴿فَإمساك ﴾: ارتجاع ... ﴿معروفٍ﴾:
أَوْ
حسن المعاشرة وتوفية الحقوق
تَشْرِيعٌ﴾: هو تركها حتى تنقضي العدّة فتبين
منه ﴿بِإِحْسَنٍ﴾ المتعة، وقيل: التسريح هنا
الطلقة الثالثة بعد الاثنتين))(٢).
وفي الآية نهي عن أخذ الزوج شيئًا أعطاه
لامرأته إلا ما أعطته عن طيب نفس، إلا أن
تخالعه لرغبتها هي في فراقه من غير إضرار
منه بها، ((وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ
مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ أي: لا يحل لكم أن
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٢٤/٥.
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ١٢٣.
فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس
منها، فقد قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ
مِنْهُ نَفْسَا فَكُلُوهُ هَنِيَنَّامَّيِّنًا﴾ [النساء: ٤].
وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة
بحقوق الرجل، وأبغضته ولم تقدر على
معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا
حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك
منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا
حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِ﴾))(٣).
قال ابن جزي: «ثم إنّ المخالعة على
أربعة أحوال، الأوّل: أن تكون من غير
ضرر من الزوج ولا من الزوجة: فأجازه
مالك وغيره لقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ
عَن شَىْءٍ﴾ الآية، ومنعها قوم لقوله تعالى:
﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾، والثاني:
أن يكون الضرر منهما جميعًا فمنعه مالك
في المشهور لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ﴾، وأجازه
الشافعي لقوله تعالى: ﴿إِلََّّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّ يُقِيمَا
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٣/١.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الحاء
حُدُودَ اللهِ﴾. والثالث: أن يكون الضرر من
الزوجة خاصة، فأجازه الجمهور لظاهر هذه
الآية، والرابع: أن يكون الضرر من الزوج
خاصة: فمنعه الجمهور لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ
أَرَدَّثُمُ اُسْتِيْدَالَ زَوْج﴾ [النساء: ٢٠] الآية،
وأجازه أبو حنيفة مطلقا))(١).
وللزوج أن يراجع زوجته بعد الطلاق
بغير عقد قبل انقضاء العدة، وبعقد بعد
انقضائها أو إن خالعته، ما لم يجاوز حد
المرتين، فإن طلق في الثالثة حرمت عليه
حتى تتزوج زوجًا غيره، زواجًا صحيح
الأركان، لا يقصد منه التحليل، ويطأها
فيه، ثم يطلقها أو يتوفى عنها الزوج الثاني
وتنقضي عدتها، فإن اجتمعت هذه الأركان
حل له أن يتزوجها بعقد جديد إن ظنا أنهما
یقیمان حدود الله.
قال تعالى: ﴿فَإِنِ طَلّقَهَا فَلاَ تَّجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ
حَى تَنكِحَ زَوْجَا غَيْرُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن
يَتََّاجَعَآَ إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
يُبَّيِّئُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
فقوله تعالى: ((﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي:
الطلقة الثالثة، ﴿فَلَ غِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
زوجًا غيره﴾ أي: نكاحًا صحيحًا ويطؤها،
لأن النكاح الشرعي لا یکون إلا صحيحًا،
ويدخل فيه العقد والوطء، وهذا بالاتفاق.
ويشترط أن يكون نكاح الثاني، نكاح
(١) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ١٢٣.
رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول، فليس
بنكاح، ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء
السيد، لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني
راغبًا ووطئها، ثم فارقها وانقضت عدتها
﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: على الزوج الأول
والزوجة ﴿أَن يَتَرَجَمَآ﴾ أي: يجددا عقدًا
جدیدا بينهما، لإضافته التراجع إليهما، فدل
على اعتبار التراضي.
ولكن يشترط في التراجع أن يظنا ﴿أَن
يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بأن يقوم كل منهما، بحق
صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما
السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها
بعشرة حسنة، فهنا لا جناح عليهما في
التراجع.
ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا
أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما
أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير
زائلة أن عليهما في ذلك جناحًا، لأن جميع
الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها
طاعته، لم يحل الإقدام عليها))(٢).
هذه صورة إجمالية لما سماه القرآن
الكريم ((حدود الله» من أحكام الطلاق
والخلع والعدد وما ارتبط بها، والظهار شبيه
بالإيلاء والطلاق، وقد سمى القرآن الكريم
الأحكام المتعلقة به أيضًا ((حدود الله)).
والظهار: تحريم الرجل امرأته على نفسه
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٣.
٣٩٠
معبرا
القرآن الكريمِ

الحدود
كتحريم الله عليه بعض النساء كأمه وأخته ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ
وبنته ونحوها، وصورته أن يقول لها: أنت وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: ٣-٤].
عليَّ كظهر أمي(١).
وكان الظهار في الجاهلية طلاقًا، فعن أبي
قلابة، قال: «كان الظهار طلاقًا في الجاهلية،
الذي إذا تكلم به أحدهم لم يرجع في امرأته
أبدًا، فأنزل الله عزّ وجلّ فيه ما أنزل))(٢).
فنقض الإسلام حكم الجاهلية، وعدَّ هذا
القول منكرًا وزورًا: ﴿الَّذِينَ يُطَهِرُونَمِنكُمِن
نِسَابِهِم مَّا هُنَ أُمَّهَتِهِمٌ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّ الَّتِى
وَلَّدْ نَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ ﴾ [المجادلة: ٢].
((فردّ اللّه بهذه الآية على فعلهم، وأخبر
بالحقيقة من أنّ الأمّ هي الوالدة، وأمّا
الزوجة فلا یکون حکمها حکم الأم)»(٣).
ولم يجعل الظهار طلاقًا، ولكنه ألزم
فاعله بأن يكفر عن قوله بتحرير رقبة، فإن
لم يجد صام شهرین متتابعین، فإن لم يجد
أطعم ستين مسكينًا، ويكفر قبل أن يقرب
زوجته.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَآءِهِمْ ثُّ
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَّآْسَآَ
ذَلِكُنْ تُوعَّقُونَ بِهِ، وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيْرٌ
٣
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَآَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينَاً
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/٢٣.
(٢) المصدر السابق.
(٣) الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٩٨/٥.
((وجعل الله سبحانه القول بالظهار منكرًا
وزورًا، فهو محرٌّ، لكنّه إذا وقع لزم، هكذا
قال فيه أهل العلم، لكنّ تحريمه تحريم
المکروهات جدًّا، وقد رجّى الله تعالی بعده
بأنّه عفوٌّ غفور مع الكفّارة)) (٤).
وقد وصفت جميع هذه الأحكام:
الطلاق، والخلع، والعدد، والظهار، وأحكام
الإيلاء، وما ارتبط بها، بأنها حدود الله.
ثانيًا: ما تعلق بالحقوق الواجبة في
تركة الميت:
فصلت سورة النساء الحقوق الواجبة في
تركة الميت في ثلاث آيات: إحداها: آخر آية
في السورة، و ثنتان أخریان متتابعاتان، وهما
قوله سبحانه:
١. ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمَّ لِلذَّكْرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِّ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ
فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا
النِّصْفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنَ لَّهُ، وَلَّدٌ
وَوَرِئَّهُ، أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُّ فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ
دَيْنُّ ءَابَآؤُكُمُ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
لَكُنْ نَفْعَا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
(٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الحاء
حَكِيمًا ﴾ [النساء: ١١].
والمعنى: ((يوصيكم الله ويأمركم في
شأن أولادكم: إذا مات أحد منكم وترك
أولادًا: ذكورًا وإناثًا، فميراثه كله لهم:
للذكر مثل نصيب الأنثيين، إذا لم يكن هناك
وارث غيرهم. فإن ترك بنات فقط: فللبنتين
فأكثر ثلثا ما ترك، وإن كانت ابنة واحدة،
فلها النصف. ولوالدي الميت: لكل واحد
منهما السدس إن کان له ولد، ذکرًا کان أو
أنثى، واحدًا أو أكثر. فإن لم یکن له ولد
وورثه والداه فلأمه الثلث، ولأبيه الباقي.
فإن کان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورًا
كانوا أو إناثًا، فلأمه السدس، وللأب الباقي
ولا شيء للإخوة. وهذا التقسیم للترکة إنما
یکون بعد إخراج وصية الميت في حدود
الثلث، أو إخراج ما عليه من دین. آباؤكم
وأبناؤكم الذین فرض لهم الإرث لا تعرفون
أیهم أقرب لکم نفعًا في دنیاکم وأخراكم،
فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر. هذا
الذي أوصیتکم به مفروض علیکم من الله.
إن الله كان عليمًا بخلقه، حكيمًا فيما شرعه
لهم»(١).
٢.
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ
أَزْوَجُكُمْ إِن أَمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدْ فَإِن كَانَ
لَهُنَّ وَلَّدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّاتَرَكْنٍّ مِنْ بَعْدِ
وَصِيَّةٍ يُؤْصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ
(١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٧٨.
الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌّ
فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا
تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا
أَوْ دَيْنُّ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَّ أَوِ
أَمْرَأَةٌ وَلَهُ: أَخُّ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
السُّدُسَُّّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ
شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَاآ
أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمُ
حَلِيةٌ﴾ [النساء: ١٢].
فنصت الآية على أن ((لكم - أيها الرجال-
نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن إن لم
یکن لھن ولد ذکرا کان أو أنثى، فإن کان لهن
ولد فلكم الربع مما ترکن، ترثونه من بعد
إنفاذ وصیتهن الجائزة، أو ما يكون عليهن
من دين لمستحقيه. ولأزواجكم -أيها
الرجال- الربع مما تركتم، إن لم يكن لكم
ابن أو ابنة منهن أو من غيرهن، فإن كان لكم
ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم، يقسم الربع
أو الثمن بينهن، فإن كانت زوجة واحدة كان
هذا ميراثًا لها، من بعد إنفاذ ما كنتم أو صيتم
به من الوصايا الجائزة، أو قضاء ما يكون
علیکم من دین)»(٢).
((ويدخل في مسمى الولد المشروط
وجوده أو عدمه، ولد الصلب أو ولد الابن
الذكر والأنثى، الواحد والمتعدد، الذي من
الزوج أو من غيره، ويخرج عنه ولد البنات
(٢) المصدر السابق ص٧٩.
٣٩٢
مَوسُو ◌َر النفسيةِلوضوي
القرآن الكريم

الحدود
إجماعًا))(١).
اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ
((وإن مات رجل أو امرأة وليس له أو مِن تَحْتِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا
لها ولد ولا والد، وله أو لها أخ أو أخت وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ وتوعدت
من أم فلكل واحد منهما السدس. فإن كان
﴿وَمَن يَعْصِ
متعديها بالعذاب المهين:
اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ، يُدْخِلْهُ نَارًا
خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِيٌ
(٤)﴾ [النساء: ١٤].
الإخوة أو الأخوات لأم أکثر من ذلك فهم
شركاء في الثلث، يقسم بينهم بالسوية لا
فرق بين الذكر والأنثى، وهذا الذي فرضه
ثالثًا: ما تعلق بأحكام العبادات:
الله للإخوة والأخوات لأم يأخذونه ميراثًا
لهم من بعد إنفاذ وصیته إن کان قد أوصى
بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه
على الورثة. بهذا أوصاكم ربكم وصية نافعة
لكم. والله علیم بما يصلح خلقه، حليم لا
يعاجلهم بالعقوبة»(٢).
فتضمنت الآيات الأمر بقضاء الدين
قبل قسمة التركة وإبراء ذمة صاحب المال،
والأمر بتنفيذ أحكام الوصية إجمالًا وبينت
السنة مقدارها ولمن تجب، وبيان أنصبة
أصحاب الفروض والتعصيب من الأقارب
((الأبناء والبنات والأب والأم))، وأنصبة
أصحاب الفروض بالمصاهرة ((الزوج
والزوجة))، ونصاب الإخوة لأم في حال
الكلالة، والنهي عن الإضرار في الوصية.
ثم وصفت الآية هذه الأحكام بأنها حدود
الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ ووعدت
ملتزمها بالفوز العظيم: ﴿وَمَن يُطِيع
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٦٨.
(٢) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٧٩.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ مُنَّ لِيَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنّ
عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْكَنَ بَشِرُوهُنَّ
وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقَّ
يَتَبَيَّنَ لَكُِّ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ ثُمَّ أَيِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِ اَلْمَسَجِدُّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٧].
أي: (یباح لكم في ليالي الصيام وقاع
زوجاتكم، فهنّ ستر لكم عن الحرام، علم
الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم بالجماع
ليلة الصيام، فتاب الله عليكم وعفا وصفح
عنكم، والآن أباح الله لكم بأن تباشروا
نساءكم، واطلبوا ما أباحه الله لكم من
الاستمتاع لإنجاب الذرّية. ويباح لكم
الأكل والشرب أثناء الليل كله، حتى يطلع
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الحاء
الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام إلى غروب ٢٢٩].
الشمس. ولا تجوز مباشرة النساء أثناء
الإقامة في المساجد للعبادة بالاعتكاف.
وتلك الأحكام المذكورة للصيام
والاعتكاف هي حدود الله، أي: محظوراته
وممنوعاته، فلا تقربوها بالمخالفة، وبمثل
هذا التوضیح یبین الله أحکام دینه للناس
ليتّقوا ربّهم، ويبتعدوا عن المحرمات)»(١).
فتضمنت الآية مباحات تحدها منهيات،
وهي:
● الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام،
إلى حد طلوع الفجر الصادق وإلى
غروب الشمس.
إباحة مباشرة الأهل في ليالي الصیام، ما
لم يدخل الصائم في عبادة الاعتكاف،
فحينئذ يستوي المنع في الليل والنهار.
وقد سمت الآيات هذه الأحكام ((حدود
الله» ونهت عن قربانها.
هذا وقد ذهب الفيروزآبادي إلى أن في
جميع هذه الأحكام نهايات ينتهى إليها؛
فلذلك سميت حدودًا، قال: ((والحدود
جاءت فى القرآن على سبعة أوجه:
الأول: حد الاعتكاف لإخلاص العبادة
﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِ الْمَسَجِدِّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾.
الثاني: حد الخلع لبيان الفدية ﴿فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾﴾ [البقرة:
(١) التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٩١.
الثالث: حد الطلاق لبيان الرجعة ﴿وَتِلْكَ
حُدُودُ اَللَّهِ يُبَيُّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
الرابع: حد العدة لمنع الضرار وبيان
المدة .
الخامس: حد الميراث لبيان القسمة
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ
حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤].
السادس: حد الظهار لبيان الكفارة ﴿فَمَن
لَّمَّ يَسْتَطِعْ فَإِطَعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَاً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ
بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ وَلِلْكَفِينَ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: ٤].
السابع: حد الطلاق لبيان مدة العدة
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ
إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُهِنَةٍ وَبَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾
[الطلاق: ١])) (٢).
٣٩٤
مَوَسُو بَر التفسير الموضوع
القرآن الكريم
(٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/ ٤٣٨.