النص المفهرس
صفحات 41-52
حجاب المرأة
وبهذا يتبين لنا حرص الشريعة الغراء
على التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل
الأجنبي عنها، حتى لا يقع ما لا يحمد
عقباه، لكن هناك من يحاول تحطيم هذه
الموانع والفواصل بين المرأة والرجل
بدعوى التقدم والحضارة، أو تأثرًا بالغرب
ودعاة الإباحية، ونجح القوم في غياب
الوعي الديني أن يخترقوا هذه الحواجز،
ويزيلوا هذه الموانع، ويتسوّروا السياج،
فكان الاختلاط والذي يبدأ في رياض
الأطفال مرورًا بالمدارس والكليات وانتهاء
بالاختلاط في العمل. فضلًا عن الاختلاط
في وسائل المواصلات وشتى مناحي
الحياة.
فأصبح الاختلاط ظاهرة اجتماعية
مألوفة، وأن الدعوة إلى عدم الاختلاط يعدّ
تخلفًا ورجعية !!
الأساليب الوقائية لحفظ الأعراض
لقد جاءت هذه الشريعة بحفظ
الضرورات التي لا تستقيم الدنيا ولا
الآخرة إلا بحفظها، وهي: الدين، والنفس،
والعرض، والعقل، والمال، وعلى هذا
الترتيب رتّبها العلماء من حيث الأهمية،
فمدار أحكام الدين وخلاصة هذه الشريعة
حماية هذه الضرورات الخمس.
وجعلت الشريعة لكل واحدة من هذه
الضرورات الخمس أحكامًا لحمايتها،
وتوفيرها، وإيجادها، وتنميتها؛ وفي
المقابل، جاءت بأحكام لمنع العدوان
عليها، وإنقاصها، والعبث بها.
والعِرْض يعرّفه العلماء بأنه موضع
المدح والذم للإنسان، بمعنى أن عرضك
هو ما يسرّك لو ذكرت بخير فيما يتعلق به،
ويسوؤك لو ذکرت بشرِّ فيما يتعلق به.
وقد وضع الإسلام أساليب وقائية لحفظ
الأعراض؛ لمنع وقوع الفواحش، ومن هذه
الأساليب:
١. ترسيخ الإيمان في القلوب.
تحرص الشريعة الغراء على ترسيخ
الإيمان في قلوب المؤمنين، وأن عليهم
الامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، وتزرع
في قلوبهم مراقبة الله.
فالشريعة الإسلامية تربي نفوس
www. modoee.com
٢٨٩
حرف الحاء
المؤمنين مع إرشادهم إلى الأساليب
الوقائية، بحيث يكون لكل منهم وازع في
نفسه وضميره، فیحول بینه وبین الانغماس
في الشهوات وارتكاب المحرمات.
فترسيخ الإيمان في القلوب صمام
الأمان لصيانة الأعراض، وعدم انتهاكها.
ولذلك نلحظ في أغلب الآيات التي
تناولت الأساليب الوقائية أنها اشتملت
على أسلوب الإقناع بتعليل الأحكام، وهذا
التعليل إما بأمر ديني كمحبة الله وخوفه
ورجائه ومراقبته وعلمه، وإما بأمر دنيوي
من السعة في الرزق وحصول الخير وغير
ذلك.
ففي الأمر بغض الأبصار وحفظ الفروج
نجد نهاية الآية ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَمُمّ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].
وفي الأمر بالاستئذان نجد ختام الآيات
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ
بُيُوتِكُمْ حَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَُّونَ ) فَإِنِ لَّمْ
تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْ خُلُوهَا حَقَّى يُؤْذَنَّ لَكُمْ
وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧ - ٢٨].
وفي الأمر بالحجاب نجد التعليل بقوله:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ
حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَلْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[الأحزاب: ٥٣].
وهكذا في بقية الآيات التي تحدثت
أو أشارت إلى الأساليب الوقائية لحفظ
وصيانة الأعراض.
٢. الأمر بغض البصر وحفظ
الفروج.
قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُّ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
[النور: ٣٠ - ٣١].
فقدّم سبحانه غض البصر على حفظ
الفرج ؛ لأن النظر بريد الزنا، وغض البصر
من أجلّ الأدوية لعلاج القلب(١).
وقد غايرت الآيتان بين الأبصار
والفروج، فالأولى فعلها ((يغضوا))، والثانية
فعلها ((يحفظوا))، والإغضاء صرف المرء
بصره عن التحديق وتثبيت النظر، فهو أغلبي
ولیس تامًا، بخلاف الحفظ، ثم جيء بـ((من))
التي للتبعيض مع الغض دون الحفظ.
يقول ابن القيم عن غض البصر: ((ولما
كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة
الراجحة، ويحرم إذا خيف منه الفساد، ولم
يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة،
لم يأمر سبحانه بغضه مطلقًا، بل أمر بالغض
منه، وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال، لا
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٧١/٧.
مُؤَسَو ◌َرَ النَفسِيرِ الموضويـ
القرآن الكْرِيْمِ
٢٩٠
حجاب المراة
يباح إلا بحقه؛ فلذلك عمّ الأمر بحفظه))(١). المفلحين.
٣. تحريم الزنا والوسائل المفضية
إليه.
أجمعت الشرائع السماوية على تحريم
الزنا، واعتبرته من أكبر الآثام، وأعظم الجرائم
التي تدنس النفس البشرية، وتحول بينها
وبین سعادتها و کمالها، ووضعت له أقصی
عقوبة في باب العقوبات وأشنعها، وهي
الرجم بالحجارة حتى الموت، وتوعدت
فاعليها بالعقوبات العاجلة، والعذاب الأليم
في الآخرة، واتفقت المذاهب الأخلاقية
على تحريم الزنا واستقبحته، وحكمت عليه
بالشناعة القبيحة، وجعلته في عداد الجرائم
الکبری.
قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّقّ
إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]
فلم ينه سبحانه عن الفعل فقط، بل نهى
عن قربانه؛ ليحرّم جميع وسائله ودواعيه
المفضية إليه، من مصافحة المرأة الأجنبية
ومسّها، والخلوة بها، والاختلاط معها،
وخضوع المرأة بالقول، وإظهار صوت
زينتها، وخروجها متبرجة متعطرة، بدون
حجاب شرعي، وغير ذلك مما سبق بيانه
قبل ذلك.
ولقد جعل الله سبحانه وتعالى التعفف
عن الزنا، والتصون منه من صفات المؤمنين
(١) روضة المحبين، ابن القيم ص٩٢.
قال تعالى: ﴿قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ
هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ
مُعْرِضُونَ ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ
٢ وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ (٥) إِلَّا
عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ
مَلُومِينَ آ فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ
الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٧].
وقد شدد الله عز وجل عقوبة الزاني
الأثيم المادية والمعنوية، فالعقوبة المادية:
العذاب الأليم بالجلد أو الرجم، والمعنوية:
أن لا نراف به، ولا نشفق علیه حتى يبرأ من
جرير ته، ویتوب منها.
قال تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلّ وَجِدٍ
مِنْهُمَا مِأَتَّةَ جَلْدَةٍ وَلَتْعُذْكُمْ بِهِمَا رَأَقَةٌ فِ دِينِ اَللَّهِ إِنكُمُ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
وقد زادت السنة على الحكم بجلد
الزاني البكر والزانية البكر مائه جلدة أن
يغربا عامًا، فعن عبادة بن الصامت رضي
الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(خذوا عنى، خذوا عني، قد جعل الله لهن
سبیلًا: البکر بالبکر، جلد مائة ونفي سنة،
والثیب بالثیب، جلد مائة والرجم)(٢).
٤. حرمة الظن السيء بالمؤمن.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب باب حد الزنا، ١٣١٦/٣، رقم ١٦٩٠.
www. modoee.com
٢٩١
حرف الحاء
وأوجب على المؤمن إذا سمع عن أخيه
سوءًا أن يظن به البراءة من الإثم، والطهارة
من السوء، كما هو طاهر وبريء.
قال الله تعالى: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا
إِفْقٌ مُّبِينٌ لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءُ
فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ
اَلْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٢ - ١٣].
والقصد من وراء هذا عدم السماح
للفاحشة أن تظهر، ولو على ألسنة
المتكلمين، أو في أذهان السامعين تركيزًا
للطهارة وتثبيتًا لها في جو البلاد والعباد،
وفي هذا من معنى محاربة الفاحشة بالوقاية
مالا يخفى على عاقل.
٥. حرمة قذف المؤمن والمؤمنة
بالفاحشة.
حرّم الإسلام قذف العفیفین والعفيفات،
ووضع لذلك عقوبة زاجرة، وهي الجلد
ثمانین جلدة، مع إسقاط عدالته حتی یتوب
توبة نصوحا، مالم يحضر أربعة شهود على
صحة ما قاله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمََّوْ
يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَاجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ
شَهِدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
إلى جانب هذا يستحق القاذف اللعنة في
الدنيا والآخرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ
قال تعالى:
الْفَعِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
يقول سيد قطب في بيان حكمة حد
القذف: «أن اطراد سماع التهم يوحي إلى
النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو
الجماعة كله ملوث، وأن الفعلة فيها شائعة،
فیقدم عليها من کان یتحرج منها، وتهون في
حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن
کثیرین غيره يأتونها!»(١).
٦. حرمة إشاعة الفاحشة في البلاد
والعباد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النور: ١٩].
قال ابن تيمية في تفسيرها: ((وهذا ذم
لمن يحب ذلك. وذلك يكون بالقلب فقط،
ويكون مع ذلك باللسان والجوارح. وهو ذم
لمن يتكلم بها أو يخبر بها. محبة لوقوعها
في المؤمنين، إما حسدًا أو بغضًا، أو محبة
للفاحشة. فكل من أحب فعلها، ذكرها.
وكره العلماء الغزل من الشعر الذي يرغّب
فيها))(٢).
فنبّه إلى أن مجرد حب الفاحشة عمل على
إيجادها وانتشارها، وأن الفاحشة البغيضة
(١) في ظلال القرآن ٢٤٩١/٤.
(٢) تفسير سورة النور، ابن تيمية ص ٦٥.
٢٩٢
مُؤَ الَرُ النَّبِ موضوعي
الْقُرآن الكَرِيْمِ
حجاب المرأة
يجب أن تطرد من القلوب والنفوس، قبل أن فيجب الاستئذان على من يريد دخول البيت
تطرد من العضلات والحركات.
٧. تشريع الاستئذان.
من حرمة البيوت في الإسلام أنه لا يجوز
دخولها إلا بعد الإذن.
قال تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُواْ
بُنَا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ
عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَُّونَ
(٢) فَإِن ◌َّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْ خُلُوهَا حَقَّ
يُؤْذَنَ لَكُ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى
لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧ -
٢٨].
يقول الجصاص: ((روي عن ابن
عباس وابن مسعود وإبراهيم وقتادة قالوا:
الاستئناس: الاستئذان. فيكون معناه: حتى
تستأنسوا بالإذن، وإنما سمّي الاستئذان
استئناسًا لأنهم إذا استأذنوا أو سلّموا أنس
أهل البيت بذلك، ولو دخلوا عليهم بغير
إذن لاستوحشوا)) (١).
ويقول أبو السعود: ((إثر ما فصل عن الزّنا
وعن رمي العفائف عنه شرع في تفصيل
الزّواجر عمّا عسی یؤدّي إلى أحدهما، من
مخالطة الرجال والنساء ودخولهم عليهنّ
في أوقات الخلوات))(٢).
ويجب الاستئذان ولو كان الباب مفتوحًا،
(١) أحكام القرآن، الجصاص ١٦٤/٥.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٦٨/٦.
سواء كان الباب مغلقًا أو مفتوحًا؛ لأن
الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول، حتى
يفتحه الإذن من ربه (٣).
والاستئذان واجب على كل بالغ يريد
الدخول، سواء كانت في البيت أمه أو أخته
أو ابنته، إلا الزوج فليس عليه أن يستأذن
للدخول ولیس في البيت إلا زوجته.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمُ
فَلْيَسْتَخْذِنُواْ كَمَا أَسْتَنْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
[النور: ٥٩].
ووضحّت السنة الهدف من الاستئذان،
وهو خشية أن تقع عين آثمة على عورة
غافلة، فتلد تلك النظرة الخاطفه فاحشة
فاضحة، لا قبل بتحملها.
فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إنما
جعل الاستئذان من أجل البصر) (٤).
وهذه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم
في الاستئذان:
فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنهما
قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٢٠/١٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب الديات،
باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا
دية له، ٢٥٣/١٢، رقم ٦٢٤١، ومسلم في
صحيحه، كتاب الأدب، باب تحريم النظر في
بيت غيره، ١٦٩٨/٣، رقم ٢١٥٦.
www. modoee.com
٢٩٣
حرف الحاء
إذا أتی باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء
وجهه، ولکن من ر کنه الأيمن أو الأيسر،
فيقول: (السلام عليكم .. السلام عليكم)
ذلك أن الدور لم یکن علیھا یومئذ ستور)(١).
فهذه الآداب تبرز لنا مدى عناية الإسلام
بحرمة البيوت، وكيف أعطاها التشريع
الإلهي من القداسة ما يجعلها في مأمن من
الشكوك والريب، وفي حصانة من جراثيم
الفساد، وعوامل الانهيار.
٨. تحريم سفر المرأة بدون محرم.
فإن المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي
لا تكاد تقي- نفسها، لضعفها ونقصها،
ولا يغار عليها مثل محارمها، الذين يرون
أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم،
وسفرها بدون محرم يعرضها إلى الخلوة
بالرجال ومحادثتهم، وقد يطمع فيها من في
قلبه مرض، وربما سهل خداع المرأة، وربما
يعتريها مرض، وإذا سلمت من كل هذا فلن
تسلم من القيل والقال إذا سافرت بدون
محرم يصونها ويرعاها.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب،
يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، ٧ / ٤٨٤،
رقم ٥١٨٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨٤٩/٢، رقم ٤٦٣٨.
محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)،
فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي
خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا
وكذا؟ قال: (انطلق فحج مع امرأتك)(٢).
قال النووي: ((المرأة مظنة الطمع فيها،
ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: ((لكل
ساقطة لاقطة))، ويجتمع في الأسفار من
سفهاء الناس وسقطتهم من لا يترفع عن
الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته،
وقلة دينه ومروءته وحيائه))(٣).
ومما ينبغي التنبيه له أن سفر المرأة في
صحبة آمنة من النساء مسموح به شرعًا،
خاصة أن قوالب السفر تغيرّت عن الماضي
وسيلة وأغراضًا، وأمناً وسيطرة على الطريق
والمطارات والمواني وخلاف ذلك،
وخاصة إذا كانت كبيرة مسنة.
ومما يدل على ذلك ما ورد عن عبد
الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: أذن
عمر رضي الله عنه، لأزواج النبي صلى
الله عليه وسلم في آخر حجة حجّها، فبعث
معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن
عوف(٤).
ووجه الدلالة أن الصاحبين الجليلين
عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف
رضي الله عنهما لم يكونا محرمين لأمهات
(٢) سبق تخريجه.
(٣) المنهاج شرح صحيح مسلم ٤ / ٥٠٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب حج النساء، ١٩/٣، رقم ١٨٦٠.
مُوسُو ◌َرُ التفسير
القرآن الكريم
٢٩٤
حجاب المراة
المؤمنين، وقد سافر الصحابيان الجليلان
بهنّ من غير نكير من باقي صحابة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلا
مانع من سفر المرأة مع نسوة ثقات أو وجود
الأمن.
قال ابن حجر: «ومن الأدلة على جواز
سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق
أول أحاديث الباب(١) لاتفاق عمر وعثمان
وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى
الله عليه وسلم على ذلك، وعدم نكير
غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك))(٢).
وقال ابن تيمية: ((وتحج كل امرأة آمنة مع
عدم محرم، قال أبو العباس: وهذا متوجه
في سفر كل طاعة))(٣).
فتبًّا لهؤلاء المستغربين، وسحقًا سحقًا
لعبيد المدنية الزائفة الذين أطلقوا لبناتهم
ونسائهم العنان یسافرن دون محرم، ويخلون
بالرجال الأجانب، مدّعين أن الظروف
تغيرت، وأن ما اكتسبته المرأة من التعليم،
وما أخذته من الحرية يجعلها موضع ثقة
أبيها وزوجها، فما هذا إلا فكر خبيث دلف
إلينا ليفسد حياتنا، وما هي إلا حجج واهية
ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين
انعدمت عندهم غيرة الرجولة والشهامة
فضلًا عن كرامة المسلم ونخوته (٤).
(١) يقصد الحديث السابق.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ٧٦/٤.
(٣) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ٣٨١/٥-٣٨٢.
(٤) عودة الحجاب، محمد إسماعيل المقدم
فوائد الحجاب
الحجاب له فوائد وثمرات لا تحصى،
تعود على الأفراد -نساء ورجالًا - وعلى
المجتمعات، وهذه الفوائد يمكن بيانها
كالآتي (٥):
١. الحجاب طاعة لله عز وجل
وطاعة للرسول صلی الله علیه وسلم.
أوجب الله طاعته وطاعة رسول صلى
الله عليه وسلم فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ
اْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَلَّا مُّبِينًا ﴾ [الأحزاب: ٣٦]
وقد أمر الله سبحانه النساء بالحجاب
فقال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
وقال سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِ بُوتِكُنَّ وَلَا
تَبَّقْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:
٣٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا
فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ [ الأحزاب: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ
وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
٥٤/٣.
(٥) انظر: عودة الحجاب، محمد إسماعيل
المقدم ٩٧/٣، نضرة النعيم، مجموعة
باحثين ٤ /١٥٢٨.
www. modoee.com
٢٩٥
حرف الحاء
جَلَكِيبِهِنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
والله سبحانه وتعالى لم يخاطب
بالحجاب إلا المؤمنات، فقد قال سبحانه:
﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ﴾.
وقال عز وجل: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ
٢. الحجاب عفة.
فقد جعل الله تعالى التزام الحجاب
عنوان العفة، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل
لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ
مِن جَلَئِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُمْرَفْنَ﴾ [الأحزاب:
٥٩].
لتسترهن بأنهن عفائف مصونات ﴿فَلَا
يُؤذِينَ﴾ فلا یتعرض لهن الفساق بالأذى،
وفي قوله سبحانه ﴿فَلَا يُؤْذِينَ﴾ إشارة إلى
أن معرفة محاسن المرأة إيذاء لها ولذويها
بالفتنة والشر.
والله عز وجل فرض الحجاب على
المرأة محافظة علی عفة الرجال أيضًا الذین
قد تقع أبصارهم عليها؛ لأن بلاء الرجال
بما تقع عليه أبصارهم من مغريات النساء
وفتنتهن هو المشكلة التي أحوجت المجتمع
إلى حلّ، فكان في شرع الله ما تكفّل به على
أفضل وجه.
٣. الحجاب طهارة.
بيّن الله سبحانه الحكمة من تشريع
الحجاب، وأجملها في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ،
ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:
٥٣].
فوصف الحجاب بأنه طهارة لقلوب
المؤمنين والمؤمنات؛ لأن العين إذا لم تر
لم يشته القلب، ومن هنا كان القلب عند
عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر؛
لأن الحجاب يقطع أطماع مرضى القلوب:
﴿فَلَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِ،
مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
٤. الحجاب ستر.
عن يعلى بن شداد بن أوس رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله تعالى حبي ستير، يحب
الحياء والستر) (١).
قال سبحانه ممتنًّا على عباده: ﴿يَبَنِىّ
ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ ◌َّكُمْ
وَرِيِشَّاً وَرِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:
٢٦].
قال عبد الرحمن بن أسلم: يتقى الله
فیواري عورته، فذاك لباس التقوى (٢).
(١) أخرجه وأحمد في مسنده، ٢٤٤/٤، رقم
١٧٩٧٠، وأبو داود، كتاب الحمام، باب
النهي عن التعري، ٦/ ١٣٠، رقم ٤٠١٢،
والنسائي في سننه، كتاب الغسل، باب
الاستتار عند الاغتسال، ١/ ٢٠٠، رقم ٤٠٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٦١، رقم ١٧٥٦.
(٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٧٦/٣.
٢٩٦
القرآن الكريم
حجاب المرأة
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال فُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلََّ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نزعت
ثيابها في غیر بیتها خرق الله عز وجل عنها
ستره)(١)؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
٥. الحجاب تقوی.
قال سبحانه: ﴿يَبَّنِيّ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ
لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ تِكُمْ وَرِيِشَّاٌ وَلَاشُ النَّقْوَى ذَلِكَ
خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
ويستفاد من الآية أن هناك تلازمًا بين ستر
ما أوجب الله ستره، وبين التقوى، كلاهما
لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه،
وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما
متلازمان، فمن شعور التقوى لله والحياء
منه ینبثق الشعور باستقباح التکشف والحياء
منه.
وقد قال عبد الرحمن بن أسلم: يتقى الله
فيواري عورته، فذاك لباس التقوى (٢).
٦. الحجاب إيمان.
فالله سبحانه وتعالى لم يخاطب
بالحجاب إلا المؤمنات فقال تعالى: ﴿وَقُّل
لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَنَحْفَظْنَ
(١) أخرجه أحمد فى مسنده، ٤٤ / ١٩٤، رقم
٢٦٥٧٠، وأبو يعلى في مسنده، ١٢ / ٤٦٠،
رقم ٧٠٣١، والطبراني في المعجم الكبير
٣١٤/٢٣، رقم ٧١٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٥٢٦/١، رقم ٢٧٠٨.
(٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٧٦/٣.
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ
وَبَنَائِكَ وَفِسَدِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
جَبِيبِهِنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
ولما دخل نسوة من بني تميم على أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها علیھن ثياب
رقاق قالت: ((إن كنتن مؤمنات فليس هذا
بلباس المؤمنات، وإن كنتين غير مؤمنات
فتمتعن به))(٣).
٧. الحجاب حياء.
الحياء من أبرز الصفات التي تنأى بالمرء
عن الرذائل، وتحجزه عن السقوط إلى
سفساف الأخلاق، وحماة الذنوب، كما
أن الحياء من أقوى البواعث على الفضائل
وارتياد معالي الأمور.
عن عمران بن حصین رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(الحياء لا يأتي إلا بخير) (٤).
((والحياء نوعان: أولهما: نفسي، وهو
الذي خلقه الله تعالى في جميع النفوس،
كحياء كل شخص من كشف عورته والوقاع
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٤٤/١٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب الحياء، ٢٩/٨، رقم ٦١١٧، ومسلم في
صحيحه،كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب
الإيمان، ١ / ٦٤، رقم ٣٧.
www. modoee.com
٢٩٧
حرف الحاء
بين الناس، والآخر: إيماني، وهو خصلة متلازمان، فمن شعور التقوى لله والحياء
تمنع المؤمن من ارتكاب المعاصي خوفا منه ينبثق الشعور باستقباح التكشف والحياء
من الله تعالى، وهذا القسم من الحياء فضيلة
منه.
يكتسبها المؤمن، ويتحلى بها، وهي أم كل
الفضائل الأخرى.
فلذلك وجب على المسلمين أن يعودوا
بناتهم على الحياء، والتخلق بهذا الخلق
الذي اختاره الله تعالى لدينه القويم؛ لأن
عدم الحياء علامة لزوال الإيمان، ولا يخفى
ما يتولد عن ذلك من العواقب الوخيمة» (١)
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحياء
والإيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع
الآخر)(٢).
إن التجرد من خلق الحياء مدرجة
الهلاك، والسقوط من درك إلى درك إلى
أن يصبح الإنسان صفيق الوجه، وينزع منه
خلق الإسلام، فيجترئ على المخالفات،
ولا يبالي بالمحرمات، وهناك تلازم بين ستر
ما أوجب الله ستره، وبين التقوى، كلاهما
لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه،
وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما
(١) عودة الحجاب، محمد إسماعيل المقدم
١١٤/٣.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، ١/ ٢٢،
وقال: ((هذا حديث صحيح على شرطهما))
ولم يتعقبه الذهبي.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٠٩/١، رقم ٣٢٠٠.
إن مسارعة آدم وحواء إلى ستر عوراتهما
بأوراق الشجر دليل على أن الحياء عنصر
أصيل مركوز في فطرة الإنسان، فعليه أن
يهتم به، ویحافظ علیه، ویصونه من أن يثلم،
ففي صيانته، وسلامته سلامة للفطرة عن أن
تمسخ أو تحرّف.
ففي محافظة المرأة على حجابها دليل
على حيائها، وفي تركها لحجابها علامة
على قلة حيائها.
٨. الحجاب يناسب الغيرة.
إن الحجاب يتناسب مع الغيرة التي
جبل عليها الإنسان السوي، والغيرة غريزة
تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود
غريزة تستمد قوتها من الشهوة، فهذه تغري
بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب.
وقد نزلت آية الحجاب بسبب غيرة عمر
بن الخطاب رضي الله عنه على نساء النبي
صلی الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله
عنه قال عمر رضي الله عنه: قلت: يا رسول
الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت
أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية
الحجاب(٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن
جَوَسُولَةُ اللَّهِ
القرآن الكريم
٢٩٨
حجاب المرأة
فالغيرة على الحريم رمز الإسلام، ومن كالسلعة المهينة الحقيرة المعروضة لكل من
شاء أن ينظر إليها.
فقدها من أبناء البلاد الإسلامية، فإنما فقدها
بعد اندماجه في أمم لا يغارون على نسائهم،
ولا يرون أي بأس في مخاصرة زوجاتهم
لرجال آخرین، في مرآی منهم ومشهد.
إن الحجاب يتناسب مع الغيرة
المحمودة، وإن التبرج والاختلاط والخلوة
المحرمة، وسائر أسباب الافتتان بالمرأة إنما
تنتج عن عدم الغيرة وضعف الحمية.
ولو أن المرأة التزمت درجة الحجاب
المثلي وقّت في بيتها، ولو أنها إذا احتاجت
للخروج فخرجت، حجبت كل بدنها عن
الأجانب، لما كان لهذه الفتن مكان في
حیاتنا.
٩. الحجاب فيه حفظ للمجتمعات
من انتشار الجرائم والفواحش.
فالله سبحانه ما أمر بالحجاب إلا حفظًا
وصيانة للمرأة والرجل كأفراد يتكون منهم
المجتمع بأسره، وقطعًا لدابر الفتنة الناتجة
عن التبرج والانحلال، ومن يتأمل نصوص
الشرع، وعبر التاريخ يتيقن مفاسد التبرج
وأضراره على الدين والدنيا، لا سيما إذا
انضم إليه الاختلاط المستهتر.
فمن هذه العواقب الوخيمة: تسابق
المتبرجات في مجال الزينة المحرمة لأجل
لفت الأنظار إليهن، مما يجعل المرأة
لكم)، ٣٨٧/٨، رقم ٤٧٩٠.
ومنها: الإعراض عن الزواج، وشيوع
الفواحش، وسيطرة الشهوات.
ومنها: انعدام الغيرة، واضمحلال
الحياء.
ومنها: كثرة الجرائم.
ومنها: فساد أخلاق الرجال خاصة
الشباب والمراهقين، ودفعهم إلى الفواحش
المحرمة بأنواعها.
ومنها: تحطيم الروابط الأسرية، وانعدام
الثقة بين أفرادها، وتفشي الطلاق.
ومنها: المتاجرة بالمرأة، كوسيلة دعاية،
أو ترفيه في مجالات التجارة وغيرها.
ومنها: الإساءة إلى المرأة نفسها،
والإعلان عن سوء نيتها، وخبث طويتها،
مما يعرضها لأذية الأشرار والسفهاء.
ومحافظة المرأة على حجابها فيه قطع
لدابر كل هذه الجرائم والرذائل الأخلاقية؛
فالشريعة المحكمة ترمي من وراء تشريع
الحجاب إلى منع الفتنة، ابتداء من مجرد
الاستحسان والتلذذ بالنظر الذي هو زنا
العین، وانتهاء بالفاحشة الکبری وهي الزنا.
موضوعات ذات صلة:
البيوت، بيوت النبوة، النساء
www. modoee.com
٢٩٩