النص المفهرس
صفحات 21-40
حجاب المرأة وقد انتشر عند النساء ظاهرة اللباس الذي يكون أسفله ضيقًا لا تكاد المرأة تمشي فيه، ومما يزيد الأمر فتنة وضع فتحات جانبيه تظهر ساقيها وجزءًا من فخذها. والله المستعان !! وليس للمرأة أن تلبس البنطلون وتظهر به أمام الأجانب؛ لأنه من الثياب الضيقة التي تحدد أجزاء البدن التي تحيط بها، فهو داخل في معنى الحديث. ٣. ألا يكون اللباس زينة في نفسه. وأعني بذلك الثياب الظاهرة، فالمرأة منهية عن الثياب إذا كانت تلفت أنظار الرجال إليها؛ لعموم قوله تعالى: لإ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. فإذا نهيت عن إبداء الزينة فكيف تلبس ما هو زينة؟ ولأن ذلك داخل في التبرج. ولا ريب أن خروج المرأة بملابسها الجميلة من أكبر أسباب الفتنة وعوامل الفساد، والله يقول: ﴿وَلَا تَبَّعْنَ تَبُّعَ الْجَهِلِيَّةِ اَلْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وعلى هذا فمتى اختارت المرأة ثيابها من الألوان الجذابة لكي تلذّ بها أعين الناظرين من الرجال فهذا من مظاهر التبرج الجاهلي! يقول المودودي رحمه الله: ((إن كلمة التبرج إذا استعملت للمرأة كان لها ثلاثة معانٍ: أن تبدي للأجانب جمال وجهها ومفاتن جسدها. أن تبدي لهم محاسن ملابسها وحليها. أن تبدي لهم نفسها بمشیتها وتمایلها وترفلها وتبخترها. وهذا عين ما شرح به هذه الكلمة أكابر علماء اللغة والتفسير)» ثم ذكر بعضًا من أقوالهم(١). فعلى المرأة المسلمة أن تحذر ثياب الزينة الظاهرة، ولو كانت في منزلها عند زوجها إذا حضر بعض أقارب الزوج كأخيه وعمه وابن أخيه ونحوهم، وهذا يختلف عن اللباس لزوجها، فلها أن تلبس ما شاءت عنده مهما بلغ من الزينة، ما لم يصل إلى حد الإسراف، كما أنه لا مانع من لباس الزينة إذا سترته بالعباءة لحضور مناسبة من المناسبات إذا لم يرها الرجال الأجانب. ٤. ألا يكون شفافًا يصف ما تحته. لأن القصد من اللباس الستر، وذلك لا يحصل إلا بالصفيق؛ لأن الشفاف يزيد المرأة زينة وجمالًا، وليس اللباس الذي یشف عن الجسم ویفضح العورات بلباس في نظر الإسلام، فلباس المرأة لابد أن يكون صفیقًا؛ لئلا تفتن غيرها بمحاسن جسمها. وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تلبس لباسًا خفيفًا لا يستر ما أمر الله بستره، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من (١) تفسير آيات الحجاب، المودودي ص١٣. www. modoee.com ٢٦٩ حرف الحاء أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب دعت بخمار فكستها)) (٤). البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاریات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا)(١). قال ابن عبد البر: «أراد صلى الله عليه وسلم النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة))(٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وقد فسّر قوله: ((كاسيات عاريات)) بأن تكتسي ما لا يسترها، فهي كاسية، وهي في الحقيقة عارية! مثل أن تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما يسترها، فلا يبدي جسمها، ولا حجم أعضائها؛ لكونه كثيفًا واسعًا))(٣). وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها وقالت: ((أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم (١) سبق تخريجه. (٢) التمهيد ٢٠٤/١٣. (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤٦/٢٢. ٥. أن لا يكون مبخّرًا مطيّبًا. وذلك لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن، منها: ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا من ريحها، فهي زانية)(٥). وعن موسى بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن امرأة مرت به تعصف ريحها، فقال: يا أمة الجبار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل)(٦). قال الألباني: ((ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العموم الذي فيها، فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في (٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٤٩ - ٥٠، ومالك في الموطأ ٣/ ١٠٣ بنحوه، ومداره على أم علقمة مرجانة، ذكرها ابن حبان في الثقات ١/ ٢٣٦، وقال الذهبي: ((لا تعرف))، قال الألباني: فمثلها لا يحتج بها، وإنما يستشهد بروايتها. انظر: جلباب المرأة المسلمة، الألباني ص٥٧. (٥) سبق تخريجه. (٦) سبق تخريجه. ٢٧٠ مَوَسُوبَةُ الْبَقِنَّة القرآن الكْرِيْمِ حجاب المراة البدن، يستعمل في الثوب أيضا))(١). وسبب المنع منه واضح، وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة. قال ابن دقيق العيد: ((وفي حرمة التطيب علي مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال»(٢). فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد، فما يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة، وأکبر إثمًا. وقد ذكر الهيتمي في الزواجر أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر، ولو أذن لها زوجها(٣) ٦. ألا يشبه لباس الرجال. فإن لثوب الرجل صفات، أهمها: أن يكون لا يجاوز الكعبين أو إلى أنصاف الساقين. وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) (٤). ولكن الأمر انعكس في هذا العصر، فصار ثوب کثیر من النساء فوق الكعبين، (١) جلباب المرأة المسلمة ص ٦٥. (٢) فيض القدير، المناوي ٣/ ١٣٧. (٣) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر الهيتمي ٢/ ٣٧. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب اللباس، باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار، ٧/ ١٤١، رقم ٥٧٨٧. وبعضهن إلى أنصاف الساقين، وصار ثوب الرجال أسفل من الكعبين، ولا شك أن قصر ثوب المرأة يؤدي إلى ظهور عورتها من القدم والساق ونحوهما، وظهور زيتتها إذا قامت، أو انحنت، أو جلست، والله يقول: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. فإذا نهيت عن إظهار زينة الرّجل فهي منهية عن إظهار الرّجل نفسها من باب أولى. ولباس المرأة أسفل من الكعبين لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة). فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذیولهن! قال: (يرخينه شبرًا)، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: (فیرخینه ذراعًا، ولا يزدن عليه)(٥) فهذا فيه دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة، وأن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يجوز إظهاره، فلابد من ستره، ولا یکون ذلك إلا بأن ترخي المرأة ثوبها شبرًا أو ذراعًا، فتعمل المرأة المسلمة بهذا الحديث، وتفصّل ثيابها على ما يقتضيه الدليل الشرعي، ویکون لها قدوة في نساء خير الأمة وأفضل القرون. وهناك أحاديث كثيرة تنهى المرأة أن (٥) سبق تخريجه. www. modoee.com ٢٧١ حرف الحاء تتشبه بالرجل، وتنهى الرجل أن يتشبه بالمرأة الآخر؛ لأنه لباس فصّل لغيرها، وهل يلبس الإنسان ما فصّل له أو ما فصّل لغيره؟! -في اللباس وغيره- ولا شك أن تشبه أحد الجنسین بالآخر انحراف عن الفطرة، ودليل على عقلية فاسدة، وهو داء عضال انتقل إلينا نتيجة الاحتكاك بالغرب، ومحاكاته وتقليده، حتى أصبح الرجل كالمرأة! والمرأة کالرجل، في الزي واللباس والمشية والكلام ونحو ذلك! وهذا أمر مستقبح یأباه الشرع، وتنفر منه العقول السليمة؛ لذا زجر عنه الإسلام. فمن هذه الأحاديث: وعن أبي هريرة بما عليه الآخرون من خير أو شر؟! رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلی الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل) (١). ٧. ألا يشبه لباس الكافرات. وذلك بأن تفصل المرأة المسلمة لباسها تفصيلاً يتنافى مع حكم الشرع وقواعده في موضوع اللباس مما ظهر في هذا العصر وانتشر باسم ((الموديلات)) التي تتغير كل يوم من سيء إلى أسوأ! وكيف ترضى امرأة شرفها الله بالإسلام ورفع قدرها أن تكون تابعة لمن يملي عليها صفة لباسها، بل صفة تجملها عمومًا ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٤/ ٦١ ، رقم ٨٣٠٩، وأبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في لباس النساء، ١٩٥/٦، رقم ٤٠٩٨. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٩٠٧/٢، رقم ٥٠٩٥. إن كثيرًا من صفات لباس المرأة اليوم، لا يتفق مع تعاليم الإسلام، ولم يكن معروفًا عند المسلمات حتى سنوات قريبة، لكننا الآن نرى كل يوم صفة للخياطة والتفصيل؟! فمن أين جاءت؟ وما مدى تحقق شروط اللباس فيها؟ وما دور المرأة المسلمة في ذلك؟ أهو التعقل ومعرفة حكم الإسلام؟ أم هو إجادة التقليد وحب التبعية والإعجاب والقصد أن المرأة منهية - كالرجل - عن التشبه بالكفار، ومنه التشبه بهم في اللباس، وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم)(٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى ﴿وَمَن يَتَوَلَُّ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]))(٣). والضابط في موضوع التشبه بالكفار هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (٢) أخرجه أبو داود في سننه،کتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، ٦/ ١٤٤، رقم ٤٠٣١. وجوّد ابن حجر إسناده في فتح الباري ١٠/ ٢٢٢. (٣) اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية ص ٨٣. مُوسُوبَةُ الْبَقِيَة القرآن الكريم ٢٧٢ حجاب المراة من أن كل فعل مأخوذ عن الكفار مما هو من خصائصهم فهو تشبه. أما ما انتشر بين المسلمين مما لا يتميز به الكفار ففي کونه تشبها نظر، لکن قد ینھی عنه لئلا یکون ذریعة إلى التشبه. وإذا عارض هذا الفعل نصًّا من نصوص الشريعة أو أصلًا أو ترتب عليه مفسدة فإنه ينهى عنه لذلك. والشريعة إذا نهت عن التشبه بالكفار دخل في النهي ما علیه الكفار قديمًا وحديثًا، وبهذا نعلم أن ما عليه الكفار في هذا الزمان من الأخلاق والعادات التي تختص بهم مما لم يكن معروفًا من قبل فنحن منهيون عنه(١). ٨. ألا يكون لباس شهرة. فلا يجوز لامرأة مسلمة أن تختار من ألوان الثياب ما ترضي به رغبة الدعاية ولا يتعلق بضرورة اللباس، أو حسنه وجماله في حدود المباح، وإنما لأجل أن يرفع الرجال إليها أبصارهم، وتفتن تلك النظرات الجائعة! وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسة الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارًا)(٢). (١) انظر: المصدر السابق. (٢) أخرجه أبو داود في سننه،كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، ٦/ ١٤٣، رقم ٤٠٢٩، وابن ماجه في سننه، كتاب اللباس، باب من لبس قال ابن الأثير: «ثوب الشهرة: هو الذي إذا لبسه الإنسان افتضح به واشتهر بين الناس)»(٣). وقد ظهر في هذا العصر على النساء أنواع من لباس الشهرة ترفع له الأبصار، وهو علامة على نقص الإيمان، وضعف الوازع الديني، والإفلاس في عالم القيم، وهو شاهد على قصور النظر، وقلة الإدراك، كما أنه دليل على ضعف القوامة، وفقد التربية الإسلامية الأصيلة من أب أو زوج أو غيرها. فإلى الله المشتكى! ثانيًا : زينة المرأة: أباح الإسلام للمرأة من الزينة ما يلبي نداء الأنوثة التي فطرها الله عليها، غير أنه لم يترك لها الباب مفتوحًا على مصراعيه، تبدي ما شاءت من الزينة، تلفت أنظار الرجال إليها، وتحرك مشاعرهم، بل ضبط زينة المرأة وهذّبها، وبيّن لها ما يباح إبداؤه وما لا يباح. ومن الآيات الجامعة في هذا الموضوع آية سورة النور، وهي قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظُنَ فُوُجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ شهرة من الثياب، ٢/ ١١٩٢، رقم ٣٦٠٦. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢ / ١١١٣، رقم ٦٥٢٦. (٣) جامع الأصول، ٦٥٨/١٠. www. modoee.com ٢٧٣ حرف الحاء مِنْهَاً وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِنٌّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَّ يِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَبِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَبِّ أَخَوَيِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِ اٌلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ اَلِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. فقد دلت الآية على أن الزينة زينتان: زينة ظاهرة تبدى للجميع، وزينة باطنة لا يباح إبداؤها إلا لمن ذكر في الآية، وهذه بعض المسائل المتعلقة بزينة المرأة. ١. حكم الزينة في الحجاب. المراد بزينة الحجاب: الزينة فيما تتحجب به المرأة من لباس، كبعض خمر النساء المزركشة أو المطرزة، وكبعض أنواع الملاءات المزينة بنقوش ذهبية أو فضية، وما شابه ذلك. وهذا النوع من الزينة يحرم على المرأة إبداؤه؛ وذلك لما يلي: ١. قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ فالمفهوم من الآية أنه لا يباح للمرأة أن تتعمد إظهار الزينة، ويعفى عما لا يمكن إخفاؤه، ولم يتعمد إظهاره، واختيار هذه الألبسة المزينة متعمد فيه إظهار الزينة. ٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَُّ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال الطبري: «التبرج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال))(١). فتبين من تعريف التبرج المنهي عنه في الآية، أن زينة الحجاب داخلة تحته؛ وذلك لأن فيه إظهارًا للزينة التي يمكن إخفاؤها. ٣. أن المقصود من الأمر بالحجاب إنما هو ستر زينة المرأة، فلا يسوغ عقلًا أن یکون الحجاب في نفسه زينة، وهذا بيّن لا يخفى على ذي العقل السليم. ٤. أن الزينة في الحجاب مما يلفت النظر إليها، ومما يدعو إلى الافتتان بها، وهي منهية عن ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال الألوسي: ((ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن، وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون، وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك (١) جامع البيان، ٢٢/ ٤. مُوسُوبَة النفسية القرآن الكريم ٢٧٤ حجاب المرأة ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة، والكفان، وهو قول مروي عن ابن عباس وقد عمت البلوى بذلك))(١). ٢. الزينة الظاهرة للمرأة وحكمها. وهذه الزينة وردت في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلََّ مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الزينة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن الزينة الظاهرة للمرأة ما لا يمكن إخفاؤه، كالثياب الظاهرة، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وغيره، حيث قال: ((الزينة زيتتان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة: الثياب)»(٢). ومن أدلتهم: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. فالله سبحانه أرشد في الآية إلى كيفية سؤال أمهات المؤمنين عند الحاجة، وذلك بأن يكون من وراء حجاب؛ لئلا ينظر إليهن، والآية وإن كانت في معرض الكلام عن أمهات المؤمنين، إلا أنها عامة لجميع النساء، وإذا ثبت وجوب الحجاب عامة، صح أن الزينة الظاهرة ما لا يمكن إخفاؤه (٣). القول الثاني: الزينة الظاهرة للمرأة الوجه (١) روح المعاني ١٤٦/١٨. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١١٧/١٨. (٣) انظر: أحكام الزينة، عبير المديفر ٨١٢/٢. وابن عمر رضي الله عنهما فقد جاء عنهما أنهما قالا في تفسير الزينة الظاهرة: إنها الوجه والكفان (٤). ومن أدلتهم: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيِنَ بِضُمُرٍ مِنَّ عَلَى جُنُوبِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَّبِهِنَّ أَوْ ءَابَآِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَِّحِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَتِ الْنِسَاءِ وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ فالله تعالى أمر النساء بالضرب بالخمار على الجيوب، وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر، وفيه نص على إباحة كشف الوجه، وهو قوله: يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فنص على أن الرجلين والساقين مما يخفى، ولا يحل إبداؤه(٥) القول الثالث: الزينة الظاهرة للمرأة: الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع. وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما(٦). (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٨/١٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٥٣. (٥) انظر: المحلى، ابن حزم ٢١٦/٣-٢١٧. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي www. modoee.com ٢٧٥ حرف الحاء ومن أدلتهم: أن الذراعين مما يبدو الظاهرة، فهذا لا جناح عليها في إبدائه - إذا لم يكن هناك محذور آخر - فإن هذه لابد من إبدائها، وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد .. ))(٣). عادة من المرأة، خصوصًا في الخبز وغسل الثياب، وغيرهما (١)، وإذا کانا کذلك فهما من الزينة الظاهرة. القول الراجح: القول الأول القائل بأن الزينة الظاهرة للمرأة هي ما لا یمکن إخفاؤه، وهي الثياب الظاهرة، هو الأرجح -والله أعلم-؛ لأن الزينة الظاهرة ما تتزين به المرأة خارجًا عن بدنها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كظاهر الثياب، فإنها زينة مكتسبة خارجة عن بدن المرأة، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار. وعلى ذلك فهذه الزينة الظاهرة هي التي يباح للمرأة إبداؤها للأجانب. وهو قول أكثر العلماء، قال ابن عطية: ((ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه، أو إصلاح شأن، ونحو ذلك؛ فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه)»(٢). وقال شيخ الإسلام بن تيمية في تفسير سورة النور: ((فما ظهر من الزينة هو الثياب ٢٢٨/١٢. (١) انظر: المبسوط، السرخسي ١٥٣/١٠. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /١٧٨. وقال ابن كثير: «أي لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: کالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه)) (٤). ٣. الزينة الباطنة للمرأة، وحكمها. تعددت أمثلة أهل العلم في بيان معنى الزينة الباطنة للمرأة: قال ابن مسعود رضي الله عنه: الطوق والقرطان(٥). وقال أيضًا: الزينة زينتان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة: الثياب، وأما الباطنة: فالكحل والسوار والخاتم (٦). وقال أيضًا: القرط، والدملج (٧)، والخلخال، والقلادة (٨). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (٣) تفسير سورة النور، ص ٩٧. (٤) تفسير القرآن العظيم، ٤٧/٦. (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ١٨/ ١٢٠. (٦) أخرجه الطبري في تفسيره ١١٧/١٨. (٧) الدملج: المعضد من الحلي. انظر: النهاية، ابن الأثير ١٣٤/٢. (٨) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١٧٩/٦. ٢٧٦ مُوسُو ◌َةُ النَّبيّة القرآن الكريم حجاب المراة القرطان، والقلائد، والشنوف(١)، قال أكثر أهل العلم(٥). والأسورة (٢). وقال الزهري: لا تبدو لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له، إلا الأسورة، والأخمرة، والأقرطة من غیر حسر (٣). وقال الطبري: ((ما خفي، وذلك كالخلخال، والسوارين، والقرطين، والقلائد)»(٤). وعند النظر في هذه الأمثلة المذكورة، يمكن أن يقال في معنى الزينة الباطنة: أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن، کموضع القلادة من العنق، وموضع الخلخال من الساق، ونحو ذلك. وهذه الزينة لا يحل للمرأة أن تبديها للأجانب عنها، ويجوز أن تبديها لمحارمها ومن استثناهم الله في آية سورة النور على تفصيل في ذلك. وهو ما يأتي في المطلب الآتي. ٤. حكم إبداء زينة المرأة بصوت زِينَتِهِنَّ﴾(٧). الخلخال ونحوه. يحرم على المرأة إبداء الزينة بصوت الخلخال، وذلك كأن يكون خلخالها صامتًا فتضرب برجلها ليسمع صوته، وبهذا القول (١) الشنوف: جمع شنف، وهو من حلي الأذن. انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨٣/٩. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٨/ ١٢٠. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٤/٤. (٤) جامع البيان، ١٨/ ١١٧. ومما يدل على تحريم ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ فقد نهيت المرأة في الآية عن الضرب بالرجل لإسماع صوت الخلخال، والنهي هنا يقتضي التحريم. ولأن إسماع صوت الزينة كإبدائها وأشد؛ لأن سماع صوت الزينة أشد تحریگًا للشهوة من إبدائها(٦). ويلحق بضرب الأرجل، كل ما كان مستورًا من زينة المرأة، فأظهرت صوته کالأساور، والأقراط التي لها صوت، ولبس الأحذية المزودة بنعال خشبية ومعدنية تدق الأرض وتظهر صوت الخطو، وغيرها. قال ابن كثير: ((وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن ثالثًا : محارم المرأة: قد بيّن الله تعالى في آية سورة النور الذين يجوز للمرأة أن تبدي لهم هذه (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٧/١٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٧/٣. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٧/١٢. (٧) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ٤٥٧. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الحاء الزينة فقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابََّبِهِنَ أَوْ ءَابَّهِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَفِهِنَّ أَوْ بَبِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ أَخَوَتِهِنَ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ اَلِّفْلِ الَّذِينَ لَوْ يَظْهَرُ واْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]. فهؤلاء ثلاثة: ١. الزوج. ٢. المحارم وهم سبعة. ٣. غير المحارم وهم أربعة. فأما الزوج: فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِرَ﴾ والزوج مقدم على سائر ذوي المحارم؛ لأن المرأة لها أن تتزين لزوجها، ولزوجها أن یری جميع بدنها. قال عكرمة: «فأما الزوج فإنما ذلك كله -أي الزينة- من أجله، فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره))(١). وقال القرطبي: ((فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة، وأكثر من الزينة، أو كل محل من بدنها حلال له لذة ونظرًا. ولهذا المعنى بدأ بالبعولة؛ لأن إطلاعهم يقع على أعظم من هذا. قال الله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٥/٣. أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]»(٢). وأما المحارم: وذكر الله تعالى منهم سبعة وهم: ١. الآباء: وكذا الأجداد، وهم آباء الآباء وآباء الأمهات وإن علوا. ٢. آباء الأزواج وآباؤهم: وإن علوا. ٣. الأبناء: والمراد أبناء المرأة من بطنها وأبناؤهم وإن نزلوا. ٤. أبناء البعولة: والمراد أبناء زوجها من امرأة أخرى. ويدخل في الأبناء أولاد الأبناء وأولاد البنات وإن نزلوا. ٥. الإخوة: والمراد إخوة المرأة، سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم. ٦. أبناء الإخوة: سواء كان آباؤهم إخوانهم من الأب أو الأم أو أشقاء، لأنهم في حكم الأخوة. ٧. أبناء الأخوات: سواء منهن من كانت أختًا لهن من الأب أو الأم أو منهما. فهؤلاء يجوز للمرأة أن تبدي لهم زينتها وما تلقيه من ثيابها في بيتها غالبًا - كالخمار - وما يظهر من جسدها في شؤون منزلها - كالغسيل والعجن والكنس - من الذراع والساق؛ وذلك لكثرة مخالطتهم، حيث یکثر دخولهم علیھن، والنظر إلیهن بسبب القرابة، ولأنه قلما تتسرب إلى نفوسهم (٢) الجامع لأحكام القرآن، ٢٣١/١٢. مُؤشوارُ التَفيِ العضو لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٧٨ حجاب المرأة الفتنة؛ لأن النفوس السليمة جبلت في الميل وسوّى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف الجنسي على النفرة من القريبات. وقد ذكرهم الله في قوله: ﴿وَلَايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَّ بِهِنَ أَوْ ءَبَهِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيَّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِّ أَخَوَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. الرضاع إذا ثبت اقتضى تحرم النكاح، وإباحة النظر والخلوة، والمحرمية في السفر، يدخل في ذلك المرتضع وفروعه، وهم أبنائه وبناته وإن نزلوا لقوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(١). إلا أن المحارم ليسوا سواء، فالأب والأبناء ليسوا كغيرهم في إظهار الزينة بين أيديهم، لاسيما إن كان المحارم في سن الشباب، أو لیس لھم کثیر اختلاط بالمرأة، كالمحارم من الرضاع، فإن السلامة لا يعدلها شيء. قال القرطبي: «لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم، ثنى بذوي المحارم، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، والرضاع المستفيض، والموت القديم، ٥/ ٢٥٣، رقم ٢٦٤٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، ١٠/ ٢٧٥، رقم ١٤٤٥. مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر. فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها»(٢). وأما غير المحارم وهم أربعة: ١. ﴿نِسَابِهِنَّ﴾. وأكثر العلماء على أن الإضافة هنا ومحارم الرضاع كمحارم النسب؛ فإن للاختصاص - أي المختصات بهن بالصحبة والخدمة - وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات، بخلاف الكافرات، فإنهن لا يتحرجن عن وصفهن للرجال، فيحتجبن عنهن مثل احتجابهن عن الرجال الأجانب؛ فلا يجوز للمرأة أن تكشف شعرها ووجهها أمام امرأة غير مسلمة، وهذا قول جماعة من السلف منهم ابن عباس ومجاهد وابن جريج. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالآية العموم: مسلمات أو غير مسلمات من الحرائر، وعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تكشف شعرها ووجهها أمام غير مسلمة؛ لأن المرأة مع ذلك لا فرق فيه بين امرأة مسلمة وغير مسلمة، وهذا إذا أمنت الفتنة، لكن قد يرد على هذا القول أن الله تعالى قال: ﴿آونسآپهِنَّ﴾ بالإضافة، ولم يقل: (أو النساء) وهذه الإضافة تشعر بشيء. ولهذا يرى فريق ثالث أن المراد (٢) الجامع لأحكام القرآن، ٢٣٢/١٢. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الحاء بنسائهن النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة والتعارف، سواء كن مسلمات أو غير مسلمات(١)، والغرض من الإضافة إخراج الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أخلاقهن وأدبهن. فليست العبرة بالاختلاف الديني، بل بالاختلاف الخلقي (٢). وهذا أوسط الأقوال في نظري والله أعلم. يجب على المرأة أن تتصون في زيها ولباسها مع بنات أترابها في زمن كل شيء من حولنا يصوّرنا، الهواتف والكاميرات، وغيرها، وقد تختلف المرأة مع المرأة ولديها فيديو في حفل زفاف مثلًا فتظهره للرجال، وأصبح الفيديو في جزء الثانية يطير إلى العالم كله بضغطة، حيث التحميل على الشبكة العنكبوتية. ٢. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُنَّ ظاهر الآية العموم، فيشمل العبيد والجواري، فللمرأة المسلمة أن تكشف وجهها لخادمها المملوك، وقال بعض العلماء: أن المراد الجواري دون العبيد(٣). ٣. ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ آلْإِرْبَةِ مِنَ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦٥/١٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٣/١٢، تفسير سورة النور، المودودي ص١٦٦. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٤/١٢. (٣) انظر: المصدر السابق. مَوسُوبَةُ النَّفِيَة القرآن الكريم الرِّجَالِ﴾. وهم كل من يتبع أهل البيت كالخادم، ويشعر بالمسكنة والفقر والتبعية، ولا حاجة له في النساء لکبر سنه، أو ذبول جسمه، أو ضعف عقله، أو لأي عرض آخر یمنع من الرغبة في المرأة. وأصل الإربة والإرب والمأربة: الحاجة، لكن مما يجب التنبيه له أننا في زمان والجمع مآرب (٤). وعلى هذا فالشرط الأساس ألا يكون هذا التابع له شهوة في النساء، فإن كان له شهوة وميل، حرم إبداء الزينة له؛ لأن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها؛ فإن أمنت لكونه لا شهوة له جاز إبداء الزينة، وإلا فلا. ومن هنا نعلم أن استخدام الشباب الأقوياء في البيوت والفنادق: من خادم وسائق وحارس، ودخولهم على النساء ورؤية زينتهن بحجة أنهم من أهل هذه الآية، نقول: هذا جناية على النص القرآني، وفهم سقيم ومنكر عظيم، يجب على فاعله التوبة إلى الله تعالى، وإبعاد دواعي الفتنة وأسباب الفساد عن بيته لئلا یکون دیوئًا! ﴿أَوِ اَلِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى ٤. عَوْرَتِ النِّسَلِ﴾ وهو ما لم يجد في نفسه شعورًا بالشهوة. ومعنى ﴿لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ أي لم يطلعوا من (٤) انظر: المصدر السابق. ٢٨٠ حجاب المرأة الظهور بمعنى الاطلاع. والمراد بالآية أن الأطفال الذين لا يعرفون الشهوة ولا يثير جسم المرأة وحركاتها عندهم شعورًا بالرغبة، فلا حرج من إبداء الزينة أمامهم، ولا يتحدد ذلك بسن معينة؛ فإن الأطفال يختلفون - وإن كان بعض العلماء يرى أنه إلى اثنتي عشرة سنة على الأكثر وبعضهم إلى عشر - ولكن الفيصل في ذلك أن يكون الطفل صغيرًا لا يفهم شيئًا عن عورات النساء، ولا يجد ميلًا إلى المرأة عند رؤيتها(١). أما المراهق ومن کان قريبًا منه فلیس له هذا الحکم، بل حکمه حکم الرجال، ومن النساء من تتساهل بالمراهق فلا تحتجب منه إذا كان أجنبيًّا، ولاسيما إذا كان معها في منزل واحد، كإخوان زوجها، وهذا لا ينبغي، وسببه الجهل أو التساهل. فهؤلاء المذكورون في الآية يجوز للمرأة أن تبدي زينتها الباطنة لهم. رابعًا: القواعد من النساء: قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَآءِ أَّتِ لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحُ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيَّ مُتَبَّحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنَهُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]. والقواعد جمع قاعد بدون تاء - کحائض وحامل - وهي المرأة الكبيرة التي قعدت عن الحيض والولد، وليس لها رغبة في (٢). الزواج (٢). وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]. فنسخ واستثنى من ذلك ﴿ وَالْقَوْعِدُ مِنَ النِساِ﴾ الآية (٣). والمراد بالنسخ هنا التخصيص؛ لقوله: ((واستثنى من ذلك)) أي لأن الله تعالى استثنى حكم القواعد من النساء من عموم النساء، والمستثنى منه في الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. والمراد بذلك الخمار الذي تستر به المرأة شعر رأسها إلى نحرها فلا جناح على القواعد أن يضعن ثيابهن الظاهرة التي تلبس عادة للتستر من غير المحارم؛ إذا لم تقصد من وضع ثيابها الظاهرة إظهار زينتها للرجال، وأن يستعففن عن وضع الثياب فيلبسن خمرهن وجلابيبهن خير لهن من وضعها (٤). وشرطت الآية في حق المرأة الكبيرة ألا (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٨/٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٦١/٣. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣/٦، (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٩٠. (٤) انظر: المصدر السابق. فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٢٤. www. modoee.com ٢٨١ حرف الحاء تكون ممن يرجون نكاحًا، وما ذلك - والله أعلم - إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج طمعًا في الأزواج، فإن كانت بهذه الصفة فهي منهية عن وضع ثیابها. فإن كانت المرأة من القواعد اللاتي لا یرجون نکاحًا، فإنه یباح لها أن تضع ثيابها الظاهرة التي لا يؤدي خلعها إلى كشف العورة، وهذا قول أكثر المفسرين في المراد بالثياب المذكورة في الآية وأنه الجلباب، وبه قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما(١). وعلى ذلك فلا مانع شرعًا أن تكشف وجهها ويديها؛ لأمن المحذور منها وعليها بانصراف الأنفس عنها، وعدم رغبة الرجال فیها. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِرَ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ﴾ ارتفاع الجناح عن كل شيء من هذا القبيل، فجاءت الجملة التالية وهي قوله تعالى: ﴿غير مُتَبِحَت بِينَةٌ﴾ لدفع هذا الفهم، فبيّنت أن التي قصدت إظهار الزينة والتبرج بوضع ثيابها ليس لها أن تضع ثيابها عن وجهها ويديها وغير ذلك، كأن تضرب الأرض ليعلم ما تخفي من زينتها، وأنها آثمة بهذا الصنيع؛ لأن مجرد الزينة على المرأة فتنة، ولو مع تسترها ولو کانت لا تشتھی، (١) انظر: المصدر السابق ٦/ ٩١. موسوعة النفسية القرآن الكريم فلكل ساقطة لاقطة، فإذا كان في يديها خضاب أو في معصمها أساور أو في رجليها خلاخل ونحو ذلك، لم يجز لها أن تضع خمارها أو غطاء وجهها أو عباءتها، ونحو ذلك مما يؤدي إلى ظهور الزينة (٢). وبيّنت الآية أن المرأة الكبيرة خير لها أن تحرص على العفاف وعدم وضع الثياب، وحسبها أن تختار ما اختاره الله لها، وهو لن یکون إلا خيرًا. قال تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنَ﴾ أي وأن يطلبن العفة بترك وضع ثیابهن خیر لهن من وضع الثياب؛ لبعده عن التهمة والفتنة، فعلى المرأة المسلمة الكبيرة أن تختار ذلك. وهكذا كان ديدن نساء السلف، فعن ولما كان قد يفهم من قوله تعالى: عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هکذا وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَلَمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحُ أَنْ يَضَعْنَ نِبَابَهُنَّ غَيّرَ مُتَبَّرْحَتٍ بِينَةٌ﴾ هو الجلباب. قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب(٣). ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعُ (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٧. (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٣. ٢٨٢ حجاب المرأة فالجملة مسوقة ((مساق التذييل؛ ـ عَليـ للتحذير من التوسع في الرخصة، أو جعلها ذريعة لما لا يحمد شرعًا، فوصف ((السميع)) تذکیر بأنه يسمع ما تحدثهن به أنفسهن من المقاصد، ووصف ((العليم)) تذكير بأنه يعلم أحوال وضعهن الثياب وتبرجهن ونحوها))(١). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٩/١٨. ضوابط التعامل بين الجنسين إذا دعت الحاجة أو الضرورة للتعامل بين الرجال والنساء الأجانب، فإن هناك ضوابط وضعها الشرع الحكيم، ويجب على كل من الرجال والنساء امتثالها، وهذه الضوابط تتمثل في الآتي: ١. غض البصر. فالشريعة الإسلامية تحرص على عدم ظهور زينة النساء أمام الأجانب؛ تفاديًا لما يترتب على ظهورها من إثارة الشهوات، فشرعت للنساء التستر والتحجب، وأمرت الرجال والنساء بغض البصر. قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظُنَ فَرَوْجَهُنَّ [النور: ٣٠ - ٣١]. فالله سبحانه يعلم مدى تأثير النظرة المحرمة في القلب، وما تحدثه من تحویل النفس إلى بركان، وما تحركه من الاندفاع نحو المرأة، والواقع يصدّق ذلك. قال القرطبي: ((البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من www. modoee.com ٢٨٣ حرف الحاء أجله))(١). فالشريعة الإسلامية أمرت بغض وقال ابن تيمية: ((فالنظر داعية إلى فساد الأبصار؛ لكي يظل الجو الإسلامي الطاهر سائدًا في المجتمع. القلب ... ، فلهذا أمر الله بحفظ الفروج، كما أمر بغض الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك)»(٢). وقد قرن الله عز وجل الأمر بغض البصر بالأمر بحفظ الفرج؛ لأن غض البصر هو السبيل لحفظ الفرج. وقد بيّن رب العالمين العلة من الأمر بغض البصر وحفظ الفرج فقال: ﴿ذَلِكَ أَزكى لَمْ﴾ أي «أطهر وأطيب، وأنمى لأعمالهم، فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، بسبب ترك المحرم، الذي تطمح إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئًا لله، عوّضه الله خيرًا منه، ومن غض بصره عن المحرم، أنار الله بصيرته، ولأن العبد إذا حفظ فرجه وبصره عن الحرام ومقدماته، مع داعي الشهوة، کان حفظه لغيره أبلغ، ولهذا سماه الله حفظًا، فالشيء المحفوظ إن لم يجتهد حافظه في مراقبته وحفظه، وعمل الأسباب الموجبة لحفظه، لم ينحفظ، كذلك البصر والفرج، إن لم يجتهد العبد في حفظهما، أوقعاه في بلايا ومحن)) (٣). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٢٢٣. (٢) تفسير سورة النور، ابن تيمية ص١٢٣ بتصرف. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٦. ٢. التزام المرأة بالحجاب الشرعي، وعدم التبرج، وعدم إبداء زينتها للأجانب، وعدم الخضوع بالقول. فعلى المرأة إذا اضطرت للتعامل مع الأجانب أن تلتزم هذه الأوامر الإلهية؛ حفاظًا عليها، وصيانة لعفتها وكرامتها، وحسم كل أسباب الفساد. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. أى: وإذا طلبتم- أيها المؤمنون- من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا يتمتع به، سواء أكان هذا الشيء حسيًّا كالطعام، أم معنويًّا كمعرفة بعض الأحكام الشرعية، إذا سألتموهن شيئًا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن؛ لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة، أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وأبعد عن الوقوع في الهواجس الشيطانية التي قد تتولد عن مشاهدتکم لهن، ومشاهدتهن لکم(٤). والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية عامة لكل النساء، بما فيهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ (٤) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٣٨/١١. موسوبر النقد القرآن الكريم ٢٨٤ حجاب المرأة الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] يقول السعدي: ((﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فتلنّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع ﴿الَّذِى في قلبه، مرض﴾ أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب؛ لصحة قلبه، وسلامته من المرض. بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر علیه، فأدنی سبب يدعوه إلى الحرام، یجیب دعوته. ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ أي: غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بلیّنِ خاضع. وتأمل كيف قال: ﴿فَلَا تَّخْضَعْنَ بِالْقَولِ﴾ ولم يقل: ((فلا تلنّ بالقول)) وذلك لأن المنهي عنه القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فیه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا لا يطمع فيه خصمه))(١). ٣. عدم المصافحة بين الرجال والنساء الأجانب. حرّم الإسلام مصافحة الرجال للنساء الأجانب؛ لما فيه من إثارة الشهوات. وإذا كان الإسلام يطارد الحرام أنى وجد، ويترصد المنكر حيثما كان ليقضي عليه، فلمس المرأة باليد يحرّك كوامن النفس، ويفتح أبواب الفساد، ويسهّل مهمة الشيطان، من أجل ذلك توعد الله من يفعل ذلك بصارم عقابه، وشديد عذابه. فعن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له)(٢). وإذا كان هذا في مجرد المس إذا كان بغير شهوة، فما بالك بما فوقه؟! وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٦٣. (٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٢١١/٢٠، رقم ٤٨٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٠٤٥. www. modoee.com ٢٨٥ حرف الحاء والقلب پهوي ویتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذّبه)(١). ٤. عدم الخلوة بالمرأة الأجنبية. وحقيقة الخلوة أن ينفرد رجل بامرأة في غيبة عن أعين الناس. إن الخلوة بالأجنبية من أعظم الذرائع، وأقرب الطرق إلى اقتراف الفاحشة الكبرى. وقد صرح القرطبي بأن الخلوة بغير محرم من الكبائر (٢). وقد ذكر بعض السلف فى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]. أي: لا تخلو المرأة بالرجال. ذكره البغوي عن مجاهد، وسعيد بن المسيب، والكلبي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣). وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجنبية، وشدّد في ذلك، والأحاديث في ذلك كثيرة، منها: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) (٤). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب قدّر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، ٢٠٤٧/٤، رقم ٢٦٥٧. (٢) الجامع لأحكام القرآن، ١٨/ ٧٤. (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٠١/٨. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب حج النساء، ٤ / ٨٦، رقم ٣٠٠٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب سفر المرأة وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم علة تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية حيث قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان)(٥) ٠ يقول الشوكاني: ((وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهم في المعصية)»(٦). وقد تكون القرابة إلى المرأة أو زوجها سبيلًا إلى سهولة الدخول عليها أو الخلوة بها، كابن العم وابن الخال مثلًا، ولذلك حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ لأنه من مداخل الشيطان، ومسارب الفساد. فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والدخول على النساء)، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت)(٧) مع محرم إلى حج وغيره، ٩٧٨/٢، رقم ١٣٤١. (٥) أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/٢٣، رقم ١٤٦٥١، والترمذي في سننه، أبواب الرضاع، باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات، ٤٦٥/٢، رقم ١١٧١. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢١٥/٦، رقم ١٨١٣. (٦) نيل الأوطار، الشوكاني ٦/ ١٢٦. (٧) أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، ٢٤٢/٩، رقم ٥٢٣٢، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بأجنبية ٢٨٦ العَرَآن الكَرِيْمِ حجاب المرأة والحمو هو قريب الزوج الذي لا يحل والترخص في الحديث واللقاء والجلوس للمرأة(١). فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، أنه يفسد الحياة الزوجية كما يفسد الموت البدن. ٥. عدم الاختلاط. والمقصود بالاختلاط: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد (٢). فمن الآداب التي تجب على المرأة مراعاتها عدم الاختلاط بالرجال درءًا لانتشار الفساد والفحشاء. وقد حذر القرآن الكريم من هذا الاختلاط كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِی بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبُّعَ الْجَِهِلِيَّةِ اَلْأُوْلَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وبيّن سبحانه الحكمة من ذلك فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ((فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد: إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والدخول عليها، ٤ /١٧١١، رقم ٢١٧٢. (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٧٦/٥. (٢) عودة الحجاب، محمد إسماعيل المقدم ٥٧/٣. وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك، إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئًا من هذا والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات، أمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق! وحین یقول الله قولًا ویقول خلق من خلقه قولًا، فالقول لله- سبحانه- وکل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد! والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله، وكذب المدعين غير ما يقول الله. والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل))(٣). يقول ابن القيم: ((ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٧٨/٥. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الحاء وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) (٤). العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة))(١). وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن منع النساء من الذهاب إلى المساجد، فقد أوجب على النساء - من ناحية أخرى- عدم الاختلاط بالرجال، وأمرهن بأن یمشین في جزء مخصوص من الطريق، فعن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى اللهعليه وسلم يقول- وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: (استأخرن، فليس لكن أن تحققن(٢) الطريق، عليكن بحافات الطريق)، فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به(٣). كما قرّرت الشريعة أن خير صفوف النساء في الصلاة أبعدها عن صفوف الرجال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (١) الطرق الحكمية، ابن القيم ص٣٧٩. (٢) تحقق الطريق: تمشين في وسطه. انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٦٩/٢٥. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب مشي النساء مع الرجال في الطريق، ٤ /٣٦٩، رقم ٥٢٧٢. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٢٢١، رقم ٩٢٩. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بألا تختلط النساء بالرجال عند العودة إلى بيوتهن بعد الصلاة، فعن أم سلمة رضي الله عنها (أن النساء في عهد رسول الله صلی الله عليه وسلم كن إذا سلّمن قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال)(٥). قال ابن قدامة: «إذا كان مع الإمام رجال ونساء فالمستحب أن يثبت هو والرجال بقدر ما یری أنهن قد انصرفن، ويقمن هن عقيب تسليمه ... ؛ لأن الإخلال بذلك من أحدهما يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء))(٦). وهذا كله في حالة العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه، فماذا يقال عن الاختلاط في كراسي الدراسة، الاختلاط في مكان العمل، في المستشفيات، في الطائرات، في أسواق البيع والشراء؟! (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، ٣٢٦/١، رقم ٤٤٠. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، ١/ ١٧٢، رقم ٨٦٦. (٦) المغني، ٤٠١/١-٤٠٢ بتصرف. جَوَسُورَةُ النَِّّ القرآن الكريم ٢٨٨