النص المفهرس

صفحات 1-20

صَوْو ◌َرُ النَفسِة الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الجدال
عناصر الموضوع
مفهوم الجدال
٨
الجدال في الاستعمال القرآني
١٠
الألفاظ ذات الصلة
١١
الجدال المحمود في القرآن الكريم
١٦
٣١
الجدال المذموم في القرآن الكريم
٥١
منافع الجدال ومضاره في القرآن
المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر

حرف الجر
مفهوم الجدال
أولًا: المعنى اللغوي:
إنّ المتتبع لمعاني كلمة (جدل) ومشتقاتها في اللغة العربية يجدها تدور حول المعاني
السبعة التالية:
١. استحكام الشيء وانتظامه؛ ومنه: جدلت البناء: أحكمته، ودرع مجدولة: المحكمة
العمل.
٢. امتداد الخصومة، واللدد فيها، مع القدرة عليها.
٣. مراجعة الكلام.
٤. المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.
٥. الصرعة والقوة والشدة، يقال: جدل الغلام يجدل جدولًا يعنى اشتدّ، ومنه إسقاط
الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة.
٦. الفتل الشديد؛ يقال: جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله؛ فكان المتجادلین یفتل کل
واحد الآخر عن رأيه.
٧. الشّاكلة والحال والطّريقة التي جدل عليها الإنسان، تقول: عمل على جديلته: أي
شاكلته التي جدل عليها (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف العلماء الجدال بعدة تعريفات، أهمها خمسة:
الأول: ((المراء الذي يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها))(٢).
الثاني: ((التخاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب))(٣).
الثالث: هو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات لإلزام الخصم غالبًا، وإظهار
صحة المذهب وسلامته (٤).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٣٨٧-٣٨٨، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣٢٢/٧ -
٣٢٦، لسان العرب، ابن منظور ١١/ ١٠٣، تاج العروس، الزبيدي ٢٨/ ١٩٣-١٩٧، المعجم
الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ / ١١١.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص٧٨، التوقيف، المناوي ص ٢٣٣.
(٣) التوقيف، المناوي ص ٢٣٤.
(٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١١، التعريفات، للشريف الجرجاني، ص٧٨.
٨
مُوسْو ◌َةُ النَِّّ
جوية
القرآن الكريم

الجدال
الرابع: ((مقابلة الحجة بالحجة؛ فإن كان في الوقوف على الحق كان محمودًا، وإن كان
في مدافعة الحق كان مذمومًا)) (١).
الخامس: ((إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة، أو ما يقوم
مقامها من الإشارة والدلالة))(٢).
وخلاصة التعريفات السابقة: أن الجدال: مقابلة المتنازعين الحجة بالحجة عند التدافع
والتخاصم؛ لإلزام الخصم غالبًا، وتقرير المذهب، سواء أكان حقّا أم باطلًا.
وعند تأمل معاني الجدال لغةً واصطلاحًا يظهر الترابط بينهما في النقاط الآتية:
٤ الجدال استحكام الشيء وانتظامه؛ والمتجادلين يحكم كل منهما حجته، وينظّم أفكاره؛
ليقنع الخصم أو یفحمه.
الجدال امتداد الخصومة، واللدد فيها؛ والجدال يقوم على التدافع والتخاصم بين
المتجادلين، وقد يترتب عليه امتداد الخصومة، وحصول القطيعة.
الجدال مراجعة الكلام؛ فالمتجادلان يحرص كل منهما على مراجعة كلامه وتكراره؛
ليتضح مقصوده، ويفهم مراده.
· الجدال منازعة ومفاوضة؛ وكلا المتجادلين يفاوض خصمه وينازعه الحجة؛ لعله يظفر
منه بإقرار أو إفحام.
٤ الجدال الصرعة والقوة والشدة؛ وكذلك المتجادلين يحرص كل منهما على عرض
حججه بأسلوب قوي؛ لیصرع بها حجج خصمه وأدلته.
· الجدال الفتل الشديد؛ وكذلك المتجادلين يسعى كل منهما لفتل الآخر عن رأيه.
الشّاكلة والحال والطّريقة؛ والجدال طبيعة تسري في الإنسان، وطريقة يسعى من
خلالها لتحقيق مراده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَكَانَ
اُلْإِنسَنُّ أَكْتَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ﴾ [الكهف: ٥٤].
(١) تفسير غريب ما في الصحيحين، الأزدي ص ٥٣.
(٢) الكافية في الجدل، الجويني، ص٢١.
www. modoee.com
١٩

حرف الجمر
الجدال في الاستعمال القرآني
وردت مادة (جدل) في القرآن الكريم (٢٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿هََأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
الفعل الماضي
٤
[النساء: ١٠٩]
يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُّجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل:
فعل الأمر
١
﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]
المصدر
٤
﴿فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَاَ جِدَالَ فِ الْحَجِ﴾ [البقرة: ١٩٧]
وجاءت لفظة الجدل في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه(٢):
الأول: الخصومة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَدَلُواْ يَاَلْبَطِلِ﴾ [غافر: ٥]، أي: خاصموا
بالباطل.
الثاني: المراء: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: ولا مراء في
الحج.
الثالث: الدعاء: ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، أي:
ادعهم بالتي هي أحسن.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٦٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ١٣٨، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٥٨ - ١٥٩.
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
١٠
الفعل المضارع
٢٠

الجدال
الألفاظ ذات الصلة
المحاجة:
١
المحاجة لغةً:
الحَجّ: الغلبة بالحُجَّة، يقال: حَجَّه يَحُجُّه حَجًّا، إذا غلبه على حجّته، ومنه الحُجّة بالضّمّ:
الدّليل والبرهان، وقيل: ما دفع به الخصم، وإنما سمّيت حجّةً لأنّها تحجّ، أي تقصد؛ لأنّ
القصد لها وإليها، وبها يقصد الحقّ المطلوب، وجمع الحجّة حججٌ وحجاجٌ(١).
المحّاجة اصطلاحًا:
قدرة الفرد على توظيف ما يمتلكه من الأدلة والبراهين العقلانية الموضوعية في قضية
خلافية؛ لإثبات دعواه، وإيضاح فكرته، مع تفنيد حجج مخالفيه، والوصول بهم إلى الاقتناع
بهذه الفكرة، والإيمان بها، دون إلزامهم باتباعها، والسير عليها (٢).
الصلة بين الجدال والمحاجّة:
يمكن التفريق بين الجدل والمحاجّة من خلال النقاط التالية:
يهدف الجدال غالبًا إلى إفحام الخصم، بينما تهدف المحاجّة إلى الوصول إلى الحق
والصواب.
يغلب على الجدال الأسلوب الانفعالي، والتعصب للرأي، بينما يغلب على المحاجّة
الأسلوب المنطقي الهادئ، وتتبع الصواب.
المحاجّة أعم من الجدال؛ فالجدال يقوم على تقرير المذهب، سواء أكان حقًّا أم باطلًا،
بينما المحاجّة تقوم على تقرير المذهب، وتحقيق الصواب.
الجدال غالبًا يترك أثرًا سلبيًا على العلاقة بين المتجادلين؛ لأنه يقوم على تسجيل النقاط
السلبية على المخالفين، بخلاف المحاجّة التي تعتمد على الإيجابية والتعاون؛ لاكتشاف
الحقيقة (٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٩- ٣٠، لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٢٢٦، تاج العروس،
الزبيدي ٥ / ٤٥٩ - ٤٦٤.
(٢) انظر: المحاجة طرق قياسها وأساليب تنميتها، طريف شوقي ص ٣، الجدل في القرآن الكريم، يوسف
العساکر ص ٣٠.
(٣) انظر: المحاجة طرق قياسها وأساليب تنميتها، طريف شوقي، ص ٣، الحوار في القرآن الكريم، محمد
حسین فضل الله ص ٣٢.
www. modoee.com

حرف الجيمى
المناظرة:
٢
المناظرة لغةً:
المناظرة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نظر)، ومن معانيها: تأمل الشيء بالعين
المجردة، وتقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، والتّأمّل والفحص، وقديراد بالنظر المعرفة
الحاصلة بعد الفحص، والطلب؛ يقال: انظر لي فلانًا أي: اطلبه، والمقابلة؛ والعرب تقول
داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تناظر أي: تقابل، والإمهال، والترقب والتوقع، واللّمحة
السّريعة (١).
المناظرة اصطلاحًا:
المحاورة بين طرفين متضادين في الرأي، والقائمة على الأدلة المنطقية والبراهين
والإحصائيات الدقيقة، يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر بأدب رفيع، مع
الرغبة في إظهار الحق، والراجح على المرجوح، وتحقيق الفائدة المبنية على المناصحة
والحلم(٢).
الصلة بين الجدال والمناظرة:
يمكن التفريق بين الجدل والمناظرة من خلال النقاط التالية:
يقوم الجدل على المخاصمة والشحناء، بينما المناظرة تقوم على التعاون والمناصحة.
يهدف المجادل إلى إظهار النفس ورفض الغير، بينما المناظرة تهدف إلى إظهار الحق،
وإفادة المناظر.
أدلة المجادل مبنية على الأهواء غالبًا، بينما الأدلة في المناظرة مبنية على التحديد والدقة.
إنّ الجدال لا يخلو من التجني على الأشخاص والتعدي على المحارم، بينما المناظرة
ميزانها الأدب الرفيع والحكمة.
الممارة:
٣
المماراة لغةً:
المماراة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (مري)، ويعني: المسح على الشيء؛ ومنه مراه
مريًا، ومرى الفرس مريًا: إذا جعل يمسح الأرض بيده أو رجله، ويأتي بمعنى الاستدرار؛
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٤٤/٥، لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٢١٥، تاج العروس، الزبيدي
١٤/ ٢٤٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٩٣٢.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٥٠، آداب البحث والمناظرة، محمد الأمين الشنقيطي ص ٤.
مَوسُوبَةُ النَّيده
القرآن الكريمِ
١٢

الجدال
ومنه: الريح تمري السحاب وتمتريه تستخرجه وتستدرّه، ومنه: الصلابة في الشيء، والشك،
والجحود؛ يقال: مراه حقّه أي جحده، الجدل؛ ومنه: ماريت الرجل أماريه مراءً إذا جادلته(١).
المماراة اصطلاحًا:
الطعن في كلام المخالف وإن كان ظاهر الحق، على سبيل الملاحة والتدافع والمغالبة؛
لبيان عجزه وضعفه، ولإظهار مزيّة النفس ومكانتها، والتحقير من شأن المخالف، دون
الالتفات إلى الحق والصواب(٢).
الصلة بين الجدال والمماراة:
إنّ المتأمل لمصطلحي الجدل والمماراة يجد بينهما فروقًا دقيقة، منها:
المراء لا يكون إلّا اعتراضًا، بخلاف الجدال الذي یکون ابتداءً واعتراضًا.
الجدال يكون محمودًا ومذمومًا، بخلاف المراء فلا يكون إلّا في الباطل؛ فهو مخاصمة
في الحق بعد ظهوره.
يغلب على المراء إظهار حظ النفس مع تحقير الغير في المكانة والمعرفة، بينما نجد ذلك
بحالة أقل في الجدال(٣).
المنازعة:
٤
المنازعة لغةً:
المنازعة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نزع)، وتأتي بمعنى الجذب؛ يقال: نزع
القوس إذا جذبها، ومنه: نزع الإنسان إلى أهله، ومنه: تنازع القوم اختصموا، وبينهم نزاعةً
أي خصومةٌ في حقّ، ومنه: قوة العزيمة في الرأي والهمة؛ يقال للرجل الجيّد الرأي: إنّه لجيّد
المنزعة، ومنه القلع؛ يقال: نزعت الشيء من مكانه نزعًا إذا اقتلعته (٤).
المنازعة اصطلاحًا:
المخاصمة والمخالفة القائمة على التنازع والتجاذب لنفي ما عند الآخر ومحوه، سواء
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣١٤/٥، لسان العرب، ابن منظور ١٥/ ٢٧٥-٢٧٨، تاج العروس،
الزبيدي ٣٩ / ٥٢٢-٥٢٨.
(٢) انظر: الفائق في غريب الحديث والأثر، الزمخشري، ٢٣٢/٢، إحياء علوم الدين، الغزالي ١١٥/٣،
التعريفات، الجرجاني، ص٢٢١.
(٣) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٢ / ٥٧٠، الفروق اللغوية، العسكري، ص١٥٩.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٣٢/٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٤٩/٨-٣٥١.
www. modoee.com
١٣

حرف الجر
أكان حقًا أم باطلًا، والموصلة في الغالب إلى الفشل والانتكاس(١).
الصلة بين الجدال والمنازعة:
إنّ المتأمل لمصطلحي الجدال والمنازعة يجد بينهما فروقًا دقيقة، منها:
إنّ غاية الجدال إفحام الخصم وإلزامه، بينما الغاية في المنازعة نفي الآخر وتحقيره
وإظهار عجزه.
إنّ الجدال في بعض المواقف يقود إلى الرأي الصحيح، بينما المنازعة طريقها واحد هو
الفشل والانتكاس.
الجدال يقوم على الأدلة والبراهين، بينما المنازعة تقوم على المخالفة ابتداءً؛ بدليل أو
بغير دليل.
المحاورة:
٥
المحاورة لغة:
المحاورة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (حور)، ومن معانيه: الرجوع عن الشيء
وإلى الشيء، والنقصان بعد الزيادة، ودوران الشيء، وتدويره، واللون؛ فالحور: شدّة بياض
العين في شدّة سوادها، والحواريّون القصّارون(٢)، ومن معانيه: التجاوب، والاستنطاق؛
يقال: استحاره أي: استنطقه(٣).
المحاورة اصطلاحًا:
مراجعة الكلام بين طرفين في مسألة اختلفت فيها نظرتهما؛ بقصد تصحيح الكلام،
وإظهار الحجة، وإثبات الحق، في جو يغلب عليه الهدوء والإيجابية؛ لتبادل الأفكار،
والتنوع في الآراء، مع الحرص على تقرير الحق والصواب(٤).
الصلة بين الجدال والمحاورة:
إنّ المتأمل لمصطلحي الجدال والمحاورة يجد بينهما فروقًا دقیقة، منها:
كلمة المحاورة تتسع لكل أساليب التخاطب، سواء في حال التوافق أو الاختلاف، بينما
(١) انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي ٦/ ١١٣.
(٢) القصّارون: الذين يغسلون الثياب، فيبيضونها، وينقونها من النجاسات والقاذورات.
انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣/ ٥٠٣.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٩٢، لسان العرب، ابن منظور ٤/ ٢١٧-٢٢١.
(٤) انظر: فنون الحوار والإقناع، محمد ديماس، ص١١، معالم في منهج الدعوة، صالح بن حميد،
ص٢١٢.
جَوَسُولَهُ النَّهِ
القرآن الكريم
١٤

الجدال
كلمة الجدال تختزن في داخلها معنى الخلاف والشجار (١).
المحاورة يسودها الهدوء والطمأنينة والتعاون، بينما الجدال يحمل في عمقه معاني
التحدي والصراع غالبًا.
المحاورة وسيلة حضارية للتواصل وتبادل الأفكار والآراء، بينما الجدال وسيلة لإفحام
الخصم وتقرير المذهب غالبًا.
المخاصمة:
٦
المخاصمة لغةً:
المخاصمة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (خصم)، ويأتي بمعنى الجدل والمنازعة؛
يقال: خاصمه خصامًا وخصومة، أي: جادله ونازعه، وبمعنى الشّق؛ يقال للخصمين:
خصمان؛ لأخذ كلّ واحد منهما في شقٍ من الحجاج والدّعوى، والطرف والجانب والزاوية،
تلقين الحجة؛ يقال: أخصم صاحبه إذا لقّنه حجّته على خصمه(٢).
المخاصمة اصطلاحًا:
اللجاج في الكلام من أجل المعارضة والمعاندة ابتداءً؛ يستوفي به المخاصم مراده من
خصمه، في جو من التشاحن والتباغض ورفض الآخر (٣).
الصلة بين الجدال والمخاصمة:
إنّ المتأمل لمصطلحي الجدال والمخاصمة يجد بينهما فروقًا دقيقة، منها:
الجدال يكون ابتداءً واعتراضًا، بينما المخاصمة لا تكون إلّا اعتراضًا.
الجدال يهدف إلى إفحام الخصم وتقرير المذهب، بينما المخاصمة تهدف إلى تحقيق
المصلحة المادية أو المعنوية.
الحجة والدليل هو سبيل الحسم في الجدال، بينما المخاصمة تحتاج إلى طرف ثالث
للفصل فيها.
الجدال يسوده جو من التعصب للرأي غالبًا، بينما المخاصمة يسودها جو من التباغض
والشقاق.
(١) الحوار في القرآن الكريم، محمد حسين فضل الله، ص٣٢.
(٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٥٤/٧ - ١٥٥، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٥٠، لسان العرب، ابن
منظور ١٨٠/١٢-١٨١.
(٣) انظر: فن الحوار، فيصل الحاشدي، ص٢٠.
www. modoee.com
١٥

حرف الجمر
الجدال المحمود في القرآن الكريم
إنّ المتأمل لآيات القرآن الكريم المتعلقة
بموضوع الجدال، يجد أنّها تدور حول
نوعين من الجدال:
الجدال المحمود.
الجدال المذموم.
وسنتناول في هذا المبحث النوع الأول
وهو الجدال المحمود في القرآن الكريم.
والمراد بالجدال المحمود: الجدل
الذي يقصد به إظهار الحق وتأييده بالأدلة
والبراهين، والدعوة إليه بالحسنى،
واستكشاف الأحوال، والعلم بالأمور
المجهولة، وتعليم الآخرين العلم، أو تبيين
الباطل ودحضه والتحذير منه (١).
وله صور عدة، يمكن تقسيمها إلى
الأنواع الآتية:
أولًا: الجدال لبيان الحق:
لقد شرع الإسلام الجدال سبيلاً لبيان
الحق، وإقامة الأدلة والبراهين عليه؛
بالعلم والمنطق والبيان، وبيان ضعف
حجج المخالفين وتناقض مناهجهم،
وإزالة الشبهات التي يثيرها أهل الباطل في
مواجهتهم لأهل الحق، وإقامة الحجة على
(١) انظر: أنواع الجدل وأهمية التمسك بالسنة،
موقع إسلام ويب، مركز الفتوى، رقم
الفتوى / ١١٣٤٦٤.
المخالفين من أهل الزيغ والضلال.
قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِاَلْبِنَّ عَلَى الْبَطِلِ
فَيَدْمَغُّهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِنَّا نَصِفُونَ
) [الأنبياء: ١٨].
١٨
ومن أبرز صور الجدال لبيان الحق
صورتان؛ وهما جدال الأنبياء عليهم السلام
لأقوامهم، والجدال لأهل الكتاب.
الصورة الأولى: جدال الأنبياء
عليهم السلام لأقوامهم:
لقد قدّم الأنبياء نماذج رائعة في الجدال
الإيجابي؛ لبيان الحق، ودعوة الناس إليه،
ودحض ما عليه أهل الباطل والإلحاد،
سالكين أفضل السبل في تحقيق ذلك.
وتميز جدال الأنبياء عليهم السلام، بعدة
میزات، منها:
١. يقصد الأنبياء عليهم السلام من
جدالهم تحقيق أمرين: دعوة الناس إلى
الحق، وتقريره في نفوسهم، وردّ شبهاتهم،
وتنقية النفوس منها.
لذلك فھو یحتاج إلی أسلوب راقٍ من
أساليب القول والمحاجة، وحجة قوية،
.(٢)
وكلمة معبّرةُ
.
وقد ظهر هذا المعنى جليًّا في المجادلة
القوية بين إبراهيم عليه السلام والنمرود.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إَِهِمَ
(٢) انظر: مقال المحاجّة، عويض العطوي، في
موقعه الشخصي.
جَوَس ◌َد التفسير
القرآن الكريم
١٦

الجدال
فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ دََّ
الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِء وَأُمِيثٌ قَالَ
إِنْرَهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ
◌ِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاللّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (﴾ [البقرة: ٢٥٨].
إنّ النمرود لما حاجّ نبي الله إبراهيم
عليه السلام في الله عز وجل، جاءه عليه
السلام بحجة قوية وهي قدرة الله عز وجل
على إحياء الأجسام وإماتتها ﴿رََّ أَلَّذِى
يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾، فقابل النمرود هذه الحجة
بقدرته على ذلك من خلال القتل والعفو عن
القتل ﴿قَالَ أَنَا أُحِىِ، وَأُمِيتٌ﴾، وهنا ينتقل
نبي الله إبراهيم عليه السلام معرضًا عن هذا
الاعتراض الفاسد، إلى حجة لا يصلح فيها
تمويه النمرود كما فعل في الحجة الأولى،
ولا يقع فيها الالتباس، ويظهر فيها عجز
النمرود عن نقضها ﴿قَالَ إِبْرَهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهُ
يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ
فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ﴾، ولكنّ أهل الضلال
والطغيان لا يستجيبون لمثل هذه الأدلة،
ويمتنعون عن سبل الهداية والرشاد؛ ظلمًا
لأنفسهم، وتكبرًا عن الحق (١).
٢. القوة في قول الحق، والجرأة في نقض
الباطل، بغض النظر عن طبيعة المخالفين
ومکانتهم.
(١) انظر: حاشية القونوي على أنوار التنزيل،
البيضاوي، ٤٠٤/٥- ٤٠٩.
حيث نجد نبي الله إبراهيم عليه السلام
لما ذكر له قومه سبب عبادتهم للأصنام؛
أنّهم وجدوا آباءهم يعبدونها؛ ظانّين أنّه
عليه السلام يقدّس الآباء وإن كانوا على
ضلالة، فنراه عليه السلام جمعهم وآباءهم
في التخطئة بلا هوادة؛ ليعلموا أنّ فعل الآباء
مهما بلغوا من المكانة والتقديس لا قيمة له
إذا تعارض مع حقيقة الألوهية، وتفرد الله
عز وجل بالعبادة الخالصة (٢)، ((وأنّ الباطل
لا يصير حقًّا بكثرة المتمسكين به))(٣).
قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِيََّهِيمَ رُشْدَهُ.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ
مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ
وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ ◌َّ أَنْتُمْ لَمَا عَكِّفُونَ
٥٢
قَالُواْ وَجَدْنَا ءَابَآَنَا لَمَا عَلِدِينَ () قَالَ لَقَدْ
كُتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِي ضَلَلِ تُّبِينٍ )
[الأنبياء: ٥١- ٥٤].
وأهل الباطل في جدالهم لا يملكون حجة
حقيقية لما يعتقدون به، فغاية ما يحتجون به
في كثير من مواقفهم لمعارضة أهل الحق،
إظهار أهل الحق في صورة العاقّين لآبائهم،
المفرطين بثوابت الأجداد، فغاية حجتهم
التقليد الأعمى الآباء والأجداد.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَنَا
٢٣
عَلَى أَمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاتَرِهِم مُقْتَدُونَ
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ /٩٥.
(٣) روح المعاني، الألوسي ١٢ / ٤٠٨.
www. modoee.com
١٧

حرف الجيمى
[الزخرف: ٢٣].
وقد عاب الله عز وجل عليهم ذلك،
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَّلَ
اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ
ءَابَآءُ نَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَّاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا
﴾ [المائدة: ١٠٤].
يَهْتَدُونَ
٣. إنّ جدال الأنبياء يحمل في طياته
معاني المحبة والمودة والسماحة، يقابل
الإساءة بالإحسان، ويرد الطعن واللعان
بأجمل الكلمات وارق العبارات، يهدف إلى
الإقناع بالنظر والتدبر، ويبتعد عن الإخضاع
والإلزام بالقهر والسلطان (١).
يظهر هذا المعنى جليًّا في دعوة نبي الله
نوح عليه السلام لقومه؛ حيث قابلوه بالاتهام
والتشويه، فقابلهم بالتودد والتلطف.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ أَنْ لَّا تَقَبُّدُواْ إِلَّا
اُللَّهُ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِمٍ )
فَقَالَ الْعَلَأُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا نَرَتِكَ
إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَزَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ
هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا
مِن فَضْلٍ بَلْ نَطْنَكُمْ كَذِينَ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ
أَرَّهَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَاَنِى رَحْمَةٌ
مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِ مُّكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَا
كَرِهُونَ ﴾ [هود: ٢٥-٢٨].
إنّ نبي الله نوحًا عليه السلام يواجه قومه
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ١٨٧٣.
رسالة التوحيد، منذرًا المخالفين بالعذاب
الأليم، ومبشرًا المستجيبين بالجنة، مظهرًا
لهم خوفه عليهم من العذاب الأليم يوم
القيامة، لكنّه يجابه بالرفض المطلق من
قومه؛ متعللين بكونه عليه السلام بشرًا، وأنّ
أتباعه من الضعفاء والفقراء والرعاع، بل إنّ
قوم نوح عليه السلام تمادوا في طغيانهم
فوصفوا نبي الله نوحًا عليه السلام وأتباعه
بالكذب(٢)، ومع كل ذلك بقيت الرحمة
هي الخلق البارز في تعامل نبي الله نوح
عليه السلام مع قومه، الرحمة التي لا يعرفها
إلّا من استقام على منهج الله عز وجل، قد
أخلص قلبه لله عز وجل، وصفت نفسه،
وصدق عزمه ﴿قَالَ يَقَوْرِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ
عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّ وَءَانَنِى رَحْمَةٌ مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ
عَلَيْكُمْ أَنْلِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَرِهُونَ
٢٨
٤. الاعتقاد بأنّ ما يدعون إليه هو الحق
الذي يجب على الناس اتباعه؛ فهو وحي
الله عز وجل إليهم؛ ليخرجوا الناس من
الظلمات إلى النور، خصّهم الله عز وجل
بمميزات استحقوا بها الرسالة، وإن لم
يستطع أصحاب البصائر العمياء من البشر
إدراكها (٣).
إنّ نبي الله نوحًا عليه السلام لما تكالب
عليه قومه، وعابوا عليه أنّه من البشر، انطلق
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
الخطيب ١١٢٩/٦-١١٣٢.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ١٨٧٣.
١٨
القرآن الكَرِيْمِ

الجدال
بكل ثقة مستيقنًا بنفسه، مبيّنًا لهم أنّ الله عز الناس جميعًا من أجل مناهضتهم وإلحاق
(٢).
وجل منحه الحجة الواضحة البيّنة، وخصّه
بالنبوة، قال تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْرِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ
عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّ وَءَانَمِى رَحْمَةٌ مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ
عَلَيْكُمْ أَنْلِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَلِهُونَ ﴾
[هود: ٢٨].
كما حكى الله عز وجل عن الأنبياء
وأقوامهم هذا الموقف المتكرر، قال
تعالى: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ
أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأَتُوُنَا
بِسُلْطَانِ مُّبِينٍ ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن
نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١٠- ١١].
إنّ الاتفاق في البشرية لا يعني بالضرورة
المساواة في كل شيء؛ فقد أجمع العقلاء
على وجود التفاوت الكبير بين أفراد البشر
في قدراتهم العقلية والفكرية والأخلاقية
والإنتاجية؛ حتى أنّا نجد من يأتي بالإصلاح
والخير لأمته وأهله ما يفوق أفعال مئات
الألوف من السابقين واللاحقين(١)، فإذا
كان هذا التفاوت بين عموم البشر، فكيف
وإن كان الإنسان مؤيدًا من الله عز وجل
بالوحي والرسالة؟.
٥. الثقة بالله عز وجل، واليقين بنصره
وتأييده؛ لأنّ الله عز وجل معهم، يحفظهم
ويعصمهم من كل سوء، حتى ولو احتال
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١٢/ ٥٥.
الضرر بهم (٢).
قال الله عز وجل حاكيًا على لسان نبيه
هود عليه السلام: ﴿إِن تَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ
بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اَللَّهَ وَأَشْهَدُوا أَنِّىِ
بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ) مِن دُونِهِ، فَكِيدُونيجَمِيعًا
ثُمَّ لَا تُظِرُونِ ﴾ [هود: ٥٤-٥٥].
إنّ نبي الله هودًا عليه السلام لما دعى
قومه إلى التوحيد جابهه قومه بالإنكار
والجحود؛ حيث ترقّوا في حججهم من
السيء إلى الأسوء، فردّ عليهم حججهم
الباطلة؛ معلنًا براءته مما اقترفوه من الشرك،
مشهدًا الله عز وجل على ذلك؛ ثقةً منه
بقوة حجته وبرهانه، مشهدًا إيّاهم على
رفضه لمنهجهم وشرکھم غير مبال بهم،
وبما يزعمونه من قدرة شركائهم على إيقاع
الضرر به، ومتحديًا لهم أن يجمعوا كيدهم
وشركاءهم؛ ليوقعوا به الأذى والضرر
إن استطاعوا بلا إمهال ولا تأخير، وهذا
دليل واضح على عدم خوفه منهم أو من
آلهتهم المزعومة؛ فقد وكّل أمر حفظه إلى
الله عز وجل، فهو الحافظ لأوليائه، القاهر
لأعدائه(٣).
قال تعالى: ﴿إِنِّ تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِرَبِ وَرَبِّكُمْ
مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَئِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٣٦١.
(٣) انظر: تفسير المراغي ٤٩/١٢ -٥٠.
www. modoee.com
١٩

حرف الجيمى
صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: ٥٦].
٦. إنّ الأنبياء في جدالهم يقصدون
قضية واحدة، ألا وهي قضية دعوة الناس
إلى توحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة،
لا يلتفتون لغيرها من القضايا، ولا ينصرفون
عنها إلى مسائل جانبية يحاول المخالفين
استدراجهم إليها؛ للتأثير على القضية الأولى
موضوع الجدال(١).
إنّ من أهم الآداب التي يجب على
المجادل استعمالها للوصول إلى مراده
وبغيته؛ تحديد السؤال والجواب، وعدم
الخروج من مسألة حتى يستوفي الكلام
فيها، وألّا يسمح للمخالف أن يدخله في
معارك جانبية(٢).
فهذا نبي الله نوح عليه السلام لم يستطع
قومه صرفه عن القضية التي يدعو إليها، أو
يؤثّروا في قوة طرحه لها.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ.
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، إِنّ
أَغَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) قَالَ الْعَلَأُ
مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَتَرَكَ فِي ضَلَلِ تُِّينٍ ))
قَالَ
يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ
اَلْعَلَمِينَ آ أَبَلِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَبِى وَأَنْصَحُ
لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
(١) انظر: آداب المناظرة، عمرو سليم، ص ١٥-
١٦، في موقع الألوكة.
(٢) انظر: كتاب الجدل على طريقة الفقهاء، ابن
عقيل الحنبلي، ص٢.
[الأعراف: ٥٩ -٦٢].
٧. الشجاعة والحزم في طرح الأدلة
والبراهين، وعدم إعطاء المخالف الوقت
الكافي للاستفادة من قدرات مؤيديه،
ومباغتة المخالف بالحجة تلو الأخرى بکل
صرامة وحسم.
يستفاد هذا المعنى من مناظرة نبي الله
موسی علیه السلام مع فرعون.
قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّ
إِن كُم مُّوقِينِينَ ﴾ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ، أَلَا تَسْمِعُونَ
قَالَ
قَالَ رَيُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَا بِكُمُ الْأَوَّلِينَ
٢٥
قَالَ
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُوْ لَمَجْنُونٌ
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
قَالَ لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِىِ لَأَجْعَلَتَّكَ مِنَ
٢٨
اَلْمَسْجُونِينَ ﴾ قَالَ أَوْلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ
قَالَ فَأْتِ بِهِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
٣٠
ونزع يدهو
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِنَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (
فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ
[الشعراء: ٢٣-
٣٣
٣٣].
إنّ نبي الله موسى عليه السلام لما جابه
فرعون بالحقيقة الصادمة المستحقرة لشأنه،
وهي أنّ رب العالمين هو رب هذا الكون
الهائل العظيم، وأنّك يا فرعون لا قيمة لك؛
لأنّك تدعي الربوبية على قوم مخدوعين،
فهنا يريد فرعون صرف أنظار أتباعه عن هذه
الحقيقة بأن يشاركوه التعجب من مقالة نبي
مُؤَسُولَةُ النَّة
القرآن الكريم
٢٠

الجدال
الله موسى عليه السلام، فيقول: ﴿قَالَ لِمَنْ
حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَعُونَ ﴾، لكنّ نبي الله موسی علیه
السلام لم یمهلهم حتی یتفاعلوا مع فرعون،
وأخذ يؤكد لهم وحدانية الله عز وجل،
فيقول: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َابَآَيِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾،
وهكذا(١).
٨. إنّ الأنبياء عليهم السلام في جدالهم
لا يرجون شيئًا من متاع الحياة الدنيا، أو
تحقیق مکاسب دنیویة، بل هم يبتغون الأجر
من الله عز وجل وحده، وهو أن يدخلهم
الجنة يوم القيامة.
قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿فَإِن
تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى
اَللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[يونس: ٧٢].
وقال هود عليه السلام: ﴿يَنْقَوْمِ لَا أَسَْلُكُمُ
عَلَيْهِ أَجْرًّا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَنِ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾ [هود: ٥١].
وقال صالح عليه السلام: ﴿ وَمَآ أَسْتَلُكُمْ
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٌّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ()﴾
[الشعراء: ١٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَجَلّءُ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ
أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُهْتَدُونَ
٥﴾ [يس: ٢٠-٢١].
الصورة الثانية: الجدال لأهل
الكتاب:
إنّ المدافعة مع أهل الكتاب بدأت منذ
اللحظة الأولى للإسلام، حيث كانت البداية
بمظاهرة أهل الكتاب مشركي مكة على
المؤمنين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
وَالَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى
﴾ [النساء: ٥١].
٥١)
مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا
واستمرت عبر الأماكن والأزمان حتى
يومنا الحاضر (٢).
إنّ باب المجادلة مع أهل الكتاب وغيرهم
من المشركين مفتوحٌ إلى قيام الساعة؛
لدعوتهم إلى الإسلام، وبیان أحکامہ لھم،
وإقامة الحجة عليهم، على خلاف من قال
إنّ آيات المجادلة والمحاجّة للمخالفين في
الدّين منسوخة بآيات الجهاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله تعالی: «فإنّ من الناس من یقول: آیات
المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآية
السيف؛ لاعتقاده أنّ الأمر بالقتال المشروع
ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط؛ فإنّ
النسخ إنّما يكون إذا كان الحكم الناسخ
مناقضًا للحكم المنسوخ؛ كمناقضة الأمر
باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠ / ٢٤١- (٢) انظر: رؤيةٌ شرعيةٌ في الجدال والحوار مع
٢٤٣.
أهل الكتاب، الصمداني، ص٤.
www. modoee.com
٢١

حرف الجيمى
باستقبال بيت المقدس بالشام ... فأمّا مع يطلب الاستهداء والبيان» (٣).
إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال
المأمور به فلا منافاة بينهما، وإذا لم يتنافيا
بل أمكن الجمع لم يجز الحكم بالنسخ،
ومعلومٌ أن كلَّا منهما ينفع حيث لا ينفع
الآخر، وأنّ استعمالهما جميعًا أبلغ في
إظهار الهدى ودين الحق)) (١).
وقد ثبت في السنّة ما يؤيد ذلك، ففي
الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم،
وألسنتكم)(٢).
وتشمل المجادلة لأهل الكتاب جميع
أصنافهم ومراتبهم على اختلاف توجهاتهم
وأحوالهم.
الله تعالى: ((والمجادلة قد تكون مع أهل
الذمة، والهدنة، والأمان، ومن لا يجوز
قتاله بالسیف، وقد تكون في ابتداء الدعوة؛
کما کان النبي صلی الله عليه وسلم يجاهد
الكفار بالقرآن الكريم، وقد تكون لبيان
الحق، وشفاء القلوب من الشّبه مع من
(١) الجواب الصحيح، ابن تيمية ٢١٨/١-٢١٩.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٧٢/١٩، رقم
١٢٢٤٦، وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد،
باب كراهية ترك الغزو، ٣١٨/٢، رقم
٢٥٠٦.
وصححه الألباني صحيح أبي داود(الأم) ٧/ ٢٦٥،
رقم ٢٢٦٢.
إنّ المتتبع للآيات القرآنية المتعلقة
بمجادلة أهل الكتاب يجد فيها تنوعًا في
أساليب المجادلة، ويمكن إجمال هذه
الأساليب في النقاط الآتية:
١. المجادلة بالحسنى.
لقد بيّن القرآن الكريم فضيلة المجادلة
بالأسلوب الحسن، وبالحكمة والموعظة
الحسنة للمسالمين من أهل الكتاب؛ لأنّ
ذلك أدعى إلى تحقيق الهدف المنشود،
وإيجاد القناعة لديهم، والوصول بهم إلى
الإيمان بالله عز وجل (٤).
قال تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ
إِلَّا بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
تشير الآية السابقة إلى مشروعية مجادلة
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الذين يبحثون عن المعرفة والاستبصار
بالدين من أهل الكتاب، بأسلوب لين كريم،
وبحسن الإرشاد إلى طريق الحق، والرفق
في التعليم(٥).
((ووجه الوصاية بالحسنى في مجادلة
أهل الكتاب؛ أنّ أهل الكتاب مؤمنون بالله
غير مشركين به، فهم متأهلون لقبول الحجة
غير مظنون بهم المكابرة، ولأنّ آداب دينهم
وكتابهم أكسبتهم معرفة طريق المجادلة،
(٣) النبوات، ابن تيمية ، ص ٦٢١.
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢١/ ١١.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١١/ ٤٥،
أيسر التفاسير، أسعد حومد، ص٩٨٥.
مَوَسُولَةُ النَّسَيَّة
القرآن الكريم
٢٢

الجدال
فينبغي الاقتصار في مجادلتهم على بيان مجموعة من أبناء الأمة من التقارب معهم،
والعمل فى القضايا المشتركة والبعد عن
الحجة دون إغلاظ حذرًا من تنفیرهم»(١).
نقاط الخلاف؛ فالدعوة الإسلامية ((دعوةٌ
٢. المجادلة بالسيف والإغلاظ.
في الدنيا والآخرة»(٣).
إنّ من أراد الهداية من أهل الكتاب أمرنا وبيانٌ للحق، وكشف للباطل، وبيان لضرره
أن نعامله بالحسنى، أمّا من ظلم وعاند،
٣. المباهلة.
وقصد بمجادلته الإساءة إلى الإسلام،
والسعي في إيذاء المسلمين، وظهر
تصلبه، وانقطع الأمل من إقناعهم بالحجة
والبرهان، فقد أمر الإسلام أن نجادلهم
بالسيف، ونعاملهم بالغلظة (٢).
قال تعالى:
وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
اُلْكِتَبِ إِلَّ بِلَِّ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْهُمْ ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنهُمْ
﴾ [التوبة: ٧٣].
جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
إنّ حال اليهود والنصارى اليوم أقرب إلى
هذه الحالة؛ فهم يحاربون الإسلام سياسيًا
وفكريًّا وعسكريًّا في كل مكان، ويسعون
بكل طاقاتهم وإمكاناتهم لتشويه الإسلام
والملتزمين به، من خلال وصفهم بالتطرف
تارة، وبالأصولية تارة ثانية، وبالإرهاب تارة
أخرى، فكان الواجب على المسلمين اليوم
مجادلتهم بما يتناسب مع حالهم بالشدة
والغلظة، على خلاف ما ينادي به اليوم
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٦.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٦،
أيسر التفاسير، أسعد حومد، ص٩٨٥.
إنّ هذه المرتبة درجة بين المرتبتين
السابقتين؛ فلم يبلغ أهل الكتاب درجة
التعامل بالحسنى، ولا هم بلغوا درجة
المجادلة بالسيف، والتعامل بالغلظة؛
فكانت هذه المرتبة، للتعامل مع المكابرين
الذين يصرّون على حججهم الباطلة،
ومدافعة الحق.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ
وَنِسَاءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ
فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ
[آل عمران: ٦١].
((وهذه المباهلة لعلها من طرق التناصف
عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى الله
عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم)) (٤).
إنّ المؤمنين عندهم من اليقين الصادق
والإيمان العميق ما يجعلهم يقبلون أيّ
سبيلٍ في مواجهة أهل الإنكار والجحود،
بينما الكافر المكابر الذي لا يملك يقينًا لن
(٣) الحوار بين الأديان حقيقته وأنواعه،
عبدالرحيم السلمي، ص٨.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٥/٣.
www. modoee.com
٢٣

حرف الجيمر
يقبل بالمباهلة أبدًا، وسيبحث عن مبررات
لنكوصه وتراجعه؛ لذلك فإنّ الآية السابقة
قد لقنت النبي صلی الله عليه وسلم، وأمته
من بعده الجواب الحاسم الذي يخرس
ألسنة المکابرین في كل زمان، ويتحداهم أن
يقبلوا المباهلة إن كانوا صادقين (١).
وهذه درجة متقدمة في حوار أهل
الکتاب، ولها فائدة عظيمة من جهتين:
الأولى: إظهار التحدي، والثقة التامة بأنّ
الداعي إلى المباهلة على الحق.
الثانية: إرهاب المعاند، وحمله على
الجد والحزم، بالتعرض للعنة الله عز
وجل .. فربما نزع واستغفر واستعتب(٢).
٤. مبادرة أهل الكتاب بالدعوة.
إنّ هذا الأسلوب لا يحمل معاني الجدال
والمغالبة والتحدي، بقدر ما يحمل معاني
الدعوة والمبادأة للمخالفين في المنهج
والدّين؛ يعرض عليهم الحق الذي عنده،
ویبیّن لهم معالم دعوته الصادقة.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلْعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَصْبُدَ إِلَّا اللَّهَ
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ
(٦٤) ﴾ [آل عمران: ٦٤].
بِأَنَّامُسْلِمُونَ
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٣/ ١٥٢٠، التفسير
الوسيط، طنطاوي ٢/ ١٢٩.
(٢) دعوة التقريب بين الأديان، أحمد القاضي،
ص١٥٧٦.
إنّ هذا المنهج يقوم على الاجتماع على
الأصول العقدیة المجمع عليها عند أصحاب
الرسالات؛ من توحيد الله عز وجل، وإفراده
بالعبودية والإخلاص، ورفض الشبهات
التي تناقضها؛ حيث كانت جميع الرسالات
متفقة على ذلك (٣).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُنَّهِ
زَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُوا اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
((إنّ أهل الإسلام لا يستقيم أمرهم، ولا
يعبّرون بصدق عن دينهم، إلّا أن يكونوا
أصحاب مبادرة للقيام بأمر الله عز وجل،
وغاية واضحة في الدعوة إلى الله عز وجل،
وخطة بيّنة بالالتزام بمنهج الله عز وجل،
كما دلّت عليه الآية العمدة، وإلّا تقاذفتهم
ألاعيب الذين كفروا من أهل الكتاب،
ومبادراتهم العبثية الموسومة بالتقارب
والحوار ونحوها)) (٤).
٥. هدم باطل أهل الكتاب ونقضه.
إنّ منهج المؤمنين الحق يقوم على هدم
ما عند الناس من الباطل والخلل، وعدم
التسلیم لهم بدعواهم إلّا بالدليل والبرهان.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا
مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىْ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ
هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
(٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣/ ٢٦٨.
(٤) دعوة التقريب بين الأديان، أحمد القاضي،
ص ١٥٧٠.
جَوْسُورَةُ النَّقِّ
القرآن الكريم
٢٤

الجدال
[البقرة: ١١١].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًّا أَوْ
نَصَدَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إَِهِمَ حَنِيفًّاً وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [البقرة: ١٣٥].
إنّ أهل الباطل يقيمون الأدلة الواهنة
على مبادئهم ومعتقداتهم، ويتمسكون بها؛
من أجل مشاغبة أهل الإيمان، والتشويش
عليهم؛ لذلك وجب على المؤمنين عدم
قبول أيّ دعوی نفیًا أو إثباتًا دون دلیل أو
برهان صحیح یدعمها.
يقول الإمام الطبري: ((وهذا الكلام
وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين:
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى
إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من
ذلك، فإنّه بمعنی تکذیب من الله عز وجل
لهم في دعواهم وقيلهم، لأنهم لم يكونوا
قادرين على إحضار برهان على دعواهم
تلك أبدًا، وقد أبان قوله: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ
وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢].
عن أنّ الذي ذكرنا من الكلام بمعنى
التکذیب لليهود والنصارى في دعواهم ما
ذكر الله عز وجل عنهم))(١).
ثانيًا: الجدال عن النفس:
إنّ من طبيعة الإنسان أن يحاول بكل
جهده وطاقته، دفع الشر والسوء عن نفسه؛
(١) جامع البيان، الطبري ٢/ ٥١٠.
فنراه يتعلق بأيّ أمر يعتقد أنّه يدفع عنه
الضرر والأذى، وأحوج ما يكون إلى هذه
المدافعة والمجادلة يوم القيامة؛ لما فيه من
الأهوال والأحوال لذلك نجده يجادل عن
نفسه، ويدافع عنها؛ طمعًا في رحمة الله عز
وجل ومغفرته؛ لأنّها علمت سعة رحمة الله
عز وجل وعظيم مغفرته، إذ تتجلى رحمة
الله عز وجل ومغفرته في هذا اليوم؛ لتغشى
عباده الموحدین، فهم أکثر ما یکونون طلبًا
لهما واحتياجًا إليهما (٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّكَ مِنْ بَعْدِهَا
يَوْمَ تَأْتِ كُلُّ نَفْسِ
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ))
تُجَدِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَى كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ
[النحل: ١١٠-
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦)﴾
١١١].
فالإنسان يوم القيامة لا يعنيه شيء سوى
نفسه؛ فيسعى في خلاصها من الأهوال
العظيمة في ذلك اليوم العصيب، لا يلتفت
لأحد، شعاره: نفسي نفسي.
(٢) يَوْمَ
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلَنَّةُ
وَصَحِبَئِهِ،
يَفِرُّ الْرَهُ مِنْ أَخِهِ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
وَنِيْهِ ٦ لِكُلِّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ ﴾
[عبس: ٣٣ -٣٧].
إنّ اشتداد الأهوال يوم القيامة يشغل
كل امرئ بنفسه، يدافع عنها؛ لعلها تنجو
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٧/ ٣٨٣.
www. modoee.com
٢٥

حرف الجيمى
من العقاب، لكنّ الأمر أشد، إنّما هو
الجزاء، تجازی کل نفس بما کسبت وهم لا
يظلمون (١).
لذلك نجد أنّ المجادلين عن أنفسهم
يوم القيامة سلكوا سبلا متعددة في الدفاع
عن أنفسهم، منها:
١. الحلف الكاذب بالله عز وجل على
براءتهم من الشرك والمشركين.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَحْلِفُونَ
لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَّ إِنَّهُمْ هُمُ
اَلْكَذِبُونَ
[المجادلة: ١٨].
١٨
إنّ الله عز وجل لما يبعث الناس يوم
القيامة مجتمعين، يعاتبهم على ما صدر
منهم من معصية وضلال ونفاق، فيحلف
المنافقون منهم والمشركون له سبحانه
وتعالى على إسلامهم وإيمانهم كما
كانوا يحلفون للنبي صلی الله عليه وسلم
والمؤمنين في الدنيا؛ ظانّين أنّهم سيحققون
نفعًا لأنفسهم، ودفعًا للضرر الحاصل لهم
من حلفهم الكاذب، كما حققوا بعض
مكاسبهم في الدنيا، ولكنّهم لم يعلموا أنّ
الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي
الصدور (٢).
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢١٩٧.
(٢) انظر: الْفواتح الإلهية، نعمة الله النخجواني
٣٩٧/٢.
حيث عطلوا عقولهم في الدنيا عن النظر
والتأمل، وراحوا يقلدون أئمتهم ورؤساءهم
من الجن والإنس، فاليوم وبعد فوات الأوان
حصل بينهم التباغض والمعاداة (٣).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْرَبَّنَا أَرِنَا
الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَّحْتَ
[فصلت:
أَقْدَامِنَا لِيَكُوْنَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ﴾﴾
٢٩].
فتوسلوا لله عز وجل بعزمهم على
الانتقام ممن كانوا رأسًا في ضلالهم؛ لعلهم
يظفرون بتخفيف العذاب عن أنفسهم،
وإذلال قادة الضلال، وأئمة الكفر، وزيادة
التنكيل بهم.
٣. محاولة الكذب على الله عز وجل؛
بنفيهم الوقوع في الشرك.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَوْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ
أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَ
وَاللَّهِرَيْنَا مَاكُنَّا مُشْرِكِينَ (
أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام:
٢٣ -٢٤].
إنّ الله عز وجل يحشر المشركين مع
آلهتهم التي عبدوها من دون الله عز وجل
في الدنيا، فيسألهم عنها، فیجیبون بالإنكار
﴿وَّهِ دَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾،
والجحود
٢. إظهار إرادة الانتقام ممن كان سببًا في وهم بهذا الفعل يدافعون عن أنفسهم،
ويحاولون الإفلات من عذاب يوم القيامة،
ضلالهم ودخولهم النار.
مع اعتقادهم خلاف ما يقولون، وعلمهم
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٦/ ٥٧٠.
صَوَسُولَةُ التَّقِ
القرآن الكريم
٢٦