النص المفهرس

صفحات 41-44

الجزاء
ولهذا قال: ﴿إِلَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾
أي: إنّما يقرّبكم عندنا زلفى الإيمان والعمل
الصّالِحِ ﴿فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ﴾
أي: تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى
سبعمائة ضعفٍ ﴿وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ هَامِنُونَ﴾
أي: في منازل الجنّة العالية آمنون من كلّ
بأسٍ وخوفٍ وأذّی، ومن کلّ شرِّ يحذر
منه)»(١).
ثالثًا: كل نفس تجازی عن نفسها:
عدل الله يقتضي أن يحاسب الإنسان
بعمله، وأن يسأل عن نفسه، فلا يرمي أحد
ذنبه على أحد، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًّا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ
عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾
[لقمان: ٣٣].
وحول هذه القضية تحدّث كثير من
المستشرقين الذين يبحثون في القرآن عن
مأخذ، فوقفوا عند هذه الآية: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
وقالوا: كيف نوفّق بينها وبين قوله:
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَاِهِمْ﴾
[العنكبوت: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ
يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم
بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَاَ سَلَةَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٢/٦.
٢٥].
ونقول: التوفيق بين الآية الأولى والآيتين
الأخيرتين هيّن لو فهموا الفرق بين الوزر في
الآية الأولى، والوزر في الآيتين الأخيرتين.
ففي الأولى وزر ذاتيٌّ خاص بالإنسان
نفسه، حیث ضلّ هو في نفسه، فيجب أن
يتحمّل وزر ضلاله، أما في الآية الثانية
فقد أضلّ غيره، فتحمّل وزره الخاص به،
وتحمّل وزر من أضلّهم.
ويوضّح لنا هذه القضية الحديث النبوي
الشريف: (من سن في الإسلام سنة حسنة
فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير
أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في
الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر
من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من
أوزارهم شيء)(٢).
مع الإطماع في الفضل والنعمة والتحذير
من اليوم الذي يأتي وصفه: ﴿لَا نَِّى نَفْسُ
عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].
فالتبعة فردية والحساب شخصي، و کل
نفس مسؤولة عن نفسها، ولا تغني نفس عن
نفس شيئًا.
وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم، مبدأ
التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز
(٢) تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٤١٧.
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب
الزّكاة، باب الحثّ على الصّدقة ولو بشقّ
تمرةٍ، رقم ١٠١٧.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الجيمى
من الإنسان، وعلى العدل المطلق من فقال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُّ مِنْهَا
عَدْلٌ وَلَاهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨](٢).
الله، وهو أقوم المبادئ التي تشعر الإنسان
بكرامته، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في
ضميره، وكلاهما عامل من عوامل التربية
فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من
القيم التي يكرمه بها الإسلام (١).
قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْيَوْمًّا لَّا تَهْزِى نَفْسُّ عَن
نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا
عَدْلٌ وَلَاهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨].
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾.
أي: واحذروا يومًا عظيمًا أمامكم سيقع فيه
من الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله
إلّا بتقوى الله في جميع الأحوال، ومراقبته
في جميع الأعمال، فهو يومٌ لا تقضي فيه
نفسُ -مهما يكن قدرها عظيمًا- عن نفسٍ
مهما يكن ذنبها صغيرًا شيئًا ما، كحمل
وزرها أو تكفير ذنبها ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ
أُخْرَنَّ وَإِن تَدْعُ مُتَّقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ
شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِ﴾ [فاطر: ١٨].
وصف اليوم بهذا الوصف ولم يقل:
يوم القيامة مثلًا؛ للإشعار بأنّ التّصرّف في
ذلك اليوم والأمر كلّه للّه، فليس فيه ما اعتاد
النّاس في هذه الدّنيا من دفاع بعضهم عن
بعضٍ، وعبّر عن هذا المعنى في أوّل سورةٍ
بقوله: ﴿مَلِكِ بَوْمِ الّذِينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
ثمّ وصفه هنا بوصفٍ آخر یناسب الأوّل
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٧٠.
فلمّا ذكّرهم اللّه تعالى بنعمه أولًا عطف
علی ذلك التّحذير من حلول نقمه بهم يوم
القيامة فقال: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا﴾ يعني: يوم
القيامة ﴿لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ أي: لا
يغني أحدٌ عن أحدٍ كما قال: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِ ) وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
وَصَحِبَتِهِ، وَبَنِيْهِ { لِكُلِّ أَمْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ
٣٥
يُغْنِهِ﴾ [عبس: ٣٤ -٣٧].
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ
وقال:
مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ
حَمْلٍ خَملَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم
بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:
٢].
وقال: ﴿وَإِن تَدْعُ مُتْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ
مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌَ﴾ [فاطر: ١٨].
وقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَّ أَسَابَ
[المؤمنون:
◌َيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾
١٠١].
وقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَيَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ
يَوْمًّاً لَّا يَجْزِى وَالِدُّعَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ
عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣].
فهذه أبلغ المقامات: أنّ كلَّ من الوالد
(٢) المنار، محمد رشيد رضا ١/ ٢٥٣.
١٠٦
القرآن الكَرِيمِ

الجزاء
وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا(١).
وهؤلاء الذين يصدّون عن سبيل الله
لن يجدوا وليًّا ولا نصيرًا في الآخرة، وإن
سیکون مشغولا بنفسه.
سبيل الله لا يعجزون الله في الأرض، ولا
يجدون الولي أو النصير في الآخرة(٢).
وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ
مِمَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ
وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ اٌلظَّلِمُونَ ﴾
[البقرة: ٢٥٤].
قال محمد رشيد رضا: ((فسّروا فيه
البيع بالافتداء وجعلوا فيه الخلّة والشّفاعة
على ظاهرهما، أي أنفقوا فإنّ الإنفاق في
سبيل الخير والبرّ -وهي سبيل الله- هو
الذي ینجیکم في ذلك اليوم الذي لا ينجي
الأشحّة الباخلين فيه من عذاب الله تعالى
فداءٌ فيفتدوا منه أنفسهم، ولا خلّةٌ يحمل
فيها خليلٌ شيئًا من أوزار خليله، أو يهبه شيئًا
من حسناته، ولا شفاعةٌ يؤثر بها الشّفيع في
إرادة الله تعالى، فيحوّلها عن مجازاة الكافر
بالنّعمة الباخل بالصّدقة المستحقّ للمقت
والعقوبة بتدنيس نفسه وتدسیتها في الدّنيا،
وهذا هو الوجه الّذي اختاره الأستاذ الإمام،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/١،
٨/ ٢٢٥، تفسير الشعراوي ٦٤٠٨/١٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٠٤.
فالآية بمعنى قوله تعالى في هذه السّورة:
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًّا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا
يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُّ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ
وجدوه في الدنيا لأن كل إنسان في الآخرة يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨].
فقوله: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَنْ نَّفْسِ شَيْئًا﴾
إذن: فهؤلاء الذين كفروا وصدوا عن بمعنى نفي الخلّة هنا، والعدل: هو الفداء
بالعوض، وهو بمعنى البيع المنفيّ هنا،
ومثلها آية ﴿وَتَّقُواْ يَوْمَالًا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَفْسٍ
شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ
يُصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]))(٣).
وقال تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا
وَعَلَائِيَّةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعُ فِيهِ وَلَا
خِلَلُ﴾ [إبراهيم: ٣١].
قال ابن كثير: ((المراد من هذا أنّه يخبر
تعالى أنّه لا ينفع أحدًا بيعٌ ولا فديةٌ، ولو
افتدى بملء الأرض ذهبًا لو وجده، ولا
ينفعه صداقة أحدٍ ولا شفاعة أحدٍ إذا لقي
اللّه كافرًا، قال اللّه تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمَالًّا
تَجْزِى نَفْسَّ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا
تَنْفَحُهَا شَفَعَةٌ وَلَاهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ
مِمَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ
وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
[البقرة: ٢٥٤]))(٤).
(٣) تفسير المنار ٣/ ١٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥١٠.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الجيمى
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾
[فاطر: ١٨].
أي: لا تحمل نفس عن نفسٍ شيئًا، بل
كلِّ مطالبٌ بأمر نفسه(١).
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ
وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودُ
هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَّ فَلَا
تَغُرَّنَكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِاللَّهِ
الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].
أمر تعالى الناس بتقواه التي هي امتثال
أوامره، وترك زواجره، ويستلفتهم لخشية
يوم القيامة اليوم الشديد الذي فيه كل أحد
لا يهمه إلا نفسه فـ﴿لَّيَجْزِى وَالِدُّعَنْ وَلَدِهِ.
وَلَاَ مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِهِشَيْئًا ﴾ لا يزيد في
حسناته ولا ينقص من سیئاته، قد تم على
كل عبد عمله، وتحقق عليه جزاؤه.
فلفت النظر في هذا لهذا اليوم المهيل
مما يقوي العبد ويسهّل عليه تقوى الله،
وهذا من رحمة الله بالعباد، يأمرهم بتقواه
التي فيها سعادتهم، ويعدهم عليها الثواب،
ويحذرهم من العقاب، ويزعجهم إليه
بالمواعظ والمخوفات، فلك الحمد يا رب
العالمين.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ فلا تمتروا فيه،
ولا تعملوا عمل غير المصدق، فلهذا قال:
﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ بزينتها
(١) المصدر السابق ٧/ ٨٧.
جوبيـ
القرآن الكَرِيْمِ
﴿وَلَا
وزخارفها وما فيها من الفتن والمحن
يَغُرَّنَّكُمْ بِلَّهِ الْغَرُورُ﴾ الذي هو الشيطان
الذي ما زال يخدع الإنسان ولا يغفل عنه
في جميع الأوقات، فإن لله على عباده حقًّا،
وقد وعدهم موعدًا یجازیھم فیه بأعمالهم،
وهل وفوا حقه أم قصروا فيه؟!
وهذا أمر يجب الاهتمام به، وأن يجعله
العبد نصب عينيه، ورأس مال تجارته التي
یسعی إلیھا(٢).
قال ابن کثیر: «یقول تعالی منذرًا للنّاس
يوم المعاد، وآمرًا لهم بتقواه والخوف منه،
والخشية من يوم القيامة حيث ﴿لَآَيَجْزِى
وَالِدَّعَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: لو أراد أن يفديه بنفسه
لما قبل منه، وكذلك الولد لو أراد فداء والده
بنفسه لم يتقبّل منه.
ثمّ عاد بالموعظة عليهم بقوله: ﴿فَلَا
تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ أي: لا تلهينكم
بالطّمأنينة فيها عن الدّار الآخرة ﴿وَلَا
يَغُرَّنَّكُمْ بِلَهِالْغَرُورُ﴾ يعني: الشّيطان))(٣).
موضوعات ذات صلة:
الثواب، الجنة، الحساب، العمل،
الکسب، النار
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٥٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥١/٦.
١٠٨