النص المفهرس
صفحات 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
الخَاءُ
عناصر الموضوع
مفهوم الجزاء
٦٦
الجزاء في الاستعمال القرآني
٦٨
الألفاظ ذات الصلة
٦٩
أنواع الجزاء
٧١
قواعد في الجزاء
٩٩
المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر
حرف الجر
مفهوم الجزاء
أولًا: المعنى اللغوي:
((الجيم والزّاء والياء: قيام الشّيء مقام غيره، ومكافأته إيّاه))(١)، وفلانٌ ذو غناءٍ وجزاء
-ممدود-، وتجازيت ديني: تقاضيته(٢).
والجزاء يأتي بمعنى القضاء أيضًا ، وجزيته بما صنع جزاء وجازيته، بمعنىً، ويقال:
جازيته فجزيته، أي: غلبته(٣)، وجزى الشّيء يجزي: كفى؛ ومنه جزى عنه هذا الأمر: أي:
قضی.
وفي حديث صلاة الحائض: (فأمرهنّ أن يجزين) (٤) أي: يقضين.
وفي حديثٍ آخرٍ: (تجزي عنك ولا تجزي عن أحدٍ بعدك) (٥).
وتقول: إن وضعت صدقتك في آل فلانٍ جزت عنك، فهي جازيةٌ عنك.
والجوازي: جمع جازية أو جازٍ أو جزاءٍ، وبكلِّ فسّر قول الحطيئة: من يفعل الخير لا
يعدم جوازيه.
ويقال: جزتك عنّي الجوازي: أي جزتك جوازي أفعالك المحمودة (٦).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّف مصطلح الجزاء خلق كثيرون، ومما ينبغي ذكره في هذا المقام هو ما ينسجم مع
طبيعة الدراسة القرآنية، ومن هذه التعريفات:
ذكر الإمامان الأصفهاني والمناوي أن الجزاء اصطلاحًا هو: «كل ما فيه الكفاية من
المقابلة، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشٌّ))(٧).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥٥/١ - ٤٥٦.
(٢) العين، الفراهيدي ٦/ ١٦٤.
(٣) الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٠٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصّوم على الحائض دون الصّلاة، رقم
٣٣٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العيدين، باب الأكل يوم النحر، رقم ٩٥٥.
(٦) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٥٨، لسان العرب، ابن منظور ١٤٣/١٤ - ١٤٤، المصباح المنير،
الفيومي ١/ ١٠٠، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٢٧٠، تاج العروس، الزبيدي ٣٥١/٣٧-
٣٥٦، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١٢١ - ١٢٢.
(٧) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ١٩٥، التوقيف، المناوي، ص ١٢٥.
جَوَسُولَةُ النَّة
القرآن الكريمِ
٦٦
الجزاء
وعرّفه الشيخ محمد عبد الله دراز بأنه: ((رد فعل القانون على موقف الأشخاص
الخاضعين لهذا القانون»(١).
وبالنظر إلى التعريفين السابقين يتضح أن التعريف الأول أكثر دقةً؛ إذ إنه جامع لكل
جوانب المصطلح من جهة، وهو مانع لغيره من الألفاظ ذات الصلة، كما أن تعريف الشيخ
محمد عبد الله دراز يظهر فيه التأثر من التعريف القانوني له في الدنيا، وكما هو معلوم فإن
التعريف القرآني يركز على الجانبين الدنيوي والأخروي، مع تقديم الآخرة على الدنيا.
وكلا المعنيين اللغوي والاصطلاحي لا يخرجان عن أن معنى الجزاء مقابلة الخير بالخير
والشر بالشر.
(١) دستور الأخلاق في القرآن ص ٢٤٥.
www. modoee.com
٦٧
حرف الجر
الجزاء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (جزي) في القرآن (١١٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
والصيغ التى وردت هى:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤
وَجَزَُّهُمْ بِمَا صَبَرُواْجَنَّةً وَحَرِيرًا
١٢ # [الإنسان: ١٢]
الفعل المضارع
٧٠
نِعْمَةً مِنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ تَجْزِى مَن شَكَرَ
[القمر: ٣٥]
٣٥
المصدر
٤٢
﴿هَلْ جَزَّآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ
(٦٠ } [الرحمن: ٦٠]
اسم الفاعل
١
﴿وَلَاَ مَوْلُودُّ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]
وجاء الجزاء في القرآن على ثلاثة وجوه (٢):
أحدها: ثواب الخير أو الشر: ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَنُهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى ﴾ [النجم:
٤١]، يعني: يثيبه على ما سعى؛ إن خيرًا فيكافئه بالخير، وإن شرًّا فيعاقبه بالشر.
الثاني: القضاء: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]،
يعني: لا تقضي.
الثالث: البدل والعوض: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ
النَّعَمِ﴾ [ المائدة: ٩٥]، يعني: بدله.
(١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١٦٨ - ١٧٠، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، ص ٣٨٩-٣٩١.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآ بادي ٣٨٠/٢.
٦٨
مُوسُوبَةُ اللَّشية
القرآن الكريم
الجزاء
الألفاظ ذات الصلة
الثواب:
١
الثواب لغةً:
الثواب اسم للمصدر؛ لأنّ مصدر الثلاثي ثوبًا وثوبانًا، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل
الثواب ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدة معانٍ، أبرزها: العود
والرجوع، والاجتماع، والجزاء(١).
الثّواب اصطلاحًا:
الجزاء كيف ما كان من الخير والشر، إلّا أن استعماله في الخير أكثر(٢).
الصلة بين الثواب والجزاء:
الجزاء أعم وأشمل من الثواب؛ حيث إن الجزاء على المكافأة مقابل عمل الخير أو الشر،
كلَّ حسب عمله، أما الثواب فهو مكافأة مقابل الطاعة والعبادة فقط.
العقاب:
٢
العقاب لغة:
العقاب مأخوذ من (عقب): العین والقاف والباء أصلان صحیحان: أحدهما يدل على
تأخير شيء وإتيانه بعد غيره. والأصل الآخر يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة (٣).
العقاب اصطلاحًا:
العقاب: هو جزاء الشّرّ، والنكال أخص منه(٤)، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذّنب من
المحنة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا(٥).
الصلة بين العقاب والجزاء:
من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للعقاب تبيّن أن الجزاء أعم وأشمل منه؛ إذ
إن العقاب يعني إصلاح الخطأ بمحاسبة، والجزاء يضاف إليه مكافأة عمل الخير بالثواب.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٣/١، النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٢٢٧/١، مختار
الصحاح، الرازي ص ٩٠، لسان العرب، ابن منظور ٢٤٣/١. القاموس المحيط، الفيروز آبادي
١/ ٦٤، المصباح المنير، الفيومي ١/ ٨٧ تاج العروس، الزبيدي ٢/ ١٠٣.
(٢) الكليات، الكفوي ص٣٢٨.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٧٧.
(٤) الكليات، الكفوي ص٦٥٤.
(٥) كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي ٢/ ١١٩٢.
www. modoee.com
٦٩
حرف الجيمى
الحساب:
٣
الحساب لغةً:
مأخوذ من قولهم: حسبك كذا، أي: كفاك، فسمي الحساب في المعاملات حسابًا لأنه
يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان، والحسبان: الظن (١).
الحساب اصطلاحًا:
هو المؤاخذة والمجازاة، والحساب: ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه، ولا يخرج المعنى
اللغوي عن المعنى الاصطلاحي له (٢).
الصلة بين الحساب والجزاء:
من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للحساب تبيّن أن الجزاء أعمّ وأشمل منه؛
إذ إنّ الحساب يعني إيقاع العذاب على الخاطئ مع كفاية المحاسب في القدرة على حماية
المظلوم.
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢ / ٨٧، الصحاح، الجوهري ١ / ١١٠، تاج العروس، الزبيدي
٢ / ٢٦٨، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ / ١٧١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٣٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢ / ٤٦٠،
التوقيف، المناوي ص ١٣٩، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣ / ١٣٠، الموسوعة القرآنية، إبراهيم
الأبياري ٨ / ١٣١.
٧٠
مَوَسُو بَرُ النَفسِيد
القرآن الكريم
الجزاء
أنواع الجزاء
تحدث القرآن الكريم عن أنواع الجزاء
وهذا ما سنبينه فيما يأتي:
أولًا: الجزاء الحسن وأهله في الدنيا:
تعددت صور الجزاء الحسن وأهله في
الدنیا، ومن هذه الصور:
١. جزاء الشاكرين.
والشّكر مطلقًا: الثناء على المحسن بذكر
إحسانه، فالعبد يشكر الله، أي: يثنى عليه
بذكر إحسانه الّذي هو النّعمة.
والله تعالى يشكر العبد، أي: يثني عليه
بقبول إحسانه الّذي هو الطّاعة.
وهذا المفهوم ينقسم إلى:
الشكر اللّغويّ: وهو الوصف بالجميل
على جهة التّعظيم والتبجيل باللّسان
والجنان والأركان.
وإلى الشّكر العرفيّ: وهو صرف العبد
جميع ما أنعم الله به عليه من السّمع والبصر
والكلام وغيرها إلى ما خلق له وأعطاه
لأجله، كصرف النّظر إلى مصنوعاته،
والسمع إلى تلقي إنذاراته، والذهن إلى فهم
معانيها(١).
وللإنسان حالان لا يخرج عنهما، ولا
ثالث لها ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:
(١) الكليات، الكفوي ص٥٣٤.
٣].
وجاء وصف اثنين من أولي العزم بهذا
الشرف العظيم، وهما:
١. نوح عليه السلام ، قال عز وجل عنه:
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:
٣].
٢. إبراهيم عليه السلام إذ قال تعالى عنه:
شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ أَجْتَبَتُهُ وَهَدَنَهُ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ﴾ [النحل: ١٢١].
ومن فضل الله على المؤمنين أنه لا يقدّر
علیهم خيرًا ولا مصيبة إلا کان خیرًا لهم.
إن أصابتهم سراء فشكروا؛ جازاهم جزاء
الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا؛
جازاهم جزاء الصابرين (٢).
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
أي: ﴿لَيْن شَكَرْتُمْ ﴾ نعمتي علیکم
لأزيدنّكم منها ﴿وَلَيِن كَفَرْتُمْ﴾ أي:
كفرتم النّعم وسترتموها وجحدتموها ﴿إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ وذلك بسلبها عنهم، وعقابه
إيّاهم على كفرها(٣).
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوُ لُوطٍ بِالنُّدُرِ ) إِنَّا
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبً إِلَّ ءَالَ لُوطٍ غَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ )
نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ [القمر:
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٥٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٤٧٩.
www. modoee.com
٧١
حرف الجيمى
٣٣-٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَلِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ
فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ
﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ
١٤٤
كِتَبًا مُؤَجَّلًاٌ وَمَنْ يُرِدَّثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا
وَمَنْ يُرِدْ تَّوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاً وَسَنَجْرِى
الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤ -١٤٥].
من مبادئ التّقوى، وقد تسمى التّقوى خوفًا
وخشية، ويسمى الخوف تقوى(٣).
لذلك جاء جزاؤهم مفخمًا بكل أنواع
التعظيم والإكرام، ومن هذه الجزاءات:
قوله تعالى: ﴿جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْ خُلُونَهَا تَّجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَاءُونَّ كَذَلِكَ
يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّهُ
اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ
قال محمد بن إسحاق: ((أي: فمن كان وَمَصِيرًا (٥ لَّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِينٌ
منكم يريد الدنيا ليس له رغبة في الآخرة كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٥ -
١٦ ].
نؤته منها ما قسم له فيها من رزق، ولا حظ له
في الآخرة ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ﴾ منكم
﴿نُؤتيه،مِنها﴾ ما وعده، مع ما يجري عليه
من رزقه في دنياه، وذلك جزاء الشاكرين
أي: المتقين)»(١).
٢. جزاء المتقين.
التقوى: هو على ما قاله عليّ رضي الله
عنه: «ترك الإصرار على المعصية، وترك
الاغترار بالطّاعة، وهي الّتي يحصل بها
الوقاية من النّار، والفوز بدار القرار))(٢).
وغاية التقوى البراءة من كل شيء سوى
الله، ومبدؤه اتقاء الشّرك، وأوسطه اتقاء
الحرام، والتّقوى منتهى الطّاعات، والرهبة
أي: قل لهم -مبينًا لسفاهة رأيهم
واختيارهم الضار على النافع -: ﴿أَذَلِكَ﴾
الذي وصفت لكم من العذاب ﴿خَيْرٌ أَمْ
جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ التي
زادها تقوى الله، فمن قام بالتقوى فالله قد
وعده إياها ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَّآءُ﴾ على تقواهم
﴿وَمَصِيرًا ﴾ موئلا يرجعون إليها، ويستقرون
فيها، ويخلدون دائمًا أبدًا.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ أي: يطلبون
وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم، من المطاعم
والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة
والنساء الجميلات، والقصور العاليات،
والجنات والحدائق المرجحنة (٤)، والفواكه
(٣) الكليات، الكفوي ص٢٩٩.
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٦/ ١٠٩.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦٨/٢ غرائب (٤) رجحن: ارجحن الشئ: مال، ونخل مراجيح
ومواقير: ثقال الأحمال ومن المجاز: هذه
القرآن، النيسابوري ١٣٨/١.
مَوَسُو ◌َرُ النَِّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٧٢
الجزاء
التي تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وَأَعْنَا (٦) وَكَوَاعِبَ أَنْابَ وَأْسَّا بِهَافًا ) لَّا
يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا كِذَّابًا (٥) جَزَآءُ مِّن رَّبِكَ عَطَآءَ
حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣١ -٣٦].
وتنوعها وكثرة أصنافها، والأنهار التي
تجري في رياض الجنة وبساتينها، حیث
شاءوا يصرفونها ويفجرونها أنهارًا من ماء
غير آسن، وأنهارًا من لبن لم يتغير طعمه،
وأنهارًا من خمر لذة للشاربين، وأنهارًا
من عسل مصفى، وروائح طيبة، ومساكن
مزخرفة، وأصوات شجية تأخذ من حسنها
بالقلوب، ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء
الأحباب، وأعلى من ذلك كله التمتع
بالنظر إلى وجه الرب الرحيم وسماع
كلامه، والحظوة بقربه، والسعادة برضاه،
والأمن من سخطه، واستمرار هذا النعيم
ودوامه وزيادته على ممر الأوقات، وتعاقب
الآنات، ﴿کان﴾ دخولها والوصول إليها
﴿عَلَى رَيِّكَ وَهْدًا مَسْئُولًا ﴾ يسأله إياها، عباده
المتقون بلسان حالهم، ولسان مقالهم، فأي
الدارين المذكورتين خير وأولى بالإيثار؟
وأي العاملين، عمال دار الشقاء أو عمال
دار السعادة؛ أولى بالفضل والعقل والفخر
يا أولي الألباب؟(١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازَّاً ) حَدَابِقَ
رحى مرجحنّة للسحابة المستديرة الثقيلة،
ويقال: فلان في دنيا مرجحنّة أي: واسعة
كثيرة.
انظر: الصحاح، الجوهري ٢١٢١/٥،
تهذيب اللغة، الأزهري ٢٠٢/٥.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧٩.
قال ابن كثير: ((يقول تعالى مخبرًا عن
السّعداء وما أعدّ لهم تعالى من الكرامة
والنّعيم المقيم، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَغَازًا﴾.
قال ابن عبّاسٍ والضّحّاك: متنزّهًا.
وقال مجاهد، وقتادة: فازوا، فنجوا من
النّار.
والأظهر ها هنا قول ابن عبّاسٍ؛ لأنّه قال
بعده: ﴿حَدَابِقَ﴾ وهي البساتين من النّخيل
وغيرها ﴿وَأَعْنَبًا وَكَوَاعِبَ أَزَاءٍ﴾ أي: وحورًا
کواعب.
قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وغير واحدٍ:
﴿وَكَوَاعِبَ﴾ أي: نواهد، يعنون أن ثديّهن
نواهد لم يتدلّين؛ لأنّهنّ أبكارٌ عرب أترابٌ،
أي: في سنٍّ واحدةٍ))(٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلِ وَعُونٍ
﴿ وَفَوْكِهَ مِنَّا يَشْتَهُونَ ١ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنْيَاً
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْيِينَ﴾
[المرسلات: ٤١ - ٤٤].
قال ابن كثير: ((يقول تعالى مخبرًا عن
عباده المتقين الّذين عبدوه بأداء الواجبات،
وترك المحرّمات إنّهم يوم القيامة يكونون
في جنّاتٍ وعيونٍ، أي: بخلاف ما أولئك
الأشقياء فیه من ظلّ الیحموم، وهو الدخان
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣٠٨/٨.
www. modoee.com
٧٣
حرف الجيمى
الأسود المنتن.
﴿وَفَوَِّكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: من سائر أنواع
الثّمار مهما طلبوا وجدوا، ﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَئًا
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك على
سبيل الإحسان إليهم، ثمّ قال تعالى مخبرًا
خبرًا مستأنفًا: ﴿إِنَّ كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْيِنِينَ﴾ أي:
هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل»(١).
٣. جزاء المحسنين.
الإحسان: هو فعل ما ينفع غيره بحيث
يصير الغير حسنًا به، كإطعام الجائع، أو
يصير الفاعل به حسنًا بنفسه(٢).
والإحسان مطلوبٌ في كلّ شيءٍ بهدي
دين الفطرة، الدّاعي لحسنتي الدّنيا والآخرة،
وجزاء الإحسان في كلّ شيء بحسبه، قال عز
وجل: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ﴾
[الرحمن: ٦٠].
كما أنّ الإساءة محرّمةٌ في كلّ شيءٍ
وجزاؤها من جنسها، قال عز وجل:
﴿يَجْزِئَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَجْزِىَ أَلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ بِاَلْسُْنَى﴾ [النجم: ٣١](٣).
وقوله تعالى: ﴿مَلٌ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا
الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
أي: هل جزاء من أحسن في عبادة
الخالق ونفع عبيده إلا أن يحسن إليه
(١) المصدر السابق ٣٠١/٨.
(٢) الكليات، الكفوي ص ٥٣، ٦٦٧.
(٣) المنار، محمد رشيد رضا ٤١١/٨.
بالثواب الجزيل، والفوز الكبير، والنعيم
المقيم، والعيش السليم (٤).
وقوله تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ
رَيِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤].
هو تعبير جامع يشمل كل ما يخطر
للنفس المؤمنة من رغائب، ويقرر أن هذا
﴿لَهُم﴾ عند ربهم، فهو حقهم الذي لا
یخیب ولا یضیع (٥).
وخص المولى الأنبياء بكثير من النعم
بسبب إحسانھم.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ
فقال تعالى:
وَيَعْقُوبَّ كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن
قَبْلٌ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوبَ
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى
اُلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤].
قال محمد رشيد رضا: ((قال تعالى بعد
ذكر هؤلاء: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي:
بالجمع بين نعم الدّنيا ورياستها بالحقّ،
وهداية الدّين وإرشاد الخلق، وهذا كما قال
الله تعالى في أحدهم -يوسف -: ﴿وَلَمًّا
بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَا وَكَذَلِكَ نَّجْزِى
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢].
فهو جزاءٌ خاصٌّ بعضه معجّلٌ في الدّنيا،
أي: ومثل هذا الجزاء في جنسه يجزي الله
بعض المحسنين بحسب إحسانه في الدّنيا
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٣١.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٥١/٥.
٧٤
مُوسُوبَةُ الْتَظِيمـ
القرآن الكْرِيْمِ
الجزاء
قبل الآخرة، ومنهم من يرجئ جزاءه إلى في أخسّ الأشياء، ثمّ بعد هذا كلّه نصرهم
الآخرة))(١).
وقال تعالى عن يوسف عليه السلام:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ
نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢].
قال ابن كثير: «قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾
أي: يوسف عليه السلام ﴿أَشْدَّهُ﴾ أي:
استكمل عقله، وتمّ خلقه ﴿ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا﴾ يعني: النّبوّة، إنّه حباه بها بين أولئك
الأقوام ﴿وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي:
إنّه كان محسنًا في عمله، عاملًا بطاعة ربّه
تعالی»(٢).
وقال تعالى مثل ذلك عن موسى عليه
السلام: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَأَسْتَوَىَ مَانَيْنَهُ حُكْمًاً
وَعِلْمَأْ وَكَذَلِكَ غَغْرِىِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:
١٤].
وقال تعالى عن موسى وهارون عليهما
﴿سَلَُ عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
السلام:
٢) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾
[الصافات: ١٢٠-١٢١].
قال ابن كثير: ((يذكر تعالى ما أنعم به المكاره والشّدائد، ونجعل لهم من أمرهم
على موسى وهارون من النّبوّة والنّجاة بمن
آمن معهما من قهر فرعون وقومه، وما كان
يعتمده في حقّهم من الإساءة العظيمة من
قتل الأبناء واستحياء النّساء، واستعمالهم
(١) المنار ٤٨٩/٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣٧٨.
عليهم، وأقرّ أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا
أرضهم وأموالهم وما كانوا جمّعوه طول
حياتهم، ثمّ أنزل اللّه على موسى الكتاب
العظيم الواضح الجليّ المستبين وهو
التّوراة))(٣).
وقال تعالى عن نوح عليه السلام:
﴿وَلَقَدْ نَادَلَنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
٧٥
وَغَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم ◌ٌ
ا وَجَعَلْنَا
ذُرِّيَّتَهُ, هُ الْبَاقِينَ () وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِينَ
٧٨
سَلَمُ عَلَى نُوحٍ فِ الْعَلَمِينَ { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٥ - ٨٠].
وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
﴿سَلَمُ عَلَى إِزَهِيمَ ﴿ كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾
[الصافات: ١٠٩- ١١٠].
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ
١٠٣
يَكَإِبْرَهِيمُ (١٥) قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيَأَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٣-١٠٥].
قال ابن كثير: ((قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
المُحسِنِينَ﴾ أي: هكذا نصرف عمّن أطاعنا
فرجًا ومخرجًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَبْعَل لَّهُ, مَخْهً ا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ
أَمْرِهِدُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣٦/٧.
www. modoee.com
٧٥
حرف الجيمى
٢-٣])) (١).
وأثنى الله على إلياس كما أثنى على
إخوانه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
، فقال: ﴿سَلَمُ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (٣) إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠ - ١٣١] (٢).
وقال تعالى عن جزاء كلّ من أحسن
العمل: ﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيئَأُ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ()
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٣-
٤٤](٣) .
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ
الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ
الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].
كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًامِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
أي: من أحسن عمله في الدّنيا أحسن
اللّه إليه في الدّنيا والآخرة.
ثمّ أخبر بأنّ دار الآخرة خيرٌ، أي: من
الحياة الدّنيا، والجزاء فيها أتمّ من الجزاء في
الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْعِلْمَ وَيُلَكُمْ تَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾
[آل عمران: ١٩٨].
﴿وَلََّخِرَةُ خَيَّرٌ وَأَبْقَىَ﴾﴾
وقال تعالى:
(١) المصدر السابق ٧/ ٣٠.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٠٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠١/٨.
[الأعلى: ١٧].
وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم:
﴿وَلَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
ثمّ وصفوا الدّار الآخرة فقالوا: ﴿وَلَنِعْمَ
دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠](٤).
وقال السعدي: ((﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ في
عبادة الله تعالى ، وأحسنوا إلى عباد الله
فلهم ﴿فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ﴾ رزق واسع،
وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور
﴿وَلَدَار الآخرة خيرٌ﴾ من هذه الدار وما فيها
من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه
نعیمها قلیل محشو بالآفات منقطع، بخلاف
نعيم الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ
اٌلْمُتَّقِينَ﴾(٥).
قال الشعراوي: «نفهم من هذه الآية أنه
على المؤمن ألا يترك الدنيا وأسبابها، فربما
أخذها منك الكافر، وتغلّب علیك بها، أو
يفتنك في دینك بسببها، فمن یعبد الله أولی
بسرّه في الوجود، وأسرار الله في الوجود
هي للمؤمنين، ولا ينبغي لهم أن يتركوا
الأخذ بأسباب الدنيا للكافرين.
اجتهد أنت أيها المؤمن في أسباب الدنيا
حتى تأمن الفتنة من الكافرين في دنياك، ولا
يخفي ما نحن فيه الآن من حاجتنا لغيرنا،
مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا
(٤) المصدر السابق ٤ /٥٦٨.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص٤٣٩.
٧٦
مَوَسُو بَرُ النَّفْسِيد
القرآن الكريم
الجزاء
ومقدراتنا.
لذلك يقول سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّهُ﴾ [النحل: ٣٠].
أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم المحاويج الضّعفاء، الّذين لا كسب لهم
اليد العليا بما اجتهدوا، وبما عملوا في
دنياهم، وبذلك ينفع الإنسان نفسه وينفع
غيره، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس
كانت يدك هي العليا، وكان ثوابك وخيرك
موصولًا بخير الآخرة؛ لذلك يقول النبي
صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس
غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان
أو بهيمة إلا كان له به صدقة)(١). ومن هذه
الآية أيضًا يتضح لنا جانب آخر هو ثمرة من
ثمرات الإحسان في الدنيا وهي الأمن))(٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَحِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ
رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾
[الزمر: ١٠].
قال ابن كثير: ((يقول تعالى آمرًا عباده
المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه
﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي: لمن
أحسن العمل في هذه الدّنيا حسنةٌ في دنياهم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المزارعة، باب فضل الزّرع والغرس إذا أكل
منه، رقم ٢٣٢٠، ومسلم في صحيحه، كتاب
المساقاة، باب فضل الغرس والزّرع، رقم
١٥٥٣.
(٢) تفسير الشعراوي ١٣/ ٧٨٨٦.
وأخراهم»(٣).
٤. جزاء المتصدقين.
الصّدقة: هي الإحسان إلى النّاس
ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال
طاعةً لله، وإحسانًا إلى خلقه، وقد ثبت في
الصّحيحين: (سبعةٌ يظلّهم اللّه في ظلّه يوم
لا ظلّ إلّا ظلّه -فذكر منهم -: ورجل تصدق
بصدقة فأخفاها حتّی لا تعلم شماله ما تنفق
یمینه)(٤).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال:
(ضرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
مثل البخيل والمتصدّق كمثل رجلين
عليهما جبّتان من حديدٍ أو جنّتان من
حديدٍ، قد اضطرّت أيديهما إلى ثديّهما
وتراقيهما، فجعل المتصدّق كلّما تصدّق
بصدقةٍ انبسطت عنه، حتّى تغشى أنامله،
وتعفو أثره، وجعل البخيل كلّما همّ بصدقةٍ
قلصت، وأخذت کلّ حلقةٍ مكانها)، قال أبو
هريرة: (فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول بإصبعه هكذا في جيبه، فلو رأيته
(٣) تفسير القرآن العظيم ٨٩/٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان،
باب من جلس في المسجد ينتظر الصّلاة
وفضل المساجد، رقم ٦٦٠، ومسلم في
صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء
الصّدقة، رقم ١٠٣١.
www. modoee.com
٧٧
حرف الجيمر
يوسّعها ولا يتّسع)(١).
وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ.
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
فجود الرّجل يحبّبه إلى أضداده، وبخله
یبغّضه إلى أولاده، كما قيل(٢):
ويظهر عيب المرء في النّاس بخله
وتستره عنهم جميعًا سخاؤه
تغطّ بأثواب السّخاء فإنّني
أرى كلّ عيبٍ والسّخاء غطاؤه (٣)
ومدح الله تعالى المنفقين في سبيله،
وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات، من ليلٍ
أو نهارٍ، والأحوال، من سرِّ وجهارٍ، فقال:
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ
سِرَّا وَعَلَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[البقرة: ٢٧٤].
والنّفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا،
کما ثبت في الصّحیحین أنّ رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقّاصٍ
حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي روايةٍ عام
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس،
باب جيب القميص من عند الصدر وغيره،
١٤٣/٧، رقم ٥٧٩٧، ومسلم في صحيحه،
كتاب الزكاة، باب مثل المنفق والبخيل،
٧٠٨/٢، رقم ١٠٢١.
(٢) البيتان لصالح بن عبد القدوس.
انظر: روضة العقلاء، أبو حاتم البستي ص
٢٢٧، أدب الدنيا والدين، الماوردي ص
١٨٤، ولم نجدهما في ديوانه.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٩/٦.
حجّة الوداع: (وإنّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها
وجه الله إلّا ازددت بها درجةً ورفعةً، حتّى ما
تجعل في في امرأتك)(٤).
وقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَيِّهِمْ ﴾ أي: ثوابهم عند الله؛ وسمي أجرًا
لأنه يشبه عقد الإجارة التي يعوّض فيه
العامل علی عمله؛ وهذا الأجر قد بین فیما
سبق من السورة بأن الذين ينفقون أموالهم
في سبيل الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي
كُلّ سُتْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاَللَّهُ
وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي:
فيما يستقبل ﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي:
فيما مضى؛ فهم لا يحزنون على ما سبق؛
ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون
ثواب الله عز وجل ؛ ولا يحزنون على ما
مضی لأنهم أنفقوه عن طيب نفس.
ومن الفوائد في هذه الآية:
١. الثناء على الذين ينفقون أموالهم في
سبیل الله سواء کان ليلا، أو نهارًا، أو
سرًّا، أو جهارًا.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٠٧/١.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب الإيمان، بابٌ ما جاء إنّ الأعمال بالنّة
والحسبة، رقم ٥٦، ومسلم في صحيحه،
كتاب الوصيّة، باب الوصيّة بالثّلث، رقم
١٦٢٨.
موسوعة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٧٨
الجزاء
٢. كثرة ثوابهم؛ لأنه سبحانه وتعالى ٢٤].
أضاف أجرهم إلى نفسه، فقال تعالى:
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ ﴾ والثواب
عند العظيم يكون عظيمًا.
٣. أن الإنفاق يكون سببًا لشرح الصدر،
وطرد الهم والغم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
وهذا أمر مجرب مشاهد؛ أن الإنسان
إذا أنفق يبتغي وجه الله انشرح صدره،
وسرت نفسه، واطمأن قلبه؛ وقد ذکر
ابن القيم رحمه الله في ((زاد المعاد)» أن
ذلك من أسباب انشراح الصدر (١).
٤. كرم الله عز وجل حيث جعل هذا
الثواب الذي سببه منه وإليه أجرًا
لفاعله؛ کالأجیر إذا استأجرته فإن أجره
ثابت لازم.
٥. كمال الأمن لمن أنفق في سبيل
الله؛ وذلك لانتفاء الخوف والحزن
(٢)
عنهم(٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ) إِذَا
مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا (١) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (١)
إِلَّا الْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآيِمُونَ (٣)
وَالَّذِينَ فِ أَمْوَلِهِمْ حَقَّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ١٩-
(١) حيث قال: ((فإن للصدقة وفعل المعروف
تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدر)) .
انظر: زاد المعاد ٢/ ٢٢.
(٢) تفسير القرآن الكريم، الفاتحة والبقرة ، ابن
عثیمین، ٣٧٢/٣ - ٣٧٣.
فمن أسباب النجاة من صفات الذم
العمل بما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِ أَقْوَهُمْ
حَّ مَعْلُومٌ ﴾ أي: في أموالهم نصيبٌ مقرّرٌ
لذوي الحاجات. فالصّلاة والزكاة والصدقة
علاجٌ لما في جبّة الإنسان من الهلع والجبن
الحاجم له عن الإقدام في الدّفاع عن الحقّ
وإعلاء كلمة الله، ومن الشّحّ الصّادّ له عن
الإنفاق في سبيل الله؛ ولذلك كان المنافقون
أجبن النّاس وأبخلهم(٣).
ثانيًا: الجزاء السيئ وأهله في الدنيا:
تعددت صور الجزاء السيئ وأهله في
الدنيا، ومن هذه الصور:
١. جزاء المجرمين.
أخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية
بظلمهم وكفرهم، بعد ما جاءتهم البينات
على أيدي الرسل، وتبين الحق فلم ينقادوا
لها ولم يؤمنوا، فأحل بهم عقابه الذي لا
يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله،
وهذه سنته في جميع الأمم (٤).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا
وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَيِّ الْخِيَاءِ وَكَذَلِكَ
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٦/٨،
٢٢٧ المنار، محمد رشيد رضا ٤٦٨/١٠
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٨٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٩.
www. modoee.com
٧٩
حرف الجيمى
تَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكُنَا الْقُرُونَ مِن
قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبِنَتِ
وَمَا كَانْلِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.
[يونس: ١٣].
قال سيد قطب رحمه الله: ((لقد انتهى
بهم الإسراف وتجاوز الحد والظلم -وهو
الشرك- إلى الهلاك، وهذه مصارعهم
كانوا يرون بقيتها في الجزيرة العربية،
في مساكن عاد وثمود وقرى قوم لوط،
وتلك القرون جاءتهم رسلهم بالبينات كما
جاءكم رسولكم: ﴿وَمَا كَانُ ◌ْلِيُّؤْمِنُواْ ﴾ لأنهم
لم يسلكوا طريق الإيمان، وسلكوا طريق
الطغيان فأبعدوا فيها، فلم يعودوا مهيئين
للإيمان، فلقوا جزاء المجرمين ﴿كَذَلِكَ
تَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وإذ يعرض عليهم
نهاية المجرمين الذين جاءتهم رسلهم
بالبينات فلم يؤمنوا، فحق عليهم العذاب،
يذكرهم أنهم مستخلفون في مكان هؤلاء
الغابرين، وأنهم مبتلون بهذا الاستخلاف
ممتحنون فيما استخلفوا فيه: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ
خَلَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ
تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]))(١).
وقال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ دَيّهَا
فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمُّ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ
اُلْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
(١) في ظلال القرآن ٣/ ١٧٦٩.
﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تخرّب ﴿ُلَّ شَىْءٍ﴾ من
بلادهم ممّا من شأنه الخراب ﴿يأَمْرِ رَبِهَا﴾
أي: بإذن الله لها في ذلك، كقوله: ﴿مَانَذَرُ
مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّبِيمِ﴾ [الذاريات:
٤٢].
أي: كالشّيء البالي؛ ولهذا قال:
﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ أي: قد بادوا
كلّهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقيةٌ ﴿كَذَلِكَ
تَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: هذا حكمنا فيمن
كذّب رسلنا، وخالف أمرنا(٢).
٢. جزاء الظالمين.
جزاء الظالمين تربية عاجلة للوقوف أمام
سعارات الظلم من الظالمين؛ لأن الحق لو
تركها للآخرة لاستشرى الظلم، والذي لا
يؤمن بالآخرة يصبح محترفًا للظلم(٣).
قال تعالى: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِئْمِى
وَإِثْمَكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَُّؤًا
اٌلِّلِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩].
أي: إنّي أريد بما ذكرت من اتّقاء مقابلة
الجناية بمثلها أن ترجع أنت إن فعلتها متلبّسًا
هپاتیی وإمك﴾ أي: إثم قتلك إيّاي، وإثمك
الخاصّ بك، الذي كان من شؤمه عدم قبول
قربانك، وهذا التّفسير مأثورٌ عن ابن عبّاسٍ
رضي الله عنه، وفي وجهٍ آخر وهو آنّه مبنيٌّ
على كون القاتل يحمل في الآخرة إثم من
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٦/٧.
(٣) تفسير الشعراوي ٣٠٧٦/٥.
٨٠
مَوَسُولَةُ الْمَّقِين
القرآن الكريم
الجزاء
قتله إن كان له آثامٌ؛ لأنّ الذّنوب والآثام الّتي إلى تذكيره بأنّ المعتدي یحمل إثم نفسه،
وإثم من اعتدى عليه بعدل الله تعالى في
القصاص والجزاء إلى تذكيره بعذاب النّار
وكونها مثوّى للظّالمين الفجّار (١).
فيها حقوقٌ للعباد، لا يغفر الله تعالی منها
شيئًا حتى يأخذ لكلّ ذي حقٍّ حقّه، وإنّما
القصاص في الآخرة بالحسنات والسّيّئات،
وقال تعالى: ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ
خَلِدَيْنِ فِيَهَاً وَذَلِكَ جَزَّوُ اْلظَّلِمِينَ﴾ [الحشر:
١٧].
فيعطى المظلوم من حسنات الظّالم ما
يساوي حقّه إن کان له حسناتٌ توازي ذلك،
أو يحمل الظّالم من آثام المظلوم وأوزاره
قال ابن كثير: ((قوله: ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا
أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا﴾ أي: فكانت
عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له، وتصيّرهما
إلى نار جهنّم خالدين فيها ﴿وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ
اَلِّالِمِينَ ﴾ أي: جزاء كلّ ظالمٍ)) (٢).
ما يوازي ذلك إن كان له آثامٌ أو أوزارٌ،
وما نقص من هذا أو ذاك يستعاض عنه بما
يوازيه من الجزاء في الجنّة أو النّار، وفي
ذكر المتكلّم إثمه وإثم أخيه تواضعٌ وهضمٌ
لنفسه بإضافة الإثم إليها على الوجه الثّاني،
وتذكيرٌ للمخاطب بأنّه ليس له حسناتٌ
توازي هذا الظّلم الّذي عزم عليه.
ولذلك رتّب عليه قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ
أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَُّواْ الْفَّلِينَ﴾ أي:
تکون بما حملت من الإثمین من أهل النّار
في الآخرة؛ لأنّك تكون ظالمًا، والنّار جزاء
كلّ ظالمٍ، فتكون من أهلها حتمًا، ترقّى في
صرفه عن عزمه من التّبرؤ إليه من سبب
حرمانه من قبول قربانه ببيان سبب التّقبّل
عند الله تعالى وهو التّقوى، إلى تنزيه نفسه
من جزائه على جنايته بمثلها، إلى تذكيره بما
يجب من خوف الله تعالى ربّ العالمين
الذي لا يرضیه ممّن وهبهم العقل والاختيار
إلّا أن يتحرّوا إقامة سننه في تربية العالم
وإبلاغ كلّ حيٍّ يقبل الكمال إلى كماله،
وقال السعدي: ((﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا﴾ أي:
الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي
هو الإنسان حين أطاعه ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ
خَلِدَيْنِ فِيهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ
حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
الذین
﴿وَذَلِكَ جَزَُّؤْأُ الظَّالِمِينَ
اشتركوا في الظلم والكفر، وإن اختلفوا في
شدة العذاب وقوته، وهذا دأب الشيطان مع
کل أوليائه، فإنه يدعوهم ویدلیهم إلى ما
يضرهم بغرور، حتى إذا وقعوا في الشباك،
وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم
وتخلى عنهم، واللوم كل اللوم على من
أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٦/ ٢٨٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٧٦/٨.
www. modoee.com
٨١
حرف الجيم
بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدم على ومعانيها ممن افترى على الله الكذب.
طاعته عاصٍ على بصيرة لا عذر له))(١).
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ جَزَُّ مَن ◌ُجِدَفِ
رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الََّلِينَ﴾
[يوسف: ٧٥]، أي: هذه هي شريعتنا نحكمها
في السارق، والسارق من الظالمين(٢).
٣. جزاء المفترين.
كل مفترٍ على الله، كاذب على شرعه،
متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبًا من
الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا(٣).
وتكرر في القرآن الكريم أنه لا أظلم ممن
يفتري الكذب على الله عز وجل ، نحو قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِكَذِبًا أَوْكَذَّبَ
◌ِكَايَتِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنِ اُفْتَرَى
عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِعَايَتِةٍ* إِنَّهُلًا
يُقْلِحُ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى
اللّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَّ إِلَى الْإِسْلَمِّ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوَّمَ
التَّلِمِينَ﴾ [الصف: ٧].
وهذه الآيات وغيرها مما هي في معناها،
وهو: أي ظلم أشنع من الافتراء على الله
والتكذيب بآياته؟!(٤).
والجواب: لا أظلم في أبواب الافتراء
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٥٣.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠١٩/٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٠٤.
(٤) معاني القرآن، النحاس ٣/ ٣٠.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَمٌ
وَحَرْتُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ
بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنْنَهُ لََّ
يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَاءُ عَلَيَّةٍ سَيَجْزِيهِم
بِمَا كَانُواْيَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨].
هذا لون من الافتراءات قد فعلوه ونسبوه
إلى أنهمتلقّی من الله، ومأمور به منه سبحانه،
ولو قالوا: إن هذه الأمور من عندهم لكان
وقع الافتراء أقل حدة، لكنه افتراء شدید؛
لأنهم جاءوا بهذه الأشياء ونسبوها إلى
الله، وهم قد انحلوا عن الدين وقالوا على
بعض من سلوكهم إنه من الدين؛ ولذلك
يجازيهم الله بما افتروا الجزاء الشّديد الأليم
بسبب هذا الافتراء القبيح من إحلال الشرك،
وتحريم الحلال من الأكل والمنافع (٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
سَيَنَاهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَّ
وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
قال ابن كثير: ((قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَّْزِى
الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلةٌ لكلّ من افترى بدعةً، فإنّ
ذلّ البدعة ومخالفة الرّسالة متّصلةٌ من قلبه
على كتفيه، كما قال الحسن البصريّ: إنّ
ذلّ البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم
البغلات، وطقطقت بهم البراذين.
(٥) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١١٢/٨،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٧٥،
تفسير الشعراوي ٧/ ٣٩٦٢.
البَشِدَـ
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٨٢
الجزاء
وهکذا روی أيوب السّختياني عن أبي
قلابة الجرمي أنّه قرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ
نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ قال: هي واللّه لکلّ مفتر
إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كلّ
صاحب بدعةٍ ذليلٌ))(١).
أي أن هذا الأمر ليس بخاصية لهم،
فکل مفترٍ یتجاوز حده فوق ما شرعه الله لا
بد أن يناله هذا الجزاء؛ لأن ربنا حين يقول
لنا ما حدث في تاريخهم؛ وحين يسرد لنا
هذه القصة فإنه يريد من وراء ذلك سبحانه
أن يعتبر السامع للقصة في نفسه، واعتبار
السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن
يقول له الله تنبيهًا وتحذيرًا: ﴿وَكَذَلِكَ
نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ أي: احذر أن تكون مثل
هؤلاء فينالك ما نالهم، وهو سبحانه ينبه
كلَّا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة؛ فإنّ
التاريخ مسرود لأخذ العبرة والعظة ليتعظ
بها السامع(٢).
وما تقدم أمثلة لمواطن من كتاب الله
مما جاء فيها الجزاء السيئ في الدنيا وأهله
وهناك غيرها، ومنها: جزاء البغاة (٣)، وجزاء
المكذبين بآيات الله (٤)، وجزاء الكافرين (٥).
(١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٧٧، ٤٧٨.
(٢) تفسير الشعراوي ٤٣٦٨/٧.
(٣) انظر: سورة الأنعام ١٤٦.
(٤) انظر: سورة البقرة ٨٥.
(٥) انظر: سورة البقرة ١٩١، وسورة التوبة ٢٦،
وسورة القمر ١٤، وسورة سبأ ١٧.
ثالثًا: الحدود والكفارات والقصاص:
لو أننا تناولنا بالدراسة النظام العقابي في
التشريع الإسلامي فلا مناص من أن نميز فيه
مرتبتين مختلفتين: فهناك الجزاءات التي
حددها الشرع بدقة وصرامة، وهي التي
تسمى بـ(الحدود) وهناك جزاءات أخرى
تسمى (التعزيرات) وهي متروكة لتقدير
القاضي.
فالمرتبة الأولى تتكفل بمجازاة عدد
قليل من الجرائم، هي الحرابة والسرقة
وشرب الخمر والزنا والقذف، أما الجرائم
الأخرى فتتبع المرتبة الثانية.
صحيح أن لأصحاب الحق ألا يلاحقوا
المجرم أمام القضاء، سواء بأن يعفوا عن
عمله العدواني عفوًا تامًّا، أو بأن يصطلحوا
متراضين معه، وحينئذٍ لا يكون للجزاء
الشرعي مجال.
ولكن متى صارت الجريمة عامة، أعني
متى اتصلت بعلم السلطة المختصة، فإن
أصحاب الحق يكونون بذلك قد تنازلوا عن
حقهم، وبذلك يصبح الجزاء في هذه الحالة
ألبتة من شأن الصالح العام، ويجب أن يطبق
بلا هوادة أو رأفة.
إن الصرامة في هذا الصدد لا تجعل
مجالًا أمام أي تنازل أو حل وسط، ولا شك
أننا نعرف قصة السرقة التي ارتكبتها امرأة
تنتمي إلى طبقة الأشراف العربية، والتي
www. modoee.com
٨٣
حرف الجيمى
أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبتها، صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو
عليه صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (فهلا قبل أن تأتيني به)(٢).
وفي كلمات بلغت غاية القوة مبدأ مساواة
الجميع أمام الشرع، فحین تشفع لديه في
هذا لموضوع واحد من خيرة أصحابه، قام
وخطب في الناس هذه الخطبة القصيرة:
(أيها الناس، إنما أضل من قبلكم أنهم كانوا
إذا سرق فيهم الشريف تر کوه، وإذا سرق
فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وایم الله
لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد
يدها)(١).
وهذه حالة أخرى تزيدنا علمًا: ذلك
أن صفوان بن أمية حين أجاب دعوة النبي
صلى الله عليه وسلم التي أمر به المسلمين
المضطهدين خارج المدينة أن يجيئوا
ليستقروا في هذه العاصمة الإسلامية، وقيل
له: إنه إن لم يهاجر هلك، غادر مكة، مسقط
رأسه، وجاء ليستقر بجوار قائده الروحي،
وما كاد يصل حتى رغب في أن يستريح في
المسجد هنيهة، فنام في المسجد، وتوسد
رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ
صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فأمر به رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده، فقال له
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الغار، رقم ٣٤٧٥،
ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب
قطع السّارق الشّريف وغيره، والنّهي عن
الشفاعة في الحدود، رقم ١٦٨٨.
وهكذا نجد أن العفو عن هذا النوع من
الأخطاء غير صحيح إلا إذا كان في المجال
الخاص، فمتى علمت السلطة العامة
بالجريمة يصبح تطبيق الجزاء (الحد) أمرًا
جازمًا لا رجعة فيه، وقد ورد بذلك نص آخر
عن النبي صلی الله عليه وسلم هو قوله:
(تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد
فقد وجب)(٣).
فالسرقة - إذن- تحتم في الشريعة
الإسلامية قطع يد السارق، بنص القرآن:
﴿وَاُلْسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾
[المائدة: ٣٨].
والحرابة عقوبتها إما الموت وإما تقطيع
الأيدي والأرجل وإما النفي: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ
اَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ
(٢) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحدود،
باب ترك الشفاعة للسّارق إذا بلغ السّلطان،
٢/ ٨٣٤، وأحمد في المسند، ١٥/٢٤، رقم
١٥٣٠٣.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣٤٥/٧،
رقم ٢٣١٧.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود،
باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السّلطان،
رقم ٤٣٧٦، والنسائي في سننه، كتاب قطع
السّارق، باب ما يكون حرزًا وما لا يكون،
٨/ ٧٠.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع ٥٦٨/١،
رقم ٢٩٥٤.
مَوَسُ بحراً
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٨٤