النص المفهرس
صفحات 41-60
الجنة فَبَتِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تحدث القرآن الكريم في بعض آياته عن إِنشُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَةٌّ (٥) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ◌ُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٥٦-٥٨]. ١. الحور العين. نساء أهل الجنة كما يأتي: وهن زوجات المؤمنين في الجنة غير زوجاتهم في الدنيا لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَفَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ [الدخان: ٥٤]. أي: أکرمناهم بأن زوجناهم حورًا عینًا، والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة، والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن وسعة(١). ووصفت الحور العين في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَاتُ الَّرْفِ عِنٌّ كَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْتُونٌ ﴾ [الصافات: ٤٨ - ٤٩]. أي: غاضات الأعین عن غیر أزواجهن، وقصرن طرفهن على أزواجهن، وقنعن بهم، ولا يبغين بهم بدلًا، وإنهن أحسن بياضًا من بيض النعام، والعرب تشبه النساء ببيض النعام. يقال: لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام. وقال قتادة: البيض التي لم تلوثه الأيدي. ویقال: البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبا، وكن من البرد والحر(٢). وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان: ﴿فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢ /٤٦٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥٢/١٦. (٢) تفسير السمر قندي، ١٤١/٣. وقال تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ اَلِيَامِ [الرحمن: ٧٢]. أي: ((وهؤلاء الخيّرات الحسان واسعات العيون مع صفاء البياض حول السواد، محبوسات فى الحجال، فلسن بطوّافات فى الطرقات، والعرب يمدحون النساء الملازمات للبيوت للدلالة على شدة الصيانة)) (٣). ونساء الجنة مطهّرات من كل شيء، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة، وكلما جاءها زوجها وجدها بكرًا فَعَلْنَ هُنَّ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنشَأْتُهُنَّ إِنشَاءَ ) أَبْكَارًا ، عُرْبًا أَتْرَابًا )﴾ [الواقعة: ٣٥-٣٧]. ويصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم نساء الجنة بقوله صلى الله عليه وسلم: (لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) (٤). وهذا قليل من كثير فى صفات الحور (٣) تفسير المراغي، ١٢٩/٢٧. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الحور العين، وصفتهن يحار فيها الطرف، شديدة سواد العين، شديدة بياض العين، ٤ /١٧، رقم ٢٧٩٦. www. modoee.com ١٧٩ حرف الجيمى العين لأنها كثيرة ومتنوعة، حيث خلقهن والحبرة: المبالغة في الإكرام فيما وصف الله تعالى وأنشأنهن إنشاءً وجعلهن أبكارًا بالجميل(٢). وجمالهن كاللؤلؤ المكنون المخفي المصان، قاصرات الطرف لا يتجاوز عن أزواجهن، مطهرات من كل أذى وحيض ونفاس، وبول وغائط، وبصاق ومخاط، ولو أطلت واحدة منهن على الدنیا لأضاءت ما بینھما. ٢. زوجات المؤمنین في الدنيا. أخبر الله تعالى أن زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة وصالحة. قال تعالى: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣]. أي: «یجمع بینھم وبین أحبابھم فیها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنی إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحسانًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانََّعَنْهُمْ ذُرِّيِّئُهُم بِمَنٍ ◌ََْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلَنَّتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم ◌ِنْ شَىَّْ كُلُّ أمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور: ٢١](١). وقال تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ ﴾ [الزخرف: ٧٠]. ٧٠ وَأَزْ وَجُكُمْ تُحْبَرُونَ أي: يكرمون إكرامًا على سبيل المبالغة، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٥١/٤. ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَّهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةً وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. أي: ((ولهم في الجنات أزواج تطهرن غاية التطهر، فليس فيهنّ ما يعبن عليه من خبث جسدي مما عليه النساء في الدنيا كالحيض والنفاس، أو نفسيي كالكيد والمكر وسائر مساوى الأخلاق)) (٣) وتلك نساء أهل الجنة خلقهن الله تعالى لعباده المؤمنين، منهن من كانت زوجاتهم في الحياة الدنيا، ومنهن الحور العين، وكلهن من النعيم الذي يتنعم به أهل الجنة في الآخرة. عاشرًا: خدم أهل الجنة. ذكر الله تعالى أن في الجنة خدما ولدانًا أو غلمانًا خلقهم الله تعالى لخدمة أهل الجنة، يطوفون عليهم بآنية الشراب، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانْ تُخْلَّدُونَ ( ١٧ بَأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسٍ مِّنِ مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨]. أي: ((يطوف عليهم بالأكواب غلمان (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٦٤٢/٢٧. (٣) تفسير المراغي، ٦٩/١. ١٨٠ مَوَسُو ◌َ الْبَّقِين القرآن الكريم الجنة باقون لا يموتون ولا يهرمون، على سن عليه وسلم قال: (إن في الجنة لسوقًا يأتونها واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد)»(١). وهم في غاية الجمال كأنهم اللؤلؤ المكنون كما وصفهم الله تعالى بقوله: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَهُمْ لُؤْلٌ مَكْتُونٌ ٢٤ [الطور: ٢٤]. ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿﴿ وَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌّ ◌ُّعَلَُّونَ إِذَا رَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُوْلٌ مَنْتُورًا ١٩ [الإنسان: ١٩]. قال الإمام الرازي رحمه الله: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفًّا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرین، أو أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، أو أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفًا للمجتمع منه(٢). الحادي عشر: سوق أهل الجنة. جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله (١) الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١١/ ٧٢٦٢. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، ٧٥٣/٣٠. کل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثیابهم، فیزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً)(٣). والمراد بالسوق: ((مجمع لهم يجتمعون کما يجتمع الناس في الدنيا في السوق، ومعنى يأتونها کل جمعة: أي في مقدار کل جمعة أي: أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار، وقال القاضي: وخص ريح الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في الأحاديث تسمية هذه الريح المثيرة، أي المحركة؛ لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغیره من نعیمھا»(٤). وهذا يعني أن في الجنة سوقًا يلتقي فيه المؤمنون مع بعضهم البعض ويتحدث بعضهم لبعض؛ ويتذاكرون ما كان في الدار (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال، ٢١٧٨/٤، رقم ٢٨٣٣. (٤) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ٠١٧١/١٧ www. modoee.com ١٨١ حرف الجيمى الدنيا، ويتجدد هذا اللقاء كل جمعة، وهذا من نعيم الجنة الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين. ومن جملة أحاديثهم ما جاء ذكره في قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلَّلُونَ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيَّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ ٢٧ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ, هُوَ الْبَرُّالرَّحِيمُ [الطور: ٢٥-٢٨]. صفة أهل الجنة وأخلاقهم لم يتحدث القرآن الكريم عن صفة أهل الجنة في أعمارهم وأشكالهم وطولهم، وتكفلت السنة النبوية بذكر ذلك من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في صفة أهل الجنة، منها: ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد کو کب دُرِّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء)(١). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان، یری مخ ساقهما من وراء اللحم، من الحسن، لا اختلاف (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم، ٢١٧٩/٤، رقم ٢٨٣٤. ١٨٢ صَوَ هُود القرآن الكريم الجنة بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا)(١). وأما عن أعمارهم فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل أهل الجنَّةِ الجَنََّ جُزْدًا مردًا مکحلین، أبناء ثلاثین أو ثلاث وثلاثین سنة)(٢). وجُزْد: جمع أجرد وهو الذي لا شعر علی جسده، مُرْد: جمع أمرد وهو غلام لا شعر علی ذقنه، وقد يراد به الحسن بناء على الغالب،كُحْل: أي مكحول، وهو عين في أجفانها سواد خلقة (٣) ٠ وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أهل الجنة جرد مرد کحل، لا یفنی شبابهم ولا تبلى ثيابهم) (٤). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا، ٢١٨٠/٤، رقم ٢٨٣٤. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٣/٣٦، رقم ٢٢٠٢٤، والترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في سن أهل الجنة، ٦٨٢/٤، رقم ٢٥٤٥. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة، مرسلا ولم يسندوه)). وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٣٤١/٢، رقم ٨٠٧٢ (٣) انظر: مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٣٥٩٠/٩. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة، وأما أخلاق أهل الجنة فتتمثل في محبة بعضهم بعضًا كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ ﴾ [الحجر: ٤٧]. أي: ((وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وصف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد وغّ وعداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سرر متقابلین، لا يحسد بعضهم بعضًا على شيء خصّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه»(٥). والمتأمل في الأدلة الماضية يرى أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صور مختلفة، فمنهم من يكون على صورة القمر ليلة البدر، ومنهم من یکون علی أشد كوكب دري إضاءة في السماء، وفي هذا دليل على تفاوت درجاتهم على قدر أعمالهم في الحياة الدنيا، وأزواجهم الحور العين، وقلوبهم مجتمعة على قلب واحد، منزوع منها الحقد والعداوة، وصورهم على صورة ٤ /٦٧٩، رقم ٢٥٣٩. قال الترمذي: «هذا حدیث غریب)). وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٤٩٥/١، رقم ٢٥٢٥. (٥) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٤٣٧. www. modoee.com ١٨٣ حرف الجيمى آدم عليه السلام ستون ذراعاً في السماء، أبناء ثلاثین أو ثلاث وثلاثين سنة، وهم جرد مرد کحل، لا تبلی ثیابهم، ولا يموتون. رؤية الله تعالى أخبر الله تعالى في آياته الكريمة برؤية أهل الجنة له في الآخرة، قال تعالى: ﴿وُجُوهُ [القيامة: ٢٢- يَوْمَيْدِ نَّاضِرَةُ إِلَى رَهَا نَاظِرَةً ٢٣]. أي: فوجوه المؤمنين المخلصين حين تقوم القيامة مضيئة مشرقة، تشاهد عليها نضرة النعيم، ﴿إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي: تنظر إلى ربها عيانًا بلا حجاب (١). وقال تعالى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦]. أي: للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من خلقه، فأطاعوه فيما أمر ونهى، أو أن للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا المثوبة الحسنى أي: التي تزيد في الحسن على إحسانهم، وهي مضاعفتها بعشرة أمثالها أو أكثر، وجاء هذا المعنى في قوله: ﴿لَيَجْزِئَ الَّذِينَ أَسْئُوا بِمَا عَمِلُوا وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. أي: ولهم زیادة علی هذه الحسنی فوق ما يستحقون على أعمالهم بعد مضاعفتها(٢). وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٧٩/٨، تفسير المراغي، ١٥/٢٨. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥ / ٦٢، تفسير المراغي، ١١/ ٩٥. ١٨٤ القرآن الكريم الجنة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف (١). لذلك قال ابن القيم رحمه الله: «فلما نقلت رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار في الآخرة عنهم ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا؛ علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين ومجتمعين﴾(٢). وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل)، ثم تلا هذه الآية: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦](٣). بالمؤمنين دون غيرهم من الكفار والمنافقين لذلك قال تعالى في شأن الكافرين: ﴿كَلَِّنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّحْجُوبُونَ ﴾ [المطففين: ١٥]. وثبت جواز رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، منها ما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تمارون في القمر ليلة البدر لیس دونه سحاب؟)، قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك .. )(٤). وفي الحديث: دلالة على رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة. ويتضح مما تقدم: أن أفضل ما يعطاه أهل الجنة يوم القيامة رؤية الله تعالى وهو أعلى نعيم أهل الجنة، وأنها الزيادة التي وعد الله تبارك وتعالى بها المؤمنين من أهل الجنة وبشرهم بها، وهي واقعة لهم دون الكافرين ودلالة الآيات المتقدمة أن الرؤية خاصة كما ثبت بالكتاب والسنة. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٦٢/٤. (٢) حادي الأرواح، ٣٣٢/١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، ١٦٣/١، رقم ١٨١. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب فضل السجود، ١/ ١٦٠، رقم ٨٠٦. www. modoee.com ١٨٥ حرف الجمر الأسباب الموجبة لدخول الجنة إن دخول الجنة فوز عظيم لا يمكن أن ينال بالأعمال الصالحة فقط، وإنما ينال برحمة الله تعالى على عباده المؤمنين وفضله، لا من حیث الواجب لأنه لا واجب على الله تعالى، ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يدخله عمله الجنة) فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني ربي برحمة)(١). ولا يتعارض هذا مع الأخذ بالأسباب لقوله تعالى: ﴿وَتِلَّكَ اَلْجَنَّةُ الَّتِىّ أُوْرِئْتُمُوهَا ﴾ [الزخرف: ٧٢]. بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ () وقوله تعالى: ﴿أُوْلََكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَّآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٤]. لذلك لا بد لدخول الجنة من أعمال صالحة. وتتفاوت درجات الجنة بحسب الأعمال، ويتنافس العباد في ذلك على قدر سعیھم وهمتهم للوصول إلى جنات الخلد، وتحدث القرآن الكريم عن ذلك في آيات كثيرة، وهذا ما سوف نوضحه من خلال النقاط الآتية: (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، ٢١٦٩/٤، رقم ٢٨١٦. أولًا: الإيمان والعمل الصالح: إن دوام الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من ذلك وبشره بها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا السَّلِحَتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا فَلدُونَ ﴾ [البقرة: ٨٢]. ٨٢ أي: «وأما الذين صدقوا الله ورسله، وآمنوا باليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال فأدّوا الواجبات، وانتهوا عن المعاصي فأولئك جديرون بدخول الجنة جزاء وفاقًا على إخباتهم لربهم وإنابتهم إليه وإخلاصهم له في السّ والعلن، وفي هذا دليل على أن دخول الجنة منوط بالإيمان الصحيح والعمل الصالح معًا))(٢). کما روي (أن النبي صلی الله عليه وسلم قال لسفيان بن عبد الله الثقفي، وقد قال له يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم)(٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ التَّعِيمِ ﴾ [يونس: ٩]. (٢) تفسير المراغي، ١٥٤/١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، ١ / ٦٥، رقم ٣٨. ١٨٦ جَوَسُوبَةُ النَّهِبـ القرآن الكريم الجنة أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، الثبات عليه إلى الموت، وكلاهما شرط في كون الإيمان سببًا لدخول الجنة(٣). ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره، ﴿يَهْدِيهِمْ﴾، يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة (١). ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم وقوله تعالى: بِإِيمَنِهِمْ﴾، فيه وجوه منها: الأول: أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابًا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَيِأَتْمَنِعِ﴾ [الحديد: ١٢]. والثاني: إنّ المؤمنين يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة، والثالث: أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم (٢). قال الإمام الرازي: فإن قيل: كيف يقال: إن العبد یحکم بكونه من أهل الجنة بمجرد الإيمان، والله سبحانه وتعالى شرط لذلك العمل الصالح بظاهر قوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجِى مِن تَحْيِّهَا الْأَنْهَرُ﴾ [النساء: ١٢٢]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]. وإلا لما كان للتقييد فائدة؟ قلنا: إن المراد بالعمل الصالح الإخلاص في الايمان، وقيل (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٧. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٤٢٤/٢، مفاتیح الغيب، الرازي، ١٧/ ٢١٣. ويتضح مما تقدم: أن الإيمان والعمل الصالح من أسباب دخول الجنة، فبعض الآيات الكريمة تربط بين الإيمان والعمل الصالح وبين دخول الجنة، فكانت لهم جنات النعيم. ثانيًا: طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله علیه وسلم: إن من موجبات دخول الجنة طاعة الله تعالی ورسوله الکریم صلی الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣]. «وطاعة الله: هي ما شرعه من الدین علی لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول: هي اتباع ما جاء به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها طاعة الله، كما قال في هذه السورة: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله بما فيه منافع لنا في الدنيا والآخرة، وإنما ذكرها مع طاعة الله للإشارة إلى أن الإنسان لا يستغني (٣) انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، زين الدين الرازي، ص٨٦. www. modoee.com ١٨٧ حرف الجيمى بعقله وعلمه عن الوحي، وأنه لا بد له من هداية الدين؛ إذ لم يكن العقل وحده في عصر من العصور كافيًا لهداية أمة ولا مرقِیًا لها بدون معونة الدين، فاتباع الرسل والعمل بهديهم هو أساس كل مدنية، والارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي، فالآداب والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفي فيها بناؤها على العلم والعقل))(١). وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَ وَحَسُنَ ﴾ [النساء: ٦٩]. أَوْلَئِكَ رَفِيقًا : أي: ((من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿وَحَسُنَ أَوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾))(٢). وعلى ذلك يترتب على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم دخول الجنة والخلود فيها، كما يترتب على معصية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (١) تفسير المراغي، ٤/ ٢٠٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٥٣/٢. دخول النار والعذاب المهين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلَهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِيدٌ ﴾ [النساء: ١٤]. ثالثًا: التقوى: إن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة من الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَُ اتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْهُنَ ﴾ [يس: ٤٥]. فالمتقين هم أحق الناس بالجنة، قال تعالى: ﴿ إِنَّلِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِهِمْ جَنَّتِ التَّعِيمِ ( ٣٤ [القلم: ٣٤]. أي: «إن للمتقين في الآخرة جنات لیس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه کما یشوب جنات الدنيا)»(٣). وقال تعالى: ﴿تِلْكَ اَلْجَنَّةُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ( ٣)﴾ [مريم: ٦٣]. قال ابن كثير رحمه الله: ((أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ إلى أن قال: ﴿أُوْلَكَ هُمْ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا ١٠ الْوَرِثُونَ (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٤٦/١٨. ١٨٨ مُوسِو ◌َ النَّسيد القرآن الكريم الجنة [المؤمنون: ١- ١١] (١). خَلِدُونَ (١) وتصف الآيات الكريمة كيف يدخل وَيَوْمَ المتقين إلى الجنة وفدًا كما قال تعالى: نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْدًا ﴾ [مريم: ٨٥]. «أي اليوم الذي يجتمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى جنته وفدًا أي جماعات، قال ابن عباس رضي الله عنه: ر کبانًا، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: على الإبل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ما يحشرون-والله- على أرجلهم، ولكن على نوقٍ، رحالها من الذهب، ونجائب، سروجها يواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت))(٢). ويقرب الله تعالى إليهم الجنة إكرامًا لهم كما قال تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ [ق: ٣١]. أي: وأدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ثم قال عز وجل: غير بعيد أي ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال غير بعيد، يعني: دخولهم غير بعيد (٣). ثم يصف الله تعالى في آیاته الكريمة ما أعده لعباده المتقين من نعيم وذلك في قوله (١) تفسير القرآن العظيم، ٢٤٨/٥. (٢) لباب التأويل، الخازن، ١٩٧/٣. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٦٣/٢٢، تفسير السمر قندي، ٣٣٧/٣. تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازَّا (٦) حَدَابِقَ وَأَعْنَبًا ٣٢ وَكَوَاعِبَ أَثْرَابًا () وَكَأْسَا دِهَاقًا ل لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا كِذَّ بًا جَزَآءُ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءَ حِسَابًا لَ [النبأ: ٣١-٣٦]. وقال تعالى: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَثَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ويشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة التقوى وأن محلها القلوب بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا یبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث مرات (٤). ومما تقدم يتبين أن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة، ولا يمكن أن يكون المؤمن تقيًّا إلا إذا اتبع أوامر الله تعالى واجتنب كل نواهيه، عندها ينال رحمة الله تعالى الموجبة لدخول الجنة. رابعًا: الاستقامة على دين الله: إن من استقام على دين الله فإن الملائكة (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره و دمه، وعرضه، وماله، ١٩٨٦/٤، رقم ٢٥٦٤. www. modoee.com ١٨٩ حرف الجمر تنزل عليه وتبشره بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلََّّ تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَآَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ • [الأحقاف: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَيُّنَا اللَّهُ﴾، اعترافًا بربوبيته وإقرارًا بوحدانيته، ﴿ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ في العمل وثمّ لتراخيه عن الإقرار في الرتبة من حيث أنه مبدأ الاستقامة، أو لأنها عسر قلما تتبع الإقرار، وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإيمان وإخلاص ل العمل وأداء الفرائض فجزئياتها، عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ ﴾ فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو عند الموت، أو الخروج من القبر، ﴿أَلََّّتَخَافُواْ﴾ ما تقدمون عليه. ولا تحزنوا على ما خلفتم، ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا على لسان الرسل(١). وعلى ذلك فالاستقامة على دين الله تعالى تعني: الالتزام بطاعته والائتمار بأوامره والبعد عن معصيته، وهي سبب من (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٧١/٥. أسباب دخول الجنة والنجاة من عذاب الله تعالى وغضبه في الآخرة، فمن استقام على دين الله تعالى نجى وفاز بالجنة، وللاستقامة أسباب منها: الصبر، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك. خامسًا: الإحسان في العبادة: إن الإحسان هو مراقبة الله تعالى في العبادة، وأن یعبد المرء الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، وعظم الله تعالى ثواب أهل الإحسان، فقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللّهَ يُحُبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ [النحل: ١٢٨]. وَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ )﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. والإحسان من أفضل مراتب العبودية وكمالها لذلك قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ ﴾ [الرحمن: ٦٠]. أي: «ما جزاء من أحسن في الدنيا بطاعة الله تعالى إلا الإحسان إليه في الآخرة بالجنة ونعيمها»(٢). (٢) الوجيز، الواحدي، ص ١٠٥٦. ١٩٠ مَوَسُو ◌َرُ النفسية الوضوء القرآن الكريم الجنة وفسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل لما قال له: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)(١). قال القاضي عياض: ((وقوله: (ما ابن عباس: ما تأتى عليهم ليلة ينامون حتى الإحسان)، وفسره فى الحديث بما معناه الإخلاص ومراقبة الله فى السر والإعلان، وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه)»(٢). وإن من موجبات دخول الجنة أن يكون ولما ذكر أنهم يقيمون الصلاة ثنى بوصفهم المؤمن محسنًا لذلك وصف الله تعالى المحسنين بقوله تعالى: ﴿مَاخِذِينَ مَآ ءَانَمُهُمْ رَُهُمَّْ إَِهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿ كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ( وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِيَّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّآيِلِ وَاْمَحْرُومِ ﴾ ١٨ [الذاريات: ١٦ - ١٩]. «أي إنهم كانوا فى دار الدنيا يفعلون صالح الأعمال، خشية من ربهم وطلبًا لرضاه، ومن ثم نالوا هذا الفوز العظيم، والمكرمة التي فاقت ما كانوا يؤملون (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام، رقم ٣٦/١،٨. (٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم، ١/ ٢٠٥. . ويرجون))(٣) كَانُواْ ثم فصل ما أحسنوا فيه فقال: قَلِيلًا مِّنَ الَتْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، أي كانوا ينامون القليل من الليل ویتھجدون في معظمه، قال يصبحوا؛ إلا يصلون فيها شيئًا إما من أولها أو من وسطها، وقال الحسن البصري: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فجدّوا إلى السحر. وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، ﴿وَبِالْأَثْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي فهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا فى الاستغفار، کأنهم أسلفوا فی لیلھم الجرائم، بأداء الزكاة والبر بالفقراء فقال: ﴿وَفِّ أَقْوَلِهِمْ حَقٌ لِلنَّآيلِ وَالْخْرُومِ﴾، أي وجعلوا فى أموالهم جزءًا معينًا ميزوه وعزلوه للطالب المحتاج، والمتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل الناس، ولا يفطنون إليه ليتصدقوا عليه (٤). سادسًا: الجهاد في سبيل الله تعالى: جعل الله تعالى الجنة ثمنًا لمن جاهد في سبيله بنفسه وأمواله جزاءً له على إيمانه وإخلاصه في طاعة الله ورسوله؛ لذلك قال ﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تعالى: (٣) تفسير المراغي، ١٧٩/٢٦. (٤) المصدر السابق. www. modoee.com ١٩١ حرف الجيمى أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌّ يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اَللَّهِ فَأَسْتَبْشِرُ واْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَّ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ١١١]. قال ابن كثير رحمه الله: ((يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم))(١). وفي الآية: ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفین عنه، ولا تری ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد، عاقده رب العزة جل جلاله، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل كونهم قاتلين أيضًا لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلًا في الكتب السماوية، وناهيك به من صك، وجعل وعده حقًّا ولا أحد أوفی من واعده، فنسیئته أقوی من نقد غیره، وأشار إلى ما فيه من الرحب والفوز العظيم، وهو استعارة (١) تفسير القرآن العظيم، ٢١٨/٤. تمثيلة، صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: يقاتلون إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وسلم: (الجنة تحت ظلال السيوف)(٢). قال الجصاص: ((أطلق الشرى فيه على طريق المجاز؛ لأن المشتري في الحقيقة هو الذي يشترى مالا يملك، والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ولکنه کقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضًا لضمان الثواب فيهما به، فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيبًا فيه))(٣). وتصور الآية الكريمة كل أطراف البيع والشراء، والبائع والمشتري، والثمن، فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله، والثمن الجنة، ومن رحمة الله أن جعل الله الإنسان مالگًا لنفسه وماله، يتصرف فيهما بحرية واختيار وإرادة، ليقبض الثمن وهو الجنة، وإن كان الله هو المالك الحقيقي الأنفس والأموال، ولكن القرآن الكريم يصوّر الإنسان مالكًا وبائعًا وقابضًا للثمن، لتكون الصورة ملائمة للواقع المنظور في (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٢٧/٦. (٣) أحكام القرآن، الجصاص، ٢٦٨/٢. ١٩٢ مَوَسُولَةُ الْبَّقِين القرآن الكريمِ الجنة ویتبین مما مضى أن الجهاد في سبيل الله تعالی سبب من أسباب دخول الجنة، وأن من جاهد في سبيل الله تعالى فجزاؤه الجنة التي وعده الله تعالى بها؛ لأنه باع نفسه وماله ليقاتل في سبيل الله تعالی. سابعًا: الصبر على الابتلاء: إن طلب الجنة ودخولها لا يتم ولا يكمل إلا بالصبر على الابتلاء واحتمال الشدائد في التكليف وإقامة الحق؛ لذلك قال تعالى: أَمَّ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَقَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ, مَتَى [البقرة : نَصْرُ اللَّهُ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبُ (١)﴾ ٢١٤]. أي: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة والفاقة، والضراء وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم أي ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ، حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ (١) انظر: وظيفة الصورة الفنية في القرآن، ٠١١٣/١ الحياة، بدلًا من تصوير الغيب المستور (١). ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه معلیهم على عدوهم، ومظهرهم عليه، فنجّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا (٢). وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْمِنكُمْ وَيَعْلَمَ القَّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. ﴿وَيَعْلَمَ الصَِّينَ﴾: ((يعني و قوله: الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه))(٣). وتحث هذه الآيات الكريمة المؤمنين على الصبر عند الابتلاء، وتدعوهم إلى الثبات والتحمل بذكر قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والسابقين، وما يلقّى الأعمال الصالحة وجزاءها إلا أهل الصبر، قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتَهَآَ إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (٥)﴾ [فصلت: ٣٥]. وبشر الله تعالى الصابرين بمضاعفة الأجر بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ [القصص: ٥٤]. وزاد على ذلك بأجر لا حد له بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وورد الصبر في السنة أيضًا في أحاديث (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٨٨/٤. (٣) جامع البيان، الطبري، ٢٤٦/٧. www. modoee.com ١٩٣ حرف الجيمر متعددة، منها: ما روي عن أبي سعيد فى الدنيا الأعمال الصالحة، فأتوا بالطاعات الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى وتركوا المنكرات، وخشعت نفوسهم الله عليه وسلم قال: (ولن تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر)(١). وبشر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: إذا ابتلیت عبدي بحبيبته ثم صبر عوضته منهما الجنة)(٢). فالصبر عند الابتلاء سبب من أسباب دخول الجنة، فلا يمكن دخول الجنة إلا بالصبر على المكاره وعند الشدائد والمصائب، وحبس النفس عن الذنوب والمعاصي، والصبر على طاعة الله تعالى فكل ذلك يؤدي إلى الجنة. ثامنًا: الإخبات: ذكر الله تعالى في آياته الكريم صفة من صفات أهل الجنة وهي الإخبات فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَتُوَاْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ (٢٣) ﴾ [هود: ٢٣]. أي إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله تعالى، ٨/ ٩٩، رقم ٦٤٧٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب فضل من ذهب بصره، ١١٦/٧، رقم ٥٦٥٣. واطمأنت إلى ربهم أولئك هم قطّان(٣) الجنة الذين لا يخرجون منها ولا يموتون، بل هم ما كثون فيها أبدًا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: یعني خافوا ربهم، وهو قول ابن عباس، الثاني: يعني اطمأنوا، قاله مجاهد، الثالث: أنابوا، وهو قول قتادة، الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم، رواه معمر، الخامس: أخلصوا إلى ربهم، قاله مقاتل(٥). وقال الراغب الاصفهاني: الخبت: المطمئن من الأرض، وأخبت الرّجل: قصد الخبت، أو نزله، نحو: أسهل وأنجد، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللّين والتّواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوَاْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]. أي: المتواضعين، نحو: ﴿لَا يَسْتَكِرُونَ عَنْ عِبَادَتِّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. (٣) قطن بالمكان يقطن: أي أقام به وتوطنه، فهو قاطن، والجمع قطان. انظر: الصحاح، الجوهري، ٢١٨٢/٦. (٤) تفسير المراغي، ٢٣/١٢. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٨٩، ٢٩٠، النكت والعيون، الماوردي، ٢/ ٤٦٥. جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ١٩٤ الجنة وقوله تعالى: ﴿فَتُضِّتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]، أي: تلین وتخشع(١). وعلى ذلك فمعنى الإخبات هو الاطمئنان والتواضع والخشوع والخضوع لله عز وجل في طاعته وعبادته والانقطاع إليه. وقد بشر الله تعالى المخبتين من عباده ووصفهم بقوله عز وجل: ﴿وَشْرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَِّنَ ٣٤ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلَوَةِ وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. أي وبشر أيها الرسول الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعدّ لھم من جزیل ثوابه، وجلیل عطائه، ثم بين سبحانه علاماتهم فقال: ١. ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي إنهم إذا ذكر الله عرتهم رهبة من خشیته، وخوف من عقابه. ٢. ﴿وَالصَّبِنَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ﴾، من النوائب والمحن فى طاعة الله. ٣. ﴿وَالْمُقِيمِىِ الصَّلَوَةِ ﴾، أي والمؤدين حقه تعالی فیما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة فى الأوقات التي حددها لهم. ٤. ﴿َّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾، أي وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٧٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٥٢١/٢. فى وجوه البر وعلى أهليهم وأقاربهم وعلى الخلق كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون فى أثمانها (٢). وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في الآية الكريمة. (٢) انظر: تفسير المراغي، ١٧ /١١٣. www. modoee.com ١٩٥ حرف الجيمى من حرّم عليه الجنة لقد ذكر القرآن الكريم الذين يدخلون الجنة وصفاتهم، وكذلك ذكر أن هناك أصنافا حرمت من الجنة وهم كثير، وجاءت النصوص بشأنهم من الكتاب والسنة، منها ما يأتي: ١ . إبليس. وهو اسم أعجمي، وقيل عربى واشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله تعالى أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته(١)، وهو أول من حرم من الجنة وطرد منها ولا يمكن له أبدًا دخولها، وسبب حرمانه منها، عصيانه لأمر الله تعالى حين أمره بالسجود لآدم فأبى واستكبر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُ واْلَّدَمَ فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى [البقرة: ٣٤ وَأُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ ٣٤]. أي: ((امتنع عما أمر به، استكبارًا من أن یتخذه وصلة في عبادة ربه، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه))(٢). فأمر الله تعالى إبليس بأن يهبط من الجنة إلى الأرض في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَهْيِطٌّ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ (١) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٠٣/٦. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/ ٧١. ﴾ [الأعراف: ١٣]. ١٣ لعصيانه أمر ربه، وخروجه عن طاعته، فما ينبغي له أن یتکبر فيها ثم أمره تعالى بالخروج من الجنة ذليلًا حقيرًا كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُوَمَّا مَّدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الأعراف: ١٨]. ٢. الكافرون. وهم الذين حرموا من الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (٦) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِبِهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. أي: ((الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم و کذبوا به وبما جاءهم به من عند الله لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، يعني: لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إن عجّلها لهم فیها))(٣). وهذا وعيدٌ من الله تعالى للأمم الأخرى (٣) جامع البيان، الطبري، ٧/ ١٣٣. ١٩٦ مَوَسُو ◌َر النفسية الوضوء القرآن الكريم الجنة الفاسقة من أهل الكتاب، الذين أخبر عنهم من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرّفة أو منسوخة كأهل الكتاب)» (٢). بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، وقال تعالى: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَمْ ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه [النساء: ١٣٨]. ١٣٨ عَذَابًا أَلِيمًا وسلم من عند الله. ٣. المبتغون غير الإسلام دينًا. قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [آل عمران: ٨٥]. أي: ومن يطلب دينًا غير دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه وهو في الآخرة من الخاسرين، أي: من الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل، بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، وترك منزله في الجنة، واختار منزله في النار(١). ٤. المنافقون. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ قال تعالى: وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمُ [التوبة: ٦٨]. (٦٨) ((أي وعد الله هؤلاء جميعًا نار جهنم يصلونها ماكثين فيها أبدًا، وقدم المنافقين في الوعيد على الكفار للإيذان بأنهم وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام شر (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/ ٥٧٠، تفسير السمرقندي، ٢٢٨/١، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢٦/٢. وبعد ما وعدهم الله تعالى بنار جهنم وبشرهم بالعذاب الأليم بين الله تعالى مكانهم من تلك النار فقال: ﴿إِنَّالْمُفِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. أي: ((في الطّبق الأسفل من أطباق جهنم)»(٣). قال الزمخشري: ((الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، فإن قلت: لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟ قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم» (٤). ٥. أكلة أموال اليتامى. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠]. قال الإمام الرازي: ((إنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلمًا، وقد كثر الوعيد في (٢) تفسير المراغي، ١٠/ ١٥٧. (٣) جامع البيان، الطبري، ٩/ ٣٣٧. (٤) الكشاف، الزمخشري، ١/ ٥٨١. www. modoee.com ١٩٧ حرف الجيمى هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: ﴿وَمَا تُوْ اَلْيَ أَمْوَلَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا اَْبِيثَ بِالَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَكُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ ﴾ [النساء: ٢]. كَانَ حُوبًا كبيرًا ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا﴾ [النساء: ٩]. ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة فى وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته و كثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى))(١). ٦. المتكبرون. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ ◌َِايَشِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٦]. أي: ((إن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على أحد من رسلنا واستكبروا عن اتباع من جاء بها حسدًا له على الرياسة وتفضيلًا لأنفسهم عليه، أو لقومهم على قومه فأولئك أصحاب النار يخلدون فيها أبدًا)»(٢). وإنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب وكل كافر مستكبر، إنما كذب وكفر تكبرًا، (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٩/ ٥٠٦. (٢) تفسير المراغي، ١٤٦/٨. ﴿إِنَّهُمْ كَانُّوْاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلََّ اللَّهُ يَسْتَكْيُونَ ﴾ [الصافات: ٣٥]. (٣٥) أي: استكبروا عن الإقرار بالوحدانية أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٣). والاستكبار في الآية الكريمة عن قبول الآيات ورفضها كبرًا وعنادًا لمن جاء بها كما حدث من رؤساء قريش حين استكبروا أن یکون النبي محمد صلى الله عليه وسلم إمامًا لهم، إذ رأوا أنفسهم أحق بالرياسة منه، لأنهم أكثر منه مالًا وأعز نفرًا. وجاء في الحديث الصحيح عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم علي الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عُثُلُّ، جَوَّاظٍ مستكبر)، وفي رواية لمسلم: (كل جواظ زنيم متكبر) (٤). قال الإمام النووي: أما العتل: فهو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل الجافي الفظ الغليظ، وأما الجوّاظ: فهو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، وقيل: (٣) تفسير القرآن، السمعاني، ١٧٩/٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الكبر، ٢٠/٨، رقم ٦٠٧١، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ٤/ ٢١٩٠، رقم ٢٨٥٣. ١٩٨ مَوَسُولَةُ النَ القرآن الكريم