النص المفهرس
صفحات 21-40
الجنة إیمانهم وأعمالهم وتوفیق الله تعالی لهم، وأعلى تلك الدرجات الفردوس، ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالطاعة والإيمان والعمل الصالح، والتنافس والتسابق في الخيرات. صفة الجنة ونعيمها تحدث القرآن كثيرًا عن الجنة وصفاتها وما فيها من النعيم المقيم الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، وسوف نستعرض في هذا المبحث بعض ما جاء فيها من خلال النقاط الآتية: أولًا: أبواب الجنة: ذكر القرآن الكريم في آياته أن للجنة أبوابًا يدخل منها المؤمنون إلى جنات الخلد. وفي معنى الباب يقول الراغب الاصفهاني: ((الباب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك: مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أبواب، قال تعالى: ﴿وَأَسْتَبَقَا أَلْبَابَ وَقَّدَّتْ قَمِيصَهُ, مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَأَدْ خُلُواْ مِنْ أَبْوَبِ مُتَغَرِقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]. ومنه يقال في العلم: باب كذا، وهذا العلم باب إلی علم کذا، أي: به يتوصل إليه، وقد يقال: أبواب الجنة وأبواب جهنم للأشياء التي بها يتوصل إليهما))(١). أما أبواب الجنة قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًاْ حَقَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَالِدِينَ (١) المفردات ص١٥٠. www. modoee.com ١٥٩ حرف الجيمر ﴾ [الزمر: ٧٣]. قال ابن كثير رحمه الله: ((وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنة ﴿زُمَرًا﴾، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذین یلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا))(١). وتصف هذه الآية الكريمة المشهد العظيم للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها الله تعالى لهم، حيث تتلقاهم الملائكة وتحییهم وتهنیهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، ﴿وَسَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ وقال تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةٌ لَُّ الْأَتْوَبُ ﴾ [ص: ٥٠]. أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب(٢)، وإنما قال: ((مفتحة)) ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس، كما قال الحسن البصري: تكلم: انفتحي، فتنفح. انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب(٣). يقول ابن القيم رحمه الله: ((وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم علیهم کل وقت، وأيضًا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما کانوا یحتاجون إلی ذلك في الدنیا»(٤). وجاء في الحديث الصحيح عن سهل بن سعد رضي الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب یسمی الریان، لا يدخله إلا الصائمون)(٥). وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ہأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها، قال: (نعم وأرجو أن (١) تفسير القرآن العظيم، ١١٩/٧. (٢) المصدر السابق ٧/ ٧٧. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢١٩/١٥. (٤) حادي الأرواح، ابن القيم ١/ ٥٤. (٥) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة، ٤ /١١٩، رقم ٣٢٥٧. ١٦٠ جوسى القرآن الكريم الجنة تكون منهم) (١). وهذه الأدلة تثبت أن للجنة أبوابًا كثيرة ذكرت في القرآن الكريم بشكل عام دون تفصيل أو مسميات، إلا أن السنة النبوية المطهرة بينت شأن تلك الأبواب وعددها وسمّت بعض أبوابها وذکرت سعتها. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي رحمه الله: «وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها)»(٢). وأما عدد أبواب الجنة فقد ورد في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء)(٣). وأما سعة أبواب الجنة، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن ما بين المصراعين (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين، ٢٥/٣، رقم ١٨٩٧. (٢) قانون التأويل، أبو بكر بن العربي، ٥٤٩/١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، ١/ ٥٧، رقم ٢٨. من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو کما بين مكة وبصری) (٤). قال الإمام النووي رحمه الله: المصراعان جانبا الباب، وهجر مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، وأما بصرى وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران، وبينها وبین مکة شھر (٥). ولعلو شأن الجنة وأبوابها فأن أول من يقرع بابها سیدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله صلی الله علیه وسلم، حیث ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)(٦). ويتبين مما مضى أن الجنة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها، وتدل على علو شأنها ومنزلتها وقدرها، يدخل منها المؤمنون الجنة، وأن أول من يقرع تلك (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١/ ١٨٤، رقم ١٩٤. (٥) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، ٦٩/٣. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا»، ١٨٨/١، رقم ١٩٧. www. modoee.com ١٦١ حرف الجيمر الأبواب هو سيدنا محمد عليه الصلاة كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية والسلام. ثانيًا: الأنهار: على وجه الأرض؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا یکون فوق المکان تحته، وهؤلاء أتوا من بشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في آيات عديدة، منها قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٥]. ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها))(١). وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَثَّتُ تَّجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٦]. وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف ((من)) ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ويشير ابن القيم رحمه الله لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، ((وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال ﴿أَلَيَرَوَاكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّنْ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآَةِ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَمْنِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦]. فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون ﴿وَهَذِهِ اْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٌ﴾ [الزخرف: ٥١]))(٢). ومن نعم الجنة كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة تحدثت بعض الآيات الكريمة عن أصنافها وأوصافها، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ اَلْنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَّ فِيَهَا أَنْهَرٌ مِن ◌َّكْءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَرَ طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُّصَلَىٌّ وَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِهِمْ﴾ [محمد: ١٥]. أي: صفة الجنة العجيبة العظيمة الشأن (١) حادي الارواح، ١٧٨/١. (٢) المصدر السابق. ١٦٢ مَوَسُوبَةُ النَِّيّة القرآن الكريم الجنة التي وعد المتقون الشرك والمعاصي، ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِن مَّلٍَّ غَيْرِ مَاسٍِ﴾ غير متغير الطعم واللون والرائحة، ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَّبٍَ لَّمْ يَنْغَّرْ طَعْمُهُ﴾ كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس، ﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِبِنَ﴾ أي: لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر، وإنما هي تلذذ محض، ﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُّصَفَى﴾ لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غیره(١). قيل: بدأ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلی ما یلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر فى الرتبة (٢). وجاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة، فالمشهد في الآية كله أشربة وهي أنهار أيضا لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم الانقطاع، وإن كانت هذه الأشربة معروفة لدى الناس في الدنيا، إلا أن طعمها مختلف، ونوعها أجود(٣). (١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٣٦٣/٥. (٢) المصدر السابق. (٣) وظيفة الصورة الفنية في القرآن، عبد السلام وذكرت الأحاديث الشريفة أن في الجنة أربعة أنهار، كما ورد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفعت إلى السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: النيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة ... الحديث)(٤). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة) (٥). قال الإمام ملا علي القاري رحمه الله: ((إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها)) (٦). ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: ﴿مَثَلُ اَلْحَّةِ الراغب، ص٣٦٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب شرب اللبن، ٧/ ١٠٩، رقم ٥٦١٠. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، ٤ /٢١٨٣، رقم ٢٨٣٩. (٦) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٣٥٨٦/٩. www. modoee.com ١٦٣ حرف الجيمى الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّعُونَّ فِيَهَا أَتْهَرٌ مِن ◌َّلٍَ غَيْرِ مَاسِنٍ وَأَنَهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنَّهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَِّنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلِمُصَنَى﴾ [محمد: فالماء واللبن والخمر والعسل كلها أنهار من كل الأصناف التي ذكرت. قال الزركشي: ((فأعاد ذكر الأنهار مع کل صنف، وکان یکفي أن يقال فيها: أنهار من ماء، ومن لبن، ومن خمر، ومن عسل، لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا الماء مجازًا للتشبيه، فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن قلت: فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة، وهو قريب في المنع من الذي قبله»(١). وعلى ذلك يتبين أن في الجنة أنهارًا كثيرة، جعلها الله تعالى نعيمًا لعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، وهي متنوعة الأشكال والألوان والمذاق بين ماء عذب، ولبن سائغ، وخمر شهي، وعسل صافٍ، ومختلفة الأسماء والعدد كما مرّ في الآيات والأحاديث المتقدمة، ومن الأنهار التي ذكرت في القرآن الكريم ما يأتي: ١. أنهار من ماء. قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن ◌َِّ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ (١) البرهان، الزركشي، ٣٣/٣. موسوبر التشيك الوضوء القرآن الكريمِ [محمد: ١٥]. أي: أنهار من ماء غیر متغیر الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ربح مائها فأنتنت، فهو یأسن أسنا، وأما إذا أجن الماء وتغیر، فإنه يقال له: اسن فهو یأسن، ويأسن أسونا، وماء أسن، وهذه المياه ليست کالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها (٢). ولم ترد كلمة (تجري) للأنهار في هذه الآية، لأن الماء الآسن لا يكون إلا بركود الماء، فلم يتطلب السياق ذكر كلمة (تجري)، أما في قوله تعالى: ﴿َجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾، لم يكن هناك من داع لتحديد ﴿غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ لأنه جاء وصف الأنهار بالجريان، الأمر الذي لا يؤدي إلى أن تأسن الماء(٣). وتؤكد الآية الكريمة حقيقة علمية: ((قبل أن يكشف العلم بوسائله وأدواته عالم الميكروبات أي الجراثيم التي توجد في الماء الراكد، الذي يصير مستودعًا لملايين البكتيريا والطفيليات الضارة التي تصيب الإنسان والحيوان بالأمراض، (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٦٧/٢٢، تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٢٧٢/٩. (٣) انظر: لمسات بيانية، فاضل السامرائي ص٦٢٦. ١٦٤ الجنة فأنه لما اخترع الإنسان المناظير المكبرة الأيدى كخمر الدنيا، وليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا، فلا يتكرّهها الشاربون)» (٤). رأى بواسطتها كيف أن الماء الراكد يموج بملایین الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، وتتكاثر بسرعة هائلة؛ فتفسد الماء وتجعله متغير الرائحة والطعم، وسببًا في الأمراض والأوبئة التي ما كان أحد يعرف مصدرها قبل اكتشافها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) أي: مكبر الصور إلى درجة كبيرة)﴾ (١). ٢. أنهار من اللبن. اللبن جمعه: ألبان، قال تعالى: ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَّبٍَ﴾ [محمد: ١٥]. أي: «لم يحمض ولم يصر قارصًا ولا خلاف خمر الجنة التي وصفت باللذة حازرًا كألبان الدنيا، وتغير الريح لا يفارق الكاملة. تغير الطعم)»(٢). قال الطبري: ((لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار، فهو بهيئته لم یتغیر عما خلقه عليه))(٣). ٣. أنهار من خمر. قال تعالى: ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِنَ﴾ [محمد: ١٥]. أي: ((وفيها أنهار من خمر لذيذة لهم، إذ لم تدنسها الأرجل، ولم ترنّقها (تكدرها) (١) القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل ص ١١٧. (٢) تفسير المراغي، ٥٨/٢٦. (٣) جامع البيان، الطبري، ١٦٧/٢٢. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ((في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال)» (٥). وهذا من فضل الله تعالى على عباده المتقين أن جعلهم يتلذذون بالخمر الذي حرموا منه في الحياة الدنيا؛ جزاء لهم على طاعتهم وانقيادهم لأمر الله تعالى، فخمر الدنيا كريهة الرائحة تسلب عقل من شربها، ٤. أنهار من عسل. قال تعالى: ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفَى﴾ [محمد: ١٥]. أي: ((وفيها أنهار من عسل قد صفّى من القذی وما یکون فی عسل أهل الدنيا قبل التصفية من الشمع وفضالات النحل وغيرها))(٦). ٥. الکوثر. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ٥)﴾ [الكوثر: ١]. واختلف أهل التأويل في معنى الكوثر (٤) تفسير المراغي، ٥٨/٢٦. (٥) النكت والعيون، الماوردي، ٤٥٢/٥. (٦) المصدر السابق. www. modoee.com ١٦٥ حرف الجر على أقوال، منها: القول الأول: أنه نهر في الجنة، وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف(١)، واستدلوا على ذلك بما ورد عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طيبه - مسك أذفر)(٢). وعن ابن عباس، قال: ((الكوثر: نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل))(٣)، وقال أيضًا: نهر أعطاه الله محمدًا صلى الله عليه وسلم في الجنة (٤). القول الثاني: أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة، ووجه التوفيق بين هذا القول والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في الحوض، أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فیکون ذلك الحوض کالمنبع(٥). قال عطاء: ((حوض في الجنة أعطيه (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١٣/٣٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب في الحوض، ٨/ ١٢٠، رقم ٦٥٨١. (٣) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٦٤٥. (٤) المصدر السابق، ٢٤ / ٦٤٦. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١٣/٣٢. رسول الله صلی الله علیه وسلم»(٦). القول الثالث: عني بالكوثر الخير الكثير، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة(٧). قال الراغب الأصفهانى: ((قيل: هو نهر في الجنة پتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يقال للرجل السخي: کوثر، ويقال: تكوثر الشيء: كثر كثرة متناهية» (٨). والأقوال كثيرة ومتعددة في تأويل معنى الكوثر، وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، لتتابع الأخبار عن رسول الله صلی الله علیه وسلم بذلك. قال الحافظ ابن حجر: ((ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فلا معدل عنه)»(٩) ويتضح مما تقدم أن من نعم الجنة التي لا تنقطع ولا تفنى أن جعل الله تعالى فيها أنهارًا جارية من الماء واللبن والخمر والعسل، والكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ترده أمته يوم القيامة، ثبث بالآيات والأحاديث (٦) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨. (٧) انظر: المصدر السابق. (٨) المفردات ص٧٠٣. (٩) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ٨/ ٧٣٢. مُوسُوبَةُ النَّشيد القرآن الكريمِ ١٦٦ الجنة المتقدمة. ثالثًا: العيون: لم يكتف القرآن بذكر الأنهار الجارية في الجنة، بل تحدث عن العيون المتفجرة والمتنوعة في أرجائها، أعطاها الله تعالى لعباده المتقين، قال الله تعالى: الْمُنَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الحجر: ٤٥]. وذكرت عيون الجنة في آيات كثيرة، حیث بينت أسماء بعضها ومیزتها، وهذا من فضل الله تعالى الذي أعده لعباده المتقين بحسب مراتبهم في الجنة، ومن تلك العيون ما يأتي: ١. تسنيم. أخبر الله تعالى عن العين التي يشرب منها المقربون في الجنة فقال تعالى: ﴿وَمِنَابُّهُ. مِن تَسْلِيٍ ) عَيّنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [المطففين: ٢٧ - ٢٨]. قال الإمام الرازي: ((تسنيم: علم لعين بعينها في الجنة، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنیمه، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضًا، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع)»(١). وقوله تعالى: ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾، أي: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم(٢). ٢. سلسبيل. ذكر الله تعالى أن في الجنة عينًا تسمى السلسبيل. قال تعالى: ﴿عَيْنَا فِيهَا تُسَتَّى سَلْسَبِيلًا ()﴾ [الإنسان: ١٨]. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿سَلْسَيِلً﴾ على ستة أقوال: أحدها: أنه اسم لها، قاله عكرمة. الثاني: معناه سل سبيلاً إليها، قاله علي رضي الله عنه. الثالث: يعني سلسلة السبيل، قاله مجاهد. الرابع: سلسلة يصرفونها حيث شاءوا، قاله قتادة. الخامس: أنها تنسلّ في حلوقهم انسلالًا، قاله ابن عباس. السادس: أنها الحديدة الجري، قاله مجاهد أيضًا(٣) قيل: عني بقوله سلسبيلا سلسة منقادًا ماؤها، وهو قول قتادة. (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٩٣/٣١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٥٣/٨. (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٦/ ١٧١. www. modoee.com ١٦٧ حرف الجمر وقال آخرون: عني بذلك أنها شديدة إليه))(٣). الجریة، قاله مجاهد. وقال بعضهم: إن سلسبيل صفة للعين بالتسلسل، وقيل: إنما أراد عينًا تسمى سلسبيلا، أي: تسمى من طيبها السلسبيل، أي: توصف للناس(١). قال الطبري: ((والصواب من القول في ذلك أن قوله: ﴿ُسَنَّى سَلْسِيلًا﴾ صفة للعين، وصفت بالسلاسة في الحلق، وفي حال الجري، وانقيادها لأهل الجنة يصرفونها حيث شاءوا، كما قال مجاهد وقتادة؛ وإنما عني بقوله ﴿ُسَنَّ﴾: أي توصف»(٢). ٣. الكافور. قال تعالى واصفًا عين الكافور: ﴿إِنَّ اْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اَللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا ﴾ [الإنسان: ٥-٦]. أي: ((إن الذين بروا بطاعتهم ربهم فأدّوا فرائضه واجتنبوا معاصيه يشربون من خمر كان مزاج ما فيها من الشراب كالكافور طيب رائحة وبردًا وبياضًا، وهذا المزاج من عين يشرب منها عباد الله المتقون وهم في غرف الجنات، يسوقونها إليهم سوقًا سهلًا إلى حیث یریدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يحبون وصوله (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٠٧/٢٤. (٢) المصدر السابق ١٠٩/٢٤. وقوله تعالى: ﴿يُفَجِرُونَهَا تَمْسِيرًا﴾، أي: (يفجرون تلك العين التي يشربون بها كيف شاءوا وحيث شاءوا من منازلهم وقصورهم تفجيرًا، ويعني بالتفجير: الإسالة والإجراء»(٤). وهذه من النعم التي أعدها الله تعالى لعباده المتقين، فتلك العيون التي يفجرها الله تعالى لهم زيادة في المتعة والتلذذ وهم في الجنات يتصرفون فيها كيف شاؤوا، وحيث أرادوا من دورهم ومنازلهم ومجالسهم، بحسب مراتبهم في الجنة؟ جزاء بما كانوا يعملون. رابعًا: القصور: إن من نعيم الجنة الذي وعد الله عز وجل به عباده من المؤمنين والمؤمنات أن جعل لهم قصورًا في الجنة. قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِيّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَّكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا اْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ﴾ [الفرقان: ١٠]. ويخبر القرآن الكريم في آيات أخرى أن الجنّة ليست مجرد أشجار وثمار تجري من تحتها الأنهار الجارية وتتفجر منها العيون، بل فيها قصور ومساكن وبيوت وخيام يسكن داخلها المؤمنون في حياتهم (٣) تفسير المراغي، ١٦٤/٢٩. (٤) جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٩٤. ١٦٨ مُوسُوبَةً القرآن الكريم الجنة الخالدة في الجنّة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اُللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقد سمى الله تعالى في آيات أخرى هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَهُمْ لَهُمْعُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِىمِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ وَعْدَ اللّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ الْمِيعَادَ ٢٠ [الزمر: ٢٠]. والغرف في الجنة هي القصور الشاهقة، طباق فوق طباق، مبنيات محكمات مزخرفات عاليات(١). ووصف الإمام القرطبي تلك القصور بقوله: ((قصور من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام)) (٢). وذكرت السنة النبوية المطهرة بأن الله تعالى أعد قصورًا في الجنة لعباده المؤمنين، حیث وصف لنا النبي صلی الله عليه وسلم بعض القصور التي شاهدها في الجنة وذلك، كما ورد عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب، إلا ما أعلم من (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ٩١. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠٤/٨. غيرتك)، قال: وعليك أغار يا رسول الله (٣). ومن كمال النعم أن أهل الجنة يعرفون مساكنهم وقصورهم التي أعدت لهم في الجنة كما قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا عَمْ ﴾ [محمد: ٦]. أي: «عرّفھا وبیّنها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا، لا يشكل عليه ذلك» (٤). ويؤكد ذلك قوله صلی الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)(٥). خامسًا: الأثاث: ذكر القرآن الكريم في بعض آياته أثاث أهل الجنة، ومنه ما يأتي: ١. السرر. وصف الله تعالى سرر أهل الجنة فقال تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب القصر في المنام، ٣٩/٩، رقم ٧٠٢٤. (٤) جامع البيان، الطبري، ١٦٠/٢٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم الجمعة، ١١١/٨، رقم ٦٥٣٥. www. modoee.com ١٦٩ حرف الجيمى وقال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ قَوْضُونَةٍ ﴾ [الواقعة: ١٥]. وقال تعالى: [الغاشية: ١٣]. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْقُوعَةٌ وهذه السرر قد صفّ بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض، مرمولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت، عالية في الهواء وذلك لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من النعيم والملك (١). والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن: لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، کما یکون في الدنیا، لكن موصولة بعضها ببعض (٢). ٢. الفرش. قال تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى فُرْئٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ ٠٠٠٤,٠٠٠ ٥٤ [الرحمن: ٥٤]. إِسْتَبْرَقٍ وَحَنَى الْجَنَّنَيْنِ دَارٍ وقال تعالى: ﴿وَفَرُشِ مَّرْفُوعَةٍ: ٣٤ [الواقعة: ٣٤]. فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق وهذا يدل على أمرين، أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها، لأن بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٩٩/٢٣، النكت والعيون، الثعلبي، ٩/ ١٢٧، مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١/ ١٤٣. (٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤٩٠/٩. والزينة والمباشرة، والثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة. ٣. النمارق. قال تعالى: ﴿وَغَرِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ [الغاشية: ١٥]. والنمارق: ((جمع نمرقة، وهي: الوسادة التي يتكىء عليها الجالس والمضطجع، ومصفوفة: أي جعل بعضها قريبًا من بعض صفًّا، أي أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها)) (٣). قال ابن عباس: النمارق: الوسائد، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغیرھم(٤). فمعنى الآية: ووسائد مصفوف بعضها إلی جوانب بعض، فإن شاءوا جلسوا عليها، وإن أرادوا استندوا إليها، وإن أحبوا أن يجلسوا على بعضها ويستندوا إلى بعض فعلو ١(٥) ٤. الأرائك. قال تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِتَّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]. ومعنى الاتكاء: جلسة الراحة والترف، قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في (٣) التحرير والتنوير، ٣٠٢/٣٠. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨٦/٨. (٥) تفسير المراغي، ١٣٥/٣٠. ١٧٠ مَوَسُورُ النَّقِّ القرآن الكريم الجنة الجلوس(١). الأرائك: جمع أریکة، وهي سرير في حجلة، أما للسریر وحده فلا یسمی اریکة، والحجلة: قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها، ولذلك يقال للنساء: ربات الحجال، فإذا وضع فيها سرير للاتكاء أو الاضطجاع فهي أریکة، ويجلس فيها الرجل وینام مع المرأة، وذلك من شعار أهل الترف (٢). وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، أي: حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا(٣). ٥. الأكواب. وصف الله تعالى أكواب أهل الجنة، فقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلِم ◌ِشَاِيَةٍ مِّن فِضَّدٍوَأَكُوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرًا ﴾ [الإنسان: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَكْوَابُ مَّوْضُوعَةٌ ) [الغاشية: ١٤]. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٥٦/٥، التحرير والتنوير، ٣١٤/١٥. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٤٦١/٢١، التحرير والتنوير، ٣١٤/١٥. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٥٦/٥. خارجها؛ لصفائها (٤). أي: يطوف عليهم خدم الجنة بأواني الطعام، وهي من فضة خالصة، وبأكواب الشراب، وهي أيضًا من فضة، وقد جعلت هذه الأكواب جامعة بياض الفضة، وصفاء الزجاج وشفافيته. ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾: وعني بقوله: أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها ملأى من الشراب (٥) . ٦. الزرابي. قال تعالى: ﴿وَزَرَبِىُّ مَبْتُوثَةً )﴾ [الغاشية: ١٦ ]. والزرابي: جمع زرپٍ، وهو ضرب من الثياب محبّر منسوب إلى موضع، وعلى وَزَرَابِىّ طريق التشبيه والاستعارة قال: مَبْتُونَةٌ﴾(٦). قال ابن كثير: ((وقوله تعالى: ﴿وَزَرَابُ مَبْثُونَةُ﴾، قال ابن عباس: الزرابي: البسط، ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من وكذا قال الضحاك، وغير واحد، ومعنى فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس القوارير، يرى ما فيها من الشراب من عليها))(٧). وعلى هذا فإن الزرابي نوع من أثاث الجنة، وهي: البسط التي يجلس عليها، والتي (٤) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/ ٣٦٦. (٥) جامع البيان، الطبري، ٣٨٧/٢٤. (٦) انظر: المفردات، ص٣٧٩. (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ٣٨٦/٨. www. modoee.com ١٧١ حرف الجيمى تكون مبثوثة، أي: مفرقة في المجالس. ٧. العبقري. قال تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦ ]. قال الراغب الأصفهاني: عبقرٌ قيل: هو موضعٌ للجنّ ینسب إليه کلّ نادر من إنسان، وحيوان، وثوب، وقوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾، وهو ضرب من الفرش فيما قيل، جعله الله مثلًا لفرش الجنّة(١). قال ابن عاشور: ((وعبقري وصف لما کان فائقًا في صنفه، عزيز الوجود، وهو نسبة إلى عبقر: اسم بلاد الجن في معتقد العرب فنسبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر، فشاع ذلك فصار العبقري وصفًا للفائق في صنفه))(٢). وقيل إن العبقري: هي الزرابي الحسان، أي: البسط، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وسعيد بن جبير رحمهم الله تعالى (١). ويتضح مما مضى أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أثاثًا لا يشبه أثاث الحياة الدنيا، فأثاث أهل الجنة متعدد الأنواع والأشكال، من سرر وأرائك وفرش (١) انظر: المفردات، ص ٥٤٤. (٢) التحرير والتنوير، ٢٧ /٢٧٥. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣/ ٨٥، تفسیر القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ٥٠٩. وعبقري ونمارق وزرابي وغيرها. سادسًا: أشجار الجنة وثمارها. لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين قد خلق الله تعالى فيها الأشجار والثمار متنوعة الأشكال والأحجام دائمة العطاء، ولا تشبه أشجار الدنيا وثمارها وأن تشابهت في الأسماء، وقد ذكر الله تعالى في آياته الكريمة أنواعًا من أشجار وثمار الجنة، منها ما يأتي: ١. النخل. ذكر النخل في القرآن الكريم في عشرين موضعًا (٤) منها قوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَغَفْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: ٦٨]. ووصف الله تعالى نخل الجنة بقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [الرحمن: ١١ ]. والأكمام: جمع كم -بكسر الكاف- وهو وعاء ثمر النخلة، ويقال له: الكفری، فليست الأكمام مما ينتفع به، فتعين أن ذكرها مع النخل للتحسين، ووصف النخل بذات الأكمام وصف للتحسين فهو اعتبار بأطوار ثمر النخل، وامتنان بجماله وحسنه كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِبِعُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ [النحل: ٦]فامتن (٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الکریم، محمد فؤاد ص٧٨٥. مُوسُو عبر النفسي القرآن الكريمِ ١٧٢ الجنة بمنافعها وبحسن منظرها (١). قال الحسن البصري: ﴿ذَاتُ الْأَكْتَامِ﴾: ((أي ذات الليف، فإن النخلة قد تكمم بالليف، وكمامها ليفها الذي في أعناقها))(٢). وأفردها بالذكر لكثرتها بالبلاد العربية، وكثرة فوائدها، لأنه ينتفع بثمارها رطبة ويابسة، وينتفع بجميع أجزائها، فيتخذ من خوصها السلال والزنابيل، ومن ليفها الحبال، ومن جريدها سقف البيوت، ويؤكل جمّارها، ومن ثم ذكرها باسمها، وذكر الفاكهة دون أشجارها(٣). ٢. الرمان. ورد ذكر الرمان في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع (٤) منها قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَّبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. ووصف الله تعالی الرمان بأنه من أشجار الجنة، قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَغَخْلٌّ وَرُقَانٌ [الرحمن: ٦٨]. ٦٨ قال القرطبي: ((قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره، وهذا ظاهر الكلام، وقال الجمهور: هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان (١) انظر: التحرير والتنوير، ٢٤٢/٢٧. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥٦/١٧. (٣) انظر: تفسير المراغي، ١٠٨/٢٧. (٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الکریم، محمد فؤاد ص٣٩٩. لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة، كقوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَاَلْضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَكْتِهِ. وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨]))(٥). وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أفردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه(٦). حكي عن ابن عباس أنه قال: الرمان ليس من الفاكهة، وكذلك الرطب؛ لأنهما أفردا بالذكر عن الفاكهة، وذكر الفراء هذا أيضًا(٧). وقال الإمام الرازي: ذكر الرمان والرطب لأنهما متقابلان، فأحدهما حلو والآخر غير حلو، وكذلك أحدهما حار والآخر بارد (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/ ١٨٥. (٦) المصدر السابق، ١٧ / ١٨٦. (٧) انظر: تفسير السمعاني، ٣٣٧/٥. www. modoee.com ١٧٣ حرف الجيمر وأحدهما فاكهة وغذاء، والآخر فاكهة، وأحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره في غاية الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز ومالا يؤكل كامن، والآخر بالعكس، فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما(١). وعلى أية حال فأن الرمان سواء أكان شجرا أم فاکهة -باعتبار عطف الخاص على العام- فهو من نعم الله تعالى على عباده المؤمنين في الجنة. ٣. السدر. ومن نعيم الجنة أشجار السدر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿فِى سِدْرٍ غَخْضُودٍ ﴾ [الواقعة: ٢٨]. ٢٨ وقوله: ﴿فِسِدْرِغَغْضُورٍ﴾: السدر شجر النبق لا شوك فيه، من خضد الشوك إذا قطعه، أو مثني أغصانه من کثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب)»(٢). وفي مخضود ثلاثة أقاويل: ((أحدها: أنه اللين الذي لا شوك فيه، قاله عكرمة، وقال غيره لا عجم لنبقه، يقال خضدت الشجرة إذا حذقت شوکها. الثاني: أنه الموقر حملًا، قاله مجاهد. (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٨٠/٢٩. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٧٩/٥، مدارك التنزيل، النسفي، ٤٢٢/٣. الثالث: المدلاة الأغصان، وخص السدر بالذكر لأن ثمره أشهى الثمر إلى النفوس طعمًا وألذه ريحًا))(٣). قال الراغب الأصفهاني: ((السّدر: شجر قليل الغناء عند الأكل، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَقْلٍ وَشَىْ ءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦]. و قد یخضد ویستظلّ به، فجعل ذلك مثلاً لظلّ الجنة ونعيمها في قوله تعالی: ﴿فِسِدڕٍ [الواقعة: ٢٨]؛ لكثرة غنائه في الاستظلال» (٤). تَغْضُودٍ (٥) ووصف الله تعالى أن ظلال تلك الأشجار ممتد دائم بقوله تعالى: ﴿وَظِلّ ◌َمْدُودِ ٣٠ [الواقعة: ٣٠]. أي: دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس " . وإما ثمار الجنة فلا تشبه ثمار الحياة الدنيا إلا بالاسماء. يقول الله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَّخْهَا الْأَنْهَتُرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًّاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة: ٢٥]. كلما رزقوا منها: أي أطعموا من الجنة من ثمرة رزقاً طعامًا قالوا هذا الذي رزقنا من (٣) النكت والعيون، الماوردي، ٤٥٣/٥. (٤) المفردات، ص ٤٠٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠٩/١٧. ١٧٤ مُوسُوبَةُ الْبَِّد جوبيبو القرآن الكريم الجنة قبل، أي: أطعمنا من الجنة من قبل، قيل: إذا والرمان والسدر والطلح والثمار، وغير ذلك ما لا يحصى، متنوعة ودانية الثمار ما تكمل به متعة أهل الجنة؛ ليتنعموا بها وهي باقية العطاء معهم بدوام نعيم الجنة الذي لا يفنى. سابعًا: الطعام والشراب: أتي بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم إذا أتي بها في آخر النهار، قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، يعني الذي أطعمنا في أول النهار، لأن لونه يشبه لون ذلك، فإذا أكلوا منه وجدوا لها طعمًا غير طعم الأول، وقيل: معناه كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أي في الدنيا، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنیا، فإذا أكلوا وجدوا طعمها غير ذلك(١). قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء يعني: أسماء الثمار(٢). ومن كمال المتعة واللذه أن هذه الثمار دانية مذللة لا مشقة في التقاطها، بل هي في متناول أيدي أهل الجنة، كما وصفها الله تعالى بقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَائِيَةٌ ﴾ [الحاقة: ٢٣ ]. وقال تعالى: ﴿وَحَى الْجَنََّيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]. أي: ((قريب منهم، لأنهم لا يتعبون بصعود نخلها وشجرها، لاجتناء ثمرها، ولكنهم يجتنونها من قعود بغير عناء)»(٣). ويتبين مما مضى أن الله تعالى خلق في الجنة أشجارًا كثيرة، منها: النخل والعنب (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١/ ٣٦. (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق ٢٣/ ٦٢. إن أهل الجنة يأكلون ويشربون لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَتَأُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٩ ﴾ [الطور: ١٩]. أي: ((يقال لهؤلاء المتقين في الجنات: كلوا أيها القوم مما آتاكم ربكم، واشربوا من شرابها هنيئًا، لا تخافون مما تأكلون وتشربون فيها أذى ولا غائلة بما كنتم تعملون في الدنيا لله من الأعمال)) (٤)، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَبِمَّاً أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ لْخَلِيَةِ ﴾ [الحاقة: ٢٤]. وقوله تعالى: ((هنيئًا إشارة إلى خلوهما عما یکون فيها من المفاسد في الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل، والكل منتف في الجنة، فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه، ولا إثم ولا تعب في تحصيله، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة، أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار (٤) المصدر السابق ٢٢ / ٤٦٦. www. modoee.com ١٧٥ حرف الجيمى ما فيه، فلا يتهنا، وكل ذلك في الجنة النوع غير مشتهى عند بعض الناس، فقال: كل أحد يعطى ما يشتهى، فإن قيل: الاشتهاء منتف»(١)، وترك ذکر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما (٢). کالجوع وفیہ نوع الم، نقول: ليس كذلك، بل الاشتهاء به اللذة، والله تعالى لا يتركه ووصف الله تعالى أكل الجنة فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَزِّ أُكُلُهَا دَآيِرٌ﴾ [الرعد: ٣٥]. في الاشتھاء بدون المشتھی حتی یتألم، بل المشتهى حاصل مع الشهوة، والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء أي ما يؤكل فيها دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا یزول ولا یبید، ولکنه ثابتٌ إلى غير نهاية(٣). صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهى، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة))(٥). وقال تعالى: ﴿وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. أي: لهم ما یشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنیا، إذ لا ليل في الجنة ولا نهار (٤). ومن طعام أهل الجنة: الفاكهة واللحم من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي كما قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهِوَلَحِْمِمَّا يَسْتَهُونَ ) ﴾ [الطور: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَرَُّونَ) وَمِ طَّيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١]. أي: ((واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمین، وجمع أوصافًا حسنة في قوله ﴿مِّمَا يَشْتَهُونَ﴾ لأنه لو ذکر نوعًا فربما یکون ذلك وإن تقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع؛ فإن حاجته إلى اللحم أشد تقديم الفاكهة واختيارها، كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أمیل منه إلى اللحم، وجوز أن یکون ذلك لأن عادة أهل الدنیا -لا سيما أهل الشرب منهم- تقديم الفاكهة في الأكل وهو طبًّا مستحسن؛ لأنها ألطف وأسرع انحدارًا وأقل احتياجًا إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أن أحد أسباب الهيضة إدخال اللطيف من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم يدفعها غالبا (٦). (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/ ٢٠٦. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٢٦/١٨. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٦/ ٤٦٩. (٤) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧/ ٤٥٦٤. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١٠/٢٨. (٦) انظر: روح المعاني، الألوسي، ١٤/ ١٣٧. جَوَسُو ◌َرُ النفسية القرآن الكريم ١٧٦ الجنة وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن أهل الجنة یأکلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا یبولون، ولا یتغوطون، ولا یمتخطون) قالوا: فما بال الطعام؟ قال: (جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النفس)(١). ووصف شراب أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَخْتُوٍ آ خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ ﴾ وَمِنَ اجُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ [المطففين: ٢٥-٢٧]. أي: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غشّ فيها، لم تمسسه الأيدي (٢)، ومزاجه من تسنيم (عين في الجنة) يشرب منها المقربون. قال ابن عباس: ((أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين))(٣). ويتضح مما تقدم: أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أشهى الطعام والشراب، ولا يكون طعامهم من جوع ولا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في صفات الجنة وأهلها ٤ / ٢١٨٠، رقم ٢٨٣٥. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٩٥/٢٤، تفسير القرآن، السمعاني، ١٨٣/٦. (٣) انظر: المختارة الضياء المقدسي، ٣٠٠/١٠، حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، ١/ ٣٤٣. شرابهم من عطش، بل من كمال نعيمهم ومتعتهم ولذتهم التي أعدها الله تعالى لهم جزاء بما كانوا يعملون. ثامنًا: اللباس والحلي: ذكر الله تعالى في آياته أن الجنة لا عري فیھا. قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّهُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى (١٨)﴾ [طه: ١١٨]. وإن اللباس والحلي والزينة فيها من الحرير والذهب واللؤلؤ. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ مُحُلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. أي: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات عدن تجري من دونهم ومن بين أيديهم الأنهار، ويلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب، والسندس وهي ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه (٤) وثخن، وقيل: إن الإستبرق هو الحرير . ووصف الله تعالى لباس أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حریر، وهو أعلى مما (٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٨. www. modoee.com ١٧٧ حرف الجيمر في الدنيا بكثير (١)، وإن كان محظورًا عليهم والسواد، وذلك يجمع الشعاع))(٥). في الدنيا، فأباحه الله لهم في الدار الآخرة لما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)(٢). ولباس أهل الجنة لا يبلى كما يبلى لباس أهل الحياة الدنيا لقوله صلی الله علیه وسلم: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا یفنی شبابه)(٣). ووصف بعض ثياب أهل الجنة بأنها خضراء اللون، كما قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ئِيَابًا خُضْرًا مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. ونحو ذلك قوله تعالى: شَابُ عَ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقِّ﴾ [الإنسان: ٢١]. لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس تنبسط بها أكثر من غيرها، وقيل: أنها تزید في ضوء البصر، وقيل: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن (٤). قال القرطبي: ((وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بین البياض (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٩/١٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، وقدر ما يجوز منه، ٧/ ١٥٠، رقم ٥٨٣٤. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ٢١٨١/٤، رقم ٢٨٣٦. (٤) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٢٥٨/٨. ويمكن القول إن ذكر الخضرة إنما جاء ترغيبًا للعباد في الجنة؛ وذلك أن هذا اللون من أحب الألوان إلى النفس وأكثرها راحة وبهجة للناظر. ولباسهم غير منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من اللباس الذي لا يحيط به وصف، ويحلون فيها بأنواع الذهب والفضة واللؤلؤ فقال تعالى: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُواْ وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ. (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٣]. كما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تبلغ الحلية من المؤمن، حيث يبلغ الوضوء)(٦). ويتضح مما مضی: أن أهل الجنة ينعمون باللباس الفاخر من الحرير والسندس والإستبرق الذي لا يبلى ولا يتمزق، ولا يقتصر اللباس على ذلك بل لهم فيها ما يشتهون من الثياب ويحلون فيها بالذهب والفضة واللؤلؤ، ما لا تبلى ولا تفنى. تاسعًا: نساء أهل الجنة: (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٩٧/١٠. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، ٢١٩/١، رقم ٢٥٠. ١٧٨ مُؤَسُولَةُ الْبَقيد لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ