النص المفهرس
صفحات 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ .2 عناصر الموضوع مفهوم الجهاد ٢٠٢ الجهاد في الاستعمال القرآني ٢٠٣ الألفاظ ذات الصلة ٢٠٤ ٢٠٦ أنواع الجهاد ٢١٢ صور الجهاد ٢١٦ فضل الجهاد ٢١٩ مقاصد الجهاد ٢٢٩ صفات المجاهدين ٢٣٥ معوقات الجهاد في سبيل الله ٢٤١ شبهات حول الجهاد في سبيل الله ٢٤٤ الشهادة في سبيل الله المجلدالخَادِىعَشِر حرف الجر مفهوم الجهاد أولًا: المعنى اللغوي: الجهاد من جهد يجاهد مجاهدةً وجهادًا، وهو من الجهد - بفتح الجيم وضمها- أي الطّاقة والمشقّة(١)، و((قال ابن الأثير: هو بالفتح، المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة))(٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]وجاهد في سبيل الله مجاهدة وجهادًا، والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود(٣). والحاصل: أن أصل لفظ الجهاد هو بذل ما في الوسع والطاقة في تحقيق شيء معين. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: يدور تعريف الجهاد عند أغلب العلماء حول قتال الكفار، فقد عرفه العلماء بقولهم: هو بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار المعاندين المحاربين، والمرتدين، والبغاة ونحوهم؛ لإعلاء كلمة الله تعالى. وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس(٤). فالجهاد بمعنى عام، يشمل الدّين كله؛ حيث تتسع مساحته فتشمل الحياة كلها بسائر مجالاتها ونواحيها، قال ابن تيمية: ((الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان))(٥)، وله كذلك معنى خاص ذكره الكفوي حيث قال: «الجهاد هو الدعاء إلى الدين الحق، والقتال مع من لا يقبله))(٦)، فالجهاد يحول دون فساد الأوضاع ووصول الأشرار والفاسدين إلى السلطة والحكم. وعليه، فالمعنى الاصطلاحي خص ببذل الجهد في قتال الكفار ودعوتهم؛ لإعلاء كلمة الله، بينما المعنى اللغوي أعم. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ٢٧٥. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٤٨٦، لسان العرب، ابن منظور ١٣٣/٣. (٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٦٣، تاج العروس، الزبيدي، ٥٣٤/٧. (٤) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص١٠١، التوقيف، المناوي، ص١٣٣، الجهاد في سبيل الله، القحطاني، ص ٥. (٥) الفتاوى الكبرى، ١٨٢/٥. (٦) الكليات، ص٣٥٤. العضوي مُوسُو ◌َ النَّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٠٢ الجهاد الجهاد في الاستعمال القرآني وردت مادة (جهد) في القرآن (٤١) مرة، والمتعلق منها بالجهاد (٣٥) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٥ ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] الفعل المضارع ٥ وُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِمٍ ﴾ [المائدة: ٥٤] فعل الأمر ٧ ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] المصدر ٤ ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] اسم الفاعل ٤ ﴿وَلَنَبْلُوَّكُمْ حَّى نَعْلَ الْمُجَتِهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِينَ﴾ [محمد: ٣٠] وجاء الجهاد في القرآن على ثلاثة وجوه (٢): الأول: الجهاد بالسلاح: ومنه قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الشَّرَدِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، يعني: الذين يقاتلون في سبيل الله بالسلاح. الثاني: الجهاد بالقول: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾﴾ [الفرقان: ٥٢]، يعنى: بالقرآن. الثالث: الجهاد في العمل: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ=﴾ [العنكبوت: ٦]، يعني: من یعمل الخير فإنما يعمله لنفسه، وله نفع ذلك. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٨٢- ١٨٣، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ٤٠٦ -٤٠٧. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١٥٩، نزهة الأعين النظائر، ابن الجوزي، ص٢٣١- ٢٣٢. www. modoee.com ٢٠٣ حرف الجمر الألفاظ ذات الصلة ١ القتال: القتال لغة: من قاتل فلان فلانًا، وقاتله مقاتلة وقتالًا، وهو بمعنى المحاربة والمقاتلة، ولا يكون إلا بین اثنین(١). القتال اصطلاحًا: القتال صيغة مبالغة من القتل، والمقاتلة هي القتال ولا يكون إلا بين اثنين (٢). الصلة بين الجهاد والقتال: الجهاد أوسع من القتال، فالقتال نوع من أنواع الجهاد، والقتال يكون بين اثنين. الغزو: ٢ الغزو لغة: القصد، والغزو: السير إلى قتال العدو، يقال: غزا يغزو غزوًا فهو غاز، وجمعه غزاة وغز(٣). الغزو اصطلاحًا: عرفه الأصفهاني بقوله: ((الغزو: الخروج إلى محاربة العدو))(٤). الصلة بين الجهاد والغزو: الغزو: إنما یکون في بلاد العدو، والجهاد: مطلق، فکل غاز مجاهد، دون العكس، وقيل: إن الغزو ما كان الغرض الأصلي فيه الغنيمة، وتحصيل المال - وإن استلزم ذلك الحرب والمقاتلة، والجهاد: ما كان الغرض فيه المحاربة لقهر العدو - وإن استلزم ذلك تحصيل الغنائم والفوائد(٥). (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٦٢/٩. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٥٤٩/١١. (٣) انظر: المصدر السابق ١٥/ ١٢٣. (٤) المفردات، ص ٣٦٠. (٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٣٨٥. مَوَسُولَةُ الَّقية القرآن الكريم ٢٠٤ الجهاد النفير: ٣ النفير لغة: ينفر نفرًا ونفورًا، ويوم النفر والنفير والنفور: يوم نفور الناس من منى، يقال: نفر إلى الحرب، إذا خرج لها، ومضى لقتال العدو، ومنه أيضًا (الاستنفار): وهو حث القوم على النفر إلى الحرب، أو أن ينفروا منها، والنفير: القوم النافرون لحرب أو غيرها (١). النفير اصطلاحًا: قال الأصفهاني: ((والاستنفار حث القوم على النفر إلى الحرب))(٢). الصلة بين الجهاد والنفير: النفر نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، وهو الخروج لقتال الأعداء اعلاءً لكلمة الله عز وجل. الحرب: ٣ الحرب لغة: نقیض السلم، ورجل محرب أي شجاع، وفلان حرب فلان أي يحاربه، وحرّبته تحریبًا أي حرّشته على إنسان فأولع به وبعداوته(٣). الحرب اصطلاحًا: قال المناوي: ((دفع بشدة عن اتساع المدافع بما يطلب منه الخروج فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع»(٤). الصلة بين الجهاد والحرب: الجهاد أوسع من الحرب، فالحرب استخدام القوة وفيه شدة، وهذا ليس بالضرورة في الجهاد، والجهاد إنما يكون في سبيل الله، أما الحرب فتطلق على حرب الكفار واستحلالهم بلاد المسلمين. (١) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد، ٧٨٨/٢. (٢) المفردات، ص٥٠١. (٣) انظر: العين، الفراهيدي، ٣/ ٢١٣. (٤) التوقيف، ص١٣٧. www. modoee.com ٢٠٥ حرف الجمر أنواع الجهاد فرض الله عز وجل الجهاد على المسلمين، وأمرهم بالجهاد في سبيله، ووعد المجاهدين أجرًا عظيمًا، سواء من جاهد عدوًّا داخليًّا، ومن جاهد عدوًّا خارجيًّا، فالجهاد أنواع مختلفة، ولقد قام العلماء بتقسيم الجهاد إلى عدة أقسام، وهي: أولًا: جهاد النفس: إن من أعظم الجهاد جهاد النفس، وهو الأصل والأساس؛ لأن العبد إن لم يجاهد نفسه أولًا ويبدأ بها ويلزمها بفعل ما أمرت به وترك ما نهیت عنه فلا یمکن له جهاد عدوه الخارجي وترك العدو الداخلي. والنفس البشرية عرضة للإغواء ووساوس الشيطان. قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَرَةٍ﴾ [يوسف: ٥٣]. فجهادها هو الجهاد الأكبر، قال ابن عجيبة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللَّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ (٢١٨) [البقرة: ٢١٨]. رَّحِيمٌ («الجهاد على قسمين: جهاد أصغر وهو جهاد السيف، وجهاد أکبر وهو جهاد النفس، فيجاهدها أولًا في القيام بجميع المأمورات، وترك جميع المنهيات، ثم يجاهدها ثانيًا في ترك العوائد والشهوات، ومجانبة الرخص والتأويلات، ثم يجاهدها ثالثًا في ترك التدبير والاختيار، والسكون تحت مجاري الأقدار، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها، ولا تشتهي إلا ما يقضي الله عليها، فإن النفس جاهلة بالعواقب، فعسى أن تكره شيئا وهو خير لها، وعسى أن تحب شيئا وهو شر لها)»(١). فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه النّاس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم النّاس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذّنوب)(٢). واعتبر جهاد النفس جهادًا أکبر من جهاد العدو؛ «لأنك في ساحة القتال تجاهد عدوًّا ظاهرًا، يتضح لك عدده وأساليبه، أمّا إن كان عدوك من نفسك ومن داخلك، فإنه يعزّ عليك جهاده، فأنت تحب أن تحقق لنفسك شهواتها، وأن تطاوعها في أهوائها ونزواتها، وهي في هذا كله تلح عليك وتتسرّب من خلالك، فعليك أن تقف في جهاد النفس (١) البحر المديد، ص ٢٤٣. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٨١/٣٩، رقم ٢٣٩٥٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٢/ ٩٠. ٢٠٦ مُؤَسُولَةُ النَّفِيَّة لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ الجهاد موقفًا تقارن فيه بين شهوات النفس العاجلة الكريم بأنه جهاد النفس في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. وما تورثك إياه من حسرة آجلة باقية، وما تضيعه علیك من ثواب ربك في جنة فيها من النعيم، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))(١). قال ابن القيم: ((جهاد النفس مقدم على جهاد العدو في الخارج، وأصل له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نھیت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فکیف یمکنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا یمکنہ الخروج إلى عدوه حتى یجاهد نفسه على الخروج»(٢). فالجهاد هنا يحتمل أن يكون المقصود به جهاد الكفار، أو جهاد النفس والھوی (٤). وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاْ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩]. ((والّذين جاهدوا فينا يعني: جهاد النفس من الصبر على إذاية الكفار واحتمال الخروج عن الأوطان وغير ذلك، وقيل: يعني القتال، وهو ضعيف؛ لأن القتال لم یکن مأمورًا به حین نزول الآية»(٥). فأفضل الجهاد عندما نجاهد أنفسنا، كما وقال ابن الجوزي: ((اعلم أنه إنما كان جاء عن عبد الله بن عمرو عندما سئل: أيّ جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء؛ لأن المؤمنين أفضل إسلامًا؟ قال: (من أسلم المسلمون من لسانه ويده)، قال: فأيّ النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب؛ لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي، وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة، فكيف إذا دعا إلى محبوب، فإذا عكست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد وصعب الأمر، بخلاف جهاد الكفار فإن الطباع تحمل على . خصومة الأعداء))(٣). المؤمنين أفضل إيمانًا؟ قال: (أحسنهم خلقًا)، قال: فأيّ المهاجرين أفضل؟ قال: (من هجر ما نهى الله عنه)، قال: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: (من جاهد نفسه في ذات الله)، قال: أنت قلته يا عبدالله بن عمرو، أم رسول الله صلی الله علیه وسلم ؟ قال: بل رسول الله صلى الله عليه وسلم(٦). وجاء تفسير العلماء للجهاد في القرآن (١) تفسير الشعراوي، ١١٢٨٤/١٨. (٢) زاد المعاد ٦/٣. (٣) ذم الهوی، ص٤٠. (٤) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ٢/ ١٢٢، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤ / ٨٠. (٥) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ١٢٩/٢. (٦) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير، www. modoee.com ٢٠٧ حرف الجيمى وجهاد النفس أربعة مراتب(١): ١. جهادها على تعلّم أمور الدين والهدى الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، فيجب أن نحمل أنفسنا على معرفة الحق والهدى، وفهم الكتاب والسنة، ومعنى الجهاد أن تبذل كل الوسع والطاقة في معرفة الحق؛ حتى لا تبوء بالخسران يوم القيامة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَّةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحِْنُونَ صُنْعًا ١٠٤ [الكهف: ١٠٤]. ٢. جهادها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها، والنفس البشرية تميل إلى الراحة، فبدون مجاهدتها لا يمكن الفوز بأعلى الدرجات في الجنة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ [آل عمران: ٢٠٠]. ٢٠٠ تُفْلِحُونَ قيل في معنى الآية: أي اصبروا على دينكم، وصابروا مع الأعداء، ورابطوا بالمحافظة على الصلوات، فقد جاء ٥٦٩/١٣، رقم ١٤٥١٢. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٤٧٨/٣. (١) انظر: الموسوعة الفقهية الميسرة، حسين العوايشة، ٢٤/٧، الجهاد في سبيل الله، سعید القحطاني، ص٩. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) قالوا بلى يا رسول الله. قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (٢))(٣). ٣. جهادها على الدعوة إليه ببصيرة، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبینات، ولا ينفعه علمه ولا ینجیه من عذاب الله. ٤. جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله لله، فجهاد النفس يحتاج إلى صبر على المكاره، قال عز وجل: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْوَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ٢٠٠]. فمن علم، ٢٠٠ وعمل، وصبر، فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السموات. ثانيًا: جهاد الشيطان: إن من أشد أعداء الإنسان الشيطان، بل (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، ٢١٩/١، رقم ٢٥١. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٥٦٠/١، تفسير القرآن، السمعاني، ٣٩١/١. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكْرِيْمِ ٢٠٨ الجهاد هو أخبث الأعداء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُوْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ. لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾، يلقي على الإنسان وساوسه، ويدفعه إلى ارتكاب المعاصي، والبعد عن الطاعات، قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد حديثه عن جهاد العدو الداخلي (النفس)، والعدو الخارجي (الكفار والمنافقين): ((فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا یمکنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويخذله ويرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهیات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ [فاطر: ٦]. فالشيطان لا يدعو حزبه إلا لما فيه هلاكهم وخسارتهم، وقد بين لنا المولى عز وجل طرق محاربته بشتى الطرق والوسائل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْا والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيه على استفراغ إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا الوسع في محاربته، ومجاهدته، كأنه عدو لا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس))(١). وجهاده یکون على مرتبتين(٢): · على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات (١) زاد المعاد، ٦/٣. (٢) انظر: الجهاد في سبيل الله، سعيد القحطاني، ص٩. والشكوك القادحة في الإيمان. جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة، وينبغي أن ترد الشبهات باليقين، وينبغي أن ترد الشهوات بالصبر، لذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: ٩٩]. يقول ابن حجر العسقلاني: ((جهاد الشيطان بدفع ما يلقي إليه من الشبهة والشك ثم تحسین ما نھي عنه من المحرمات، ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات وتمام ذلك من المجاهدة أن يكون متيقظًا لنفسه في جميع أحواله؛ فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات))(٣). وأن يستعين بالله عز وجل، ويستعيذ بالله من شر الشيطان، قال تعالى: قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُسُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى ٩٨ رَيِّهِمْ يَتَوَ كَّلُونَ ﴾ [النحل: ٩٨-٩٩]. (٣) فتح الباري، ٣٣٨/١١. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الجيمى فإيمان العبد بربه حصن حصين من مكائد الشيطان، فإذا ضعف هذا السلاح كان تحت تأثیر الشيطان ووساوسه، قال تعالی: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطُنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: ٣٦]. ولقد كتب ابن القيم رحمه الله تعالى كتابًا كبيرًا نافعًا سماه ((إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان)) بين فيه ما يجب على الإنسان فعله للبعد عن مكائد الشيطان. ثالثًا: جهاد المنافقين: أمر الله عز وجل نبيه بجهاد المنافقين، بل أمره بالغلظة في محاربتهم. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمٌّ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّهٌ وَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ ﴾ [التحريم: ٩]. ((ولما كان المنافق يظهر الإسلام ويبطن الشرك ويظهر الخير ويبطن الشر، فلا يمكن جهاده بالقتال کما یجاهد الكافر؛ وذلك لأنه بظاهره يستحق أن يعامل معاملة المسلمين لكن له علامات یعرف بها))(١). ولا شك أن ضرر هؤلاء أعظم من ضرر الكفار المعلنين بكفرهم، كما قال الله تعالى في أمثالهم: ﴿هُ الْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللّهُ أَّى يُؤْقَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]؛ ولأجل ذلك جاء الشرع بجهادهم، والحث على الغلظة (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠١/١٨. مَوَسُوبَةُ النَِّد القرآن الكريم علیھم. وجهاد المنافقين يكون بمناقشتهم وإقامة الحجة عليهم، وكشفهم، وبيان باطلهم (٢)، والتحذير منهم، وإقامة الحدود عليهم وعن مجاهد: جهاد المنافقين بالوعيد، وقيل: بإفشاء أسرارهم(٣). فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بجهاد المنافقين، وذلك من خلال عطف المنافقين على الكفار في المفعول به للفعل جاهد، ويحمل الفعل على المجاز، فالجهاد بإقامة الحجة والتعريض للمنافق بنفاقه، فإن ذلك يطلق عليه الجهاد مجازًا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم للذي سأله الجهاد فقال له: (أحيٌّ والداك؟)، قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد) (٤). فجهاد المنافقين لإلقاء الرعب فى قلوب المنافقين؛ ليشعروا بأن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالمرصاد لهم، فلو بدت من أحدهم بادرة يعلم منها نفاقه عومل معاملة الكافر في الجهاد بالقتل والأسر فيحذروا ويكفوا عن الکید للمسلمين خشية الافتضاح، فتكون هذه الآية من قبيل قوله (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٣٤/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠١/١٨. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤/ ٥٧١. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الجهاد بإذن الأبوين، ١٠٩٤/٣، رقم ٢٨٤٢. ٢١٠ الجهاد ◌َّيْنِ لَّمْ يَلْنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ تعالى: فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٥) مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ [الأحزاب: ٦٠- وَقُتِلُواْ تَقْتِيلًا (٣)﴾ ٦١](١). رابعًا: جهاد الكافرين: فرض الله عز وجل الجهاد على عباده؛ لتكون كلمة الله هي العليا، بإخراج من شاء الله من الظلمات إلى النور، وذلك بالدخول في الإسلام، أو بفرض سيادة الإسلام ونشر عدالته والتعريف بحقيقته، والجهاد إذا أطلق فيراد به جهاد الكفار والمشركين، وجهاد الكفار أربع مراتب کما بین ذلك ابن القيم رحمه الله: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد(٢). قال عليه السلام: (من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بغزوٍ مات على شعبٍ من النّفاق)(٣)، وقد أناط الله قتالهم بوصف الشرك ووصف الكفر، كما قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٧٢/٢٨. (٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم، ١٠/٣. (٣) أخرجه البيهقي في سننه، ٧٢/٩، رقم ١٧٩٤١. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٤٧٨/٣. الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَيِّلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْفَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ [التوبة: ١٢٣]. وقال عز وجل: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ أَلْرِقَابِ حَتَّى إِذَا أَنْتَتُومٌ فَشُدُواْ أَلْوَثَاقَ [محمد: ٤]. وجهاد الكفار باليد مرّ في مراحل متنوعة بحسب الحال الذي كانت عليه أمة الإسلام. قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: «أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه (يا أيها المدثر قم فأنذر) فنبأه بقوله (اقرأ)، وأرسلہ بـ(یا أيها المدثر)، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين www. modoee.com ٢١١ حرف الجيمى حتی یکون الدین کله له، ثم کان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة))(١). فهذا النوع من الجهاد له فضل عظيم كما بينه لنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم عندما قال: (رباط يومٍ في سبيل اللّه خيرٌ من الدّنيا وما عليها، وَموضع سوط أحدكم من الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما عليها، والرّوحة يروحها العبد في سبيل اللّه، أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها)(٢). (١) زاد المعاد، ١٤٤/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله، ١٠٥٩/٣، رقم ٢٧٣٥. صور الجهاد إن قدرة الإنسان متفاوتة على الجهاد في سبیل الله؛ لذا کان له وسائل وصور متعددة، تختلف باختلاف قدرة الإنسان وظروفه، فمنهم من يجاهد بماله، ومنهم من يجاهد ـنفسه، ومنهم لا يملك مالًا ولا يستطيع الخروج للجهاد في سبيل الله؛ لذلك تعددت صوره ووسائله. أولًا: الجهاد بالمال: الجهاد بالمال من أهم صور الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: ٤١]. أي: «فأنفقوها في مجاهدتهم علی دین الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم فيدخلوا فيه طوعًا أو كرهًا، أو يعطوكم الجزیة عن یدٍ صغارًا، إن كانوا أهل كتابٍ، أو تقتلوهم»(٣). وتقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في كثير من الآيات فيه دلالة على عظم الجهاد بالمال، فقد لا يستطيع الإنسان أن يشارك بنفسه في الجهاد في سبيل الله؛ بسبب ظروف مختلفة تمنعه من أن يجاهد، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى (٣) جامع البيان، الطبري، ١٤/ ٢٧٠. ٢١٢ مَوَسُوبَةُ النفسية القرآن الكريم الجهاد اْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]. الجنة، ((قال بعضهم: ما أكرم الله، فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة)) (٢). فليس على الأعمى حرج في التخلّف عن الغزو، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض الذي لا يقدر على الحرب حرج؛ لأن الجهاد منوط بالاستطاعة ونفي الحرج، فمن عجز فله أن ينيب عنه نفرًا بنفقة من عنده فيكون مجاهدًا بماله لما تعذر عليه بنفسه، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء(١). والجهاد بالمال يشمل المساهمة بالمال في جميع أنواع الجهاد، سواء كان ضد الكافرين أو المنافقين، أو النفس أو الشيطان. ثانيًا: الجهاد بالنفس: من أعظم الجهاد من باع نفسه رخيصة في سبيل الله عز وجل؛ لإعلاء كلمة التوحيد. قال عز وجل: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْثُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَاْلْإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَّبَشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ. وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١)﴾ [التوبة: ١١١]. فبذل النفس في سبيل الله يستدعي الثواب العظيم من الله عز وجل ألا وهو (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٥٦/١٦، البحر المدید، ابن عجيبة، ٣٩٤/٥. وقد قدم الجهاد بالنفس في هذه الآية على الجهاد بالمال بعكس الآيات الأخرى؛ وذلك لأن الآية كانت بمعرض الحديث عن المنافقين وتقاعسهم عن الجهاد بأنفسهم في غزوة تبوك(٣). وقوله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ((بيانٌ لكون القتال في سبيل الله بذلًا للنفس وأن المقاتل في سبيله باذلٌ لها وإن كانت سالمةً غائمة؛ فإن الإسناد في الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة، بل بطريق وصف الكلّ بحال البعض، فإنه يتحقق القتال من الكل سواءٌ وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم، بل يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضًا)) (٤). فهي تجارة رابحة مع الله عز وجل، والثمن عظيم، إنها جنة عرضها السموات والأرض، أعدت لمن ضحى بنفسه في سبيل إعلاء كلمة الله. قال عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَوْلُكُوْ عَلَى ◌ِزَةٌ نُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ٣٤٨/١. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٥٠/١٦. (٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١٠٥/٤. www. modoee.com ٢١٣ حرف الجيمى وَتُهَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ◌ِأَمْوَلِكُمْوَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْ لَكُ ووعيدهم(٣). إِنَ كُ تَعْلَمُونَ (١)﴾ [الصف: ١٠ - ١١]. وجاء في فضل الجهاد بالنفس العديد من الأحاديث منها: أن أعرابيًّا سأل النبي صلی الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: (رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره)(١). فالجهاد من فضائل الأعمال، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه؟) قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء)(٢). ثالثًا: الجهاد باللسان: قد يكون الجهاد بكلمة يأمر فيها الإنسان بمعروف، أو پنھی عن منکر، کما في جهاد المنافقين، قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التحريم: ٩]. وجهاد المنافقين باللسان بزجرهم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب العزلة راحة من خلاط السوء، ٢٣٨١/٥، رقم ١٦٢٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العيد، باب فضل العمل في أيام التشريق، ٢٠/٢، رقم ٩٦٩. وقال تعالى: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِجِهَادًا كَبِيرًا ﴾[الفرقان: ٥٢]. فهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن القتال مشروعًا، فالمقصود من الآية أي جادلهم بالقرآن واتل عليهم ما فيه من القوارع، والنواذر والزواجر والأوامر والنواهي، والحجج والبراهين (٤)، يقول السعدي: (لا تبق من مجهودك في نصر الحق وقمع الباطل إلا بذلته ولو رأيت منهم من التكذيب والجراءة ما رأيت، فابذل جهدك واستفرغ وسعك، ولا تيأس من هدايتهم ولا تترك إبلاغهم لأهوائهم» (٥). والجهاد باللسان هو ما كان في بداية الدعوة الإسلامية؛ إذ كان المسلمون قلة ضعفاء وأعداؤهم كثر أقوياء، فأمرهم الله بالاكتفاء بالجهاد باللسان والدعوة، وأمرهم أن یکفوا أیدیھم عن القتال، فهدى الله بذلك من هدى من المسلمين، كالصديق رضي الله عنه، وعمر الفاروق رضي الله عنه، وعثمان رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله (٣) انظر: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ص٤٧٨. (٤) انظر: فتح البيان، القنوجي، ٣٢٢/٩، محاسن التأويل، القاسمي، ٧/ ٤٣٢. (٥) تيسير الكريم الرحمن، ص٥٨٤. جَوَسُوع القرآن الكريم ٢١٤ الجهاد بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زید، وطلحة بن عبيد الله، وجم غفير من الصحابة رضي الله عن الجميع وأرضاهم. ومن الجهاد باللسان الجهر بالحق، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد کلمة عدلٍ عند سلطان جائر)(١). وقال عبد الله بن مسعودٍ: ((النّس ثلاثةٌ فما سواهم فلا خیر فیه: رجلٌ رأى فئةً تقاتل في سبيل الله فجاهد بنفسه وماله، ورجلٌ جاهد بلسانه، وأمر بالمعروف، ونھی عن المنكر، ورجلٌ عرف الحقّ بقلبه))(٢). وقد يكون الجهاد باللسان في الدعوة، بدعوة الناس إلى التمسك بالدين القويم، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، فهي دعوة فقط ليس فيها قتال، بل توجيه وإرشاد وإيضاح للحق والخلق الکریم، وتحذير من خلافه بالكلام الطيب واللطف والجدال بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) [النحل: ١٢٥]. (١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ١٣٢٩/٢، رقم ٤٠١١. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢٤٨/١، رقم ١١٠٠. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير، ١٨١/٩، رقم ٨٨٩٦. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]. إلى غير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالصفح والإعراض عنهم، والجدال بالتي هي أحسن، إلى غير ذلك، وليس فيها الأمر بقتالهم. ويكون الجهاد باللسان بالرد على أهل البدع والضلالات، قال الإمام ابن تيمية: «فالراد علی أهل البدع مجاهد، حتی کان يحي ابن يحي يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد))(٣). ومن صور الجهاد باللسان الجهاد بالقلم، وربما كان أبلغ من الجهاد باللسان وأعم فائدة. وقد يكون الجهاد باللسان في الدعوة في ندوة أو محاضرة، وقد یکون بهجاء الكفار فعن عائشة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اهجوا قريشًا، فإنّه أشدّ عليها من رشقٍ بالنّبل) (٤). (٣) مقدمات في علم مقالات الفرق، ١٨/١. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت، ١٦٤/٧، رقم ٦٤٧٨. www. modoee.com ٢١٥ حرف الجيمى فضل الجهاد الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة أعده الله عز وجل لأوليائه الصادقين المخلصين. قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ ◌ِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾ [الحجرات: ١٥]. وهو ذروة سنام الإسلام كما جاء عن معاذ بن جبل، قال: قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟)، قلت: بلى يا رسول الله، قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)(١). ولقد جاءت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تبين فضل ومكانة الجهاد في سبيل الله، وفضل المجاهدين في سبيله، وسأتحدث عن فضل الجهاد في سبيل الله في النقاط الآتية: ١. الجهاد في سبيل الله تعالى مفتاح الخير، وباب الفوز والفلاح. قال الحق جلّ وعلا: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ جَهَدُواْ بِأَمْوَظِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَثِّ وَأُوْلَئِكَ (١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب التفسير، ٢١٤/١٠، رقم ١١٣٣٠. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١٣٨/٢. ٨٨﴾ [التوبة: ٨٨]. هُمُ الْمُفْلِحُونَ والخيرات: الثواب من الحسنات، وقيل: حور حسان في الجنة، وقيل: أن الخيرات لا يعلم معناها إلا الله(٢). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُ الْفَآيِرُونَ ﴾ [التوبة: ٢٠]. ولهم البشارة من الله عز وجل. قال عز من قائل: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيَهَا نَعِيدٌ مُقِيمٌ ﴾﴾[التوبة: ٢١]. وهذه أعظم البشارات؛ لأن الرحمة والرضوان من الله عز وجل على العبد نهاية مقصوده، ونعیم دائم غير منقطع(٣). وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغدوةٌ في سبيل الله، أو روحة، خيرٌ من الدنيا وما فيها)(٤). ٢. الجهاد في سبيل الله سبيل الهداية إلى الخير. قال الخالق تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ (٢) انظر: تفسير السمرقندي، ٢/ ٨٠، تفسير القرآن، السمعاني، ٣٣٦/٢، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٦ / ١١٩. (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٤٣/٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسرايا، باب الغدوة والروحة في سبيل الله، ١٠٢/٣، رقم ٢٦٣٩. مُوسوبر التفسير القرآن الكريم ٢١٦ الجهاد جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاْ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ((وعن ابن عباس: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا، وعن الجنيد: جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا))(١). ٣. الجهاد في سبيل الله تجارة رابحة مع الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُوْ عَلَى تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِه ◌ِزَقْ نُجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِم ◌َ وَتَُّهِدُونَ فِي سَبِ الَّهِأَوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَبٌلَكُ إِنَ كُمُتَعْلَمُونَ (١)﴾ [الصف: ١٠-١١]. فقد جاء أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، فنزلت السورة ومن ضمنها هذه الآيات(٢). وقد أوجب الله عز وجل من هذه التجارة للمجاهدين بأموالهم وأنفسهم الجنة جزاء لهم. قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَّ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَاُلْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، (١) مدارك التنزيل، النسفي، ٦٨٧/٢. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٠١١٢/٨ مِنَ اللَّهِّ فَاسْتَبْشِرُ واْبِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِّ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ١١١]. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ((يخبر تعالى أنه عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه؛ فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم الله فأغلى ثمنهم))(٣). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو عليّ ضامنٌ أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسکنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجرٍ أو غنيمة)(٤) . ٤. الجهاد في سبيل الله عز وجل مقدم على جميع المصالح الدنيوية. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتَّكُ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَيْجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ (٣) تفسير القرآن العظيم، ٢١٨/٤. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، ١٤٩٥/٣، رقم ١٨٧٦. www. modoee.com ٢١٧ حرف الجيمى حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْرِهُ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤]. وفي ذلك دليل على عظم هذه العبادة التي يقوم بها المجاهد في سبيله. ٥. الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، وأصحابه لهم أعلى الدرجات. فالقاعدون عن الجهاد من المؤمنين الصالحين مهما اجتهدوا في أعمال البر والطاعة في غير ميدان الجهاد فلن يلحقوا بر کب المجاهدین. قال تعالى: إلَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلًا وَعَدَ اَللَّهُ الْمُسْنَّ وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَبْرًا عَظِيمًا ( [النساء: ٩٥]. أي «لا يعتدل المتخلّفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حزونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله))(١). فالعبادات من صلاة وصيام من أفضل الأعمال، لكن الجهاد يعدل ذلك وزيادة، (١) جامع البيان، الطبري، ٩/ ٨٥. وفيه من المكابدة والصبر بحيث لا يستطيع أحد القيام بمثله. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني علی عمل یعدل الجهاد، قال: (لا أجده)، قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر)، قال: ومن يستطيع ذلك، قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد لَيَسْتنُّ في طوله فیکتب له حسنات(٢). ((قال ابن عياض: اشتمل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد، لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة وغيرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (لا تستطيع ذلك) وفيه: أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسان من الله تعالى لمن شاء، واستدل به على أن الجهاد أفضل الأعمال)) (٣). ((وقال ابن دقيق العيد: القياس يقتضي أن الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل ؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، ١٠٢٦/٣، رقم ٢٦٣٣. (٣) لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، محمد آل هادي، ص ١٥٠. ٢١٨ القرآن الكريم الجهاد وإخماد الكفر ودحضه، ففضله بحسب فضل ذلك)) (١). والمجاهد في سبيل الله أفضل الناس بنصّ كلام الحبيب؛ قيل: يا رسول الله، أيّ الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)، قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمنٌ في شعب من الشّعاب يتّقي الله، ويدع الناس من شرّه)(٢). والله عز وجل يرفع المجاهد في الجنة مائة درجة، قال عليه السلام: (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها)، فقالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)(٣). (١) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، ٤/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، ١٠٢٦/٣، رقم ٢٦٣٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ١٠٢٨/٣، رقم ٢٦٣٧. مقاصد الجهاد شرع الله عز وجل الجهاد في سبيل الله لحكم ومقاصد سامية، وتنوعت هذه المقاصد بما فيها الخير والصلاح لهذه الأمة، وبين ذلك في كتابه العزيز، فما هي هذه الأهداف التي شرع الجهاد من أجلها: أولًا: إقامة حكم الله عز وجل في الأرض: لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة للبشرية، ولا رفعة ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ويتطبيق أحكامه. والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى له صورة واحدة وطريق واحد لا سواه، وهو العودة بالحياة كلها إلى منهج الله عز وجل الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم، وهو تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها، والتحاكم إليه وحده في شؤونها، وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والارتكاس في الحمأة، والجاهلية التي تعبد (٤) الهوی من دون الله عز وجل قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ ٣٩ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ١٥. www. modoee.com ٢١٩ حرف الجيمى [الأنفال: ٣٩]. فكان لا بد من ضرورة الجهاد لقيام الدعوة واستمرارها، وهو وسيلة من وسائلها، وإقامة حكم الله عز وجل في الأرض هدف من أهداف الجهاد ومقصد أساسي لا يمكن أن نتغاضى عنه، وبتطبيق شرع الله عز وجل تحيا القلوب وتطمئن النفوس، ويأمن الإنسان على أهله وماله، حيث قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: ١٠٥]. إن الأخطار التي تهدد الدولة المسلمة كثيرة جدًا، منها ما قد يأتي من داخل الدولة، وهذا يتكفل نشر العلم الإسلامي والدعوة إلى الرجوع لحكم الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود بالتصدي له، وأما ما قد يجيء من خارج حدود الدولة الإسلامية، فإن منه ما یکف شره بالبيان، ومنه ما لا سبيل إلى قطع دابره إلا بالسيف والسنان، حيث إن الأمة الإسلامية لا تريد القتال أساسًا لأجل القتال، ولا لأجل الحرب، فلسنا أعداء لأحد من الناس من حیث الابتداء، ولکن لنا من بين الناس أعداء، الذين هم أعداء الله عز وجل، والذين يوقدون نار الحرب، ويسعون للفساد في الأرض، ويفتنون الناس عن الإیمان، ویصدون عن سبيل الله عز وجل، ولكي يحقق الحكم الإسلامي مقصده في إقامة الدين وتطبيق شرع الله عز وجل في الأرض بلا معوقات، فلابد أن يكون مستعدًّا لما قد يكون في الطريق من عقبات ترد الدعوة، أو تصد الدعاة عن القيام بواجب نشر الحق. قال تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهَ هُوَ أَجْتَّبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الَّذِينِ مِنْ حَرَجْ مِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَهِيمٌ هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًاً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِّ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَئُكُوْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: ٧٨]. ولهذا كان على دولة الإسلام أن تتهيأ لما تواجه به هذه الظروف، وتعد الأمة للجهاد في سبیل الله عز وجل دائمًا ضد كل متصدر للوقوف في طريق كتائب الحق المتحركة نحو رضا الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الجهاد وسيلة من وسائل إقامة الدين في الأرض(١). فإن ((إقامة حكم الله في الأرض والتمكين لدينه، غاية من غايات الجهاد في سبيل الله، والذي يجب أن يسعى لتحقيق هذه الغاية هم المسلمون الذين آمنوا بها (١) انظر: تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين، علي الصلابي، ص ٥٨٢ - ٥٨٥. ٢٢٠ مُؤْسُورَةُ النَّـ القرآن الكريم