النص المفهرس

صفحات 1-20

صَوْو ◌َرُ النَفسِة الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الخرافة
عناصر الموضوع
مفهوم الحرام
٤٦٢
الحرام في الاستعمال القرآني
٤٦٣
الألفاظ ذات الصلة
٤٦٤
التحريم حق لله تعالى
٤٦٦
أنواع التحريم
٤٦٩
ميادين الحرام
٤٧٣
المحرومون من الجنة
٤٨٥
طريقة القرآن في التحريم
٤٨٧
مقاصد التحريم
٤٩٣
عقوبة ارتكاب المحرمات
٤٩٥
العقوبة في الآخرة
٤٩٨
المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر

حرف الحاء
مفهوم الحرام
أولًا: المعنى اللغوي:
الحرام من حرم، فالحاء والراء والميم أصل واحد، وجمع الحرام حرم، والحرام ضد
الحلال، والحرام هو المنع والتشديد(١). ويقال: الحرام والحرم -بكسر الحاء وسكون
الراء -، ويجمع على حرم - بضم الحاء والراء، وحرمة الرجل: التي لا تحل لغيره، ولفلان
حرمة بيني فلان أي: تحرم، وحريم الرجل: ما يجب عليه حفظه ومنعه، وأحرم الرجل
إحرامًا من إحرام الحج فهو حرام وهم حرم، ولبس المحرم وهو لباس الإحرام، وقوم حرم
وحرام أي محرمون، ورجل حرمي: منسوب إلى الحرم، والحرمة: المهابة، وللمسلم على
المسلم حرمة ومهابة (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الحرام: واحد من الأحكام التكليفية الخمسة وهي: الواجب والمندوب والحرام
والمكروه والمباح، وقد عرفه العلماء بما يأتي:
١ - الحرام: ((الممنوع منه إما بتسخير إلهي أو بشري، وإما بمنع من جهة العقل أو
البشرية، أو من جهة من يرتسم أمره)) (٣).
٢ - والحرام: «ما يذم شرعًا فاعله))(٤).
٣ - والحرام: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله.
وترجح الباحثة التعريف الثالث لمعنى الحرام اصطلاحًا، فهو الأشمل والأدق أما الباقي
فهو وصف للحرام أکثر من کونه تعریفًا له.
ومن خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للفظ (الحرام) يتضح لنا بجلاء العلاقة
الوثيقة بين المعنيين، إذ إن (الحرام) اصطلاحًا يعني: ما هو ممنوع، سواء بأمر من الله عز
وجل أو من البشر، والحرام لغة: مطلق المنع.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥/٢.
(٢) انظر: أساس البلاغة، الزمخشري ١/ ١٨٤، مختار الصحاح، الرازي ص ٧١، المصباح المنير،
الفيومي ١/ ١٣١، تاج العروس، الزبيدي ٣١/ ٤٥٢، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١/
٤٨١.
(٣) التوقيف، المناوي ص ١٣٧.
(٤) مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص٦٣.
٤٦٢
مُوسُق ◌َد
القرآن الكريم

الخاص
الحرام في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حرم) في القرآن (٨٢) مرة (١):
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ
الفعل الماضي
٣٤
أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]
الفعل المضارع
٥
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
الاسم
٩
وَغَيْرَ مُحِلَى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]
مصدر
٢٦
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]
اسم المفعول
١٨
﴿َلّ ◌َغَحْنُ مَحْرُوُمُونَ ﴾ [الواقعة: ٦٧]
وجاء الحرام في القرآن على ثلاثة أوجه(٢):
الأول: المنع: ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢].
الثاني: التحريم: ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُخَرِّ مُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا
تَمْتَدُواْ﴾ [المائدة: ٨٧].
الثالث: الشرف: ومنه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧].
وهناك وجه رابع ذكر في كلمة (الحرمات) وهو: أنها جمع لكلمة (الحرم)، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَالْحُرُّمَتُ قِصَاصُ﴾ [ البقرة: ١٩٤].
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١٩٦ -١٩٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٩٣.
www. modoee.com
٤٦٣

حرف الحاء
الألفاظ ذات الصلة
١
السحت:
السحت لغة:
هو الحرام، وأسحت الرجل: وقع فيه، والسحت: جهد العذاب، وسحتناهم أي: بلغنا
مجهودهم في المشقة عليهم(١).
السحت اصطلاحًا:
كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار كثمن الكلب والخنزير فهو سحت، وقيل: السحت
مبالغة في صفة الحرام وهو الحرام الظاهر (٢).
الصلة بين الحرام والسحت:
من الواضح أن الحرام والسحت من المترادفات في المعنى.
المحظور:
٢
المحظور لغةً:
يفتح فسكون فضم، المحرم خلاف المباح، ومنه قوله: عز وجل ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ
مَخْطُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠](٣).
المحظور اصطلاحًا:
(«المحظور في الشريعة: هو ما أعلم المكلف أو دل على قبحه، ولهذا لا يقال إن أفعال
البهائم محظورة وإن وصفت بالقبح)) (٤).
الصلة بين الحرام والمحظور:
الحرام يكون مؤبدًا، والمحظور قد يكون إلى غاية (٥).
(١) جمهرة اللغة، ابن دريد ١ / ٣٨٦، العين، الفراهيدي ١٣٢/٣
(٢) الكليات، الكفوي ص ٤٩٤
(٣) انظر: معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي ص ٤١٢.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٢٩.
(٥) انظر: المصدر السابق.
٤٦٤
مُوسُو ◌َ النَّقية
القرآن الكريم

المحامى
الحلال:
٣
الحلال لغةً:
حللت العقدة أحلها حلًا: فتحتها، والحل بالكسر: الحلال، والحل والحلال والحليل:
نقيض الحرام، وحل الشيء يحل حلًا وأحله الله سبحانه وتعالى، واستحللته: اتخذته
حلالًا، ومنه حللت اليمين تحليلًا وتحلة، ورجل حل من الاحرام، أي حلال، ويقال: أنت
حل، وأنت حرم، وهذا لك حل، أي: حلال(١).
الحلال اصطلاحًا:
ما أطلق الشرع فعله، وكل شيء لا يعاقب عليه باستعماله(٢).
الصلة بين الحرام والحلال:
الحرام والحلال من المتناقضات على الإطلاق.
(١) انظر: الصحاح، الفارابي ٤ / ١٦٧٢، المخصص، ابن سيده ٤ / ٦٨.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص٩٢.
www. modoee.com
٤٦٥

حرف الحاء
التحريم حق لله تعالى
حدد الإسلام السلطة التي تملك التحليل
والتحريم فانتزعها من أيدي الخلق، أيًّا كانت
درجتهم في دين الله أو دنيا الناس، وجعلها
من حق الرب تعالى وحده، فلا أحبار أو
رهبان، ولا ملوك أو سلاطين، يملكون أن
يحرموا شيئًا تحريمًا مؤبدًا على عباد الله.
حذر كتاب الله من الحكم على الأشياء
بالتحليل والتحريم من دون سند شرعي،
وعدّ المغامرين بذلك من عند أنفسهم
متطاولين على الشرع ومفترين على الله،
فالتشريع المطلق - تحريمًا وتحليلًا
وتشريعًا - إنما هو حق خالص لله تعالى (١).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ
لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ
ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَغْتَرُونَ﴾ [يونس:
٥٩].
فيحرم على المسلم التحليل والتحريم
من دون استناد للشرع؛ لما فيه من الافتراء
على الله تعالى.
فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
وطاعة أولى الأمر من الولاة والرؤساء
(١) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، الناصري
٣/ ٣٦٥.
والعلماء وغيرهم، هي طاعة مرتبطة بطاعة
الله وطاعة رسوله وهو أصل التشريع،
فالعلماء لا يحلون ولا يحرمون من تلقاء
أنفسهم، ولکنھم یبینون الأحكام حسب ما
يستنبطون من نصوص الوحي، قال تعالى:
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ
[النساء:
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنِْطُونَهُ مِنْهُمّ﴾
٨٣](٢).
ولذلك أمر الله تعالى عباده بسؤالهم
فقال: ﴿فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
وأولوا الأمر كما قال ابن عباس وجابر
- رضي الله عنهم -: هم الفقهاء والعلماء
الذين يعلّمون الناس معالم دينهم (٣).
إن قضية التشريع بجملتها مرتبطة بقضية
الألوهية، والحق الذي ترتكن إليه الألوهية
في الاختصاص بتنظيم حياة البشر، هو أن
الله هو خالق هؤلاء البشر ورازقهم، فهو
وحده صاحب الحق في أن يحل لهم ما
يشاء من رزقه و أن يحرم عليهم ما يشاء، وهو
منطق يعترف به البشر أنفسهم، فصاحب
الملك هو صاحب الحق في التصرف فيه،
والواجب على المسلم الوقوف عند حدود
الله عز وجل.
وإذا بين له الحكم الشرعي في أمر أو
(٢) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٢/
٨٣٧.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ١ / ٦٥٠.
٤٦٦
جوبيى
القرآن الكريم

المحامى
مسألة أن يقول: سمعنا وأطعنا، فهذه صفات
المؤمنين، وإذا كان اليهود والنصارى وأهل
الجاهلية قد حرموا على أنفسهم ما لم
يحرمه الله تعالى عليهم، فلا بد للمسلم
من أن يعتقد أن التحليل والتحريم حق
الله وحده، وأنه ليس لأحد من البشر مهما
کانت منزلته أو علت درجته أن يحل حرامًا
أو يحرم حلالًا، فالتحليل والتحريم حق لله
وحده (١).
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ
الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
وطاعة الحكام أو العلماء في تحليل ما
حرم الله سبحانه وتعالى، أو تحريم ما أحل
الله، عبادة لهم من دون الله، ونحن نرى في
عصرنا هذا علماء السلطان الذين تجرؤوا
على الله وأحلوا لملوكهم ما حرم الله
وحرموا ما أحل الله ابتغاء الدنيا وملذاتها،
وقد نعى القرآن على أهل الكتاب (اليهود
والنصارى) الذين وضعوا سلطة التحليل
والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم،
كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم
لعدي بن حاتم حين قال لما سمع النبي
صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى:
﴿أَّخَذُواْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٩٧٠.
مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إنهم حرموا عليهم
الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم،
فذلك عبادتهم)(٢).
وهذا هو الذي تجرأ عليه الكثيرون من
المسلمين الذين هم ليسوا أهلا للاجتهاد
والقياس، فيقولون: هذا حرام وهذا حلال،
بما تصف ألسنتهم الكذب والتهجم على
شرع بما لم يأذن به الله، ومن فعل ذلك
منهم فقد تجاوز حده واعتدى على حق
الربوية في التشريع للخلق، ومن رضي
بعملهم هذا واتبعه فقد جعلهم شركاء لله
واعتبر اتباعه هذا شرگًا(٣).
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَتُواْ شَرَعُوا
لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللَّهُ ﴾ [الشورى:
٢١].
وقال ابن وهب: قال لي مالك: «لم یکن
من فتيا المسلمين أن يقولوا: هذا حرام وهذا
حلال، ولكن يقولون: إنا نكره هذا، ولم
أکن لأصنع هذا، فكان الناس يطيعون ذلك،
ويرضون به)) (٤).
(٢) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن
الكبرى، باب ترك الحكم بتقليد أمثاله من
أهل العلم حتى يعلم مثل علمهم، ٢١٠،
٢٦١.
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٥٪
١٧٨.
(٤) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٣/ ١٦٦.
www. modoee.com
٤٦٧

حرف الحاء
عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول كتاب الله عز وجل بينًا بلا تفسير))(٢).
الله صلی الله علیه وسلم قال: (الحلال ما
أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في
كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، فلا
تتكلفوه)(١).
ومن خلال هذه الآيات البينات، يصبح
هناك معرفة یقینیة أن الله وحده هو صاحب
الحق في أن يحل ويحرم، في كتابه أو على
لسان رسوله، وأن مهمتهم لا تعدوا بیان
حکم الله فیما أحل وما حرم.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
إِلَّا مَا أَضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وليست مهمة العلماء التشريع الديني
للناس فيما يجوز لهم وما لا يجوز، وكانوا
مع علمهم واجتهادهم يهربون من الفتيا،
ويحيل بعضهم على بعض، خشية أن يقعوا
في تحلیل حرام أو تحریم حلال دون قصد
منهم.
روى الإمام الشافعي عن القاضي أبي
يوسف صاحب أبي حنيفة قال: ((أدركت
مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتيا، أن
يقولوا: هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في
وعن الربيع ابن خيثم أنه قال: ((إياكم أن
يقول الرجل: إن الله أحل هذا أو رضيه،
فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه! أو
یقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت،
لم أحرمه ولم أنه عنه)»(٣).
وقال الشيخ المراغي رحمه الله عن
هذا: أنه ليس لأحد غير الله عز وجل أن
يحرم شيئًا على العباد، لأن التحريم حق لله
الخالق للعباد، فمن ادعاه لنفسه فقد جعل
نفسه شريكًا له سبحانه وتعالى، والتحريم
الذي لا یکون إلا لله هو تحریم التشریع، أما
المنع من بعض الثمار لسبب غير التحريم
فلا شرك فيه، فإذا منع الطيب بعض المرضى
من أكل الثمر أو الخبز لأنه يضره یکون منعًا
شرعيًّا أو تحريمًا لا على معنى أن الطبيب
هو الذي شرع ذلك، بل الله هو الذي حرم
كل ضارّ، والطبيب هو الذي عرّف المريض
ضرره. و کذلك منع السلطان من صید بعض
الطيور لمصلحة عامة، كالحاجة إلى كثرته
لحفظ بعض الزرع، لأنه يأكل الحشرات
المهلكة مثلًا لا يكون تحريمًا (٤).
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب اللباس،
باب ما جاء في لبس الفراء، ٤ / ٢٢٠، رقم
١٧٢٦.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٦٠٩/١،
رقم ٣١٩٤.
(٢) الأم، الشافعي ٣٧١/٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: تفسير المراغي ٨/ ٥١.
صَوْسُورَةُ النَّفـ
القرآن الكريم
٤٦٨

الخاص
أنواع التحريم
ورد في القرآن الكريم نوعان من
التحريم، تحريم شرعي: وهو كل منع يتعلق
بالشرع، ویکون تحریمًا شرعيًّا، مثال ذلك
قوله سبحانه وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
[النساء: ٢٣ ].
وتحريم قدري: وهو المنع الذي يتعلق
بفعل الله، ویکون تحریمًا قدریًا، وهو ما
ذكره الله في كتابه العزيز في قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا
عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾ [القصص: ١٢].
أولًا: التحريم الشرعي:
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
وَخَلَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ
وَأُمَّهَنتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم
مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَنتُ نِسَآَيِكُمْ
وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِي حُجُورِكُم
مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنِ
لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْآَيُكُمُ الَّذِينَ
مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ
الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[ النساء: ٢٣].
جاءت هذه الآية بتحريم نكاح
خمسة عشر صنفًا من النساء. وهن: سبع
من النسب، وسبع من جهة الرضاعة
والمصاهرة، وواحدة ما دامت زوجة، وهي
المحصنة، وبهذا اللفظ - التحريم- حرمت
امرأة الأب والجد على الابن وابن الابن
ولو لم يدخل بها الأب، ثم ذكر محرمات
النسب وهن الأمهات والبنات والأخوات
والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات
الأخت، فهؤلاء سبع محرمات من النسب،
ثم ذكر المحرمات بالرضاع، وهذا التحريم
من الواضح أنه تحريم شرعي(١).
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ
وَمُ الْخَنْزِيرِ وَمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ
السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ
تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾ [المائدة: ٣].
ومن التحريم الشرعي كذلك ما حرمه
الله جل جلاله من الميتة، وهي: ما فارقته
الروح من غیر تذکیه مما له نفس سائلة،
والمنخنقة، وهي: التي تنخنق فتموت، قال
قتادة رحمة الله: كان أهل الجاهلية يخنقون
الشاة حتى إذا ماتت أكلوها(٢).
قال الزجاج رحمه الله: ((وبأي وجه
اختنقت فهي حرام»(٣).
والموقوذة: المضروبة حتى تموت ولم
تذك.
والمتردية: هي التي تقع من جبل أو من
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١ / ٤٥٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٩٥.
(٣) الوسيط، الواحدي ٢ / ١٥١.
www. modoee.com
٤٦٩

حرف الحاء
موضع مشرف فتموت.
منعناه من قبول الرضاع، وليس المراد من
والنطيحة: التي تنطحها شاة أو كبش التحريم هو التحريم الشرعي؛ وإنما المراد
من التحريم هو المنع(٣).
فتموت.
وما أكل منه السبع: قال قتادة رحمة الله:
((كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئًا فقتله
وأكل منه أكلوا ما بقي، فحرمه الله))(١).
ثانيًا: التحريم القدري:
والمقصود بالتحريم هنا: منع النفس عن
ذلك مع اعتقاده بكونه حلالًا، لا أن يكون
قصد به تحریم عينه، وقد يمتنع المرء عن
تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك.
وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ
اَلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُكُمْ عَلَى أَهْلِ
بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾
[القصص: ١٢].
والمقصود في هذا التحريم هو المجاز
عن المنع، فإن من حرم عليه شيء فقد
منعه، ولا يصح إرادة التحريم الشرعي؛ لأن
الصبي ليس من أهل التكليف، ولا دليل
على الخصوصية، فلم يرد به تحريم عينه،
وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من
ثدي أمه(٢).
ويقول السمعاني رحمه الله: إن المقصود
(١) تفسير الراغب الأصفهاني ٤ / ٢٦١.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
١٠/ ٧٦، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي
بن أبي طالب ٨/ ٥٤٩٧ و روح المعاني،
الألوسي ١٠/ ٢٦٠.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: «لا یؤتی
بمرضع فيقبلها، وهذا تحريم منع لا تحريم
شرع)) (٤).
والرسول صلی الله عليه وسلم كان قد
ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه، وإلى
الشفقة عليهن، والرحمة بهن، فبلغ في
حسن العشرة والصحبة معهن مبلغًا امتنع
عن الانتفاع بما أحل اللّه له، وأباح له التلذذ
به؛ يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به
مرضاتهن (٥).
قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَيْمُ مَآ أَحَلَّ
اللَّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[التحريم: ١].
وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند
زينب بنت جحش، ویشرب عندها عسلًا،
فتواصيت أنا وحفصة: أن أيتنا دخل عليها
النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد
منك ربح مغافیر، أكلت مغافیر، فدخل على
إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: (لا، بل
شربت عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن
(٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ١٢٦.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٢٥٧.
(٥) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٠/
٧٦.
مَوَسُولَةُ النَفسِية
القرآن الكريم
٤٧٠

الخاص
أعود له) فنزلت الآية (١).
وفي الآية الكريمة عتاب مؤثر، وفيه دليل
على أنه لا يجوز للمؤمن أن يحرم على نفسه
ما أحله الله له من متاع الدنيا الذي حلله الله
لنا جل جلاله.
والرسول صلی الله عليه وسلم لم یکن
حرم العسل بمعنى التحريم الشرعي، إنما
کان قد قرر منع وحرمان نفسه منه، فجاء
هذا العتاب يوحي بأن ما جعله الله حلالًا
فلا يجوز حرمان النفس منه عمدًا وقصدًا
إرضاء لأحد (٢).
وقال تعالى: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ
أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِىِ الْأَرْضِّ فَلاَ تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦].
لما دعا موسى عليه السلام على بني
اسرائيل حين نكلوا عن الجهاد، حكم الله
علیهم بتحريم دخولها قدرًا مدة أربعين سنة،
فوقعوا في التیه یسیرون دائمًا لا يهتدون
للخروج منه(٣).
والمعنى أن تلك البلد محرمة على بني
اسرائیل أبدًا لم يرد به تحریم تعبد، وإنما
أراد تحريم منع (٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب قوله: (لم تحرم ما أحل الله لك)، ٧٪
٤٤، رقم ٥٢٦٧.
(٢) انظر: ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٦١٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٧٩.
(٤) انظر: مختصر معالم التنزيل، عبدالله الزيد
ص ٢٢٧.
ومن التحريم القدري: قوله: عز وجل
﴿وَنَادَىَّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ
عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِنَّا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ
اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
وقال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه
الآية: ((ينادي الرجل الرجل فيقول: إني
قد احترقت، فأفض علي من الماء، قال:
(«فيقال: أجبه، فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَزَّمَهُمَا عَلَى
الْكَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]))(٥).
يقول سبحانه وتعالى مخبرًا عن أصحاب
النار وأصحاب الجنة: أنهم ينادون أن أفيضوا
علينا من الماء، وذلك لشدة عطشهم، أو من
الطعام، وذلك لشدة جوعهم، فيقال لهم: إن
الله منعها بسبب كفرهم فلا ينالوهما بحال
من الأحوال (٦).
والتحريم هنا تحریم کوني قدري، أي:
منعهما من الكافرين؛ لأن التحريم يطلق
في القرآن وفي لغة العرب على التحريم
الشرعي، وعلى التحريم بمعنى المنع.
وليس المراد هنا أنهما شرعًا محرمات؛
لأنها ليست دار تكليف، ولكنه تحريم
قدري، وأن الله منع منهما الكافرين منعًا باتًّا
بقدره و قضائه (٧).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الزهد،
باب كلام ابن عباس رضي الله عنه، ٧/
١٣٥، رقم ٣٤٧٧٣.
(٦) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٢ / ١٧٨.
(٧) انظر: تفسير ابن عرفة ٢/ ٢٢٧، العذب
www. modoee.com
٤٧١

حرف الحاء
ومن التحريم بمعنى المنع كونًا وقدرًا المنع خوفًا من الضرر المحتمل على المرء،
حَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ
كما يمنع الطبيب المريض من أكل بعض
المأكولات التي أحلها الله سبحانه وتعالى
خوفًا على صحته.
قوله سبحانه وتعالى:
أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥ ].
والمعنى: «وممنوع علی کل قرية قضينا
أزلًا بإهلاك أهلها لشدة طغيانهم وفسادهم،
وممنوع تخلفهم عن الرجوع إلينا للحساب
والجزاء، فلا بد من رجوعهم إلينا مقهورين
بقدرتنا، مسخرين بيعثنا إياهم وإعادة الحياة
إلى أجسادهم؛ ليلقوا عقابهم الأخروي، بعد
ما ذاقوا عذابهم الدنيوي))(١).
ويقول النسفي رحمه الله: إن المقصود:
ممتنع على أهل القرى الظالمة والتي حكم
الله جل جلاله بإهلاكهم؛ رجوعهم من
الكفر إلى الاسلام(٢).
وعن ابن عباس قال: ((وجب عليهم أنهم
لا یرجعون، لا یرجع منھم راجع ولا یتوب
منهم تائب (٣).
إذن بات من الواضح أن هناك فرقًا بين
التحريم الشرعي والتحريم القدري، فالخمر
مثلًا أنزل الله فيها قرآنًا بتحريمها.
فهي محرمة شرعًا فضلًا عن مضارها
الجسيمة التى لا يغفل عنها عاقل، وقد يحرم
الشيء الحلال على بعض الناس، بمعنى
النمير، الشنقيطي ٣/ ٣٠٥.
(١) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٦/ ١١٥٥.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٤٢٠.
(٣) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى، ٤/ ١٦٦،
رقم ١٦٤١.
٤٧٢
مَوَسُوع
القرآن الكريم

الخاص
ميادين الحرام
إنّ الله عز وجل يحكم ما يريد، فالحلال
ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله.
وعند التأمل في المحرمات نجد أن لها
مجالات ومیادین، ومنها:
أولًا: الكبائر:
عن أنس رضي الله عنه، قال: سئل النبي
صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، قال:
(الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل
النفس، وشهادة الزور)(١).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين،
وقتل النفس، واليمين الغموس)(٢).
١. الشرك بالله.
وهو: جعل شريك لله تعالى في ربوبيته
وإلهيته، والغالب الإشراك في الألوهية؛
بأن یدعو مع الله غيره، أو یصرف له شيئًا
من أنواع العبادة، كالذبح والنذر، والخوف
والرجاء والمحبة (٣)، والشرك أعظم
الذنوب؛ وذلك لأمور:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ٣/
١٧٢، رقم ٢٦٥٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان
والنذور، باب اليمين الغموس، ٨/ ١٣٧،
رقم ٦٦٧٥.
(٣) انظر: عقيدة التوحيد، صالح الفوزان ص٧٤.
١. أنه تشبيه للمخلوق بالخالق في
خصائص الإلهية، فمن أشرك مع الله
أحدًا فقد شبهه به، وهذا أعظم الظلم،
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣].
٢. أن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب
منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ وَمَن
يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾
[النساء: ٤٨].
٣. أن الله أخبر أنه حرّم الجنة على
المشرك، وأنه خالد مخلد في نار
جهنم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ، مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ
فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ
وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة:
٧٢].
٤. أنّ الشرك تنقص وعيب نزه الله جل
جلاله نفسه عنهما، فمن أشرك بالله
فقد أثبت لله ما نزه نفسه عنه، وهذا
غاية المحادّة لله عز وجل(٤).
٢. عقوق الوالدين.
قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ
إِلَّ إِنَّاهُ وَالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل ◌َّكُمَا
أُنٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾[
الإسراء: ٢٣ ].
(٤) انظر: كتاب التوحيد، صالح الفوزان ص ١٣.
www. modoee.com
٤٧٣

حرف الحاء
هذه الآية جامعة ومشتملة على جميع
الحالات التي يكون عليها الآباء في القوة
والضعف التي يجب على الأبناء مراعاة
الوالدين فيها.
وإن حق الوالدين مقرون بحق الله
في مثل قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ
حَلَتْهُ أَمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ، فِ عَامَيْنِ أَنِ
أَشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان:
١٤].
فجعل الله جل جلاله الإحسان للوالدين
تاليًا لعبادته عز وجل لوجوه، منها:
أنهما سبب وجود الولد، فلا إنعام
بعد إنعام الله سبحانه وتعالى أعظم
من إنعام الوالدين، وإن إنعامهما يشبه
إنعام الله عز وجل من حيث إنهما لا
يطلبان بذلك ثوابًا، وإنه جل جلاله
لا يمل من إنعامه على العبد وكذلك
الوالدين (١). قال تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ
إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:
٨٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. لذا
کان عقوقهما وسبهما من أكبر الكبائر،
عن عبد الله بن عمرو، - رضي الله
عنهما- قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إن من أكبر الكبائر
(١) انظر: موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق،
ياسر عبد الرحمن ٢/ ٢٦.
أن يلعن الرجل والديه) قيل: يا رسول
الله، و کیف یلعن الرجل والديه؟ قال:
(يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه،
ويسب أمه)(٢).
* إن بر الوالدين من محاسن الشريعة
الإسلامية؛ ذلك أنه اعتراف بالجميل،
وحفظ للفضل، وعنوان على كمال
الشريعة، وإحاطتها بكافة الحقوق.
٣. قتل النفس.
إن الإسلام العظيم دين السلام والحياة،
وقتل النفس عنده كبيرة تلي الشرك بالله،
فالله واهب الحیاة، ولیس لأحد غیر الله أن
يسلبها إلا بإذنه، فلا تقتل إلا بالحق، وهذا
الحق الذي یبیح قتل النفس محدود بیّن لا
غموض فیه، ولیس متروگًا للرأي، ولا متأثرًا
(٣)
بالھوی
قال تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ
اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].
فلا يجوز قتل النفس إلا في ثلاث حالات
وهي: القصاص ممن قتل نفسًا، وقتل الزاني
المحصن، والمرتد عن الإسلام، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحلّ دم امرئ
مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ رسول
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب لا يسب الرجل والديه، ٨/ ٣، رقم
٠٥٩٧٣
(٣) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري
١٥٦٨/٢.
٤٧٤
بَوَسُورُ الْبَشِد
القرآن الكريم

الخاص
الله، إلا بإحدى ثلاثٍ: النّفس بالنّفس،
والقّب الزّاني، والتارك لدينه المفارق
للجماعة)(١)، وجريمة القتل كبيرة عند الله
عز وجل.
قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسِ
أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ﴾ [المائدة: ٣٢].
ويقول القرطبي رحمه الله: ((ومعنى ذلك
أن من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو
مثل من قتل الناس جميعًا، ومن ترك قتل
نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفًا
من الله فھو کمن أحيا الناس جميعًا))(٢).
وذلك من أجل الترهيب والردع من قتل
نفس واحدة، بتصويره بصورة قتل جميع
الناس، والترغيب والتحضيض في إحيائها،
بتصويره بصورة إحياء جميع الناس (٣) .
قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٩٣].
وقد بين الحق سبحانه وتعالى عددًا
من الأمور التي يلاقيها القاتل مريدًا إتلاف
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة
والمحاربين والقصاص والديات، باب ما
يباح به دم المسلم، ٣/ ١٣٠٢، رقم ١٦٧٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٤٦.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٣٦.
نفسه:
* فمصيره جهنم وبئس القرار باقيًا فيها
# وغضب الله علیه بقتله إیاه متعمدًا
وأبعده من رحمته وأخزاه.
وأعد له عذابا مما لا يعلم قدر مبلغه
سواه تعالی ذکره(٤).
٤. شهادة الزور.
من صفات عباد الرحمن التي امتدحوا بها
أنهم لا يؤدون شهادة الزور، ولا يساعدون
أهل الباطل على باطلهم، ليحصلوا على ما
ليس لهم(٥).
قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
وَإِذَا مَرُ واْبِاللَّغْوِ مَنُ واكِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيِسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
عن قتادة قال لا تقل رأيت ولم تر،
وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم،
فإن الله جل جلاله سائلك عن ذلك كله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَجْتَنِبُواْ
الرّْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ
*]الحج: ٣٠]، قال ابن الحنفية: شهادة
الزُّورِ
(٦)
الزور (٦).
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٥٧.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/
١٥٤٥.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٤٦ -
٤٤٧.
www. modoee.com
٤٧٥

حرف الحاء
٥. اليمين الغموس.
اليمين الغموس ليس بالأمر الهيّن، فإنها
إنما سميت غموسًا؛ لأنها تغمس الحالف
في النار.
کیف لا یکون کذلك وهو يتقدم بلا
اكتراث ولا مبالاة، إلى أحد الأسماء
الحسنى فيحلف بها، مؤكدًا قوله عند السامع
بهذا الحلف، ولا یفکر أن الحلف بالله كذبًا
استخفافٌ باسم الله واستهانة به.
وهو شبيه بحال المنافقين، الذين قال
الله عنه: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا
لَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ
تَكَذِبُونَ ﴾[ التوبة: ٤٢].
كفى بالحلف الكاذب شؤمًا ولؤمًا أنه
فعل المنافقين، وأن فاعله من المؤمنين
إنما يفعل فعلا یشابه فیه أهل النفاق، أخبث
الكفار، الذين أخبر الله عنهم أنهم رجس
وأنهم في الدرك الأسفل من النار(١)،
وانطبق على كثير من أهل هذا العصر الذين
لا ییالون بالیمین الکاذب ولا بمن یتشبهون،
وهناك العديد من الآيات التي وصف
المنافقين بالإكثار من الحلف الكاذب أو
اليمين الغموس.
أمّا إن كان الحالف غير متعمد للكذب
فيقول عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِّ
(١) انظر: موارد الظمآن لدروس الزمان،
عبدالعزيز السلمان ٥/ ٢٦١.
أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَّا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ
غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [ البقرة: ٢٢٥].
أي لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم
من ذكر اسم الله من غير قصد الحلف،
كقول أحدكم: (بلى والله، ولا والله) لا
يقصد به اليمين، ولكنكم محاسبون بما
(٢)
قصدتم إلیه وعقدتم(٢).
ثانيًا: ما حرّم في النكاح:
الحديث هنا عما حرمه الله على
الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا
التحریم یکون إما بسبب النسب، وإما بسبب
المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب
عليه ما يترتب على النسب.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ
ءَابَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ
إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتَّاوَسَآءَ﴾ [النساء:
٢٢ ].
حرم الله سبحانه وتعالى زوجات الآباء
تكرمة لهم، وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من
بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد
العقد عليها(٣).
عن عدي بن ثابت، عن رجل من
الأنصار قال: (لما توفي أبو قيس -يعني
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ١٢٧.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/
٢٤٥.
٤٧٦
مَوَسُولَهُ النَِّ
القرآن الكريم

الخام
ابن الأسلت-وكان من صالحي الأنصار، المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ووقع
عليه الإجماع.
فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك
ولدًا وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره،
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالت: إن أبا قیس توفي، فقال: (خیرًا)، ثم
قالت: إن ابنه قيسًا خطبني وهو من صالحي
قومه، وإنما کنت أعده ولدًا، فما ترى؟ فقال
لها: (ارجعي إلی بیتك)، قال: فنزلت هذه
الآية)(١).
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
وَخَلَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ
وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم
مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَآئِكُمْ
وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم
مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن
لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَآَيِكُمُ الَّذِينَ
مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ
اَلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [ النساء: ٢٣].
بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية
ما يحل وما يحرم من النساء، فحرم سبعًا
من النسب، وستًّا من الرضاع والصهر،
وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٩.
فالسبع المحرمات من النسب:
الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات،
والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.
والمحرمات بالمصاهرة والرضاع:
الأمهات من الرضاعة، والأخوات من
الرضاعة، وأمهات النساء، والربائب(٢)،
وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين،
ومنكوحات الآباء والجمع بين المرأة
وعمتها (٣)
ويحرم على الرجل أن يتزوج بأمه،
وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته،
وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته،
وبزوجة ابنه، وتحرم عليه المرأة المتزوجة
بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله
الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، قال عليه
السلام: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين
المرأة وخالتها) (٤).
كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما
حرم عليه من النسب، قال صلى الله عليه
وسلم: (وإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من
(٢) الربائب: بنات الزوجات من غير أزواجهن
الذین معهن.
انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢/ ٤٦٨.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ / ٥١١.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو
خالتها في النكاح، ٢/ ١٠٢٨، رقم ١٤٠٨.
www. modoee.com
٤٧٧

حرف الحاء
النِّسَآءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
النسب)(١).
ولا شك أن لله حكمًا کبری في تحريم
زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه
الآيات الكريمة ومن ذلك:
أن الزواج بمن يجب توقيرهن
واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من
تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت
والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي
إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما
تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة
الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا
یمحی طول العمر.
والشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا
عرف أن ابنه قد یخلفه في زوجته، أو الابن
إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.
كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها
بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها
أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها،
فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن
وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد،
ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد(٢).
ومن المحرمات كذلك النساء
المتزوجات، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع،
باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، ٢/ ١٠٧١،
رقم ١٤٤٧.
(٢) انظر: التيسير في أحاديث التفسير،
الناصري ١/ ٣٢٧.
ويطلق الإحصان على المرأة ذات الزوج
والحرة، والعفيفة، والمرأة المسلمة، وهو
والمراد من الإحصان هنا، فلا يحل لأحد
نكاحهن قبل مفارقة أزواجهن(٣).
وعن ابن عباس في هذه الآية أن
المحصنات هن ذوات الأزواج(٤).
ومن الزيجات المحرمة: زواج المسلمة
من المشرك.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى
يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِئٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ
أُوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾[ البقرة: ٢٢١].
أمر المولى عز وجل ألا نزوج المسلمة
من المشرك، وأجمعت الأمة على أن
المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك
(٥)
من الغضاضة على الإسلام.
فالعبد المؤمن خير من المشرك، وعلل
جل جلاله النهي عن مواصلتهم، وترغيب
في مواصلة المؤمنين؛ لأن المشركين
يدعون إلى الكفر المؤدي إلى النار فلا يليق
موالاتهم ومصاهرتهم (٦).
ثالثًا: المحرم من الأطعمة والأشربة:
إن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٣٦١.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٢٣.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/
٧٢.
(٦) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٣٩.
جَوَسُو ◌َرَ النَفسِيرِ الوضوح
القرآن الكريم
٤٧٨

الخاص
یغمرهم بفضله، وینعم علیهم بمننه، ولا
يحب لهم إلا الطيب من الطعام، وينأى
بهم عن الأطعمة المحرمة؛ لأنها من دنس
الشيطان ووسوسته، إن الشيطان لا يأمر إلا
بالسوء والفحشاء، وإن الله طيب لا يقبل إلا
طيبًا، يقول جل جلاله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ
مِنَا فِىِ الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَنِّ إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [ البقرة: ١٦٨].
وقد حرم الشارع بعض المطعومات
وبعض المشروبات، وحلل الكثير الكثير
الذي لا يعد ولا يحصى، ومنها:
فأما الأشربة: فقد حرم منها الخمر.
فقد بَيَّنَ الحق جل جلاله أنه خبيث
مستقذر، من عمل الشيطان، من تزينيه،
وأمرنا باجتنابه(١).
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا أْخَثِّرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[ المائدة: ٩٠].
ولأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل
استولت الشهوة والغضب على المرء،
وعند استیلائهما تحصل المنازعات، وتلك
المنازعات ربما أدت إلى الضرب والقتل
والمشافهة بالفحش، وذلك یورث أشد
العداوة والبغضاء(٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢ / ٨١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤٢٤.
بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فىِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ
عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُ مُّنْنَهُونَ ﴾[ المائدة:
٩١].
﴿حرِّمَتْ
وأما المأكولات: فقال تعالى:
عَلَيْكُمُ أَلْمَيْتَهُ وَاَلَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلََّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ
عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمَّ ذَلِكُمْ
فِسْقٌ﴾[ المائدة: ٣].
الأطعمة المحرمة في الإسلام كما في
هذه الآية عشر، وهي:
١. الميتة، هو كل ما فارقته الحياة من
دواب البر وطيره بغير تذكية، مما أحل
الله أكله.
٢. والدم المسفوح المهرق، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ﴾
[البقرة: ١٧٣].
٣. ولحم الخنزير.
٤. وما ذکر علیه غیر اسم الله.
٥. المنخنقة، التي تختنق فتموت.
٦. الموقوذة، التي تضرب بالخشب حتى
توقذ بها فتموت.
٧. المتردية، هي التي تردی من الجبل، أو
في البئر، فتموت.
٨. النطيحة، الشاة التي تنطحها أخرى
فتموت من النطاح بغير تذكية.
٩. ما أكل السبع، ما أكل منه السبع غير
www. modoee.com
٤٧٩

حرف الحاء
المعلم من الصوائد.
١٠. ما ذبح على النصب(١).
وكذلك من الأطعمة المحرمة كل طعام
خبيث ضار، وإن لم يفصل القرآن الكريم
في ذلك.
قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ اُلَطِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولكن وردت في السنة المطهرة ما يبين
ذلك:
كل ما له ناب من السباع يفترس به
كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب،
والكلب إلخ ... عن أبي ثعلبة رضي
الله عنه (أنّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم نھی عن أکل کلّ ذي نابٍ من
السّباع)(٢).
جميع الحيوانات السامة كالحيات،
والأفاعي، والعقارب، ونحو ذلك.
جميع الحيوانات المستخبثة كالفأرة،
والقنفذ، والجرذان، ونحوها، عن
عائشة - رضي الله عنها - عن النّبيّ
صلى الله عليه وسلم قال: (خمسٌ
فواسق، يقتلن في الحرم: الفأرة،
والعقرب، والحديًا، والغراب، والكلب
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٩٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح
والصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع،
٧/ ٩٦، رقم ٥٥٣٠.
العقور)(٣).
الحمر الأهلية، عن جابر بن عبدالله
رضي الله عنهما قال: (نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر
عن لحوم الحمر الأهلية، ورخّص في
الخيل) (٤).
كل ما له مخلب من الطير يصيد به
كالصقر، والعقاب، والبازي، والنسر،
والشاهين، فعن ابن عبّاسٍ رضي الله
عنه عنه قال: (نھی رسول الله صلی الله
عليه وسلم عن كلّ ذي نابٍ من السّباع،
وعن كلّ ذي مخلبٍ من الطّير)(٥).
الفواسق التي أمر الشرع بقتلها، وهي
من الطيور الغراب والحدأة، فعن
عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله
صلی الله عليه وسلم قال: (خمسٌ من
الدّوابٌ، كلّهنّ فاسقٌ، يقتلن في الحرم:
الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة،
والكلب العقور)(٦).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في
الحل والحرم، ٢/ ٨٥٧، رقم ١١٩٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ١٣٦، رقم
٤٢١٩.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد
والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم
أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب
من الطير، ١٥٣٤/٣، رقم ١٩٣٤.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء
٤٨٠
مَوَسُولَةُ الْبَ
القرآن الكَرِيْمِ