النص المفهرس
صفحات 41-48
التوحيد يقول تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوْلَةٌ وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّتْطِنَّ إِنٌَّ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. وكذلك بعد ذكر نعمة الأنعام في سورة النحل يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ. فَإِن عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ١) يَعْرِفُونَ تَوَلََّا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ الْمُّبِينُ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْتُهُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ [النحل: ٨١-٨٣]. یقول الطبري في تفسيره لهذه الآيات في سورة النحل: (وإن الله جلّ ثناؤه إنما عرّف عباده بهذه الآية وسائر ما في أوائل هذه السورة نعمته علیھم، ونبّههم به على حججه عليهم، وأدلته على وحدانيته، وخطّاً فعل من يشرك به من أهل الشرك))(١). وقال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى في سورة يس بعد ذكر نعمة الأنعام: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾، قال: ((أفلا يوحّدون خالق ذلك ومسخّره، ولا يشركون به غيره؟!))(٢). الصورة الخامسة: نعمة البيوت وآيتها. ويوجّه القرآن الكريم أنظار البشر إلى النعمة الكبرى التي أودعها قلوبهم، وهي نعمة الهدوء والسكينة، يحسون بها عند ما يعودون إلى بيوتهم، مکدودین منھوکي القوى، وإلى هدايتهم إلى بناء بيوت من جلود الأنعام، يجدونها خفيفة المحمل في الظعن والإقامة، وإلى اتخاذ أثاثهم وأمتعتهم من أصوافها وأوبارها، وإلى نعمة الظل يجدون عنده الأمن والاستقرار، وإن للشمس وحرارتها لوقعًا مؤلمًا في النفوس وعلى الأجسام، ومن أجمل وسائل الاستتار هذه الثياب، تقي صاحبها الحر، وبها تتم نعمة الله، فيقول: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِقُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَتًا وَمَتَلْعًا إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ عَلَيْكَ الْبَلَغُ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل ٨٠ - ٨١](٣). (١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٧٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٩٢. (٣) من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص ١٩٤. www. modoee.com ١٣٥ حرف التاء الصورة السادسة: آية ونعمة وإجلاله وتقديسه، وإلى عبادته عبادةً منبعثة عن حبه وشکر أیادیە(١). الأزواج. ويوجّه القرآن الكريم أنظار البشر أيضًا إلى ما في خلق الزوج من نعمة تسكن إليها النفس، وتجد في ظلها الرحمة والمودة، فيقول: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ» أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. إن التفكر في احتياج الكائنات وافتقارها إلى الزوجية، ووجودها بهذه الثنائية ((الذكر والأنثى))، لأمرٌ يدفع إلى تسبيح وتقدیس الإله العظيم ذي الوحدانية، الذي لم تكن له صاحبة، إنها آية عظيمة تدعو إلى تذكّر التوحید. يقول تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ ﴿ فَقِرّوَاْ إِلَى اللَّهِ إِنِّ لَكُمْمِّنْهُ نَذِيٌ ◌ُِّينٌ ، وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَ اخَرَّ إِ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ تُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٤٩-٥١]. ختامًا: فإن في إكثار القرآن من الحديث عن هذه النعم، وتوجيه أنظارهم إليها، وتقريرهم بها، ما يدفعهم إلى التفكير في مصدرها، وأنه جدير بالعبادة، ولا سيما أن تلك النعم ليست في طاقة بشر، وأنها باعترافهم أنفسهم من خلق العليّ القدير، وهكذا يتكئ القرآن على عاطفة إنسانية يثيرها؛ لتدفع صاحبها إلى الإيمان بالله ثالثًا: الأدلة العقلية: وهي الأدلة التي تعتمد على عمليات نظرية وفكرية، كترتيب المقدمات واستخراج نتائجها، حسب ضوابط وقوانين وراء بداهة الحسّ ومشاعر النفس، وإن كان الإدراك في الجميع راجعًا إلى العقل (٢). فهذا تنبيه إلى أن أدلة القرآن كلها سمعية عقلية، سمعية؛ لورودها في القرآن، وعقلية؛ لأن للعقل قدرة على التفكير فيها، والنظر والاعتبار إذا سلك المسلك الصحيح (٣). ولكنا نتوسع هنا بذكر بعض الأدلة التي لم تندرج تحت ما سبق ذكره من أدلة توحيد الله، وأيضًا قد لوحظ فيها عناية القرآن بنظمها بأسلوبٍ جدليٍّ مرتّبٍ مقصودٍ للمناظرة والمحاجّة ابتداءً، وهذا أسلوب يختلف قليلا عن أسلوب الشواهد القرآنية السابقة في أدلة الآيات الكونية، فالأسلوب هناك سمته الأوضح هي السّرد والحشد للصّور والمشاهد، ويأتي التدليل والتعليل للوحدانية في ركاب السياق والسباق. (١) المصدر السابق ص ١٩٦. (٢) التفسير الموضوعي ج ١، جامعة المدينة ص ٣٦. (٣) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد ملکاوي ص ٢٦٠. ١٣٦ مُوسُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم التوحيد وقد استخرج العلماء من الأدلة العقلية خلق كل شيء، فليس ما يزعمونه ولدًا سوى خلق ممن خلق: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَرِحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٌ ١. الدليل البدهي. وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. القرآنية لتقرير التوحيد أنواعًا. هو دليل (بدهي) لأنه يقوم على استخدام الحقائق المشهورة والبدهيات المستقرة، في ابتناء الدليل عليها، فيذعن الخصم للدليل إذعانًا إن كان منصفًا. وهو دليل الخلق والملك؛ لأنه مبني على أصلين: أن الموجودات مخترعة. وأن كل مخترعٍ لابدّ له من مخترعٍ ومالك(١). ونأخذ لهذا الدليل أمثلةً من آيات القرآن الكريم في نفي الولد عن الله. فنجد القرآن الكريم قد حدثنا في صراحة عن أن الله جل وعلا ليس في حاجة إلى هذا الولد، يعينه أو يساعده، فكل من في الوجود خاضع لأمره، لا يلبث أن ينقاد إذا دعي. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَلَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأْ سُبْحَنَّةٌ، بَل لَّهُ, مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلّ لَّهُ قَدِئُونَ ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧]. وحینا یدفع ذلك دفعًا طبيعيًّا: بأن الولد لا یکون إلا إذا كان ثمة له زوجة تلد، أما وقد (١) التفسير الموضوعي ج ١، جامعة المدينة ص ٣٧. ویعرض مرة أخرى لهذه الدعوى، فيقرر غناه عن هذا الولد، ولم یحتاج إليه، وله ما في السموات وما في الأرض. يقول تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأَ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِىِّ لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُم مِّنِ سُلْطَانٍ ◌ِهَذَاْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالَا تَعْلَمُونَ ٦٨ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٨ - ٦٩]. ويعجب القرآن: كيف يتوهّم للمشركين أن يخصوا أنفسهم بالبنين، ويجعلوا البنات لله؟! فيقول: ﴿أَفَأَ صْفَتَكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَأَّخَذَ مِنَ الْمَلَتِكَةِ إِنَشَأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]. ويصور القرآن - في أقوى صور التعبير- موقف الطبيعة الساخطة المستعظمة نسبة الولد إلى الله، فتكاد- لشدة غضبها- أن تنفجر غيظا، وتنشق ثورة، وتخرّ الراسيات لهول هذا الافتراء، وضخامة هذا الكذب. وأصغ إلى تصوير هذا الغضب في قوله: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْنُ وَلَدًّا ◌َ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَظَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُّ لَلْجِبَالُ هَذَّا ) أَنْ www. modoee.com ١٣٧ حرف التاء [مريم: ٨٨-٩١] (١). دَعَوْاً لِلرَّحْمنِ وَلَدَاهـ على نظام، ولكان العجز يلحقهما أو فهذا الدليل (دليل الخلق والملك) أحدهما؛ وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته، فحينئذٍ إما أن تنفذ إرادتهما معًا، فيتناقض النظام لاجتماع الضدين، وإما ألا تنفذ إرادتهما معًا؛ فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما؛ فيؤدي إلى عجزه، والإله لا يكون عاجزًا؛ فبطل ما أدى إليه، وهو افتراض التعدد، وثبت نقيضه، وهو الوحدانية (٢). دليل عقليُّ يتكامل مع الأدلة الحسية الكونية السابقة، فمتى تدبر الإنسان تلك الآيات والشواهد؛ استنتج منها: أن كل ما في الكون مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق؛ لأنه يستحيل أن یکون خلق من غير خالق، والخالق يجب أن يكون ممتازًا عن المخلوق بکل وجهٍ، وإلا لما كان بينهما فرقٌ. ٣. دليل الفرض والتسليم. وهذا النوع من الاستدلال يقوم على ويسمى دليل النظام أو التناسق؛ لأنه التسليم بدعوى الخصم تسليمًا جدليًّا - ولو كانت دعواه مستحيلة-، ثم يستدل على إيطال الدعوى بالنتائج الخاطئة المتناقضة التي تترتب على هذه الدعوى. ومثاله: قوله تعالى: ﴿مَا أَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَدُ مِنْ إِلَهَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ يِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]. فالحقيقة أن لا إله إلا الله، ولم يتخذ الله سبحانه وتعالى ولدًا، ولكننا لو سلمنا جدلاً بهذا الاقتراض الخاطئ فما هي النتائج التي تترتب على ذلك: يترتب على ذلك استعلاء وتوضيح الآية الكريمة أن يقال: لو كان بعضهم على بعضٍ؛ فلا ينتظم أمر الكون، للعالم صانعان لكان تدبيرهما لا يجري ولا ينفذ فيه حكم، ولا تتحقق مصلحة، (١) من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص ١٩٦- (٢) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد ١٩٧. ملكاوي ص ٢٦٠. ١٣٨ القرآن الكريم ٢. دليل التمانع. ينطلق بنا ضمن الآيات الكونية؛ ليوصلنا إلى أن الذي نظم الكون وربط أجزاءه -بحيث يكمل بعضها بعضًا-، وقدّر كل شيء فيه تقديرًا، هو الله الواحد الأحد، ويمتنع أن يكون له تعالى أيّ شريكٍ في ألوهيته أو ربوبيته؛ لأنّ ذلك سيفضي حتمًا إلى الخلل والفساد. ومن الآيات التي قرر القرآن فيها هذا الدليل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَ اِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. التوحید ومن ثمّ ففي ذلك اختلال نظام المخلوقات القرآن الكريم حقيقة عقائدهم، وأنها مجرّد ظنونٍ فاسدةٍ. واستحالة استمراره. والواقع المشاهد خلاف ذلك؛ فدل هذا الواقع على أن تعدد الآلهة محال لما يلزم عليه من المحال، كما أن افتراض وجود آلهة متعددة يؤدي إلى استعلاء بعضهم على بعضٍ، ومنع كل منهم غيره من التدخل في شؤونه، وهو محال مصادم لما تستلزمه صفات الكمال المطلق للإله المعبود بحقٍّ. قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُرْ ءَالِهَةٌ كُمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّأَ بَنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَا كَبِيرًا﴾(١). ٤. الشرك ظنون وأوهام. في ختام هذه الاستدلالات على صحة التوحيد، يبرز القرآن العظيم وجهًا آخر من وجوه الاستدلال، حين يطالب المشركين ويتحدّاهم أن يقيموا دليلًا واحدًا من أي نوعٍ على صحة عقيدتهم، فلا يستطيعون، بل لا يملكون إلا التعلق بالظنون والأوهام، والاحتجاج بفعل آبائهم، كما قال عنهم القرآن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَّلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآَ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَناً أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. ولمّا كانوا عاجزين عن إتيان ذلك، بين (١) مباحث من التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم ص ١٥٣ - ١٥٤. قال تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ اُلْتَهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. لقد وجّه القرآن نظرهم إلى أن هذه الأصنام أقل منهم؛ فإن لعابديها أرجلًا يمشون بها، وأعينًا يبصرون بها، وآذانًا يسمعون بها، أما هذه الأوثان فجاثمة، لا تستطيع الحركة والانتقال، ولا تستطيع البطش والدفاع، ولا تبصر، ولا تسمع، ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ ◌ِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنْ يُبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ مَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونٍ فَلَا مُنْظِرُونِ ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. ١٩٥ ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُوْ لَكُنْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. أو یلیق بالعاقل أن یعبد من دونه، ومن يراه عاجزًا لا يستطيع شيئًا؟! ولم يعبد المرء إلهًا لا يسمع دعاءه، ولا يستطيع أن يجيبه إلى مبتغاه، ولا يقدر على أن يرد عن عابده أذی نزل به. قال سبحانه: ﴿قُلِ أَدْعُوْ اَلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ اُلُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]. وإذا استنصره لم يجد عنده ما يؤمل من www. modoee.com ١٣٩ حرف التاء النصر، والمرء عند الشدائد یلجأ إلى الله، ويطلب منه المعونة والمساعدة، فماذا يصنع بعبادة إلهٍ لا یمده بهما؟! بل إن هذه الأوثان لا تستطيع أن تحمي نفسها، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧]. وأي ضلال أشد من عبادة من لا يملك الضر والنفع؟ وماذا بقي لهم من صفات الآلهة؟!، أخلقوا شيئًا في السماوات والأرض؟ أبأيديهم الموت والحياة والبعث؟ لا: ﴿وَأَّخَذُواْ مِنْ دُونِ ءَالِهَةٌ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]. والقرآن يمضي في التحدي، مؤكّدًا لهم أن أولئك الذين يدعونهم شركاء لله لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابًا، ولو ظاهر بعضهم بعضًا، برغم حقارة الذباب وضعفه، بل إن هذا الذباب الحقير الضعيف لا يستطيعون استخلاص شيء منه، إن سلبهم إياه، ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُو إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لٌَّ، وَإِن يَسْلُّهُمُ الذُّبَابُّ شَيْئًا لَّا يَسْتَنَقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: ٧٣]. إنهم ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّقْ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]. وإذا كانت هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر، ولا تملك من أمر نفسها شيئًا، ولا تخلق شیئا، ولیس بيدها حیاة ولا موت، بل هي أقل من عابديها قدرًا، فقد انمحت عنها حقيقة الألوهية، ولا يعدو الأمر بعدئذٍ: أن تكون المسألة أسماء وضعوها، من غير أن تدل هذه الأسماء علی آلهةٍ حقیقیةٍ لها ما للآلهة من سلطان وقوة، وتستحق العبادة رغبةً أو رهبةً، ﴿أَفَرََّيُّ اللَّتَ وَالْعُزَّى ( وَمَنَوَّةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَقِ نْ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ آلْأُنثَ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى ◌َ إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةٌ سَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنَّ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]. وها هو ذا یتھکم بهم تھگّمًا لاذعًا عندما منحوا هذه الأسماء التي لا حقيقة لها صفة الشفعاء؛ فيقول: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءَ شُفَعَكُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَيَقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ. وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. والقرآن يثير في نفوسهم الخوف والفزع من سوء المصير، حين يصوّر لهم يوم القيامة، وما ينالهم فيه من خيبة الأمل، عندما يرون هذه الآلهة التي اتخذوها؛ وإذا كانوا لم يخلقوا شيئًا، فهل يملكون من شيء في السماء أو الأرض؟ لا، ليعتزوا بها، قد أنكرت أن تكون أهلاً ١٤٠ جَوَسُوع القرآن الكريم التوحید لعبادتهم، ويشهدون عليهم بأنهم لم يكونوا عقلاء في هذه العبادة، فيقول: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّا (٥) كَلَّأَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢](١). موضوعات ذات صلة: الألوهية، الإيمان، الدعوة، الشرك (١) من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص ٢٥٥- ٢٥٧. www. modoee.com ١٤١