النص المفهرس
صفحات 21-40
التوحيد
الإله فهم منه استلزامًا أنه الخالق الرازق باستنكار اتخاذ آلهة مع الله تعالى(١).
ونضرب مثلًا آخر بقوله تعالى: ﴿أُعْبُدُوا
المالك؛ لأنه لا يكون إلها حقًّا إلا بهذه
الصفات.
اللَّهَ رَِ وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٣].
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ
السَّمَلِمَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا
كَانَ لَكُمْأَنْ تُنْسِتُوا شَجَرَهَاْ أََِةٌ مَعَ اللّهِ بَلْ
هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠].
فالسؤال في أول الآية وقع عن أشياء
تتصل بالخلق والرزق والقدرة والتدبير،
وغيرها من صفات التأثير التي هي معنی
لفظ الرب، فكان المقام يقتضي سؤالهم في
آخر الآية عن ذلك، فيقال: أربّ مع اللهِ؟!،
لكن وقع السؤال بقوله: ﴿أَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾؛
لأن اللفظين متلازمان، لا فرق بينهما من
حيث الواقع.
الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية
تستلزم الإلهية:
ويلاحظ أن استعمال كلمة (إله) هنا
في الآية السابقة قد جاء لحكمة عظيمة؛
لأنه جل وعلا قد سألهم عن محل النزاع
مباشرة، والمعنى: أربّ يخلق ويرزق مع
الله فيستحق التأليه معه؟!، ولما كان الخلق
والرزق والتدبير ليس محل نزاع كثير، وإنما
النزاع في عبادة غير الله؛ لذلك عاجلهم
والمقام يقتضي أن يقول: اعبدوا الله
إلهي وإلهكم، لكن استعمل كلمة الرب
مكان الإله؛ للتلازم التام بين الكلمتين.
والحكمة هنا -والله أعلم- أن ذكر الرب
فيه تصريح بعلة العبادة، وهو ما يتضمنه لفظ
الرب من معاني الخلق والرزق ... إلى آخره،
والمعنى: اعبدوا الله الذي خلقكم ورزقكم
وتولاکم في سائر أموركم.
بل ما رأيك أنّ هذا الرّبط بين العبادة
وعلّتها -وهي الربوبية وما تتضمّنه من
المعاني- قد نطق به أول أمر في القرآن
الکریم !!
وهو قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُّونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ
فِرَّشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ
◌ِهِ، مِنَ الثَّمَرَّتِ رِزْقًا لَّكُمّ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فتأمل هاتين الآيتين العجيبتين في
نظمهما، كيف أنّ الله تبارك وتعالى ذكر في
البداية: الأمر بعبادته، وفي النهاية: النهي
عن اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله، وما
بين البداية والنهاية: التعليل الصريح لذلك
(١) المصدر السابق ص ٢٣.
www. modoee.com
١١٥
حرف التاء
بتفرده تعالى خلقًا ورزقًا وتدبيرًا للكون.
ولنتأمل أخيرًا في سورة الناس، وكيف
جاءت الاستعاذة فيها بالأسماء الحسنى
الثلاثة: الربّ، والملك، والإله، مبيّنةً هذا
التناسق والتواثق بين الربوبية والألوهية، فإنه
لما قال: ﴿قُلِّ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ كان فيه
إثبات أنه خالقهم وفاطرهم، فبقي أن يقال:
لمّا خلقهم هل كلّفهم وأمرهم ونهاهم؟
قيل: نعم، فجاء: ﴿مَلِكِ النَّاسِِ
فأثبت الخلق والأمر ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْآَمْ﴾
[الأعراف: ٥٤].
فلما قیل ذلك، قيل: فإذا كان ربًّا موجدًا،
وملكًا مكلفًا، فهل يحب ويرغب إليه،
ويكون التوجه إليه غاية الخلق والأمر؟ قيل:
﴿﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوههم ومحبوبهم،
الذي لا يتوجّه العبد المخلوق المكلّف
العابد إلا له، فجاءت الإلهيّة خاتمة وغاية،
وما قبلها كالتوطئة لها (١).
أساليب القرآن في الدعوة للتوحيد
جاءت أساليب القرآن في الدعوة إلى
التوحيد على غاية التفنن والإبداع؛ تلطفًا
في استدعاء الناس إلى التوحيد، وتأليفًا
لقلوبهم، ولفتًا لأسماعهم وأبصارهم،
وإقامة للحجة عليهم بكل الأساليب، ولا
شكّ أن في هذا التنويع والتفّن ظهورًا فائقًا
للسمو البلاغي والبياني للقرآن الكريم.
وتقريبًا للوقوف على شيءٍ من هذه
الأساليب القرآنية الرفيعة نقسّمها إلى ما
يلي:
أولًا: أسلوب الخبر المجرّد:
في كثير من الآيات القرآنية يقرر الله
تبارك وتعالى حقائق التوحید بأسلوب الخبر
المجرد، تقریرًا سهلًا مباشرًا، ليس معزّزًا
بالتوكيدات، ولا مشفوعًا بالمحاورات
والتشبيهات، وكأنّ الحقّ تبارك وتعالى يلقي
هذه الحقائق الإيمانية والأصول التوحيديّة
إلى الفطرة النقيّة السويّة، التي لا تعرف
المكابرة ولا الالتواء، أو كأن القرآن الكريم
يعرّض بأولئك المشركين المعاندين،
ويقول لهم بمفهوم الكلام دون منطوقه:
إن حقائق التوحيد لهي أوضح من الشمس،
كيف لا والدلائل عليها تحاصركم من كلّ
جانبٍ فطرةً وحسَّا وعقلًا وشرعًا؟! فجدير
إذا أن ينزّل أولئك المعاندين المكابرين
(١) تجريد التوحيد المفيد، المقريزي ص ٩.
١١٦
جَوَسُو ◌َر التفسير المضيق
القرآن الكريم
التوحید
منزلة الخالين من العناد والمكابرة؛ فيلقى
إليهم الكلام أيضًا خبرًا مجرّدًا؛ لأن معهم
من الأدلّة ما يقطع كلّ شكٌّ، ويستدعي كل
یقین.
والآيات التي نستطيع بها التمثيل لهذا
الأسلوب كثيرة، وتكفينا الإشارة بقوله
تعالى: ﴿الْعَمْدُ لِّهِ رَبِّ الْعَلَّمِينَ﴾
[الفاتحة: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَكَحَّةٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٌ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿ لَّهُ مَقَالِدُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ أُوْلَكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٢-٦٣].
ثانيًا: أسلوب الخبر المؤكد:
من أساليب القرآن الكريم (التوکید)،
وهو أسلوبٌ قيمته البلاغية في تقوية الكلام
ابتداءً، وإضفاء مزيدٍ من الصرامة في تقريره
وإثباته؛ ليكون أدعى لقبول السامع واقتناعه،
أو في مجابهة المتلقّي الجاحد المنكر
بما يليق بحاله من مضادّةٍ له ومدافعة،
والمؤكدات التي جاء بها القرآن الكريم في
شأن الوحدانية والتوحيد كثيرة ومتنوعة؛
ومنها:
١. التأكيد بـ(إنّ).
٢. التأكيد باللام (لام التقوية).
٣. التأکید بالقسم.
ومثالها جميعًا قوله تعالى: ﴿وَالصََّفَّتِ
صَفَّا فَالزَّجِزَتِ نَخْرًا فَالنَِّيَتِ ذِكْرًا)
إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَجِدٌ ل رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ﴾ [الصافات: ١ - ٥].
٤. التأكيد بأساليب القصر.
كأسلوب النفي والاستثناء في قوله
تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ، لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا
فَأَتَّقُونِ ﴾ [النحل: ٢].
وأسلوب القصر بـ(إنما): ﴿قُلْ إِنَّمَا
هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ وَإِنَِّ بَرِئٌَّ مِمَا تُشْرِكُونَ
١٩
[الأنعام: ١٩].
وأسلوب القصر بالتقديم والتأخير، مثل
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ نَّعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ ﴾﴾
[الفاتحة: ٥].
فتقديم المفعول (إياك) أفاد قصر العبادة
على الله وحده، وأصل الجملة: نعبدك.
وكذلك أيضًا أسلوب القصر بتعريف
﴿ وَمَا أُخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن
طرفي الجملة:
شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهَّ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبِى عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيْبُ ﴾ [الشورى: ١٠].
فتعريف الخبر (ربّي) أفاد أنه مقصور
على المبتدأ، أي: الربوبية مقصورة على الله
تعالى(١).
(١) انظر: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين
إلى الإسلام، حمود الرحيلي ١/ ٤٧٧.
www. modoee.com
١١٧
حرف التاء
ثالثًا: الأساليب الإنشائية:
من أساليب القرآن الكريم أيضًا في تقرير
التوحيد: أسلوب الطلب، كالاستفهام
التقريري أو الإنكاري، فهذا أسلوب قرآني
عالٍ في نقاش المشركين، إنه يوالي عليهم
الأسئلة ويترك لهم في كثير من الأحيان
إجاباتها؛ ليصلوا إلى الحق بأنفسهم،
ويلزمهم الحجة، ويقودهم إلى الصواب.
قال تعالى: ﴿أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿أَفَرََّ يْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى
١٩
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ◌ْ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْفَ
٦ تِلَّكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَةٌ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ
سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤَّكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنَّ
إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْ
جَآءَهُم مِّن رَّتِهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩-٢٣].
والمعنى: أن هذه التي تسمونها آلهة لیس
لها من حقيقة الألوهية أدنى نصيب، وإنما
هي أسماء على غير حقائق، كالغول والعنقاء
وغيرهما من الأشياء المتوهمة.
ولذلك يقول القرآن الكريم متحدیًا
المشركين: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتُّ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَّةَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُلُِّونَهُ.
بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَمْ يِظَهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِّ﴾
[الرعد: ٣٣].
والمعنى: أن الله تعالى رقيب وعليم
بكل شيء، وقد جعل له المشركون شركاء
لا حقيقة لهم، وإنما عبدوها بظنون من
القول وأوهام من الفكر باطلة.
ويقول تعالى منددًا بالمشركين، الذين
يعبدون الأوهام المطلقة، تحت هذه الأسماء
المخترعة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونٍ اُلَّهِمَا
لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ
شُفَعَكُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبِقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا
يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ.
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
ومن ذلك أيضًا: الأسلوب التلقيني،
فيستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب في
تلقين الجواب الظاهر، حيث إنه لوضوحه
لا ینکره المشرکون، بل یسلمون به، ومن
أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم
مِّنِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّهًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ
أَنْجَنَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ ) قُلِ اللَّهُ
يَُبِّكُم ◌ِنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾
[الأنعام: ٦٣ - ٦٤].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَعْلِكُونَ لِأَمْسِ
نَفْعًا وَلَا ضَرَّ﴾ [الرعد: ١٦].
وفي ذات الآية: ﴿قُلِ اَللَّهُ خَالِقٌّ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ
الْوَجِدُ الْقَهَّرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ
مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللّهٌ﴾ [سبأ: ٢٤].
ففي هذه الآيات: يأمر الله نبيه صلى
١١٨
جوبيع
القرآن الكريم
التوحيد
الله عليه وسلم أن يسألهم عمن ينجيهم من
المخاطر، ومن رب السماوات والأرض،
ومن يرزقهم، ويأمره بأن يجيب: ((الله))؛
لاعترافھم أن آلهتهم لا تملك شيئا من ذلك،
وتلقينهم الجواب فيه إشارة إلى أنهم لا
ینکرون ذلك، وليس عندهم جواب غيره،
وأن سكوتهم عن الجواب لوضوحه فيه
حجة عليهم؛ إذ إنهم ما داموا قد اعترفوا بأن
فاعل ذلك هو الله، فلم یشرکون به غيره؟
ومثل هذا الأسلوب يعجز الخلق كلهم عن
الإتيان بمثله.
ومما يلتحق بهذا الأسلوب التلقيني:
الجواب المباشر من الله تعالى على ألسنة
خلقه من الملائكة أو الأنبياء وهم يدفعون
عنهم دعاوى الألوهية والبنوة لله، فليسوا
سوی عباد مکرمین، خاضعین لأمره، ولن
يجرؤ واحد منهم على ادعاء الألوهية، أما
من تجرأ منهم على تلك الدعوى؛ فجزاؤه
جهنم؛ لأنه ظالم مبين، وهل هناك أقوى
في هدم الدعوى من اعتراف هؤلاء العباد
أنفسهم الذين يدعونهم أبناء، بأنهم ليسوا
سوى عبيد خاضعين، ومن جرأة منهم على
دعوى الألوهية، كان جزاؤه عذاب جهنم
خالدا فیھا.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَّ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ
سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكَّرَمُونَ ) لَا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ يَأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ
: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
٥
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَّنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ.
مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ
مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّهُ كَذَلِكَ نَجْزِى
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٢٦ - ٢٩].
وعلى هذا النسق نفسه جرى في الرد على
من زعم ألوهية المسيح، فقد جعل المسيح
نفسه يتبرأ من ذلك وينفيه، إذ قال: ﴿وَإِذْ قَالَ
اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ
وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا
يَكُونُ لِيٍّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَنِّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ.
فَقَدْ عَلِّمْتَهُ, تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى
مَا قُلْتُ لَهُمْ
نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ()
إِلَّا مَا أَمْتَفِى ◌ِهَ أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ
عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ
اَلَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة
١١٦ - ١١٧](١) .
رابعًا: أسلوب ضرب المثل:
كذلك أسلوب الأمثال، وهو باب واسع
في القرآن الكريم، يقصد به تقرير المعاني
في نفس السامع، وتصويرها في صورة
محسوسة ملموسة، عن طريق التشبيه أو
الاستعارة أو غيرهما من أساليب البيان،
ولقد مدح الله جل وعلا كتابه باشتماله على
(١) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملكاوي ص ٣٤٩، من بلاغة القرآن، أحمد
البيلي ص ١٩٧.
www. modoee.com
١١٩
حرف التاء
أسلوب الأمثال فقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ
فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ﴾
[الزمر: ٢٧].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُّ الَّذِينَ
أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ
الْمَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ
اَلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِّ لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن
دُونِهِ، مِن ثَوْءٍ وَهُوَ الْعَزِزُ اَلْحَكِيمُ
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا
يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١ -
٤٣].
فقد ضرب الله تعالى مثلاً للذين
يستنصرون بآلهة غير الله، صوّرهم فيه
بأنهم يستنصرون بأضعف شيء، وكأنهم
العنكبوت في بيتها الهش الذي تمزقه الريح،
وتقتحمه الحشرات، ویعبث به الصبيان، فلا
یغني عن أهله شيئًا.
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلً رَّجُلًا
فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًاً اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
[الزمر: ٢٩].
فهذان مثلان للمشرك في تخبطه
وحیرته، وللموحد في راحته وسلامته،
ولا يستويان أبدًا، كما لا يستوي عبد مملوك
يسومه سادته لسوء أخلاقهم سوء العذاب،
وعبد مملوك لمالكٍ واحدٍ لطيفٍ لا يشق
عليه بكثرة الأوامر، واختلاف المذاهب
والمشارب.
ويضرب الله الأمثال مبينا ضياع أعمال
المشركين، وهو بهذه التشبيهات البليغة
يدعوهم إلى التفكّر في العاقبة الخاسرة
لأعمالهم -مهما كانت صالحة- ما دامت
غیر نابعة من إیمانهم وتوحیدهم لله.
قال تعالى: ﴿وَأَذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابِ
◌ِقِيعَةٍ يَحْسَبُ وَاللَّهُ سَرِيعُ حَقَّى إِذَا جَآءَهُ لَوْ يَجِدْهُ
شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ، فَوَقَّتُهُ حِسَابَةٌ، وَاللَّهُ سَرِيعُ
اِْسَابِ أَوْ كُظُلُمَتٍ فِ بَعْرٍ لُّجِيِّ يَفْشَنُهُ
مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ مُظْلُمَتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجُ بَدَهُ لَوْ يَكَدْ بَرَهَا وَمَنْ
أَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٣٩-
٤٠].
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِ
يَوْمٍ عَاصِفٌ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ
ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ اَلْبَعِيدُ ﴾ [إبراهيم: ١٨].
ويضرب الله المثل بالمشركين أنفسهم،
وما يعانونه من اضطراب العقيدة وفساد
التصور، وما ينشأ عن ذلك من حيرة القلب،
وقلق الضمير.
يقول تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَايِنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَ نَا ◌َللّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتَهُ الشَّيَطِينُ فِ اُلْأَرْضِ
حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أَتْتِنَا قُلْ
١٢٠
جونيور
القرآن الكريم
التوحید
إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ
الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].
وحينًا يصوّرهم هلکی في أشد صور
الهلاك وأفتكها، إذ يقول: ﴿وَمَن يُشْرِكِ بِاللّهِ
فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ
تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١].
وضرب الله سبحانه وتعالى مثلًا لقلب
المؤمن الموحّد بالبلد الطيب، ومثلًا لقلب
المشرك الكافر الذي لا ينبت فيه توحيد ولا
إيمان بالبلد الخبيث، فقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ
الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا
يَخْرُجُ إِلَّا تَكِدَاً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ
يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨](١).
خامسًا: أسلوب المحاورة:
كذلك استخدم القرآن أيضًا أسلوب
المحاورة، وهو الذي يورد فيه الحديث عن
التوحید من خلال حوار يجري بين طرفين
أو أكثر؛ فيتقرر في النفس أكثر من الخبر
المجرد، والمحاورات في القرآن كثيرةٌ،
كمحاورات سيدنا إبراهيم عليه السلام مع
أبیه آزر.
قال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمْ إِنَّهُ.
كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا ) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا
لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:
(١) انظر: من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص
٢٠٠، عقيدة التوحيد في القرآن الكريم،
محمد ملکاوي ص ١٧٧.
٤١ - ٤٢] إلى آخر الآيات المتضمنة لهذه
المحاورة.
فالآيات الكريمة تورد حوارًا بين إبراهيم
عليه السلام وبين أبيه المشرك، فيسأل
إبراهيم أباه: لم تعبد آلهة صماء عمياء لا
تغني عنك شيئًا؟! هو سؤال يبين حقيقة هذه
الآلهة الباطلة، ويتضمن صفات الله وحده
بالعبادة، فهو السميع البصير الغني المغني
عز وجل (٢).
وكتلك المحاورة بين الرجلين المؤمن
والكافر: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
قَالَ مَآ أَغُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِهِ أَبَدًا ﴿ وَمَآ أَظُنُّ
السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيْن ◌ُدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ
خَيْرًاً مِّنْهَا مُنقَلَبًّا ، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ
◌ُهَاوِرُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن
تُظْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلِكَ رَجُلًا (٦) لَّكِنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّ وَلَآ
أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٣٥-٣٨].
ففي هذه المحاورة يصوّر الله جل وعلا
مشهد الرجل الكافر بإزاء متجبري قريش
أو بني تميم، ومشهد الرجل المؤمن المقر
بالربوبية الذي هو بإزاء بلال وعمار وصهيب
وأقرانهم، وكيف أن الرجل المؤمن الذي
خالطت قلبه بشاشة التوحيد؛ قد علم ما
يجب عليه من شكر خالقه ورازقه.
وكتلك المحاورة الحادة يوم القيامة بين
(٢) التفسير الموضوعي ج ١، جامعة المدينة ص
٢٧.
www. modoee.com
١٢١
حرف التاء
فئتين من أهل الضلال: بين الضعفاء الأتباع، سادسًا: أسلوب القصة:
وبين المتبوعين السادة، والمحاورة الأخرى
بين الشيطان وأتباعه من الإنس، وهم في
دركات الجحيم، ينبّهنا الله تعالى سلفًا في
قرآنه على بنود هذا الحوار بنوعيه؛ ليحذر
العاقل، ويتجنّب الانزلاق مع دعاة السوء.
قال تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ
اُلْضُّعَفَوْاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا
فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اَللَّهِ مِن شَىْءِ
قَالُواْ لَوْ هَدَنَا اللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَاً
أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ وَقَالَ
الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ
وَعْدَ لَلِّْ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَ
عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ
◌ِ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَا
بِمُصْرِ خِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِىٌَ إِنِ
كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢١-
٢٢].
وفي هذه الآية الكريمة
يرسم الله جل وعلا للمشرك صورته
المستقبلية، وهو في حالٍ من الحسرة
والندامة، عندما يتبرأ منه الشيطان الذي
اتبعه، ويقع بينهما التلاوم والشجار؛ لعله
يتبصّر؛ فيختار لنفسه مصيرًا خيرًا من هذا
المصير!(١).
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١١٩١.
كذلك أيضًا أسلوب القصة، وهو أسلوب
من أوسع أساليب القرآن في التوحيد وغيره،
وقد عني القرآن بهذا الأسلوب وأكثر منه؛
لما في القصة من تأثير في النفوس، وسهولة
في الحفظ، وانتشار وذيوع بین الناس.
وقد قصّ الله جل وعلا في القرآن الكريم
من قصص الأنبياء وأخبارهم، وما تعرضوا
له في سبیل الدعوة إلى التوحید من صعاب
ومشاقٌّ، وفي ثنايا ذلك: قص علينا القرآن
الكريم محاوراتهم ومجادلاتهم مع ذوي
الكفر والعناد والتجبّر، وما أظهره الله على
أيدي رسله من باهر المعجزات، وصادق
الأدلة.
وقد ألمحنا إلى بعض هذه القصص فيما
سبق، ونضيف هنا تذكيرًا بقصة أصحاب
الأخدود، وقصة أولئك القوم الموحدين
المؤمنين الذين لقوا الموت في سبيل عقيدة
التوحید، وقد خلّد الله ذکرهم بهذه الآيات
الكريمات، ولعن الكافرين أصحاب تلك
الفعلة الشنيعة، مبيّنًا مصير الفريقين.
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَلِّ ذَاتِ اَلْبُرُوجِ ) وَالْيَوْمِ
اْوْعُودِ ن وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴿ قُلَ أَتْحَبُ
اْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْهُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ
٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) وَمَا
نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلََّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
٨
١٢٢
مُوسُو ◌َرَ النَفسِير
القرآن الكريم
التوحید
٩
الَّذِى لَهُ، مُلْكُ ثُمَّلَّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ
إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَّ بَتُوبُواْ
فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:
١ - ١٠ ].
لقد بيّن الله سبب قتلهم لهؤلاء المؤمنين
وهو إيمانهم بالله العزيز الحميد، وعدم
إيمانهم بالكفر والوثنية اليهودية وعقائدها
المزيفة، والعبرة هنا موجهة بخاصة للكفار
من أهل مكة، في هذه القصة القريبة العهد
منهم، إما أن يكفوا عن إيذاء محمد وأصحابه
المؤمنين الموحدين، ويدخلوا في دينه؛
فیکون لكم جنات تجري من تحتها الأنهار،
وإما أن يستمروا على إيذائهم الموحدين من
المؤمنین والسخرية بھم، کما صنع ذو نواس
بالموحدین، فعندئذ يدخلون مع اليهود في
اللعنة والغضب، والوعيد الشديد بعذاب
جهنم وعذاب الحريق(١).
(١) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملكاوي ص ٢٢٩.
الأدلة القرآنية على صحة التوحيد
لقد استوعب القرآن الكريم الاستدلال
على صحة عقيدة الوحدانية، وأنها الحق
المبين، وأن كل شريك أو معبود مع الله
هو كذب وافتراء، بل كلها أصنام وأوهام
لا حق فيها، بل لا حقيقة لها في باب
الألوهية، ولم يترك القرآن الكريم دليلًا
يصلح لخطاب البشر إلا أورده على أتم
الوجوه؛ حتى لا نقول: إنه لم يسق الدليل
على صحة الوحدانية أو وجوب التوحيد
فقط، وإنما أوجب على الناس أن يتدبروا
هذه الأدلة، وأن يفهموها ويحصلوها -ولو
إجمالًا-؛ حتى يكونوا على بينة في أعظم
حقائق الوجود، وحتى يكون إيمانهم على
غاية الاستقرار؛ ولذلك نوّع الأدلة في هذا
تنويعًا عجيبًا؛ حتى تناسب جميع الناس
على اختلاف مستوياتهم وعصورهم (٢).
أولًا: الأدلة الوجدانية:
المقصود بالأدلة الوجدانية، أي: النفسية
أو الداخلية، هي التي تعتمد في انتزاع
الدليل على الوجدانية من داخل الإنسان،
لا من خارجه، ومن أعماق شعوره الداخلي
ووجدانه الباطني، لا من مدركات حواسه
المعروفة.
(٢) التفسير الموضوعي ج ١، جامعة المدينة ص
٢٨ - ٢٩.
www. modoee.com
١٢٣
حرف التاء
وهذا الدليل بالغ الأهمية للإنسان، وفي
قضية الإيمان بالذات؛ حتى يحاط به من
خارجه ومن داخله جميعًا؛ فتمتلئ نفسه
یقینًا لا یتسرب إلیه ريب ولا قلق، وكم من
إنسان امتلأ عقله بالمعارف والأرقام وفنون
الإحصاء، وامتلأ عقله بعجائب هذا الكون،
ولكنه يمضي متبلّد الإحساس، والسبب في
ذلك تعطل وجدانه الداخلي، كما قال
تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى
الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
ومن هنا اهتم القرآن العظيم ببيان هذا
الدليل النفسي، وساق الآيات؛ تذكيرًا
للناس بهذا الجانب الفذ، الذي أهملوه
وعطّلوه وطمروه تحت ركام من الشبهات
والشهوات، التي رانت على قلوبهم؛
فأظلمتها وأمانتها.
ونجتزئ بهذه الإشارة إلى دليل الفطرة،
فقد تقدّم له فيما سبق مزيد شرح واستفاضةٍ.
ثانيًا: الأدلة الكونية الحسية، والتذكير
بنعم الله فيها:
آيات الله جل وعلا وعجائبه في خلقه كثيرة
وعظيمة، وأنى التفت الإنسان ببصره وجد
دليل وحدانية الله تعالى ماثلًا أمامه، وإذا
مني الإنسان لسببٍ أو آخر بجفاف الفطرة
وضمورها، فلم يعد صوتها المنادي له
بالتوحيد يصل إلى آذان قلبه، فإنّ القرآن
الکریم یرشد الإنسان إلى أدواتٍ أخرى قد
تسعفه وتنقذه من ورطة الغيّ والضلال، لقد
زوّد الله الإنسان بمداركه وقواه الحسّية من
سمع وبصر وذوقٍ وشمِّ ولمسٍ، حواسُّ
يكتشف بها العالم من حوله، ويقف بها على
عجائب مصنوعات الله، فلعلّ في ذلك ما
يأخذ بناصيته إلى معارج التوحيد، ويرحم
أقدامه من مواطئ الشّرك والكفران.
والقرآن الكريم إذ يذكّر الإنسان بهذه
الأدلة الكونية الحسية على وحدانية الله
تعالی، فإنه کثیرًا ما يسلك -من أجل هذا
التذكير والتقرير - سبيل الامتنان بها كنعم
وعطايا حبا الله الإنسان بها، فلولاها لم
یکن لهذا الإنسان من وجودٍ ولا ذکرٍ، فھي
إذًا آياتٌ كبرى تحيط بالإنسان، ونعمٌ عظيمةٌ
تستوعب تفاصيل حياته، فكيف له بعد
ذلك أن يعمى عن توحيد الله واستحقاقه
للعبادة؟ !.
وهذا المنهج القرآني لم نتفطّن إليه
بالتأمل والتدبر، بل إن القرآن الكريم هو
من يشرح بنفسه منهجه هذا، وتأمل في قوله
تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى ◌َلَ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً
لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:
٦٢].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيِّرُ
اَللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ )قُلْ
مَوَسُوبَةُ الْتَّخِ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٢٤
التوحید
أَرَءَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من الله
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَّهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُم
بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿ وَمِن
زَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَّكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ
وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:
٧١-٧٣].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
أَلَيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاْ إَِّ
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَشْكُرُونَ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقٌ
كُلِّ شَىْءٍ لََّ إِلَهَ إِلََّ هُوَّ فَأَنَّ تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر:
٦١ - ٦٢].
إن الله جل وعلا يربط ربطًا أكيدًا في
هذه الآيات بين توجيه النظر إلى التأمل في
هذه الآيات الكبيرة، وبين الامتنان بما فيها
من النعم العظيمة، وبين دلالتها المفترضة
ونتيجتها المتوقعة في توحيد الناس العبادة
لله وقيامهم بالشكر له، أو ليس في الليل
السرمد والنهار السرمد ما يبعث الخوف
في النفس، والحب لمن جعل الليل والنهار
خلفة؟!(١).
ولذلك فقد قال تعالى في آية سورة
القصص: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: يرجى
ويتوقع منكم أن تشكروا الله على مخالفته
بین الليل والنهار؛ فتوحّدوه وتعبدوه.
يقول الطبري: ((أفلا ترون بأبصاركم
(١) من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص ٢٠٠.
بکم، وحجة منه علیکم؛ فتعلموا بذلك أن
العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم علیکم بذلك
دون غيره، ولمن له القدرة التي خالف بها
بين ذلك ... فعل ذلك بكم؛ لتفردوه بالشكر،
وتخلصوا له الحمد؛ لأنه لم يشركه في
إنعامه عليكم بذلك شريك؛ فلذلك ينبغي
أن لا يكون له شريك في الحمد علیه» (٢).
وفي آية سورة غافر يقول تعالى بعد ذكر
نعمته على الناس: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَشْكُرُونَ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقٌ
كُلِّ شَىْءٍ لََّ إِلَهَ إِلَّهُوٌّ فَنَّى تُؤْقَكُونَ﴾، فأخبر
تعالى أن أكثر الناس لا يقومون بشكر نعم
الله عليهم والاعتراف بوحدانيته، الذي
هو المقصود الأعظم من التذكير بالنعم؛
لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ﴾؛ أي:
الذي فعل هذه الأشياء وأنعم بها هو الله
الواحد الأحد، الذي لا إله غيره ولا رب
سواه، فكيف تعبدون الأصنام التي لا تنعم
عليكم؟!(٣).
وما من مجالٍ هنا لاستقصاء جميع ما
ورد في القرآن من الآيات الكونية، ولا کل ما
ورد فيه من نعم امتن الله بها على الإنسان،
وإنما الغرض هو التنبيه على الاستدلال بهذا
النوع من الآيات والنعم، فنكتفي بما يدل
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٦١٣.
(٣) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملکاوي ص ٢٣٦.
www. modoee.com
١٢٥
حرف التاء
على المقصود.
الصورة الأولى: آيات الأرض
والسماء والجبال.
إن الله جل وعلا ليضع الإنسان أمام
حقيقة يسيرة ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
أَكْبرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].
بل إنه يسأله سؤالًا فيه إدلال بالتحدي:
﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا﴾ [النازعات: ٢٧].
إن كان الإنسان مغترًا بخلقه اغترارًا؛
أغراه بالجحود والنكران لخالقه أن يشكره
ويعبده، فهذه الآيات العظيمة في خلق
الأرض والسماء تعرّف الإنسان بحجمه
الحقيقي في هذا الكون، وتنبّهه إلى أن
الذي خلقها وأبدعها ليس بعاجزٍ عن
إحياء الموتى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ اَلَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ
عَلَى أَن يُحِْىَ الْمَوْقَىْ بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الأحقاف: ٣٣].
ومن كان هذا خلقه؛ فهو متعالٍ عن
الشريك، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ بِالْحَقُّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[النحل: ٣].
فأنى يكون له شريك، وقد خلقهما بالحق
وهو التوحيد، منفردًا بخلقهما وإبداعهما
من غير حاجة لأحد؟!(١).
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وا رَبَّكُمُ
الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ
بِنَاءُ وَأَنْزَلَ مِنَالسَّمَآءِ مَآءُ فَأَ خْجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَّتِ
رِزْقًا لَّكُمَّ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١-٢٢].
قال ابن كثير: ((وهذه الآية دالة على
توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك
له))(٢).
وقال الزمخشري: ((أي: هو الذي
خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل
النيرة الشاهدة بالوحدانية؛ فلا تتخذوا له
شركاء)» (٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌّ لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى
◌َجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ
السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَّوْتِهَا وَبَثَّ
فِيَهَا مِن كُلِ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٣ - ١٦٤].
قال الطبري: ((وهذا تنبيه من الله تعالى
ذكره أهل الشرك به على ضلالهم، ودعاءٌ
منه لهم إلى الأوبة من كفرهم والإنابة
من شركهم، ثم عرّفهم تعالى ذكره بالآية
ملكاوي ص ١٥٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٩٧.
(١) عقيدة التوحيد فى القرآن الكريم، محمد (٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٩٥.
العضو
مَوَس ◌َد البشـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٢٦
التوحید
التي تتلوها موضع استدلال ذوي الألباب
منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده
وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال
تعالی ذکره: أيها المشركون، إن جهلتم أو
شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من
أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون ألوهیته من
الأنداد والأوثان؛ فتدبروا حججي وفكّروا
فيها، فإن من حججي خلق السماوات
والأرض» (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِي الْأَرْضِ
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَرُّ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾
[الأعراف: ١٠].
يقول الطبري: ((ولقد وطّناكم أيها الناس
في الأرض، وجعلناها لكم قرارًا تستقرون
فيها، ومهادًا تمتهدونها، وفراشًا تفترشونها،
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَنِشَ﴾ تعيشون بها
أيام حياتكم من مطاعم ومشارب؛ نعمةً
مني عليكم، وإحسانًا مني إليكم ﴿قَلِلَامَّا
تَشْكُرُونَ﴾ وأنتم قليل شكركم على هذه
النعم التي أنعمتها عليكم؛ لعبادتكم غيري
واتخاذكم إلهًا سواي)) (٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا
لَّمَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠].
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
(١) جامع البيان، الطبري ٢٦٧/٣.
(٢) المصدر السابق ٣١٥/١٢.
الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ
اُلتُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ
الْمَهِدُونَ ﴾ [الذاريات: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿أَلَرْ فَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا(2)
أَحْيَاءُ وَأَمْوَّتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦].
إن الله سبحانه وتعالی یذگّر عباده بنعمة
الأرض التي جعلها لهم كالفراش ممهّدة
وموطأة ومستقرة، وهو الذي ذللها لنا؛
للاستفادة من خيراتها، ولولا تذليل الله
لها ما استطعنا أن نشق فيها الطرق ولا البناء
عليها ولا الحرث ولا سائر أنواع المنافع،
والتي منها أن الأموات يكفتون في بطنها،
فهي تكنّ الأحياء على ظهرها في المساكن
والأموات في القبور، فكأنها كفتت أذى
الناس أحياء، وجيفهم أمواتًا(٣).
وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِ
أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرًا وَسُبُلَاً لَّعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ ﴿ وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾
[النحل: ١٥ - ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ
تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ
يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ
وَأَسْقَيْنَكُمْ مَّاءُ فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].
(٣) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملکاوي ص ٢٣٨.
www. modoee.com
١٢٧
حرف التاء
هذه نعمة عظيمة من الله تعالى على
عباده، حیث ثبّت الأرض بالجبال؛ حتى
لا تميد بأهلها وتضطرب فلا يستطيعون
التصرف لمعاشهم؛ لعدم استقرارها.
والجبال كذلك علامات يستدل بها
المسافرون برًّا وبحرًا إذا ضلوا الطريق؛ فإنها
متنوعة الأشكال والألوان، وقد قال تعالى:
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَهُ بِيِضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفُ
أَلْوَانُهَا وَغَرَاِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧].
هذه الآيات الكبرى والنعم العظيمة
في الأرض والجبال، توجب على العباد
شکر المنعم وتوحيده وعبادته دون الآلهة
والأوثان؛ لأنه هو الذي خلقهم، وخلق هذه
النعم، فيكون هو وحده المستحق عليهم
الطاعة والشكر والعبادة، وقد استعمل
موسى عليه السلام هذا الدليل في الدعوة
لتوحيد الله فقال لفرعون وقومه: ﴿الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَّكَ لَّكُمْ فِهَا سُبُلًا
وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِه أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ
شَقَّ ◌َ كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ
لِأُوْلِ النُّعَى﴾ [طه: ٥٣ -٥٤].(١).
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:
((أي: لدلالات وحججًا وبراهين الأولي
النهى، أي: لذوي العقول السليمة على أنه
لا إله إلا الله، ولا رب سواه))(٢).
(١) المصدر السابق ص ٢٣٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٩/٥.
الصورة الثانية: آيات الشمس
والقمر والليل والنهار.
ويحدثنا القرآن الكريم أيضًا عن نعمة
تبادل الليل والنهار، وعما خلق له الليل
من نعمة الهدوء والسكون، وعن الشمس
والقمر يجريان في دقة ونظام؛ فيحسب
الناس بهما حياتهم، وينظمون أعمالهم،
وعن النجوم في السماء تزينها كمصابيح،
ويهتدي بها السائر في ظلمات البر والبحر.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ، مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ
السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ فِ اخْتِلَفِ
الَّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ
لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٥-٦].
في هاتين الآيتين تنبيه على أن الله
وحده هو الذي خلق الشمس والقمر والليل
والنهار بغير معين ولا شريك، والمتدبر
لذلك يعلم حقيقة الوحدانية، قال الطبري:
(لقوم يعلمون إذا تدبروها حقيقة وحدانية
الله، وصحة ما يدعوهم إليه محمد صلى
الله عليه وسلم، من خلع الأنداد، والبراءة
من الأوثان)»(٣).
وانظر هذا التقدير الحكيم بأن جعل الله
الليل والنهار مرتبطين بدورة الشمس، فلا
يستطيع أحد إيقاف الشمس عن دورتها، أو
(٣) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٢٤.
١٢٨
مَوَبُو بَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
التوحید
لأن الله وحده هو الذي يتولى ذلك كما قال
تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ يُولِجُ اُلَيْلَ فِ
النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَأَنَّاللَّهَ سَمِيعٌ
بَصِيرٌ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنَّ مَا
يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ
اٌلْعَلِىُّالْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦١ - ٦٢].
يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية:
((فعلت هذا الفعل من إيلاجي الليل في
النهار، وإيلاجي النهار في الليل؛ لأني أنا
الحق الذي لا مثل لي، ولا شریك، ولا ند،
وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من
دونه هو الباطل الذي لا يقدر صنعة شيء،
بل هو المصنوع))(١).
قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيِّهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا
لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن
كُنْتُمْإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
يقول ابن كثير: ((يقول تعالى منبّها
خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا
نظير له، وأنه على ما يشاء قدير: ﴿وَمِنْ
ءَايَتِهِ أَلَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾
أي: أنه خلق اللیل بظلامه والنهار بضیائه،
وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها
وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في
فلكه، واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف
(١) المصدر السابق ٦٧٦/١٨.
حبس الليل والنهار عن جزء من الأرض؛ باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل
والنهار، والجمع والشهور والأعوام، ویتبین
بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات
والمعاملات، ثم لمّا كان الشمس والقمر
أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي
والسفلي؛ نبّه تعالى على أنّهما مخلوقان
عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال:
﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُ واْللَّهِ
الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
أي: لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له
مع عبادتكم لغيره؛ فإنه لا يغفر أن يشرك
به)»(٢).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَيْكَ كَيْفَ مَدَّ
اَلْظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلاً ) ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾
[الفرقان: ٤٥ - ٤٦].
فهذه نعمة أخرى تتعلق بنعمة الشمس،
وهي نعمة الظل، وقد نبّه سبحانه وتعالى
عباده لهذه النعمة؛ لما فيها من الفوائد
للكائنات جميعها؛ مما يستوجب على
الناس الشكر للمنعم؛ لأنه لو شاء سكون
الظل وعدم تحوله لفعل، ولما استطاع أحد
تحويله.
كما نبّه على ما تتم به فائدة الظل هو
قبضه تدريجيًّا، ولولا ذلك لم ينتفع به أهله؛
لأن في مدِّه وتحوله من مکان إلی مکان، ثم
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٨٢.
www. modoee.com
١٢٩
حرف التاء
قبضه شيئًا فشيئًا من المصالح والمنافع مما
لا يحصى، وبسكونه دائمًا أو قبضه دفعة
واحدة تتعطل المرافق والمصالح (١).
وقال تعالى عن النجوم: ﴿وَيَالنَّجْمِ هُمْ
يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
وأقسم به: ﴿وَاَلنَّحْرِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١].
وَأَنَّهُ, هُوَ
وتمدح الله جل وعلا فقال:
رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩].
بل أقسم بمواقعها في السماء: ﴿فَلَآَ
أَقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ
تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦].
وَإِنَّهُ، لَقَسَمٌ لَّوْ
ولقّبها بمصابيح السماء وبروجها:
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا
لِلنَّظِرِينَ ﴿ وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَانِ
[الحجر: ١٦ - ١٧].
رجِیم
﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةُ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْتَهَا
رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].
وأقسم بها: ﴿وَالسَّمَ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾
[البروج: ١].
وأقسم بأحد نجومها واستعجب منه:
﴿وَالسَّمَاءِ وَالْكَارِقِ ) وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الشَّارِقُ لُ النَّجْمُ
الثَّاقِبُ ﴾ [الطارق: ١-٣].
أليس في هذه النجوم -وأصغرها قد
يفوق شمس الدنيا حجمًا بمرات ومرات-
ما يدعو إلى توحيد الله؟ !.
(١) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملكاوي ص ٢٣٤.
لقد أفحم القرآن بهذه الآيات المربوبة
المسخّرة من ادّعى الألوهية من البشر إفحامًا
لا مخلص له منه، وذلك في الحديث الذي
دار بين إبراهيم وهذا الملك، الذي ادعى أنه
إله، إذ يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبَهِمَ
فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبَِّ
الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِىء وَأُمِيتٌ قَالَ
إِبْرَهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ
بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ()﴾ [البقرة: ٢٥٨](٢).
الصورة الثالثة: آيات ونعم الرياح
والسحاب والمطر والنبات.
الرياح آية كبرى ونعمة عظيمة، يقول
تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَآءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ.
بِخَزْنِينَ ﴾ [الحجر: ٢٢].
ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ
اَلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيْهِ، حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ
سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [الأعراف:
٥٧].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ فَيُثِيُ
سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ، فِ السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ.
كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ بَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهٌِ﴾ [الروم:
٤٨].
يقول ابن القيم: ((فإذا شاء الله حرّكه
بحركة الرحمة؛ فجعله رخاء ورحمة
(٢) من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص ٢٠٣.
١٣٠
جَوَسُو بَر النفسيةِ الوَضوي
القرآن الكريم
التوحید
وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحًا للسحاب
يلقحه بحمل الماء، ومن آياته السحاب
المسخر بين السماء والأرض كيف ينشئه
سبحانه بالرياح؛ فتثيره كسفًا، ثم يؤلف بينه،
ويضم بعضه إلى بعض، ثم تلقحه الريح
وهي التي سماها -سبحانه- لواقح، ثم
يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة
إليه، فإذا علاها واستوى عليها؛ أهراق
ماءه عليها، فيرسل سبحانه الرياح وهو في
الجو، فتذروه و تفرقه؛ لئلا یؤذي ویهدم ما
ينزل عليه بجملته، حتى إذا رويت وأخذت
حاجتها منه؛ أقلع عنها وفارقها، فهي روایا
الأرض محمولة على ظهور الرياح))(١).
ويقول تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُُّ
[إبراهيم: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَلِ مَآَمُ بِقَدٍَ
فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاٍِ إِ لَقَدِرُونَ
﴾ فَشَأْنَا لَكُ بِه جَنَّاتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ﴾
١٨
[المؤمنون: ١٨ - ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِيَحَ
بُشْرَأَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِّ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَكِمَآءُ
طَهُورًا (٨) لِنُحْتِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُشْقِيَهُ،مِمَّا
خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ
يَتْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَفَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾
[الفرقان: ٤٨ - ٥٠].
(١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٢٠٢.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَّ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
◌َأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ا لَوْ
٦٨
[الواقعة:
نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أَجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾
٦٨ - ٧٠].
إن المطر نعمة عظيمة من الله على
عباده؛ لأن حياة الحيوان والنبات متوقفة
على الماء، والله وحده هو الذي ينزل
علينا الماء من السحاب عذبًا فراتًا، ولم
يجعله ملحًا أجاجًا، ثم يسكنه في الأرض؛
فيخرج ينابيع ويجري أنهارًا؛ لسقي الإنسان
والحيوان والنبات والثمار في الجنات.
فانظر كيف تتجلى النعمة العظمى بإنزال
المطر بالقدر المطلوب، لا كثيرًا فيفسد
الأرض والعمران، ولا قليلًا فلا يكفي
الزروع والثمار، وكيف جعل في الأرض
قابلية خزنه للاستفادة منه فيما بعد، ولو
شاء الله أن لا تمطر السماء لفعل، ولو شاء
جعله أجاجًا لفعل، ولو شاء ذهابه في أعماق
الأرض بحيث لا ينال لفعل، فامتن الله
على عباده إذن بكل هذه النعم؛ منبّهًا إياهم
لوجوب شکره.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالتَّوَىّ
يُخْرِجُ الْحَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُحِجُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمْ
اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥].
يقول الطبري: ((وهذا تنبيه من الله جل
ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على
موضع حجته عليهم، وتعريفٌ منه لهم خطأ
www. modoee.com
١٣١
حرف التاء
ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في
عبادتهم إياهم، يقول تعالى ذكره: إن الذي
له العبادة أيها الناس دون کل ما تعبدون من
الآلهة والأوثان هو الله، الذي فلق الحب،
يعني: شقّ الحب من كل ما ينبت من النبات؛
فأخرج منه الزرع والنوى من كل ما يغرس
مما له نواة؛ فأخرج منه الشجر))(١).
ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ
السَّمَلِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا
مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مَُّرَاكِبًا وَمِنَ
النَّخْلِ مِنْ طَلِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَابٍ
وَاُلَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةُ أَنْظُرُوًا
إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩].
إن التفكير في النبات والثمار وكيفية
تکونها من البذرة حتى صارت زرعًا أخضر
وثمرًا طيبًا بعد جفافها، واختلاف ألوان
الثمار وطعومها -مع كونها متشابهة في
الشكل والورق-، لا شكّ يؤدي لمعرفة
الله ووحدانيته؛ ولذلك حثّ الله على
النظر للثمار فقال: ﴿أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِوَ إِذَا
أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾﴾ فهي تدل دلالة واضحة على
وحدانية الله؛ لذلك ذم الله تعالى المشركين
بعد هذه الآية مباشرة فقال: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ
شُرَّكَآءَ اَلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَتِمٍ بِغَيْرِ
عِلْمَّ سُبْحَنَّهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ
١٠٠
(١) جامع البيان، الطبري ١١ / ٥٥٠.
بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَنَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَّدٌ وَلَّمْ
تَكُن لَّهُ صَنِبَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوِّ
خَلِقُ كُلِّ شَىْ ءِفَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠٢].
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: ((يا
أيها الناس، إذا نظرتم إلى ثمره عند عقد
ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف
أحواله وتصرفه في زيادته ونموه؛ علمتم أن
له مدبرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة
إلا له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج
وبرهان وبيان يصدقون بوحدانية الله وقدرته
على ما يشاء)»(٢).
إن العبد یشق الأرض ويضع فيها الحب،
والزارع المنبت هو الله، دون الأنداد
والأوثان، ولو شاء الله أن يجعل هذا الزرع
حطامًا يابسًا قبل موعد حصاده ما استطاع
أحد إنباته، وأقصى ما يعمله الإنسان هو
التعجب والتفجع والحزن على ما فاته
من الزرع والثمر، وإن الله تعالى ليضع
الإنسان أمام عجزه وضعفه في أسلوب من
الاستفهام المثير فيقول تعالى: ﴿أَفَرَّهَيْتُمْ
مَا تَخْرُونَ ﴿٢ ◌َ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ تَحْنُ الزَّرِعُونَ
﴿ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾
[الواقعة: ٦٣ - ٦٥].
وقد استنكر الهدهد على قوم بلقيس
(٢) المصدر السابق ٥٨٢/١١ - ٥٨٣.
١٣٢
ضـ
القرآن الكريم
التوحيد
سجودهم للشمس من دون الله، مستدلا وعجيب صنعه فيها بالغ، وليس أدلّ على
ذلك من أن الله تبارك وتعالى قد قرنها
على وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة؛
بأنه خلق الماء والنبات، واخر جه بعد أن كان
مخبوءًا في السماء والأرض، وجعل ذلك
حجة على المخالفین، حیث قال تعالی عنه:
﴿أَلَّيَسْجُدُ واْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِيعُ الْخَبْهَفِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَآ
إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥
-٢٦].
بآيات السماء والأرض والجبال في سياقٍ،
بل وابتدأ بها في توبيخ المشركين الغافلين
عن النظر إليها نظر الاعتبار والافتكار، فقال
تعالى: ﴿أَفَلَا يَنَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبَالِ
كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾
[الغاشية: ١٧ - ٢٠].
ومن مجموع هذه النعم من رياح
وسحاب ومطر ونبات؛ یمتن الله جل وعلا
على عباده بالرزق؛ فهو الذي يرزقهم،
ويرزق ما على الأرض من دواب، لا تستطيع
أن تتکفل برزق نفسها.
ويسترعي انتباههم إلى طعامهم الذي
هو من فيض فضله، فيقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى
طَعَامِهِجَ { أَنَّا صَبَّنَا الْعَّهُ صَبَّاتِ ثُمْ شَقَقْنَا الْأَرْضَ
شَقَّاً ، فَبَّنَا فِيهَا حَبَّ وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٥) وَزَيْتُونَا
وَنَخْلَ مْ وَحَدَابِقَ غُلْيًا وَفَكِهَةً وَأَبََّ مَشَعًا
لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ﴾ [عبس ٢٤ - ٣٢](١).
الصورة الرابعة: الآيات والنعم في
الأنعام.
آية الله جل وعلا في الأنعام عظيمة،
(١) من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص ١٩٦.
ولا شك أن للأنعام في حياة العرب
بالبادية ما يستحق أن يذكّروا به، وأن يسجّل
فضله علیهم بها، فکانت الإبل دليلًا قريبًا
ينبغي أن توجّه أنظارهم إليه.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنْ دَابَّةٍ لَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمَا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
٧١
وَذَّلَّلْنَهَا لَهُمْ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢].
تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ
تُرِبِعُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ (١) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ
إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَكَلِغِيهِ إِلَّا بِشِّ الْأَنْفُسِِّ
إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ { وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ
وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٦ - ٨].
النعمة الأولى في الأنعام هي نعمة
تذليلها؛ لأن الله وحده هو الذي جعلها
مقهورة ذليلة، لا تمتنع على صاحبها عند
الحاجة إليها في تسييرها وتوجيهها للرعي
أو للطرق، أو للحمل، أو للوقوف، ويرتبط
www. modoee.com
١٣٣
حرف التاء
بتذليلها كونها جمالًا وزينة لنا في رجوعها لأن مصالح العباد كلهم قائمة عليه في معظم
وجباتهم الغذائية، وخاصة الصغار، وهذا
من المرعى عشًّا؛ فتكون شبعانة وخواصرها
ملیئة، وفي بعثها صباحًا إلى المرعى، ولولا
تذليلها ما كانت زينة وجمالًا؛ لأنها تكون
نافرة مستعصية.
اللبن يخرج من بطون الأنعام من بين الفرث
والدم خالصًا بياضه وطعمه وحلاوته، فانظر
كيف يكون الطعام في المعدة؟!
وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِ، ثُمَّ
تَذْكُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيَّتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ
سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ:
مُقْرِنِينَ ﴿ وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخر
١٣ - ١٤].
إن نعمة ركوب الأنعام والحمل عليها
تلفت النظر وتوجب الشكر؛ لأنها توفّر
كثيرًا من الجهد والتعب، فيستطيع الإنسان
السير في المصالح البعيدة كالحج والغزو
والتجارة بلا مشقة؛ لأن هذه الأنعام تحمله،
وتحمل متاعه و طعامه وشرابه، وبدون هذه
الأنعام فإن الإنسان عاجز عن ذلك، وتظهر
نعمة الحمل والركوب بشكل خاص في
الخيل والبغال والحمير؛ ولذلك أفردت
معًا في آية خاصة بها فقال تعالى: ﴿وَأْخَيَّلَ
وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَاً
تُتْقِيَكُ مِمَّا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَيٍ لَّبَنَا خَالِصًا
سَآَيِفًا لِلشَّرِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَُمْ فِهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌ
أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣].
اللبن نعمة لا توصف على هذه البشرية؛
E
فإذا نضج ذهب أقسامًا للدم والعظم
واللحم، وقسم يصير لبنًا، والباقي فضلات
من روث وبول، ولا يمتزج قسم بآخر
ولا يتغير به؛ فيخرج اللبن خالصًا سائغًا
للشاربین لا یغص به أحد.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾
[النحل: ٥].
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهَا يَأْ كُونَ﴾ [يس: ٧٢].
هذه النعمة خاتمة النعم في الأنعام، فرغم
تعدد منافع الأنعام في حياتهم، فهي كذلك
يؤكل لحمها، وهو أعلى أنواع الأطعمة،
وعليه اعتماد كبير في حياة الناس، بل إن
شعوبًا كثيرة تعيش على الرعي والتجارة
بالأنعام اللاحمة(١).
إن هذه النعم الكثيرة في الأنعام تستحق
الشكر لله، والاعتراف بوحدانيته، وإفراده
بالعبادة، وإخلاص الطاعة له، وهذا هو
المقصود الأعظم من التذكير بهذه النعم
الجليلة؛ لذلك نجد في الآيات دعوة لشکر
الله، وعدم اتباع خطوات الشيطان.
(١) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملکاوي ص ٢٤٨-٢٥١.
١٣٤
القرآن الكريم