النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
التَّوَحْمَّد
2
2
عناصر الموضوع
مفهوم التوحيد
٩٦
الألفاظ ذات الصلة
٩٧
التوحيد حقيقة فطرية
٩٩
التوحيد أساس دعوة جميع الرسل
١١٠
الربوبية والألوهية حقيقتا التوحيد
١١٤
أساليب القرآن في الدعوة للتوحيد
١١٦
١٢٣
الأدلة القرآنية على صحة التوحيد
المُجَلَدَ العَاشِرْ

حرف التاء
مفهوم التوحيد
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (وح د) تدل على الانفراد(١).
والوَحْدة: الانفراد(٢).
و(أحد) اسم الله جل ثناؤه، لا يوصف شيء بالأحدية غيره؛ لأن أحدًا صفة من صفات
الله التي استأثر بها، فلا يشركه فيها شيء، وليس كقولك: (الله واحد)، و (هذا شيء واحد)،
لأنه لا يقال: شيء أحد(٣).
والتوحيد: الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحيّ:
عرف الجرجاني التوحيد بأنه: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي
الأنداد عنه جملة (٥).
وعرفه السعدي بأنه: العلم والاعتراف بتفرد الرب بصفات الكمال والإقرار بتوحده
بصفات العظمة والجلال أو إفراده وحده بالعبادة (٦).
ولم تأت مفردة (التوحيد) بهذه الصيغة في القرآن الكريم، وإنما استعمل القرآن الكريم
جذرها (وح د) في معانٍ أخرى، لا صلة لها بموضوع البحث.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ٩٠.
(٢) الصحاح، الجوهري ٢/ ٥٤٧.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٢٧/٥.
(٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٥٤٧.
(٥) التعريفات ص٦٩.
(٦) القول السديد ص٧.
مَوَسُوبَةُ النَِّ
القرآن الكريم
٩٦

التوحید
الألفاظ ذات الصلة
الشرك :
١
الشرك لغة :
مأخوذ من شرك، ومنه: (أشرك بالله: كفر أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن
ذلك)(١)، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر.
الشرك اصطلاحًا:
تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه (٢).
الصلة بين الشرك والتوحيد:
الشرك هو الظلم العظيم، ولا يغفره الله لصاحبه - إن مات عليه-؛ لأنه يناقض أصل
التوحيد، ويخرج صاحبه عن الملة، ويحبط عمله ويخلّده في النار.
الإلحاد:
٢
الإلحاد لغة:
مادة (ل ح د) تدل على معنى ميل عن استقامة، فيقال: (لحد السهم عن الهدف)، أي:
عدل عنه، ولحد الرجل في الدين: طعن وحاد عنه وعدل وجادل ومارى. ولحد، أي: مال
عن طريق القصد، وجار وظلم(٣).
والملحد: ((الطاعن في الدين المائل عنه))(٤).
الإلحاد اصطلاحًا:
هو: ((الميل، والجور، والانحراف عن الإسلام، أو الإيمان)) (٥).
الإلحاد المعاصر: الإلحاد المصطلح عليه في هذا العصر يعني: إنكار وجود الله، والقول
بأن الكون وجد بلا خالق، وأن المادة أزلية أبدية، واعتبار تغيرات الكون قد تمت بالمصادفة،
أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار ظاهرة الحياة، وما تستتبع من شعور وفكر عند
(١) تاج العروس، الزبيدي، ٢٧/ ٢٢٤.
(٢) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، ص ٥٨.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩٠/٥، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٩٥، مختار الصحاح،
الرازي ص ٢٤٧.
(٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢٨٥٠/٢.
(٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٧٢/٩.
www. modoee.com
٩٧

حرف التاء
الإنسان، من أثر التطور الذاتي في المادة(١).
الصلة بين الإلحاد والتوحيد:
العلاقة بينهما علاقة تضاد، فالملحد انحرف عن التوحيد والدين القويم.
العبادة :
٢
العبادة لغةً:
من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحّده وأطاعه،
وانقاد وخضع وذلّ له، والتزم شرائع دينه، وأدّى فرائضه(٢).
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: ((العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي
الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد
لبعض، ولذلك اختصّت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل))(٣).
وقال الراغب: ((العبودية: إظهار التّذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التّذلل، ولا
يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى)) (٤).
الصلة بين العبادة والتوحيد:
وعلاقة العبادة بالتوحيد علاقة واضحةٌ، فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة دون سواه،
وتفريده جل وعلا بالعبادة على اختلاف صورها هو حقيقة التوحيد (توحيد الإلهية) وهو
مضمون شهادة: لا إله إلا الله.
(١) انظر: التعريفات الاعتقادية، سعد آل عبد اللطيف ص ٥٨، الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد
الربوبية، آمال العمرو ص ٣٢٧.
(٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١٤٤٨/٢.
(٣) التوقيف، ص ٢٣٤.
(٤) المفردات، ص ٣١٨.
موسوعة البقية
القرآن الكريم
٩٨

التوحید
التوحيد حقيقة فطرية
القلوب مفطورة على حب خالقها
وتأليهه:
إن الإيمان بوجود الله جل وعلا
والإيمان بوحدانيّته تعالى في ربوبيته
وألوهيته وأسمائه وصفاته، له دلائله الكثيرة،
وشواهده المتعددة، وفي مقدّمة هذه الدلائل
والشواهد (الفطرة)، إن التوحيد حقيقةٌ
فطريّةٌ قبل أن يكون معرفةً نظريّةٌ جدليّةً، وإنّ
أرقّ أساليب الإقناع وأبلغ أساليب الإذعان
بأصول الإيمان: إحالة المخاطبين إلى
فطرهم وغرائزهم(١)، وكذلك كان منهج
القرآن الكريم في اعتماده دليل (الفطرة) في
معالجة قضايا التوحيد.
لقد جاءت كلمة (الفطرة) بلفظها
مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله
تعالی:
﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًاً
فِظَرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا
٠
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِّ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَبْدُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
[الروم: ٣٠].
وقد فسّر العلماء (الفطرة) بمعانٍ مختلفةٍ
متقاربةٍ، وأنسبها في هذا المقام أنّ المقصود
بـ (الفطرة): هو الشعور المغروس في
النفس الإنسانية بوجوده سبحانه، وبتوحيده
(١) انظر: منهج الشيخ محمد رشيد رضا في
العقيدة، تامر متولي ص ١٦٦.
سبحانه وتعالى بربوبيته وألوهيته، إن هذه
الغريزة الدينية المركوزة في داخل كل إنسان
منذ بداية خلقه، هي البوصلة التي توجّه قلبه
وعقله إلى توحيد الله تعالى قبل أيّ دليلٍ
آخر (٢) .
والسنة النبوية أيضًا تؤكد ذلك: أن
الله تعالى قد خلق الإنسان مؤمناً بربه،
متّجهًا إليه بفطرته بالطاعة والعبادة، وأنّ
غايته هي تحقيق العبودية والتوحید، كما
ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم: (كلّ مولودٍ يولد على
الفطرة)، وفي روايةٍ: (على هذه الملّة)،
(فأبواه يهودانه وينصّرانه ويمجّسانه)، وفي
رواية: (ويشرّ كانه)، (كما تولد البهيمة بهيمةً
جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء؟!،
حتی تکونوا أنتم تجدعونها) قالوا: يا رسول
الله؛ أفرأيت من يموت منهم وهو صغيرٌ؟،
قال: (الله أعلم بما كانوا عاملین)، ثمّ يقول
أبو هريرة رضي الله عنه: واقرءوا إن شئتم:
﴿فِطَرَتَ اَللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاً لَا نَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اَلَّهِ﴾ [الروم: ٣٠](٣).
(٢) العقائد الإسلامية، سيد سابق ص ٤٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب إذا أسلم الصبي فمات، رقم ١٣٥٨،
٢/ ٩٤، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر،
باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، رقم
٢٠٤٧/٤،٢٦٥٨.
www. modoee.com
٩٩

حرف التاء
فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم التألّه والمحبّة إلى غيره تغييرٌ للفطرة))(٣).
في الحديث: (يسلمانه)؛ لأنّ الإسلام
موافقٌ للفطرة (١).
بل هو الفطرة المركوزة في النفس
الإنسانية، وهو الوضع الطبيعي لها، فلا
يحتاج إذًا لتأثير الأبوين، أما باقي المذاهب
الإلحادية فهي تغطي الفطرة، وتنكّسها
وتصادمها؛ لذلك فهي لا تأتي على النفس
من داخلها، إنما تأتي بمؤثر خارجي (٢).
ويضرب الرسول صلى الله عليه وسلم
لذلك مثلًا محسوسًا، وهو ولادة البهيمة
سالمةً من العيب، ثم يطرأ عليها العيب بعد
ذلك بجناية الإنسان.
يقول ابن القيم رحمه الله: ((فجمع عليه
الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة
بالتّهويد والتّنصير، وتغيير الخلقة بالجدع،
وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابدّ أن
يغيّرهما، فغيّر فطرة الله بالكفر، وهو تغيير
الخلقة التي خلقوا عليها، وغيّر الصورة
بالجدع والبتك، فغيّر الفطرة إلى الشّرك،
والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة
الرّوح، وهذا تغيير خلقة الصورة».
ويقول كذلك: ((فالقلوب مفطورةٌ على
حبّ إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك
(١) شرح الطحاوية، ابن أبي العزّ ١/ ٣٤.
(٢) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملکاوي ص ٢٦.
وبما أن معرفة الله وتوحيده فطرةٌ
في النفوس؛ لذلك لمّا شك الأقوام
المكذبون لرسلهم في الدعوة لتوحيد
الله، استغرب الرسل هذا الشك فقالوا:
﴿أَفِ اللَّهِ شَكٌّ﴾؟! [إبراهيم: ١٠].
الفطرة السليمة والعقل الصحيح ينطقان
الإنسان بتوحيد الخالق:
والمخاطبون حين نزول القرآن يعرفون
ربهم الذي خلقهم، وتنطق فطرهم بالحق
عندما تسأل، ويؤازر هذه الفطرة العقل
الصحیح؛ إذ جعله الله تعالی نورًا للإنسان.
قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ اَلْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَآَ إِن
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٠ سَيَقُولُونَ لِلَّهَّ قُلْ أَفَلَا
تَذَكَّرُونَ ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ
وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ
قُلْ أَفَلَا نَتَّقُونَ ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِهِ مَلَكُوتُ
كُلِّ ثَقْءٍ وَهُوَ نُجِبْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٣٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ فَأَنَّى
تُسْحَرُونَ ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
ويقول تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ
اللَّهِ فَأَنَّى يُؤْفَّكُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦١].
وقد أدرك الأعرابيّ بفطرته السليمة
وعقله الصحيح أنّ هذه المخلوقات
العظيمة، من أرض وسماء، وليل ونهار،
(٣) إغاثة اللهفان، ابن القيم ١/ ١٠٧.
١٠٠
مُوسُو ◌َرُ التَّفي الوضوء
القرآن الكريم

التوحید
وشمس وقمر، وإنسان وحيوان، ونبات
وکواکب، ورياح وسحاب، وغيرها، تدل
على الخالق تبارك وتعالى، حيث قال:
((البعرة تدلّ على البعير، والأثر يدلّ على
المسیر، لیلٌ داج، ونھارٌ ساچٍ، وسماءٌ ذات
أبراجٍ، أفلا تدلّ على الصانع الخبير؟!))(١).
الفطرة تنطق الحيوان والجمادات أيضًا
بالتوحيد:
وهذه الغريزة الفطرية لم تكن مقتصرة
على النفوس البشرية وحدها، بل حتى
الطير والجمادات وغيرها، قد فطرها ربّها
وخالقها على تسبيحه وتحميده وتنزيهه،
نطقًا لا يفهمه إلاّ الذي أنطقها.
قال تعالى: ﴿تُسَبِحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ
وَمَنْ فِهِنَّ وَإِنِ مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِهِ، وَلَكِنْ
لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾
[الإسراء: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿أَلَوْ تَرَ أَنَّاللَّهَ يُسَمْحُ لَهُهُمَن فِي
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَفَّتٍ كُلْ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ.
وَتَسْبِحَةُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ.
مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَالْجَالُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوَابُ وَكَثِيرٌ
مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(١) منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى
الإسلام، حمود الرحيلي ص ٣٣٨.
((والمقصود إذا كانت هذه الجمادات قد
فطرت على معرفة ربها وتسبيحه وتنزيهه،
والإنسان أشرف منها، فلأن يفطر على
معرفته بربه بطريق الأولى والأحرى؛ لما
ركّب فيه من العقل والتمييز والفطنة))، إلى
أن يقول: ((وهذا الهدهد طير من الطيور،
وفي نظرنا عديم العقل، يصيح كغيره من
الطيور، قد خاطب سليمان بأعظم التوحيد،
أَحَطتُ بِمَا لَمْـ
وأعلمه بغير ذلك، فقال:
تُحِطْ بِهِ، وَحِثْتُكَ مِن سَيٍَّ بِبَلِ يَقِينٍ﴾ [النمل:
٢٢].
إلى قوله: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
اَلْعَظِيمِ ﴾ [النمل: ٢٦].
هذا كله كلام الهدهد، كما اتفق على
ذلك المفسرون»١ هـ (٢).
منهج القرآن في الدعوة إلى التوحيد
بتحريك الفطرة وإيقاظها:
وحيث إن القرآن الكريم يعتبر هذه
القضية - قضية معرفة وجود الله والإيمان
به وتوحيده- أمرًا فطريًا في النفوس البشرية
السليمة، وحقيقة بدهية لا تحتاج إلى جدال
أو نقاش، فكل إنسان عاقل يدرك بنفسه هذه
الحقيقة، بما أودعه الله تعالى فيه من فطرة
يحس بها، دون الحاجة إلى منهج إضافي
يسلكه لمعرفة ربه خالقه ورازقه؛ لذلك
(٢) المصدر السابق ص ٣٣٩ - ٣٤٠.
www. modoee.com
١٠١

حرف التاء
فإنّ منهج القرآن الكريم ومسلكه في هذه المالي(٢).
القضية، البدء بالفطرة يوقظها، ويذكّرها بما
هو مغروس في أعماقها؛ ليجد أنها معترفة
ومقرة بوجود الخالق العظيم، وأنها في ذلك
لا تحتاج إلی دلیل.
والدلائل التي تحرّك هذه الفطرة، وتشير
إلى وجودالله تعالی أكثر من أن تحصى، إنها
تنبعث من كل شيء على وجه الأرض، بل
ومن كل شيء في السماء، أضف إلى ذلك
النظام البديع، والدقة المتناهية في صنع هذه
المخلوقات، والترتيب في سيرها وحر كتها،
فيدرك الإنسان بعقله وبصيرته أنّ هذا النظام
وذلك الإبداع، لا يمكن أن يحدث من
غير محدث، أو يوجد من غير موجد؛ لأنّ
تلك المخلوقات عاجزة عن إيجاد ذلك
النظام الدقيق، والترتيب المحكم من تلقاء
نفسها(١).
قيمة التزام التوحيد والتديّن الصحيح
في إرواء الفطرة:
ولأن عقيدة التوحيد ليست غريبةً عن
الفطرة أو مغايرة لها، بل هي تلائم الفطرة
وتنميها ولا تصادمها، فهي العقيدة الوحيدة
التي تستطيع أن تشبع الجوعة الفطرية التي
لا تشبعها النظم الفلسفية، ولا المذاهب
الوثنية، ولا السلطان السياسي، ولا الثراء
(١) المصدر السابق ص ٣٣٦.
موسوبر النفسية المضوي
القرآن الكريمِ
فمهما استعلنت المذاهب المادية
الإلحادیة و تزخرفت، و مهما تعددت الأفكار
والنظريات، فلن تغني الأفراد والمجتمعات
عن الدين الصحيح، ولن تستطيع أن تلبي
متطلبات الروح والجسد، بل كلما توغل
الفرد فيها أيقن تمام اليقين أنها لا تمنحه
أمنًا، ولا تروي له ظمأ، وألا مهرب منها إلا
إلى الدين الصحيح.
فالتدين الحق -الذي يعتمد على إفراد
الله بالتوحيد، والتعبد له وفق ما شرع- هو
عنصر ضروري للحياة؛ ليحقق المرء من
خلاله عبوديته لله رب العالمين، ولتحصيل
سعادته وسلامته من العطب والنصب
والشقاء في الدارين، وهو ضروري لتكتمل
القوة النظرية في الإنسان، فبه وحده يجد
العقل ما یشبع نهمته، ومن دونه لا يحقق
مطامحه العليا، وهو عنصر ضروري لتزكية
الروح وتهذيب قوة الوجدان؛ إذ العواطف
النبيلة تجد في الدين مجالًا ثرًّا، ومنهلًا لا
ينفذ معينه تدرك فيه غايتها (٣).
(٢) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملکاوي ص ٢٦.
(٣) الإسلام أصوله ومبادئه، محمد السحيم
٤٨/٢-٥٠.
١٠٢

التوحید
انحراف الفطرة وتشوّهها بجناية قال: (شيئًا)(٢).
الإنسان والشيطان:
وقد يقال هنا: لو كان التوجّه إلى الله
أمرًا فطريًّا حقًّا، لما عبد النّاس في مختلف
العصور آلهةً شتى، فهذا واقعٌ مسلّمٌ به
يخالف المدعى.
والجواب: أنّ الفطرة -كما سبق - تدعو
المرء إلى الاتجاه إلى الخالق، لكنّ الإنسان
تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف،
ففيما يغرسه الآباء في نفوس الأبناء، وفيما
يلقيه الكتّاب والمعلمون والباحثون في
أفكار الناشئة ما يبدّل هذه الفطرة ويقذرها،
ويلقي عليها غشاوة، فلا تتجه إلى الحقيقة.
وقد يقال: إذا تركنا الطفل من غير أن
تؤثّر في فطرته، هل يخرج موحدًا عارفًا
بربّه؟!، فنقول: إذا ترك شياطين الإنس
البشر، ولم يدّنسوا فطرهم، فإنّ شياطين
الجنّ لن يتركوهم، فقد أخذ الشيطان على
نفسه العهد بإضلال بني آدم.
قال تعالى: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾
[ص: ٨٢-٨٣](١).
وأعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى
قلب الإنسان، كما في الحديث الصحيح:
(إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم،
وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا) أو
(١) العقيدة في الله، عمر الأشقر ص ٦٩-٧٠.
والقرآن الكريم وصف الشيطان
المطلوب الاستعاذة منه بأنه: ﴿الَّذِى
[الناس:
يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾
٥].
وقد صحّ أيضًا أنّ لكل إنسان قرينًا من
الجنّ، يأمره بالشرّ، ويحثه عليه، وفي القرآن
الكريم: ﴿قَالَ قَّهُ رَبَّامَا أَطْغَيْتُهُ،وَلَكِن كَانَ فِی
ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]
وكما أمدّ الله الإنسان بملكِ يهديه
ويؤيده، فإنه كذلك يمدّه بشيطانٍ يوسوس
له، ویزیّن له السّوء، ويغريه بالمنكر، ويدعوه
إلى الفتنة، يستوي في ذلك الأنبياء وغيرهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ
عَدُوَّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] (٣).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج
النبيّ صلى الله عليه وسلم من عندي ليلًا،
فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، -وفي
روايةٍ: فأدخلت يدي في شعره-، فقال: (ما
لك يا عائشة، أغرت؟)، قلت: وما لي لا
يغار مثلي على مثلك؟ فقال: (أقد جاءك
شيطانك؟)، قلت: يا رسول الله، أو معي
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب التكبير والتسبيح عند التعجب، رقم
٦٢١٩، ٤٨/٨، عن صفية أم المؤمنين رضي
الله عنها.
(٣) العقائد الإسلامية، سيد سابق ص ١٤٣.
www. modoee.com
١٠٣

حرف التاء
شيطانٌ؟ قال: (نعم)، قلت: ومع كلّ إنسانٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ
وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣].
شيطانٌ؟ قال: (نعم)، قلت: ومعك یا رسول
الله؟، قال: (نعم، ولكن ربّي أعانني عليه
حتى أسلم)(١).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ذات يوم في خطبته: (ألا إنّ ربّي أمرني
عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (ما
منکم من أحد إلا وقد و گّل به قرینه من
الجنّ) قالوا: وإيّاك يا رسول اللّه؟ قال:
(وإيّاي، إلاّ أنّ اللّه أعانني عليه فأسلم، فلا
یأمرني إلاّ بخيرٍ)(٢).
وشیاطین الجنّ يقومون بدورٍ کبیرٍ في
إفساد الفطرة وتدنيسها؛ لأنّ أعمالهم تتّجه
دائمًا إلى التمرّد على الله، وإلى التفريق
والتمزيق والتخريب والتدمير، وقطع ما أمر
الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن
يقطع، فما من شر في الأرض ولا فساد في
الوجود، إلا ولهم به صلة.
وهم الذين زيّنوا للأمم السابقة سوء
العمل، وحسّنوا لهم الكفر والمعاصي،
ودعوهم إلى تكذيب الرّسل ومخالفة أوامر
الله، ولا تزال هذه أعمالهم (٣).
قال تعالى: ﴿َاَللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة
القيامة، باب تحريش الشيطان وبعثه، رقم
٢١٦٨/٤،٢٨١٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة
القيامة، باب تحريش الشيطان وبعثه، رقم
٢١٦٧/٤،٢٨١٤.
(٣) العقيدة في الله، عمر الأشقر ص ١٤٠.
وعن عياض بن حمار المجاشعي رضي
الله عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم
أن أعلمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا،
كلّ مالٍ نحلته عبدًا حلالٌ، وإنّي خلقت
عبادي حنفاء كلّهم، وإنّهم أنتهم الشّياطين
فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما
أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم
أنزل به سلطانًا ... ) إلى آخر الحديث (٤).
فالشياطين هي التي دعت إلى تحريف
الدّين، والخروج على الفطرة، وإلى
الإشراك بالله، وحرّمت الحلال، وأحلّت
الحرام، ولا تزال الشياطين تقعد للإنسان
بكلّ طريقٍ صادّةً عن سبيل الله، ومحاولةً
صرفه عن جلائل الأعمال.
ففي حديث سبرة بن فاكهٍ (أو: أبي فاكٍ)
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (إنّ الشّيطان قعد لابن
آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال:
تسلم وتذر دينك ودین آبائك وآباء أبيك؟!،
فعصاه فأسلم، ثمّ قعد له بطريق الهجرة،
فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟!،
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها
في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم ٢٨٦٥،
٢١٩٧/٤.
١٠٤
القرآن الكريم

التوحید
وإنّما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطّول، من حب للجنس، أو طمع في المال، أو
حرصٍ على المنصب، أو تطلّع إلى الجاه،
أو إيثار للاستبداد، أو میل إلی الطغيان، بل
إنه ليتسلط على المتدينين أنفسهم؛ ليزيدوا
في شرع الله، أو ينقصوا منه؛ ليطوّعوا الدين
لأهوائهم، ويخضعوه لشهواتهم.
فعصاه فهاجر، ثمّ قعد له بطريق الجهاد،
فقال: تجاهد فهو جهد النّفس والمال،
فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال،
فعصاه فجاهد)، فقال رسول الله صلی الله
عليه وسلم: (فمن فعل ذلك كان حقًّا على
الله عز وجل أن يدخله الجنّة، ومن قتل كان
حقًّا على الله عز وجل أن يدخله الجنّة، وإن
غرق كان حقًّا على اللّه أن يدخله الجنّة، أو
وقصته دابّته كان حقًّا على الله أن يدخله
الجنّة)(١).
والشيطان هو الذي قام بدور رئیس في
محاولة القضاء على دعوة الإسلام في أول
صدام له مع أعدائه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَا تَرَآءَتِ الْفِتَتَانِ
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِِّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ
إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهُ وَاَللَّهُ شَدِيدُ
اَلْمِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
وهذا الشيطان هو الذي يزين لكل
فرد ما تهفو إليه نفسه، ويميل إليه هواه
(١) أخرجه أحمد، رقم ١٥٩٥٨، ٣١٥/٢٥،
والنسائي في سننه الصغرى، كتاب الجهاد،
باب ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، رقم
٣١٣٤، ٦/ ٢١.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٠١١٨٦/٦،٢٩٧٩
وهو الذي يغري العداوة والبغضاء بين
الناس، فيفرّق بين الأخ وأخيه، وبين الزوج
والزوجة، وبين طوائف الأمة وجماعاتها،
وهو الذي يوقد نيران الحروب بين الأمم
والشعوب، وينفخ فيها لتهلك الحرث
والنسل، وتأتي على الأخضر واليابس.
وكلما كان الشيطان أقدر على الشر، كان
أقرب منزلة وأعلی قدرًا لدی رئیسه إبليس
لعنه الله.
عن جابر عن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ
يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم
فتنةً .. بجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا
وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثمّ
يجيء أحدهم فيقول: ما تر كته حتّی فرّقت
بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم
أنت)(٢).
إن کل ما یعانیه الإنسان من فتن وويلات،
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة
القيامة، باب تحريش الشيطان وبعثه، رقم
٢١٦٧/٤،٢٨١٣.
www. modoee.com
١٠٥

حرف التاء
إنما هو من نتاج إبليس وجنوده الأشرار(١).
وعودٌّ على بدءٍ، فلأجل كلّ هذا
الانحراف الناشئ عن الدّخائل المبطلة
من جنايات الإنسان والشيطان في تلويث
الفطرة، فقد جاء تمام الآية الكريمة في
الفطرة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَبْدُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[الروم: ٣٠].
فكثيرٌ من الناس قد فقدوا الاعتقاد
والمعرفة والإدراك لتلك الحقيقة العظيمة
المرتبطة بحياة البشر ودينهم وأعمالهم (٢).
المصائب قد تجلو الفطرة وتصحّح
مسارها:
وكثيرًا ما تنكشف الحجب عن الفطرة
المشوّهة؛ فتزول عنها الغشاوة التي رانت
عليها، عندما تصاب بمصاب أليم، أو تقع
في مأزق لا تجد فيه من البشر عونًا، وتفقد
أسباب النجاة، فكم من ملحد عرف ربّه
وآب إليه عندما أحيط به، وكم من مشرك
أخلص دینه لله لضر نزل به.
قال تعالى: ﴿هُوَالَّذِى يُسَبِّكُمْ فِ اَلْبَرِّوَاَلْبَعْرِّ
حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَبْنَ بِهِم بِرِيجِ طَنِبَةِ
وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتَهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَ هُمُ
(١) العقائد الإسلامية، سيد سابق ص ١٤٠-
١٤٣.
(٢) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان
ضميرية ص ٢.
الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِطَ بِهِمْ
دَعَوُا ◌ْللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ.
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ ﴾ [يونس: ٢٢](٣).
ومهما بلغ الإنسان في الطغيان والكفر
والعناد، تبقى هذه الفطرة لا يستطيع القضاء
عليها مهما كابر في ذلك، وتظل دلائلها
تظهر وهو یشعر أو لا يشعر.
قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اُلْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤].
وفرعون أجرم طاغية في البشر؛ أنكر
وجود الله، ودعا الناس إلى عبادته، وهدد
موسى عليه السلام إن اتخذ إلهًا غيره،
قال له موسى عليه السلام كما قصّ الله
تعالى: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَنُؤُلَاءٍ إِلَّا
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِّ لَأَظُنُكَ
يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
ثم كانت العاقبة أن قال فرعون وهو في
أحضان الموج وقد أدركه الغرق: ﴿مَامَنتُ
أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَهَيلَ وَأَنَاْ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠](٤).
أقدمية التوحيد وأسبقيته على الشرك:
وإذا كان التوحيد حقيقةً فطريّة، فمن
البدهيّ أن يكون الأصل في البشرية هو
(٣) حماية الرسول صلى الله عليه وسلم حمى
التوحید، محمد الغامدي ص ٢٠٠.
(٤) العقيدة في الله، عمر الأشقر ص ٧١.
مُوسُو ◌َةُ الْبَقِيَّة
القرآن الكريم
١٠٦

التوحید
التوحيد، وأن يكون الشرك انحرافًا طارئًا جَآءَ تْهُمُ الْبَيْنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣].
دخيلًا عليها، فالتوحيد له أقدميته وأسبقيته
على الشرك، خلافًا لما تقول به بعض
النظريات الضالّة في تطوّر الأديان.
لقد حكى الله تعالى في القرآن الكريم
أن أبا البشرية الأول آدم عليه السلام وذريته
كانوا على التوحيد، يتبعون منهجًا إلهيًّا
منزلًا إليهم من ربهم تبارك وتعالى، فهم أول
البشر، يدينون بالتوحيد الخالص، وبذلك
یکون التوحید سابقًا للشرك، ولیس تطوّرًا
عنه، ولم يعرف الشرك والانحراف إلا بعد
قرون، حينما انحرف القوم عن دين الله
وتوحيده، فبعث الله تعالى لهم نوحًا عليه
السلام يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ.
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنَّ
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:
٥٩] (١).
بل لقد بيّن الله سبحانه أن البشرية
كانت أول أمرها على التوحيد ثم طرأ عليها
الشرك وتعدد الآلهة في آية واضحةٍ، وهي
قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةٌ فَبَعَثَ
اللَّهُ التَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ
اَلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ
فِيَةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
وقد روى الحاكم في المستدرك عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان بين
نوحٍ وآدم عشرة قرونٍ كلّهم على شريعةٍ من
الحَقّ، فاختلفوا فبعث الله النّبيّن مبشّرین
ومنذرین))، قال: «وكذلك في قراءة عبد الله:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا﴾))(٢).
ويؤيد هذا التفسير لهذه الآية، الآية
الأخرى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ
النَّاسُ إِلَّ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَأَخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا
كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ زَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ
فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
وعن قتادة قال: ((ذكر لنا أنه كان بين آدم
ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على
الهدى وعلى شريعةٍ من الحق، ثم اختلفوا
بعد ذلك؛ فبعث الله عز وجل نوحًا، وكان
أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»(٣).
وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس
کانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر
فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث
الله إليهم رسله؛ ليردوهم إلى التوحيد، قال
(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب تواريخ
المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، ذكر نوح
النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٤٠٠٩،
٥٩٦/٢.
وصححه الحاكم على شرط البخاري، ولم
يتعقبه الذهبي.
(١) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان (٣) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٢١٥/١.
ضميرية ص ٢١٧.
www. modoee.com
١٠٧

حرف التاء
الطبري: ((إن دليل القرآن واضحٌ على أن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو
الإسلام، ... ، ثم وقع الاختلاف بين الناس،
وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان؛ فبعث
الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة
وبراهينه الدامغة»(٢).
الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة،
إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين
الحق دون الكفر بالله والشرك به. وذلك
أن الله -جل وعز- قال في السورة التي
يذكر فيها (يونس): ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ
أُنَةً وَحِدَةٌ فَأَخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
فتوعّد جلّ ذكره على الاختلاف، لا
على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة،
ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على
الکفر ثمّ کان الاختلاف بعد ذلك، لم یکن
إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان
ذلك کذلك، لکان الوعد أولی بحکمته جل
ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد؛ لأنها حال
إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحالٌ أن يتوعّد
في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال
اجتماع الجميع على الكفر والشرك)) (١).
ورجّح ابن كثير أيضًا قول ابن عباس
وقتادة معلّلا ترجيحه بقوله: «لأن الناس
كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام؛
فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان
أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»،
ويقول: «ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك
حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن
(١) جامع البيان، الطبري ٤/ ٢٨٠.
ونقول أيضًا أنه لا عجب في ذلك ولا
غرابة؛ لأن الإنسان كلّما كان قريبا من النبع،
كان الماء أكثر صفاءً ونقاءً، وكلما ابتعد عن
النبع، وجد الماء أقلّ صفاء ونقاءً؛ لما يطرأ
عليه من الأذى، وما يداخله من القذى،
والشوائب التي تنصبّ فيه، وهكذا كانت
البشرية الأولى على الفطرة والتوحيد؛
لقرب عهدها بربها تعالى، ثم اختلطت
بعد ذلك الينابيع، وتضافرت العوامل التي
أدّت إلى الانحراف عن التوحيد، فكان
ظهور الشرك طارئًا بعد ذلك التوحید، و کان
انحرافًا عنه(٣).
تفنيد مزاعم تطور الأديان من الشرك
إلى التوحيد:
يزعم بعض الباحثين الغربيين -ممّن
يسمّون بعلماء مقارنة الأديان-، وكذلك
مقلدتهم من الكتاب المسلمين بأن الشرك
سابق على التوحيد، وأن عبادة الإله قد
تطورت من جيل إلى جيل، حتى وصلت
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٢٥٧.
(٣) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان
ضمیریة ص ٢٢٠.
١٠٨
القرآن الكريم

التوحيد
إلى التوحيد الخالص، حتى زعم بعضهم أن -مثلاً - تبدأ بالواحد وتنتهي بما بعده من
عقيدة الإله الأحد عقيدة جد حديثة، وأنها كثرة، وليس العكس (٣).
وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي.
وقد اعتمد هؤلاء على نظرية التطور
والارتقاء، حيث قاسوا التوحيد في حياة
البشر على نمو وتطور العلوم والصناعات
التي تنمو وتتطور بسبب الجهد البشري (١).
وقد يظن بعض المسلمين أن في ذلك
ترقيًا للإنسان وتزكية للإسلام؛ لأنهم
يزعمون أن البشرية لما كانت في حال من
التأخر كانت تعبد آلهة متعددة، ولما ترقّت
وتقدّمت أصبحت تعبد إلهًا واحدًا؛ فنشأت
ديانات التوحيد، يظنون ذلك ويدافعون
عنه، وإننا لنأسف كل الأسف لانخداعهم
بهذه الأفكار الغربية، وتبنيهم لتلك النظرية
الملحدة(٢).
ولا يخفى أن هذه الأباطيل فيها إنكار
سافر لكل ما سبق من الوحي السماوي
والسنة النبوية، علاوةً على منافاتها للفطرة
والمنطق في مكابرةٍ صارخةٍ، ولو كان هناك
تطورٌ حقًّا - كما تقول هذه النظريات-، لكان
من الطبيعي والمنطقي أن يكون هذا التطور
من الوحدة إلى الكثرة؛ لأن الواقع يدل على
ذلك، فأنت عندما تبدأ بالعدّ والحساب
أما استدلال القائلين بأسبقية الوثنية
على التوحيد بآثار الحفريات التي زعموا
بأنها تدل على أن الناس في بادئ الأمر قد
تدينوا بالوثنية، ثم تطورت عباداتهم مع
تطورهم الفكري، فإن ذلك ما هو إلا مجرد
التخمينات والتخرصات الوهمية، والتي لا
تقاوم القرآن الكريم، والسنة الثابتة.
ومن الممكن والمعقول جدًا أن تكون
تلك الآثار التي اكتشفوها قد وقعت الذرية
آدم عليه السلام، وقد حدث الشرك الأول
کما أشرنا في قوم نوح عليه السلام، والدليل
متی تطرق إليه الاحتمال، فلا يصح أن يكون
دليلًا يحتج به، فكيف وأدلتهم تصطدم
بنصوص القرآن والسنة؟! (٤).
(١) منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى
الإسلام، حمود الرحيلي ٥٨/١.
(٣) المصدر السابق ص ٢٢٠.
(٢) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان (٤) منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى
الإسلام، حمود الرحيلي ٦٥/١-٦٨.
ضميرية ص ٢٢١.
www. modoee.com
١٠٩

حرف التاء
التوحيد أساس دعوة جميع الرسل
إن الدعوة إلى الإيمان بالله تبارك
وتعالى، وتقرير توحيده، وتنزيهه عن الند
والصاحبة والولد، وإفراده بالعبادة، والتذلل
إليه، والانقياد لأمره وحكمه، هي القضية
الأساسية التي من أجلها بعث الله جميع
أنبيائه ورسله، وقد جاء ذلك واضحًا جليًا
فيما قصه الله تعالى علينا في القرآن الكريم
من دعوة الرسل إلى أممهم وأقوامهم(١)،
يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: ((اعلم
أنّ التّوحيد أوّل دعوة الرّسل، وأوّل منازل
الطّريق، وأوّل مقامٍ يقوم فيه السّالك إلى الله
عز وجل)) (٢)
ويلاحظ أن الجانب الأهم في دعوة
الرسل عليهم السلام هو توحيد الله تعالى
بالعبادة وإفراده بها، فلم يبعثهم الله لدعوة
الناس إلى مجرد الإيمان بالله وأنه خالقهم،
إذ هم مقرّون بذلك تناسقًا مع الفطرة التي
فطرهم الله تعالى عليها، ولم تكن قضية
وجود الله في يوم من الأيام هي القضية
التي يقف الناس عندها، إلا في فترات قليلة،
ولظروف خاصة عند بعض الأوروبيين
الذين عرف عنهم الإلحاد، وحاولوا أن
يجدوا له فلسفة خاصة؛ تبريرا لانحرافهم
(٣)
وفساد فطرتهم
.
ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره
المشركون، بل أقرّوا بأنه -سبحانه وحده-
خالقهم، وخالق السموات والأرض،
والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا
توحيد الإلهيّة والمحبّة، كما قد حكى الله
تعالى عنهم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللّهِ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فلما سووا غيره به في هذا التّوحید کانوا
مشركين، كما قال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلُّلْمَتِ وَالنُّورِّ
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:
١].
وقد علّم الله سبحانه وتعالى عباده كيفية
مباينة الشّرك في توحيد الإلهيّة، وأنه تعالى
حقیق بإفراده وليًّا وحكمًا وربًّا، فقال تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِأَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ
يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلٌ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
مَنْ أَسْلَّمٌ وَلَاتَكُوَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:
١٤].
﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِىِ حَكَمًا﴾
وقال:
[الأنعام: ١١٤].
وقال: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْغِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ
﴾ [الأنعام: ١٦٤].
(١) المصدر السابق ١/ ٦٩.
(٢) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ١/ ٢١.
(٣) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان
ضميرية ص ٣٠٥.
١١٠
القرآن الكَرِيْمِ

التوحید
فلا وليّ ولا حكم ولا ربّ إلاّ الله، الذي والرازق وحده.
من عدل به غيره، فقد أشرك في ألوهيّته
-ولو وحّد ربوبيته-، فتوحيد الربوبية هو
الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها و کافرها،
وتوحيد الإلهيّة مفرق الطرق بين المؤمنين
والمشركين(١).
ولذلك حكى الله تعالى عن الأقوام
السابقين تعجّبهم من دعوة الأنبياء إلى
التوحيد وعبادة الله تعالى وحده.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ
وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا
[الأعراف: ٧٠].
أي: لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون
آلهتنا؟! فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم
إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى،
ولا قالوا: إنه لا يعبد، بل أقروا بأنه یعبد،
وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله
غيره وأشرکوا معه سواه واتخذوا معه أندادا،
كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَنْدَادًا
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].
فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة کل ما
سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه
في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل،
وأن ذلك لا یکون إلا لله وحده، وهذا هو
توحید العبادة، وقد كانوا مقرّین بتوحيد
الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده
(١) تجريد التوحيد المفيد، المقريزي ص ٧-٨.
ولقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى
وأكده بطریقین:
الأول: الطريق الإجمالي.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّآ أَنَا فَاعْبُدُونِ
[الأنبياء: ٢٥].
فهذا تعمیم على سبيل الحصر، بأن کل
رسول قد أوحي إليه أن الله تعالى متصف
بالوحدانية، لا إله إلا الله، ومستحق
للتوحيد، وذلك في قول الله: ﴿لَآ إِلَإِلَّا
أَنَاْ فَاعْبُدُونِ ﴾؛ أي: أفردوني بالعبادة؛ لأني
متفرد بالألوهية.
وقال تعالى في هذا المعنى أيضًا:
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنٍ
أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
هذه الآية تقرر أن الله تعالى قد بعث في
کل أمة رسولا، وكان أول دعوة كل رسول
في كل أمة: أن اعبدوا الله ولا تشركوا به
الطواغيت، والطواغيت: كل ما يعبد من
دون الله تعالى، وهو مشتق من الطغيان.
ونتوه إلى أن هذا الطريق الإجمالي في
إثبات القرآن الكريم أن توحيد العبادة هو
أساس دعوة الرسل، له صيغتان مختلفتان
ومدلولهما واحد، ونمثّل لهما بقوله تعالى:
﴿أَعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:
٥٩].
www. modoee.com
١١١

حرف التاء
وقوله: ﴿أَلَّا تَقْبُدُوْ إِلَّ اللهَّ إِنَِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ
وَبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢].
فإن مدلول الصيغة الأولى: الأمر بعبادة
الله، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد غيره،
ومدلول الصيغة الثانية: النهي عن عبادة
غير الله، فالقرآن الكريم دعا لعبادة الله،
ونهى عن عبادة غيره؛ لأن النفس البشرية
بحاجة إلى النصّ القاطع على شطري
هذه الحقيقة، فلم يكتف القرآن بالنهي
الضمنيّ المفهوم من الأمر الصريح- على
ما هو مقرر في علم الأصول من: ((أن الأمر
بالشيء نھيٌ عن ضده الذي لا يجتمع معه»،
بل أتى بالنهي الصريح عن عبادة غير الله؛
لأن کثیرًا من الناس يعبدون الله ويعبدون
معه غيره، فيقعون في الشرك ويحسبون أنهم
مسلمون(١).
الثاني: الطريق التفصيلي الاستقرائي:
هذا الطريق يذكر فيه القرآن الرسل
بأسمائهم، وكيف كان التوحيد رأس
دعوتهم جميعًا، ومن ذلك:
١. ما جاء في قصة نوح عليه السلام وهو
أول رسول من أولي العزم بعث إلى
أهل الأرض. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
(١) عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملكاوي ص ١٠٣.
٢. قال تعالى عن هود عليه السلام: ﴿وَإِلَى
عَادٍ أَخَاهُمْ هُودَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهُ مَا لَكُمْ
مِّنْ إلَاءِ غيرَه٣
﴾ [الأعراف: ٦٥].
٣. ونفس الألفاظ قال تعالى عن صالح
عليه السلام: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ
صَلِحَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم
مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣].
٤. وهي الألفاظ التي جاءت على لسان
شعيب عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَاءِ
غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥].
٥. أما إبراهيم عليه السلام فقد تحدّث
القرآن بتفصيل وافر عن دعوته إلى
النبوة، وتحدث القرآن عن دعوة
إبراهيم بشتى الصيغ والأساليب،
في المواقف المتعددة والأحوال
المختلفة، ولعل السر في توسيع
حديث القرآن عن إبراهيم عليه السلام
أنه أبو الأنبياء الذين جاءوا بعده صلى
الله عليه وسلم وعلى الرسل أجمعين.
وكان اليهود والنصارى والعرب
يعتر فون بنبوته وأبوته لهم، بل ويعتزون
بالانتساب إلى إبراهيم عليه السلام،
وبذلك تقوم الحجة على المنتسبين إليه
جميعًا الذين انحرفوا عن دين الحق،
ووقفوا في دروب من الوثنية الطامسة
١١٢
جَوَبُو بَرُ النَّفِيِ الوضوء
القرآن الكريم

التوحید
الدامسة، وبذلك تسقط دعواهم أنهم
على دين إبراهيم، كما قال تعالى ردًّا
عليهم مجتمعين: ﴿مَا كَانَ إِّرَهِمُ بَهُوِيًّا
وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. ويقول
تعالى عنه وعن المؤمنين معه: ﴿قَدْ
كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةٌ حَسَنَةٌ فِىَ إِنَزِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَدُّر
إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِمْ إِنَّا بُرَهَا وَأْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ﴾
[الممتحنة: ٤].
٦. وكذلك يقول القرآن الكريم عن موسى
عليه السلام وهو يدعو إلى وحدانية
الله: ﴿وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)
[طه :
إِنَّنِى أَنَا اُللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ﴾
١٣ - ١٤].
٧. وكذلك يخبر القرآن عن عيسى
عليه السلام: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَقِّ
إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَِّ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ،
مَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
وَمَأْوَنُهُ النَّارِ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
محمد صلى الله عليه وسلم إلى
التوحيد، لقد بعث سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم بالدعوة العالمية
الشاملة، وبالتقرير الأوفى، وبالبيان
الأعلى في شأن الدين كله عامة،
والتوحيد منه خاصة، وقد أمده القرآن
الكريم بأتمّ الحجج والبراهين، وسجّل
أقاويل الكفار وردود الوحي عليها؛
حتى تكون حجة الله بالغة باهرة إلى
یوم الدین، وحتی لا تکون للناس على
الله حجة بعد ختم النبوة؛ لأن القرآن
صوتها الممدود ونداؤها الموصول،
وفيه أكمل حديث عن التوحيد
تقريرًا وإثباتًا، وردًّا على المشركين
والملحدين، وإيطالًا للشرك وكل
دروب الوثنية والانحراف عن التوحید.
ويكفي مثالًا لهذا ما أمره الله تعالى أن
يقول للناس في كلمات جامعة: ﴿قُلْ
هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ م اللهُ الصَمَدُ))
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُؤْلَدْ ن وَلَمْ يَكُنْ
لَّهُكُفُوا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فهذه السورة الكريمة على وجازتها
جامعة لكل ما يليق بالله -تعالى وحده-،
من صفات الكمال: أحدية، استغناء، تنزيه
له عن الشركاء والأشباه، ثم هي مصحّحة
لضلالات المشركين وأهل الكتاب في باب
٨. ويخبر القرآن عن دعوة سيدنا الاعتقاد (١).
(١) التفسير الموضوعي ج ١، جامعة المدينة
ص١٣ - ١٦.
www. modoee.com
١١٣

حرف التاء
الربوبية والألوهية حقيقتا التوحيد
التوحيد هو إفراد الله بربوبيته وألوهيته
وأسمائه وصفاته جمیعًا:
(التوحيد) يعني اتصاف الله تعالى
بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات،
و(التوحيد) يعني وجوب إفراده سبحانه
وتعالى بالأمور الثلاثة، وهذه هي الحقيقة
الشرعية للتوحيد: أن يؤمن العبد بأن الله
تعالی هو وحده الرب، صاحب کل صفات
التأثير والكمال، وأنه لذلك هو وحده الإله
المستحقّ للعبادة والطاعة بلا شريك، وأنه
لذلك هو الجدير وحده بالأسماء الحسنى
والصفات العلا، فلا يصلح للمخلوق منها
اسم ولا صفة، فإذا أقر العبد بأحد هذه
الأركان الثلاثة فقط لم يكن موحدًا، وإنما
يقال: هو مقرٌّ أو معترفٌ بأحدها، ولكن لا
يصح أن يسمى موحدًا؛ لأن التوحيد هو
مجموعها معًا.
ولهذا لم يطلق القرآن على الكفار أنهم
موحدون توحيد الربوبية، حين أقروا أن
الله تعالى هو الخالق المالك الرازق، وإنما
سماهم كفارًا مشركين.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَاَلْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ
اَلْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن
يُدَبِّرُ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهَ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
فَذَلِكُمُ الَّهُ رَبِّكُمُ الْحَنَّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الصَّلَلٌ
فَنَّ تُصْرَفُونَ ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى
الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) قُلْ هَلْ مِنْ
شُرَّكَآَيَكُ مَّن يَبْدَوُاْ الْخَلْقَ ثُّيُعِيدٌٌ( قُلِ اللّهُ يَسْدَؤُأ
الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣١ -٣٤].
لقد سماهم القرآن كفارًا مشركين؛
لأنهم لم يأتوا بحقيقة التوحيد الجامعة،
وإنما أقروا بوصفٍ منها، والتوحيد لا يقبل
التجزئة أصلًا، فمن أشرك في وصفٍ فقد
أشرك في الكل؛ لأنه لم يأت بحقيقة مسمى
التوحيد الشرعي الجامعة.
ولذلك يقول سبحانه: ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ لِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾
[النساء: ٤٨](١).
الربوبية والألوهية إذا اجتمعا افترقا،
وإذا افترقا اجتمعا:
ولأجل هذا الترابط الوثيق بين وصفي
الربوبية والألوهية، وائتلافهما في تكوين
حقيقة التوحيد، نجد أن القرآن الكريم قد
استعمل كل لفظ مكان الآخر، أي: هناك
تلازم بين الربوبية والألوهية، فإذا ذكر
أحدهما دل على الآخر، باعتبارهما وصفين
متفردین لذات واحدة، ولا يليق أحدهما إلا
بالله، فإذا ذكر الرب فهم منه استلزامًا أنه
المستحق للعبادة والطاعة وحده، وإذا ذكر
(١) المصدر السابق ص ١٧ - ١٨.
١١٤
جوبيه
القرآن الكريم