النص المفهرس
صفحات 21-40
التوية الذنوب، وطرد لليأس من رحمة الله مهما ثقلت الذنوب وكثرت الآثام (١). وفي هذه الآية: دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه (٢)، وتوبته أن يبيّن للناس أن ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة، وأن الهدى في ضده، ولا يكفي اعترافه وحده أو في خلواته. قال ابن عاشور رحمه الله: ((فالعالم یحرم عليه أن یکتم من علمه ما فيه هدى للناس؛ لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة، سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة، والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيرًا للمسلمين، ويحرم عليه بطريق القياس الذي توميء إليه العلة أن يبثّ في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يلقّنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا تأويلها، وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعه))(٣). (١) تفسير المراغي، ٢/ ٢٨. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٣٤٣. (٣) التحرير والتنوير، ٢/ ٧٢. قبول التوبة أخبر سبحانه وتعالى أنه غافر الذنب للمذنبين، وقابل التوب من التائبين، قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوَّبِ﴾ [غافر: ٣]. عطف قابل التوب على صفة غافر الذنب؛ لإفادة أنه يجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيجعلها له طاعة، وبين أن يمحو عنه بها الذنوب التي تاب منها وندم على فعلها، فيصبح كأنه لم يفعلها. وهذا فضل من الله(٤). وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه هو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده إذا رجعوا إلى توحیده وطاعته. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةُ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيْئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]. يقول تعالى ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره، ويعفو أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال، وهي معاصيه التي تاب منها، ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه، فاتقوا (٤) المصدر السابق ٢٤ / ٨٠. www. modoee.com ٧٥ حرف التاء الله في أنفسكم، واحذروا أن تركبوا ما ما قابل الحلم؛ ولذلك تطلق الجهالة على الظلم. قال عمرو بن كلثوم(٣): تستحقون به منه العقوبة (١). ومن الحكمة في استخدام الحرف (عن) بدلًا من (من) في قوله تعالى: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَّةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ أن التوبة التي يقبلها الله من عباده تضع عنهم ما حمّلوا به من أوزار، وما أثقل كاهلهم من ذنوب، فكان في قبول التوبة منهم رفع لهذه الآثام عنهم، ولهذا ضمّن الفعل (يقبل) معنى الفعل يضع، أو يسقط .. ونحو هذا، كما نظر إلى التوبة على أنها شيء محمّل بالذنوب والآثام؛ لأن التوبة لا تكون إلا عن ذنب وقع، أو إثم اقترف .. فكان قوله تعالى: ﴿أَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ يعني: ألم يعلموا أن الله يضع الذنوب والآثام عن عباده (٢). شروط قبول التوبة: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَّءَ بِجَهَلَّةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]. ذكرت الآية لقبول التوبة قيدين: ﴿وَجَهَلَةِ﴾ و﴿مِن قَرِيبٍ﴾. والجهالة تطلق على سوء المعاملة، وعلى الإقدام على العمل دون روية، وهي (١) جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٥٠٦. (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، ٨٩٠/٦. ألا لا یجهلن أحد علینا فنجھل فوق جهل الجاهلینا وقال تعالى حكاية عن يوسف: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَتِنَّ وَكُ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. والمراد هنا ظلم النفس(٤). وعلى ذلك فالجهالة: سفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية (٥). وقوله: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ إلى وقت الذنب، ومدة الحياة كلها. وجمهور المفسرين على أنها التوبة قبل المعاينة، قال عكرمة: قبل الموت، وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت، وقال السدي والكلبي: أن يتوب في صحته قبل مرض موته(٦). وقد روى الترمذي بسنده عن ابن عمر، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)(٧). (٣) البيت من معلقته المشهورة. انظر: ديوان عمرو بن كلثوم ص ٧٨. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤ / ٢٧٨. (٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٢٤. (٦) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٢٩٥. (٧) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدّعوات، باب إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، رقم ٣٥٣٧. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم ١٩٠٣. جَوَسُوبَة النفسية القرآن الكريم ٧٦ التوبة الوقت؛ لأن الرجاء فيه باقٍ، ویصح منه الندم، والعزم على ترك الفعل (١). ولا خلف في وعده سبحانه وتعالى على قبول توبة العبد ((إذا كانت بشروطها المصححة لها، وهي أربعة: الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل الاستغفار»(٢). عدم قبول التوبة: أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يكون قبول التوبة من الذين يصرّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، ولا تقبل توبة الذین يموتون وهم كافرون. قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُّ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْقَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٍ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]. يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ﴾ من (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٥/٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٥/ ٩١. وإنما صحت التوبة من العبد في هذا أهل الإصرار على معاصي الله، ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يقول: إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه قال: وقد غلب على نفسه، وحیل بينه وبين فهمه بشغله بکرب حشر جته وغرغرته: ﴿إنّ تُبْتُ الآنَ ﴾، يقول: فليس لهذا عند الله تبارك وتعالى توبة؛ لأنه قال ما قال في غير حال توبة(٣). من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة إقلاع(٤)؛ وذلك أن التوبة في هذه الحاله وسنة الله عز وجل أن العبد إذا عاين الانتقال الى الله تعالى لم ينفعه توبة ولا توبة المضطر، لجّت به الغواية، وأحاطت به الخطيئة، توبة الذي يتوب لأنه لم يعد لديه متسع لارتكاب الذنوب، ولا فسحة لمقارفة الخطيئة. وهذه لا يقبلها الله؛ لأنها لا تنشيء صلاحًا في القلب ولا صلاحًا في الحياة، ولا تدل على تبدل في الطبع ولا تغير في الاتجاه. ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾، وهؤلاء قد قطعوا كل ما بينهم وبين التوبة من وشيجة، وضيّعوا كل ما بينهم وبين المغفرة من فرصة (٥). وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يقبل التوبة عندما يأتي بعض أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على مجيئها، وهي طلوع الشمس (٣) جامع البيان، الطبري، ٦ / ٥١٦. (٤) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٢٨٣. (٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٦٠٤ www. modoee.com ٧٧ حرف التاء من مغربها، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾﴾(٣). أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَتِكَةُ أَوْ بَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْنِّيَ بَعْضُ ءَايَنْتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنْهَالَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِي إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإیمان ینفع إذا کان إيمانًا بالغيب، وكان اختيارًا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة؛ لأنه يشبه الإيمان الضروري، کإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت أقلع عما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّارَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَزْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَاْ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِهُوَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾[غافر: ٨٤ - ٨٥](١). قال جمهور أهل التأويل: الآية التي لا تنفع التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها، هي طلوع الشمس من المغرب(٢). وقد روى البخاري بسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم السّاعة حتى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا رآها النّاس آمن من عليها، فذاك حين ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَالَمْ تَكُنْ (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٨١. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٣٦٧. ومن نماذج الذين لم تقبل توبتهم عند المعاينة: فرعون، قال تعالى في وصف ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِلَ الْبَحْرَ فرعون: فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّاً حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُّ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ءَالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠-٩١]، فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب (٤). ومن استمر على ذنوبه وأصر على عیوبه، حتى صارت فيه صفاتٍ راسخةً، فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة، والغالب أنه لا يوفّق للتوبة، ولا ييسّر لأسبابها، الذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله إليه، فإنه سدّ على نفسه باب الرحمة (٥). وقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ تنبيةٌ على نفي القبول عن نوع من التوبة، وهي التي تكون عند اليأس من الحياة (٦). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة الأنعام، باب لا ينفع نفس إيمانها، ١٤ / ١٧٤، رقم ٤٢٦٩. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٠/ ٨. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٧١ . (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤ / ٢٨٠. ٧٨ مُوسُوبُ النَّ القرآن الكريم التوبة نماذج من التائبين في القرآن أولًا: الأنبياء: ١. توبة آدم عليه السلام. أخبر الله سبحانه وتعالى أن آدم عصاه بأكله من الشجرة التي نُهي عن الأكل منها، قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَىَ ءَدَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه وفّق آدم إلى التوبة؛ وذلك بإلهامه قوله سبحانه وتعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. فتلقاها آدم بالقبول، فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه، قال تعالى: ﴿فَلَقَّ ءَادَمُ مِن زَّيِّدِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. أي: استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها، ووفّق لها (١). القراءات في قوله تعالى: ﴿فَلَقَّ ءَادَمُ مِن ◌َيِّدِ كَلِمَتٍ﴾: قرأ ابن كثير: (فتلقى آدم) بالنصب (كلماتٌ) بالرفع، جعل الفعل للكلمات؛ لأنها تلقت آدم عليه السلام، وحجته أن العرب تقول: تلقيت زيدًا، وتلقائي زيد، (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١/ ٩٢. والمعنى واحد؛ لأن من لقيته فقد لقیك، وما نالك فقد نلته. وقرأ الباقون: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾ رفع بفعله؛ لأنه تلقى من ربه الكلمات، أي أخذها منه وحفظها وفهمها، والعرب تقول: تلقیت هذا من فلان، المعنى: إن فهمي قبلها منه، وحجتهم ما روي في التفسير في تأويل قوله: ﴿فَلَقَّ ءَادَمُ مِن زَبِّهِ كلماتٍ﴾ أي قبلها، فإذا كان آدم القابل، فالكلمات مقبولة (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ النَّوَّبُ الرَّحِيمُ﴾ تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده؛ لئلا یعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه(٣). والتعقيب بالرحيم؛ لأن الرحيم جارٍ مجرى العلة للتواب؛ إذ قبوله التوبة عن عباده ضرب من الرحمة بهم (٤). ٢. توبة نوح عليه السلام. أخبر سبحانه وتعالى عن توبة نوح عليه السلام في مسألته ربه عن ابنه. قال تعالى: ﴿وَنَادَىْ نُوحُ رَّبَّهُ، فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبِىِ مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحَكَمُ اْحَكِينَ ﴿ قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ إِنَّهُ عَمَلُّ غَيْرُ صَِحٍ فَلَا نَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِ عِلْمٌ إِّ (٢) حجة القراءات، ابن زنجلة ص ٩٤ - ٩٥. (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ١٣١. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٤٣٩. www. modoee.com ٧٩ حرف التاء أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ ﴾ قَالَ رَبِّ إِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيِّسَ لِ بِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِى أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٥-٤٧]. «يقول تعالى ذكره مخبرًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن إنابة نوح عليه السلام بالتوبة إليه من زلته في مسألته التي سألها ربه في ابنه، قال: رب إني أستجير بك أن أتكلف مسألتك، مما قد استأثرت بعلمه، وطويت علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياك ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك أكن من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها وهلكوا))(١). فحينئذ ندم نوح عليه السلام ندامة شديدة، على ما صدر منه. ودلت الآية على أن نوحًا عليه السلام لم يكن عنده علم بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِفِی الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: ﴿أَهْلِكَ﴾، وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم(٢). ٣. توبة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. أخبر سبحانه وتعالى عن إبراهيم (١) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٤٣٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٨٢. وإسماعيل عليهما السلام أنهما دعوا الله أن یتوب عليهما. قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. قال الطبري رحمه الله: ((فإن قال لنا قائل: وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟ قيل: إنه ليس أحد من خلق الله إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن یکون ما کان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خصا به الحال التي كانا عليها من رفع قواعد البيت؛ لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلی الله))(٣). وقال السعدي رحمه الله: ((ولما كان العبد - مهما كان- لابد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآَ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾))(٤). ٤. توبة موسى عليه السلام. أخبر الله سبحانه وتعالى أنه تاب على موسى عليه السلام من مسألته الرؤية في هذه الحياة الدنيا. (٣) جامع البيان، الطبري، ٢/ ٥٧٢. (٤) تيسير الكريم الرحمن، ص٦٦. ٨٠ مُوبُوابَرُ النَّسَيد جوسى القرآن الكريم التوية قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبٍّ أَرِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَكِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَبِيَّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَثًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَكِنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. أي: من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها (١)، أو إني تبت إليك من سؤال الرؤية بغير إذنك، وأنا أول المؤمنین بأنك لا ترى في الدنيا، أو يقال: وأنا أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال منك الا بإذنك (٢). قال ابن عاشور رحمه الله: (ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة، فكان موسى عليه السلام يحسب أن مثلها ممكن في الدنیا، حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا، ولا يمتنع على نبي عدم العلم بتفاصيل الشؤون الإلهية قبل أن يعلّمها الله إياه؛ ولذلك كان أئمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلهية، لا نعلم کنھھا، وهو معنی قولهم: ((بلا کیف»، و کان المعتزلة غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة)) (٣). (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٥٢. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤/ ٣٥٩. (٣) التحرير والتنوير، ٩/ ٩١. ٥. توبة داود عليه السلام. ذكر الله تعالى نبأ خصمين اختصما عند داود في قضية جعلها الله فتنة له، وموعظة لخلل ارتکبه، فتاب الله علیه، وغفر له، وقيّض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَبُوَأْ الْخَصْمِ إِذْ نَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) إِذْدَ خَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَرِعَ مِنْهُمَّ قَالُوا لَا تَخَفٌْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنً إِلَى سَوَاءِ الْصِرَاطِ (٢) إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَيَسْعُونَ نَعْمَةٌ وَلِيَ تَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَِّ فِ اَلْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى نِعَلِهِ، وَإِنَّ دهـ كَثِيرً مِّنَ اْحُكَطَآءِ لَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّمْلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعَا وَأَنَابَ ﴾ ـ) فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ (٢٤ مَشَابٍ ﴾ [ص: ٢١-٢٥]. فسأل داود ربه غفران ذنبه، وخرّ ساجدًا لله، ورجع إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته (٤)، وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها(٥). (٤) جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٦٤. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي www. modoee.com ٨١ حرف التاء ٦. توبة يونس عليه السلام. قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ اُلُّلُمَاتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الفَّْلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. أي: واذکر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهو الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا، فوعدهم بنزول العذاب بأمد سمّاه لهم، فجاءهم العذاب ورأوه عيانًا، فعجّوا إلى الله، وضجّوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَأَمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُّهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَثَّْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ وقال: يَزِيدُونَ ﴿ فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [الصافات ١٤٧-١٤٨]. وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة یونس من أکبر فضائله، ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبًا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها؛ لقوله: ﴿إِذْـ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]. ﴿فَالْنَقَمَهُ اَلْحُوتُّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]. أي: فاعل ما يلام عليه، وظن أن الله لا يضيّق عليه في بطن الحوت، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأقرّ لله تعالى بكمال الألوهية، ونزّهه عن كل نقص، وعیب وآفة، واعترف بظلم نفسه و جنایته، فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، وَنَجَّيْنَهُ مِنَ الْغَيْمِّ﴾ أي الشدة التي وقع فيها ﴿وَكَذَلِكَ نُچِى المُؤمِنِينَ﴾ وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بيونس عليه السلام (١). ثانيًا: التوبة على الثلاثة الذين خلّفوا: أخبر سبحانه وتعالى عن توبته على الثلاثة الذين خلّفوا من الأنصار، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَنُّواْ أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]. (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٢٩. ص٧١١. مَوَسُوبَة النفسية القرآن الكريم ٨٢ التوية خلّفوا عن غزوة تبوك -وهم كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الربيع- حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بسعتها غمًا وندمًا على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضاقت عليهم أنفسهم بما نالهم من الوجد والکرب بذلك، وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينجّيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم؛ لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهیه، إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفّق من أحب توفيقه منهم لما پرضیه عنه، الرحیم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا یتوب علیه(١). قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ لما کان هذا القول في تعدید نعمه بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز وجل ؛ ليكون ذلك منبها على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره، ولو كان القول في تعديد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي عن المذنب، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٥٤. يخبر سبحانه وتعالى عن الثلاثة الذين [الصف: ٥]؛ ليكون هذا أشد تقريرًا للذنب عليهم، وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه .. وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك؛ لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب منازلهم منه وتقدّمهم فيه؛ إذهم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين، إذ كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر. وفي هذا ما يقتضي أن الرجل العالم والمقتدى به أقل عذرًا في السقوط من سواه(٢). وفي الآية: دليل على أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشدید. وقد ذكر البخاري في صحيحه حديث کعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذین تاب الله عليهم، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكٍ عن أبيه قال: سمعت أبي کعب بن مالكٍ وهو أحد الثلاثة الّذین تیب علیهم آنه لم يتخلّفعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ غزاها قطّ غير غزوتين، غزوة العسرة، وغزوة بدرٍ، قال: فأجمعت صدقي رسول الله صلی الله عليه وسلم ضحى، و کان قلّما یقدم من سفرٍ سافره إلّا ضحی، و کان يبدأ بالمسجد فیرکی ر کیتین، ونهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبيّ، ولم ينه عن كلام أحدٍ من المتخلّفين غيرنا، فاجتنب النّاس كلامنا، (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣ / ٩٤. www. modoee.com ٨٣ حرف التاء فلبثت كذلك حتّى طال عليّ الأمر، وما من ثالثًا: توبة حفصة وعائشة رضي الله عنهما: شيءٍ أهمّ إليّ من أن أموت فلا يصلّ عليّ النّبيّ صلی الله عليه وسلم، أو پموت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأكون من النّاس بتلك المنزلة، فلا يكلّمني أحدٌ منهم ولا يصلّي ولا يسلّم عليّ، فأنزل اللّه توبتنا على نبيّه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الآخر من اللیل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أمّ سلمة، وكانت أم سلمة محسنةً في شأني معنيّةً في أمري، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (يا أمّ سلمة، تيب على کعب). قالت: أفلا أرسل إليه فأبشّره، قال: (إذًا يحطمكم النّاس فيمنعونكم النّوم سائر اللّيلة). حتى إذا صلّى رسول الله صلى الله علیه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا وكان إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنّه قطعةٌ من القمر، وكنّا أيّها الثّلاثة الّذين خلّفوا عن الأمر الّذي قبل من هؤلاء الّذين اعتذروا حين أنزل اللّه لنا التّوبة، فلمّا ذكر الّذين كذبوا رسول اللّه صلی الله عليه وسلم من المتخلّفین واعتذروا بالباطل ذكروا بشرّ ما ذكر به أحدٌّ، قال الله سبحانه: ﴿يَعْنَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمَّ قُل لَّا تَعْتَدِرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾(١). أخبر سبحانه وتعالى عن حفصة وعائشة رضي الله عنهما أنه وجد منهما ما يوجب التوبة حيث مالت قلوبهما إلى محبة ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إنشاء سرّه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ. حَدِيثًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ. وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَلَمَّا نَبََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَلَ هَذَّاً قَالَ نَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِيِنَّ وَالْمَلَكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظهير. [التحريم: ٣-٤]. «یقول تعالی ذکره: إن تتوبا إلی الله أيتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبة ما کرهه رسول الله صلی الله علیه وسلم من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحریم ما كان له حلالًا مما حرمه على نفسه بسبب حفصة))(٢). فلما سمعن -رضي الله عنهن - هذا التخويف والتأديب، بادرن إلى رضا رسول الله صلی الله علیه وسلم. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، ١٤/ ٢٤٨، رقم ٤٣٠٩. (٢) جامع البيان، الطبري، ٢٣/ ٩٣. ٨٤ القرآن الكريم التوية الأسلوب القرآني في الحث على التوبة تنوعت أساليب القرآن في الحث على التوبة على النحو الآتي: أولًا: أسلوب الطلب: قال تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في طلبهما التوبة من الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ استتابة لذريتهما وحكايتها عنهما لترغيب الكفرة في التوبة والإيمان، أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهوًا، قالاه مضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذريتهما، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وهو تعليلٌ للدعاء، ومزيد استدعاء للإجابة، قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له فليدع الله عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاته (١). ففي هذا الدعاء إرشاد للمؤمنين للاقتداء بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في طلب التوبة من الله تعالى. ثانيًا: أسلوب الأمر: قال تعالى آمرًا عباده بالتوبة مما يقع منهم من تقصير: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١/ ١٦١. أي: وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم، من غضّ البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غير بیوتکم من غير استئذان ولا تسلیم، وغير ذلك من أمره ونهيه (٢). قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ﴾ أمر. ولا خلاف بین المسلمین في وجوبها، وأنها فرض من فرائض الدين (٣). وهو دعوة للمؤمنين والمؤمنات إلى التوبة إلى الله، والرجوع إليه من قریب؛ حیث إن الإنسان في هذه المواقف معرّض للزلل والعثار، من خطرات نفسه، أو نظرات عينه، أو فحش لسانه، إلى غير هذا مما لا یکاد یسلم منه أحد، ولیس لهذا من دواء إلا التوبة إلى الله من كل زلّة أو عثرة .. فإن هذه التوبة هي التي تصحّح للمؤمن إيمانه، وتبقي على ما في قلبه من جلال وخشية لله رب العالمين (٤). وفي الآية: أمر بالتوبة مطلقًا من كل شيء صغير وكبير. وأمر الله المؤمنين بالتوبة النصوح، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح. قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى (٢) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ٢٧٣. (٣) فتح القدير، الشوكاني، ٤ / ٣٠. (٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٩/ ٠١٢٦٩ www. modoee.com ٨٥ حرف التاء اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. أمر بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان(١). قال العلماء: التوبة النصوح هي: أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه(٢). وكان من أساليب الرسل في دعوة أقوامهم أمرهم بالتوبة: قال موسى عليه السلام لقومه: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. أي: خالقكم. وقال هود عليه السلام آمرًا قومه بالتوبة: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُنْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمِنِّعَكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ. وَإِن تَوَلَوْا فَإِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ وقال: ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَلَةَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّيِكُمْ وَلَا نَنَوْلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. وقال صالح عليه السلام آمرًا قومه بالتوبة: ﴿وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيَّةٍ إِنَّ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٨/ ١٩٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/ ١٩٠. رَِّ قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]. وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]. قال الفراء: ((هذا أمر في لفظ الاستفهام»(٣). ثالثًا: أسلوب الترغيب والترهيب: قال تعالى في سياق الحديث عن المنافقين مرغّبًا لهم في التوبة، ومرهّبًا لهم إن أعرضوا عنها كعادة القرآن في ذكر الترهيب يَخْلِفُونَ بعد الترغيب والعكس: بِاَللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ أَلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَقُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَمَا لَمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَإِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. هو تنبيه لهؤلاء الضالّين، وإشارة مضيئة تطلع في ليلهم المطبق عليهم؛ رجاء أن یتوبوا إلى الله، ويستقيموا على طريق الحقّ، فإن فعلوا رشدوا وأمنوا، وإن أبوا، ضلوا وهلكوا، وأخذهم الله بالعذاب الأليم في الدنيا، بما يصيبهم على يد المؤمنين من خزى وبلاء، وبعذاب السعير في الآخرة، حیث لا ولیّ لھم، ولا نصير، يردّ عنهم بأس (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢ / ٤٠٩. ٨٦ مَوَسُوبَةُ الْبَقِنَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التوبة الله الواقع بهم(١). رابعًا: الأسلوب الخبري: أخبر سبحانه وتعالى أنه يتوب على لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ عباده كما قال تعالى: شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦ ]. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾[النساء: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اَللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣]. وإظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿وَيُبَ اللَّهُ﴾ وكان الظاهر إضماره؛ لزيادة العناية بتلك التوبة؛ لما في الإظهار في مقام الإضمار من العناية (٢). ومن أمثلة الأسلوب الخبر: الإخبار عن محبة الله للتائبين. فقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه يحب من يرجع إليه تائبًا من ذنوبه، وهذا من لطفه بعباده، وحثًّا للاقتداء بهم. (١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٥/ ٨٤٨. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ١٣٢. قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِىِ الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَْهُرْنٌ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. أي: من ذنوبهم على الدوام (٣). فهي دعوة إلى التزام الطريق القويم لمن كان قد انحرف عنه، وأتى المرأة من غير المأتى الطبيعي لها، فباب التوبة مفتوح لمن أناب إلى الله والتزم حدوده، فالتوبة تغسل الحوبة .. وليس مصيبة الإنسان في أن يخطيء ویزل، فالإنسان بحكم أنه بشرٌ عرضة للخطأ والزلل، ولكن المصيبة ألّا يتأثّم من الإثم، ولا يتحرج من الانحراف، فیقیم علی إثمه، ويصر على انحرافه، وليس یستنقذ الإنسان من أن يحيط به ذنبه إلّا أن يرجع إلى الله من قريب، وأن يلقاه نادمًا تائبًا، هنالك يجد من ربه رحمة ومغفرة، ورضى ورضوانًا(٤). وقد روى مسلم بسنده عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لله أشدّ فرحًا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالّته إذا وجدها)(٥). (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٠. (٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١ / ٢٥٤. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التّوبة، باب في الحضّ على التّوبة والفرح بها، ٢١٠٢/٤، www. modoee.com ٨٧ حرف التاء ومن أمثلة الأسلوب الخبري: الثناء على إلى ما يحبه الله من طاعته، حثًّا للمؤمنات التائبین. فأخبر الله سبحانه وتعالى أن من صفات المؤمنين الذين لهم البشارة بدخول الجنة أنهم الراجعون عما كرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه؛ وذلك حثًّا لعباده على الاقتداء بهم. قال تعالى: ﴿التََِّّبُونَ الْعَبِدُونَ اْحَمِدُونَ السََّبِحُونَ الزَّكِمُونَ السَّجِدُونَ اُلْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَاُلْنَاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اَللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. التائبون: هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله، والتائب هو الراجع. والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين (١). ((والتوبة شعور بالندم على ما مضى، وتوجّهٌ إلى الله فيما بقي، وكفّ عن الذنب، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك. فهي طهارة وزكاة، وتوجّهُ، وصلاح)﴾(٢). وفي سياق تهديد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالطلاق وإبداله خیرًا منهن من النساء اللاتي من صفاتهن أنهن راجعات رقم ٢٦٧٥. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٨/ ٢٦٩. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٧١٩. على الاقتداء بهن في الخيرية، قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُُّ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنْكُنَّ مُسْلِمَتٍ مُّؤْمِنَتٍ قَيَِّتِ تَبِبَتٍ عَبِدَاتٍ سَيِحَةٍ تَّيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]. والتوبة هي الندم على ما وقع من معصية، والاتجاه إلى الطاعة (٣). (٣) المصدر السابق، ٦/ ٣٦١٦. ٨٨ القرآن الكريم التوبة ثمرات التوبة وعاقبة الإعراض عنها للتوبة إلى الله ثمرات، وللمعرضين عنها عاقبة، نتناولهما فيما يلي: أولًا: ثمرات التوبة: ذكر القرآن ثمرات للتوبة؛ لحض العباد على المسارعة إليها، منها: ١. الفلاح في الدنيا والآخرة. علّق الله سبحانه وتعالى الفلاح على التوبة، فقال: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فمن سبل الفلاح التوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، ودل هذا أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة؛ لأن الله خاطب المؤمنین جميعًا، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: ﴿وَتُوبُواإِلَى اللَّهِ﴾ أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنیا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة(١). ٢. دعاء حملة العرش للتائبين. ذكر سبحانه وتعالى دعاء الذين يحملون عرش الرحمن من الملائكة ومن حول العرش ممن يحف به منهم، بالمغفرة للذين تابوا من الشرك والمعاصي. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٥٦٦. يُسَيِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْجِيمِ﴾ [غافر: ٧]. أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات (٢). ٣. المتاع الحسن. ذكر الله سبحانه وتعالى أن هودًا عليه السلام دعا قومه أن يسألوا الله أن يغفر لهم ذنوبهم، ثم يرجعوا إليه نادمين يمتعّهم في دنياهم متاعًا حسنًا بالحياة الطيبة فيها، إلى أن يحين أجلهم. قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْرٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. أي: استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط علیکم من الدنيا، ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت(٣). وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة، (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ١١٩. (٣) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٣١٣. www. modoee.com ٨٩ حرف التاء کما أن الواقع العملي یشهد بتحققها على مدار القرون. والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهًا حقيقيًا لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبيء عن خشية الله، ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جمیعًا، إلا فاضت فيها الخيرات، ومكّن الله لها في الأرض، واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء(١). ووصف المتاع ((بالحسن)) إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه وفرحه بالتقرب إليه بمفترضاته والسرور بمواعيده(٢). وفي الآية دلالة على أن ثمرة الاستغفار والتوبة سعة الرزق ورغد العیش. ٤. إبدال السيئات حسنات. ذكر الله سبحانه وتعالى أن من تاب من الذنوب توبة نصوحًا وآمن إيمانًا جازمًا مقرونًا بالعمل الصالح، فأولئك يمحو الله عنهم سيئاتهم ويجعل مكانها حسنات؛ بسبب توبتهم وندمهم. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ قال تعالى: وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَيْئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٦/ ٣٧١٣. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣/ ١٤٩. جوب القرآن الكريم [الفرقان: ٧٠]. أي: تتبدل أفعالهم وأقوالهم السيئة تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيمانًا، ومعصيتهم طاعة، وتتبدل نفس السيئات التي عملوها ثم أحدثوا عن كل ذنب منها توبة وإنابة وطاعة تبدّل حسنات(٣)، وهو فيض من عطاء الله لا مقابل له من عمل العبد إلا أنه اهتدى ورجع عن الضلال، وثاب إلی حمى الله، ولاذ به بعد الشرود والمتاهة (٤). وفي الآية دلالة على أن باب التوبة دائمًا مفتوح، يدخل منه كل من استيقظ ضميره، وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد، ولا یغلق في وجه لاجئ، آیا کان، وایًا ما ارتكب من الآثام. وقد روى مسلم بسنده عن أبي ذرِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنّي لأعرف آخر أهل النّار خروجًا من النّار، وآخر أهل الجنّة دخولًا إلى الجنّة، يؤتى برجلٍ فيقول: نحّوا کبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت یوم کذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإنّ لك بكلّ سيّئةٍ حسنةً، فيقول: يا ربّ عملت أشياء لا أراها هاهنا) قال: فضحك رسول اللّه صلى الله عليه (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٥٨٧. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥/ ٢٥٧٩. ٩٠ التوبة وسلم حتى بدت نواجذه(١). ٥. الإمداد بالمطر وقت الحاجة إليه. أخبر سبحانه وتعالى أن هودًا عليه السلام قال لقومه: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّيِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوَأ مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. يقول سبحانه: ((فإنكم إن آمنتم بالله، وتبتم من كفركم به، أرسل قطر السماء علیکم، يدرّ لكم الغيث في وقت حاجتكم إليه، وتحيا بلادكم من الجدب والقحط، ورزقكم المال والولد)»(٢). قيل: إنهم ((كانوا أصحاب زروع وبساتين، وعمارات، حراصًا عليها أشد الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مدلين بما أوتوا من هذه القوة والبطش والبأس، مهيئين في كل ناحية))(٣). في الآية دلالة على أن من ثمرة التوبة حياة البلاد من الجدب والقحط، وحياة العباد بزيادة الأموال والأولاد. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب، ما أدنى أهل الجنة منزلة، رقم ٣٠٨. (٢) جامع البيان، الطبري، ١٢ / ٤٤٤. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ١٦٦. ثانيًا: عاقبة المعرضين عن التوبة: ذكر القرآن الكريم عاقبة المعرضين عن التوبة، والتي منها: ١. عذاب جهنم. عرض الله سبحانه وتعالى على من قتل أولياءه التوبة، وهدّدهم إن لم يتوبوا بالعذاب الشديد، فقال: الَّذِينَ فَتَنُواْ ـنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَمْ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَنَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْخَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]. أي: ثم لم يتوبوا، أي لم يقلعوا عما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا، ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْخَرِيقِ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولیاءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة (٤). وفي الآية تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلموا من عذاب جهنم(٥). ٢. استحقاق العقاب. وأخبر سبحانه وتعالى أن على العبد أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابل ذمه، وإلا أصبح ظالمًا لنفسه مستحقًا لعقاب الله. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/ ٣٦٥. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/ ٢٤٦. www. modoee.com ٩١ حرف التاء قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءُ مِّن نِسَآءٍ عَسَوَ أَنْ يَكُنَّ خَيْرٌ مِنْهُنَّ وَلَا نَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنَّ وَمَنْ لَّمْ يَتُّبْ فَأُوْلَئِكَ هُ الظَّالِمُونَ ﴾[الحجرات: ١١]. قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَكَ هُ الَّالِمُونَ﴾، ((يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نزه أخاه بما نھی الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله برکوبهم ما نهاهم عنه))(١). وإذا كان كل من السخرية واللمز والتنابز معاصٍ فقد وجبت التوبة منها، فمن لم يتب فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأن رضي لها عقاب الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شدیدًا جدًّا. فلذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم؛ لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا. والتوبة واجبة من كل ذنب، وهذه الذنوب المذكورة مراتب، وإدمان الصغائر كبيرة (٢) ٣. العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. دعا الله سبحانه المنافقين الذين أساءوا (١) جامع البيان، الطبري، ٢١/ ٣٧٣. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦/ ٢٥٠. للرسول صلى الله عليه وسلم وحاولوا الإضرار به وارتدوا عن الإسلام أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة، فإن رجعوا فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذّبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ. مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَهٍُّ وَإِن يَتَوَلَوْا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةُّ وَمَا ◌َهُمْ فِ الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. أي: وإن يستمروا على طريقهم ﴿يَعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالقتل والهم والغم، ﴿وَالْآَخِرَةِ ﴾ أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ینجدهم، لا يحصّل لهم خیرًا، ولا يدفع عنهم شرًا(٣). وفي الآية دليل على قبول توبة الزنديق المسرّ الكفر، المظهر للإيمان، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: لا تقبل، فإن جاء تائبًا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته بلا خلاف (٤). (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ١٦١. (٤) البحر المحيط، أبو حيان، ٥/ ٤٦٦. ٩٢ صَوَسُورَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريم التوية ٤. العذاب الكبير. دعا هود عليه السلام قومه للرجوع إلى الله نادمين، وهدّدهم إن أعرضوا عمّا يدعوهم إليه فسوف يحل عليهم عذاب کبیر، وهو يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَنِعَّكُم مَّنَعًا حَسَنًا إِلَّ أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. (يقول تعالى ذكره: وإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من إخلاص العبادة لله، وترك عبادة الآلهة، وامتنعوا من الاستغفار لله، والتوبة إليه فأدبروا مولين عن ذلك، فإني أيها القوم أخاف عليكم عذاب يوم كبير شأنه، عظيم هوله))(١)، ووصفه بالكبير لزيادة تھویله(٢). موضوعات ذات صلة: الاستغفار، الاستقامة، الذنب (١) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٣١٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١/ ٣١٩. www. modoee.com ٩٣