النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ التَّوَيَّةُ عناصر الموضوع مفهوم التوبة ٥٦ التوبة في الاستعمال القرآني ٥٧ الألفاظ ذات الصلة ٥٨ اقتران التوبة بالإصلاح والاستغفار ٦٠ التواب من أسماء الله تعالى ٦٢ مجالات التوبة ٦٣ قبول التوبة ٧٥ نماذج من التائبين في القرآن ٧٩ الأسلوب القرآني في الحث على التوبة ٨٩ ثمرات التوبة وعاقبة الإعراض عنها ٨٥ المُجَلَّدَ القَّاشِرْ حرف التاء مفهوم التوبة أولًا: المعنى اللغوي: توب: التّاء والواو والباء كلمةٌ واحدةٌ تدلّ على الرّجوع. يقال: تاب من ذنبه، أي رجع عنه، يتوب إلى الله توبةً ومتابًا، فهو تائبٌ. والتّوب: التّوبة. قال اللّه تعالى: ﴿وَقَابِلِ اَلتَّوَّبِ﴾ [غافر: ٣](١). وتاب إلى اللّه توبًا وتوبةً ومتابًا وتابةً وتتوبةً: رجع عن المعصية، وهو تائبٌ وتوّابٌ، وتاب الله عليه: وفّقه للتّوبة، أو رجع به من التّشديد إلى التّخفيف، أو رجع عليه بفضله وقبوله، وهو توّابٌ على عباده(٢). والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة؛ فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده. والتّاب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كلّ وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركًا لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى؛ لكثرة قبوله توبة العباد حالًا بعد حال(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: التوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة. والتوبة النصوح: ألا يبقي على عمله أثرًا من المعصية، سرًّا وجهرًا (٤). قال الطبري رحمه الله: ((التوبة من العبد إلى ربه: إنابته إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه ربه، فكذلك توبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويتوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه)»(٥). وهذا التعريف في الاصطلاح لا يخرج عن معناه في اللغة. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٣٥٧. (٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٦٢. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٦٩. (٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٧٠. (٥) جامع البيان، الطبري، ١ / ٥٨٧. ٥٦ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التوية التوبة في الاستعمال القرآني وردت مادة (توب) في القرآن (٨٧) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ ﴾ [التوبة: ١١٧] الفعل المضارع ٢١ [النساء: ١٧] ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَّوْبَةً نَّصُوحًا﴾ ٨ [التحريم:٨] ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ المصدر ٨ [الشورى: ٢٥] ﴿التَُّونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِعُونَ ٢ [التوبة: ١١٢] فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ تَوَابًا (٣)* [النصر: ٣] وجاءت التوبة في القرآن على وجهين(٢): أحدها: الندم على فعل الشيء والرجوع عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَّكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. يعنى: ندمت ورجعت إليك. والثاني: التجاوز، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]. يعني: يتجاوز عنكم. (١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٥٦ - ١٥٨، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ٣٦٩-٣٧١. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٣٢. www. modoee.com ٥٧ ٣٤ ﴿َثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الفعل الأمر اسم الفاعل صيغة المبالغة ١٢ حرف التاء الألفاظ ذات الصلة ١ الاعتذار: الاعتذار لغة: (اعتذر) فلان: صار ذا عذر، وإليه: طلب قبول معذرته، ويقال: اعتذر من ذنبه واعتذر عن فعله: تنصل واحتج لنفسه(١). الاعتذار اصطلاحًا: تحري الإنسان ما يمحو به أثر ذنبه، وذلك ثلاثة: الأول: أن يقول: لم أفعل أو فعلت لأجل کذا، فیذکر ما يخرجه عن کونه ذنبًا، الثاني: أن يقول: فعلت ولا أعود ونحو ذلك، والثالث: هو التوبة، فكل توبة عذر ولا عكس (٢). الصلة بين التّوبة والاعتذار: التوبة من الذنب الذي لا عذر في اقترافه، والمعتذر يذكر أن له في ما أتاه من المكروه عذرًا، ولو کان الاعتذار التّوبة لجاز أن يقال: اعتذر إلى الله، کما یقال: تاب إلیه، وأصل العذر: إزالة الشّيء عن جهته، أي: أزال ما كان في نفسه عليه في الحقيقة أو في الظّاهر(٣). الندم: ٢ النّدم لغة: (ندم) على الأمر ندمًا وندامة: أسف وكرهه بعدما فعله فهو نادم (٤). النّدم اصطلاحًا: التّحسّر من تغيّر رأي في أمر فائتٍ (٥). الصلة بين النّدم والتّوبة: التّوبة من النّدم؛ وذلك أنّك قد تندم على الشّيء ولا تعتقد قبحه، ولا تكون التّوبة من غير قبح، فکل توبة ندم، وليس كل ندم توبة (٦). (١) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٥٩٠. (٢) انظر: التوقيف، المناوي ص ٧٤. (٣) الفروق اللغوية، العسكري، ١/ ٢٣٥. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢ / ٩١١. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٩٦. (٦) الفروق اللغوية، العسكري، ١/ ٢٣٥. ٥٨ مَوَسُورَة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التوية الاستغفار: ٣ الاستغفار لغة: (استغفر): أي طلب المغفرة، واستغفر الله ذنبه: طلب منه غفره(١)، وفي اللغة العربية إذا دخلت السين والتاء على الفعل أفادت معنى الطلب. وبهذا، فإنّ معنى الاستغفار في اللغة: طلب السّتر، وطلب ترك المؤاخذة على الذّنب. الاستغفار اصطلاحًا: طلب ستر الذنب بالعفو عنه، وعدم العقوبة عليه (٢). الصلة بين التوبة والاستغفار: قال ابن القيم: ((الاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله))(٣). الإصرار: ٤ الإصرار لغة: (أصر) على الأمر: ثبت عليه ولزمه، وأكثر ما يستعمل في الآثام(٤). الإصرار اصطلاحًا: وهو: التّعقّد في الذّنب والتّشدّد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُ واْ عَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. الصلة بين التوبة والإصرار: علاقة تضاد، فالعبد إذا عصى وطال زمان التوبة وقع في الإصرار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾، أي تبتدئ التوبة من زمانٍ قريب من زمان المعصية؛ لئلا يقع في الإصرار (٥). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٢٧٤/٥. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ١٨٥، روح المعاني، الألوسي ٢٠٧/١١. (٣) مدارج السالكين ١/ ٣٠٨. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٥١٢. (٥) الدر المصون، السمين الحلبي ٣/ ٦٢٤. www. modoee.com ٥٩ حرف التاء اقتران التوبة بالإصلاح والاستغفار أولًا: اقتران التوبة بالإصلاح: قرن الله سبحانه بين التوبة والإصلاح في لا مواضع من كتابه، منها: قوله تعالى: الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَتَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [آل عمران: ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَّا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾. [النساء١٦]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ أَجْرَأَ تَظِيمًا ﴾ [النساء: ١٤٦]. وقوله تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ. وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾[المائدة ٣٩]. رَّحِ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَئِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ، مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوَّءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِنْ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥]. فالآیات تدل دلالةً واضحةً على أنه ليس المقصود بالتوبة ترك القبيح فحسب، بل یجب فعل الحسن، وهو الإصلاح. ومن أجل ذلك شرط سبحانه وتعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى؛ ليضلوا الناس بذلك، شرط أن يصلحوا العمل في نفوسهم، ويبيّوا للناس ما كانوا يكتمونهم إياه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدٍ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِی الْكِنَبِّ أُوْلَكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ اللَّهِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. وشرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم إفساد قلوب ضعفاء المؤمنين، وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول، وإظهارهم الإسلام رياءً وسمعةً: أن يصلحوا بدل إفسادهم، وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين، وأن يخلصوا دينهم لله بدل إظهارهم رياءً وسمعةً، مُوسُو ◌َةُ النَّفِيَة القرآن الكريم ٦٠ التوية فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها(١)، كما وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا؛ ندمًا قال تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ على ما مضى، وتركًا في الحال، وعزمًا على وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَأَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك أعمالًا طلب الله فيها التوبة فقط، وأعمالًا طلب فيها التوبة والإصلاح، وأعمالًا طلب فيها التوبة والإصلاح والبيان. ثانيًا: اقتران التوبة بالاستغفار: قرن الله سبحانه وتعالى بين التوبة والاستغفار على ألسنة رسله. قال محمد صلی الله عليه وسلم: ﴿وآنِ أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]. وقال هود عليه السلام: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢]. وقال صالح عليه السلام: ﴿فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [ هود: ٦١]. وقال شعيب عليه السلام: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠]. الاستغفار: طلب وقاية شرّ ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله (٢). وقيل في العلاقة بينهما: التوبة: هي الرجوع إلى الله مما يكرهه الله ظاهرًا (١) عدة الصابرين، ابن القيم ص ١٧. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم، ١/ ٣٤٥ أن لا يعود، والاستغفار: طلب المغفرة من الله، فإن اقترن به توبة فهو الاستغفار الكامل الذي رتّبت عليه المغفرة، وإن لم تقترن به التوبة فهو دعاء من العبد لربه أن يغفر له، فقد يجاب دعاؤه وقد لا يجاب، وهو بنفسه عبادة من العبادات، فهو دعاء عبادة، ودعاء مسألة(٣). (٣) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي ٢ / ٣٦٤. www. modoee.com ٦١ حرف التاء التواب من أسماء الله تعالى اشتق الله سبحانه وتعالى من التوبة اسمًا له، وهو التوّاب؛ دلالة على عظم التوبة وفضلها: أولًا: معنى اسم الله التواب: قال الطبري رحمه الله: ((إن الله جل ثناؤه هو التّاب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه))(١). وجاء (توّاب) على أبنية المبالغة لقبوله توبة عباده، وتكرير الفعل منهم دفعة بعد دفعة، وواحدًا بعد واحد على طول الزمان، وقبوله عز وجل ممن يشاء أن يقبل منه؛ فلذلك جاء على أبنية المبالغة، فالعبد يتوب إلى الله عز وجل ويقلع عن ذنوبه، والله يقبل توبته. فالعبد تائب والله توّاب (٢). وقال ابن القيم في نونيته (٣): و كذلك التوّاب من أوصافه والتّاب في أوصافه نوعان إذن بتوبة عبده وقبولها بعد المتاب بمنة المنان ويقول السعدي رحمه الله: ((فهو التائب (١) جامع البيان، الطبري، ١/ ٥٨٧ (٢) اشتقاق أسماء الله، ص ٦٢. (٣) الكافية الشافية، ابن القيم ص٢٠٩. على التائبين أولًا بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم»(٤). ثانيًا: الأسماء المقترنة باسمه التوّاب: ورد اسم الله سبحانه وتعالى (التَّوَّاب) في إحدى عشرة آية في القرآن الكريم(٥): ١. الرحیم. اقترن اسم التواب باسم الرحيم في (٩) آیات، منها: قوله تعالى: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْأَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُوَةٌ وَأَنَّقُواْ الَ إِنَّ اُللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ومناسبة هذا الاقتران: أن توبة الله على عباده وتوفیقهم إليها ثم قبولها منهم، هو من آثار رحمته تعالى وبره وإحسانه. قال الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]: ((إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٤٦. (٥) المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٣٧٠. ٦٢ مَوَمُون القرآن الكريم التوية لما یرضیه عنه، الرحیم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا یتوب علیه»(١). وقال السعدي رحمه الله: ((﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ﴾ أي: كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، ﴿الرَّحِيمُ﴾ وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية))(٢). ٢. الحکیم. اقترن اسم التواب باسم الحكيم مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُ حَكِيمٌ ﴾ [النور: ١٠]. فهو ﴿تَوَّبُ﴾ يقبل العاصين منكم، ويردّهم إلى دائرة المؤمنين الصالحين، إذا هم تابوا وأصلحوا، وهو سبحانه: ﴿حکمُ﴾ فیما حدّ من حدود ورصد من عقوبات، للمعتدين على حدوده (٣). وفي ذكر وصف ﴿حَكِيمُ﴾ هنا مع وصف ﴿تَوَّابُ﴾ إشارةٌ إلى أن في هذه التوبة حكمة، وهي استصلاح الناس (٤). (١) جامع البيان، الطبري، ١٢ / ٥٤. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٥٤. (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٩/ ١٢٢٦. (٤) التحرير والتنوير، ١٨/ ١٣٥. مجالات التوبة تنوّعت مجالات التوبة وتنوّعت معها شروطها. وشرط التوبة من ذنب هي فعل ضده، فشرط توبة المشرك: الإيمان؛ لأن ذنبه الإشراك، وشرط توبة المنافق الإخلاص؛ لأن ذنبه الرياء، وشرط توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى: البيان، وتوبة القاذف إكذابه نفسه؛ لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف. وسوف نوضّح مجالات التوبة فيما يلي: أولًا: التوبة عن الشرك والكفر: أرسل الله الأنبياء والرسل لدعوة أقوامهم إلى التوبة من الشرك والكفر، بأمرهم بالاستغفار من الشرك ثم بالتوبة من بعده: قال هود عليه السلام: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّيِكُمْ وَلَا نَوَلَوَأْمُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. أي: آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم. والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع؛ لأن هودًا عليه السلام إنما دعا قومه إلى توحيد الله؛ لیغفر لهم ذنوبهم، ثم توبوا إلى الله من سالف ذنوبكم وعبادتكم غیره بعد الإیمان به(٥). (٥) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٤٤٤. www. modoee.com ٦٣ حرف التاء والذنب الذي طلب هود عليه السلام ممن تاب إليه. قومه التوبة منه هو ذنب الشرك، قال أبو بكر الأصم: ((استغفروا: أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شر ککم، ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى، وبالعزم على أن لا تعودوا إلى مثله))(١). وقال صالح عليه السلام: ﴿وَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيَهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ أُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]. ((اعملوا عملًا يكون سببًا لستر الله علیکم ذنوبكم، وذلك الإيمان به، وإخلاص العبادة له دون ما سواه واتباع رسوله صالح، ثم اتر کوا من الأعمال ما یکرهه ربكم إلى ما یرضاه ویحبه، إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغّب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه))(٢). ويظهر من ختام الآية بجملة: ﴿إِنَّ بَِّ قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أنهم استعظموا أن يكون جرمهم مما يقبل الاستغفار عنه، فطمأنهم صالح عليه السلام إلى استجابته سبحانه وتعالى لتوبتهم إذا تابوا وقبولها منهم. ويستفاد من الآيات أنه: يجب على كل داع إلى الله أن يحبّب عباد الله إلى خالقهم، ويبشّرهم بحبه سبحانه لتوبتهم واستجابته (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨/ ٣٦٣. (٢) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٤٥٣. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ وقال شعيب عليه السلام: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. واستغفروا ربكم من سالف الذنوب، ثم توبوا إليه فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، ﴿إِنَّ رَبٍِّ رَحِمٌ وَدُودٌ﴾ أي: لمن تاب وأناب(٣). ويستفاد من الآية: أن الله شدید المحبة لمن يتقرب إليه بالتوبة. وأخبر سبحانه وتعالى أن الذين عملوا السيئات من الكفر والمعاصي، ثم رجعوا من بعد فعلها إلى الإيمان والعمل الصالح، فإنه سبحانه وتعالى من بعد التوبة النصوح لغفور لأعمالهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣]. هذا خبر من الله تعالى ذكره أنه قابل من کل تائب إليه من ذنب أتاه صغيرة كانت معصیته أو کبیرة، کفرًا کانت أو غیر کفر، كما قبل من عبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبادتهم العجل، وارتدادهم عن دينهم (٤). ويستفاد من الآية: أنه سبحانه وتعالى يقبل توبة عباده من أي ذنب کان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٢٩٧. (٤) جامع البيان، الطبري، ١٠ / ٤٦٥. ٦٤ التوية وأخبر سبحانه وتعالى إن رجع المشركون عن كفرهم، ودخلوا الإسلام، والتزموا شرائعه من إقام الصلاة وإخراج الزكاة، فاتركوهم، فقد أصبحوا إخوانكم في الإسلام. ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ قال تعالى: فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّهُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍّ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ من شركهم ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي: أدوها بحقوقها ﴿وَءَاتَوْا الزَّكَوَةَ﴾ لمستحقيها ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي: اتر کوهم، ولیکونوا مثلکم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يغفر الشرك فما دونه، للتائبين، ويرحمهم بتوفیقھم للتوبة، ثم قبولها منهم. وفي هذه الآية دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى یؤدیهما، کما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه (١). ورغّب سبحانه وتعالى المشركين في التوبة، ورهّبهم من الاستمرار على الشرك، فقال: ﴿ وَأَذَنٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ= إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِىٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولُهُ. فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيِّرُ لَّكُمْ وَإِن (١) تیسیر الکریم الرحمن، السعدي ص ٣٢٩. تَوَلَّئْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كُفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣]. (يقول تعالى: فإن تبتم من كفركم أيها المشركون، ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، فالرجوع إلى ذلك خير لكم من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة، وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم، فأيقنوا أنكم لا تفیتون الله بأنفسكم من أن يحل بکم عذابه الأليم وعقابه الشديد على إقامتکم علی الکفر، کما فعل بذویکم من أهل الشرك، من إنزال نقمه به وإحلاله العذاب عاجلًا بساحته، وأعلم يا محمد الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم بعذاب موجع یحل بهم))(٢). والترغيب والترهيب في آية البراءة يشيران إلى أن المنهج الإسلامي منهج هداية قبل كل شيء، فهو يتيح للمشركين هذه المهلة لا لمجرد أنه لا یحب أن یباغتهم ويفتك بهم متى قدر- كما كان الشأن في العلاقات الدولية ولا يزال !- ولكنه كذلك يمهلهم هذه المهلة للتروي والتدبر، واختيار الطريق الأقوم، ويرغّبهم في التوبة عن الشرك والرجوع إلى الله، ويرهّبهم من التولي، وبيئسهم من جدواه، وينذرهم بالعذاب الأليم في الآخرة فوق الخزي في (٢) جامع البيان، الطبري، ١١/ ٣٤٠. www. modoee.com ٦٥ حرف التاء الدنيا. ويوقع في قلوبهم الزلزلة التي ترجها إلا من منّ الله عليهم بالتوبة من السيئات، رجًّا، لعل الركام الذي ران على الفطرة أن وأصلحوا له الظواهر والبواطن، والتجأوا ينفض عنها، فتسمع وتستجيب!(١) ٠ ثانيًا: التوبة عن النفاق: استثنى الله سبحانه وتعالى من الوعيد بالدرك الأسفل من النار من آمن من المنافقین، وأصلح حاله، واعتصم بالله دون الاعتزاز بالکافرین، وأخلص دینه لله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِي الدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ( ١٤٥ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُوْدِينَهُمْ لِلَّهِ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَّأَ بْعَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥- ١٤٦]. يخبر تعالى عن مآل المنافقين أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشرّ الحالات من العقاب، فهم تحت سائر الكفار؛ لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين، على وجه لا يشعر به ولا یحس، ورتبوا على ذلك جریان أحكام الإسلام علیهم، واستحقاق ما لا يستحقونه، فبذلك ونحوه استحقوا أشد العذاب، ولیس لهم منقذ من عذابه ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه، وهذا عام لكل منافق إلى الله في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم ﴿وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان ﴿اللَّهِ﴾ فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة، وسلموا من الرياء والنفاق، فمن اتصف بهذه الصفات ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤَّتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَأَ بْعَظِيمًا﴾ لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خصّ الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾؛ لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح؛ لشدة الحاجة إليهما خصوصًا في هذا المقام الحرج، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيًا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما. وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا، مع أن السياق فيهم، بل قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَأَ بَظِيمًا﴾؛ لأن هذه القاعدة الشريفة لم يزل الله يبدئ فيها (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٥٩٩. مَوَسُوبَةُ النَّقِين القرآن الكريم ٦٦ التوية ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن یرتّب عليه ثوابًا أو عقابا و کان ذلك مشترگا بینه وبین الجنس الداخل فیه، رتّب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنین وله ثوابهم(١). والمتدبر لآيات التوبة في مواضعها في القرآن يلحظ أنه «كان يكتفي بأن يقول: ﴿ لَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ﴾ فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله، ولكنه هنا ينص على الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله؛ لأنه يواجه نفوسًا تذبذبت، ونافقت، وتولت غير الله، فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح، على التجرد لله، والاعتصام به وحده، وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة، وتلك الأخلاق المخلخلة .. ليكون في الاعتصام بالله وحده قوة وتماسك، وفي الإخلاص لله وحده خلوص وتجرد. بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار. وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢١١. المؤمنين المعتزين بعزة الله وحده، المستعلين بالإيمان، المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان))(٢). وأخبر سبحانه وتعالى عن المنافقين أنهم إذا رجعوا إلى الإيمان والتوبة فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذّبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنین، وفي الآخرة بنار جهنم. قال تعالى: ﴿يَحْلِّفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَقُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَبِهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرَاً لَّوَّ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا وَاَلْأَخِرَةَّ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾[التوبة: ٧٤]. قال أبو جعفر: ((اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله، ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم يحلفون بالله کذبًا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها، وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة أن الجلاس قاله، وجائز أن یکون قائله عبد الله بن أبي بن سلول، والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال، ولا علم لنا بأن ذلك من أيٍّ؛ إذ كان (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٧٨٥. www. modoee.com ٦٧ حرف التاء لا خبر بأحدهما يوجب الحجة ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جل ثناؤه: ﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]))(١). ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة رفقًا بهم ولطفًا بالرغم من أفعالهم العظيمة، فقال تعالى: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًاً لٍَّّ وَإِن يَتَوَّلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [التوبة: ٧٤]. فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه، يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك خیرًا لهم من النفاق، وإن يدبروا عن التوبة فيأبوها، ويصروا على کفرهم یعذّبهم عذابًا موجعًا في الدنيا، إما في الآخرة بالنار(٢). عند التوبة؛ لأن التوبة أصل السعادة في الدنيا والآخرة. ثالثًا: التوبة عن المعاصي: أخبر سبحانه وتعالى أن العبد إذا تاب من أمهات الكبائر: الشرك والقتل والزنا، وفّقه للتوبة وقبلها منه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ (١) جامع البيان،، ١١/ ٥٧٢. (٢) المصدر السابق ١١ / ٥٧٥. إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ. ٦٨ مُهَانًا (٦) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَبِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَلِكًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِمَتَابًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧١]. روى مسلم بسنده، عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ ناسًا من أهل الشّركَ قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثمّ أتوا محمّدًا صلّی اللّه عليه وسلّم فقالوا: إنّ الّذي تقول وتدعو لحسنٌّ، ولو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارةً، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا بالقتل، وإما بعاجل خزي لهم فيها، ويعذّبهم يَزْنُونَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامً﴾(٣). ومعنى الآية: ((والذين لا يعبدون مع وفي الآية دلالة أنه لا يحصل الخير إلا الله إلها آخر فيشركون فى عبادتهم إياه، بل يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة، ولا يقتلون النفس بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، كالكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس بغير حق، ولا يأتون ما حرّم الله عليهم إتيانه من الفروج، ومن يفعل خصلة من خصال الفجور السالفة، يلق في الآخرة (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحجّ، ١/ ٣٠٥، رقم ١٧٤. جَوَسُوبَةُ النَِّيـ القرآن الكريم ٦٨ التوية وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن جزاء إثمه وذنبه الذي ارتكبه، بل سيضاعف له ربه العذاب يوم القيامة ويجعله خالدا أبدًا كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. في النار مع المهانة والاحتقار، فيجتمع له العذاب الجسمي والعذاب الروحي. وبعد أن أتم تهديد الفجار على هذه الأوزار أتبعه بترغيب الأبرار في التوبة والرجوع إلى حظيرة المتقين فيفوزون بجنات النعيم، فقال: لكن من رجع عن هذه الآثام مع إيمانه وعمله الصالحات فأولئك يمحو الله سوابق معاصیھم بالتوبة، ويثبت لهم لواحق طاعته، ومن تاب عن المعاصي التي فعلها، وندم على ما فرط منه، وزکی نفسه بصالح الأعمال، فإنه يتوب إلى الله توبة نصوحًا، مقبولة لدیه، ماحية للعقاب، محصلة لجزيل الثواب، إلى أنه ینیر قلبه بنور من عنده يهديه إلى سواء السبيل، ویوفقه للخير، ويبعده عن الضير))(١). التوبة من القتل خطأ. أخبر سبحانه وتعالى بأنه لا یحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ (١) تفسير المراغي، ١٩/ ٤٠. اختلف المفسرون فيمن نزلت: منهم من قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله. قال السدي: ((نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فكان أخّا لأبي جهل بن هشام لأمه، وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولین قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدینة، و کان عیاش أحب إخوته إلى أمه، فكلّموه وقالوا: إن أمك قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس، فأتها لتنظر إليك ثم ارجع. وأعطوه موثقًا من الله لا یحجزونه حتى يرجع إلى المدينة، فأعطاه بعض أصحابه بعیرا له نجیبًا، وقال: إن خفت منهم شيئًا فاقعد على النجيب، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامري. فلم يزل محبوسًا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ www. modoee.com ٦٩ حرف التاء يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا﴾ يقول: وهو لا يعلم كفارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عیاش بن أبي ربيعة وقتیله، وفي أبي الدرداء أنه مؤمن ﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًا فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ إِلَّا أَنْ يَضَدَّقُوا﴾ فيتركوا الدية))(١). وصاحبه. وأي ذلك كان: فالذي عنى الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله، وغیر ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه»(٢). وقال آخرون: نزلت في أبي الدرداء: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ ـطًا﴾ الآية. قال: نزل هذا يقتَلَ مُؤْمِنَا إِلَّا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية، فعدل أبو الدرداء إلی شعب یرید حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله قال: فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا شققت عن قلبه؟) فقال: ما عسیت أجد. هل هو یا رسول الله إلا دم أو ماء؟ قال: (فقد أخبرك بلسانه، فلم تصدّقه) قال: کیف بي یا رسول الله؟ قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟) قال: فکیف بي يا رسول الله؟ قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟) حتى تمنيت أن یکون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا﴾ حتى بلغ: ﴿إِلََّ أَن يَصَدَّقُواْ ﴾ قال الطبري رحمه الله: ((والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرّف عباده بهذه الآية ما على من قتل مؤمنًا خطأ من (١) جامع البيان، ٧/ ٣٠٨. ضور ٧٠ القرآن الكريم ومعنى الآية: ((على القاتل الخطأ ﴿فَتَحْرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنٍ ﴾ كفارةلذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء، ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: ﴿فَتَحْرِرُ رَقَبَقٍ﴾ ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير. وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد ﴿مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك الميت، فالدية داخلة فيما ترك. ﴿إِلَّ أَنْ يَصَدَّقُواْ﴾ أي: وقوله: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها (٢) المصدر السابق ٧ / ٣١٠. التوية تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو؛ وأي محل كان (١). لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت ﴿فَإِن كَانَ ﴾ المقتول ﴿مِن قومٍ عَدُوٍلَّكُمْ﴾ أي: من كفار حربیین ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: وليس عليكم لأهله دية؛ لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم ﴿ وَإِن كَانَ﴾ المقتول ﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدّ﴾ الرقبة ولا ثمنها، بأن کان معسرًا بذلك، لیس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر، فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم. ﴿تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتکفیرًا لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أکبر، في أي وقت كان التوبة من الذنوب. أخبر الله سبحانه أنه يقبل التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]. المعنى: ما التوبة على الله لأحد من خلقه إلا الذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار، وترك العود إلى مثله من قبل نزول الموت بهم(٢)، فالله سبحانه لا يطارد عباده الضعاف، ولا يطردهم متى تابوا إليه وأنابوا. وهو سبحانه غني عنهم، وما تنفعه توبتهم، ولكن تنفعهم هم أنفسهم، وتصلح حياتهم وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه. ومن ثمّ يفسح لهم في العودة إلى الصف تائبين متطهرين (٣). وأجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية هي بجهالة عمدًا كانت أو جهلًا(٤). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٩٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/ ٥٠٧. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٦٠٤. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٢٤. www. modoee.com ٧١ حرف التاء قبول التوبة لا يجب على الله عقلًا، الزكاة(٣). وأما من جهة السمع فتضافرت ظواهر الآي والسنة على قبول الله التوبة، وأفادت القطع بذلك(١). اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَميعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب سرقته، وأصلح في كل أعماله، فإن الله يقبل دون ذنب؛ خلافًا للمعتزلة(٢). التوبة من الربا. أخبر سبحانه وتعالى أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣) فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ لَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ -٢٧٩]. أي: عقاب شديد من نوع الحروب، فإنّ الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص يقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله: من التعزير والحبس، إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه مانعي وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم علیه، فإنما لکم رؤوس أموالكم، لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها (٤). * التوبة عن السرقة. أخبر سبحانه وتعالى أنه من تاب من بعد توبته. قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّاءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللّهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٥) فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدٍ ظُلِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨-٣٩]. يقول جل ثناؤه: من رجع من هؤلاء السراق عما يكرهه الله من معصيته إياه إلى ما يرضاه من طاعته من بعد ظلمه، وظلمه: هو اعتدائه وعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس، وأصلح نفسه بحملها على مكروهها فى طاعة الله والتوبة إليه مما كان عليه من معصيته، فإن الله عزو جل يرجعه إلى ما يحب ويرضى عما يكرهه ويسخط من معصيته، إن الله -عز ذكره- ساتر على من تاب وأناب عن معاصیه إلى طاعته ذنوبه (١) البحر المحيط، أبو حيان ٣ / ٥٦٠ (٢) فتح القدير، الشوكاني، ١/ ٥٠٥. جومبو القرآن الكريم (٣) تفسير آيات الأحكام، السايس، ص ١٨٠. (٤) التفسير القيم، ابن القيم، ص ١٧٥. ٧٢ التوية بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة، وتركه فضيحته بها على رؤوس الأشهاد، رحيم به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم(١). قال الشافعي: ((إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاکم بأخذه، فتوبته ترفع عنه حکم القطع قياسًا على توبة المحارب))(٢). ((فأما أموال الناس فلابد من ردّها إلیھم أو بدلها عند الجمهور))(٣)، أو الاستحلال منها (٤). رابعًا: التوبة عن التقصير: المؤمن الحق لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي، فخوف التقصير ملازم له طالما فیه عین تطرف، وقلب ینبض، وقد يحدث التقصير: إما على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى. وهذا الخلق من شيم الكرماء، يأتون بأبلغ وجوه الكرم ويستقلونه، ويعتذرون من التقصير، وفي قمة هؤلاء: الأنبياء عليهم السلام، والصحابة الكرام رضي الله عنهم. وقد ذكر الله لنا أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام طلبا التوبة بالرغم من أنهما قاما ببناء قواعد البيت بتكليف إلهي، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآَ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَّاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ (١) جامع البيان، الطبري، ٨/ ٤١١. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ١٩٠. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/ ١٠٠. (٤) البحر المحيط، أبو حيان ٤ / ٢٥٦. التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. عن وهيب بن الورد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهُِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. ثم یبکي ويقول: یا خلیل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق أن لا يتقبل منك (٥). وقال تعالى عن رحمته بالنبي والمهاجرين والأنصار: ﴿لَّقَد تَّابَ اَللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقِمِنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ. بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. قال ابن عطية رحمه الله: ((التوبة من الله رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعًا من حالة طاعة إلى أكمل منها، وهذه توبته في هذه الآية على النبي صلی الله عليه وسلم؛ لأنه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمل مشقاتها إلى حاله بعد ذلك كله، وأما توبته على ((المهاجرين والأنصار)) فحالها معرضة، لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجدٍّ في الغزو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق الذي كاد أن يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا)» (٦). (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٣٠٢. (٦) المحرر الوجيز، ٣/ ٩٢. www. modoee.com ٧٣ حرف التاء المؤمنين الخلّص في قوله: ﴿وَأَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. هذا وقد حكى الله تعالى لنا عن حال والبعد من رحمة الله، ويستوجبون بأعمالهم الدعاء عليهم باللعن من الملائكة والناس أجمعين. وحكم هذه الآية شامل لكل من کتم علمًا فرض الله بیانه للناس، ومن هنا ترى أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عینیه، والدین یداس جهارًا بین یدیه، ویری البدع تمحو السنن، والضلال يغشى الهدى، ثم هو لا ينتصر بيد ولا لسان، يكون ممن يستحق وعيد الآية. أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وقلوبهم وجلة(١). في الآيات: دلالة على أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى الأنبياء عليهم السلام والمهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، والخلّص من المؤمنين. خامسًا: التوبة عن كتمان العلم: أخبر سبحانه وتعالى أن من شروط قبول توبة كاتم العلم أن يصلح ما أفسده، وأن يبيّن ما کتمه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ أُوْلَتْبِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ اللَّعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩-١٦٠]. أي: إن أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام وأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل بيّنًا واضحًا، يستحقون الطرد ثم استثنی سبحانه وتعالی من الوعید من تاب إليه: فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَُّواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا الََّّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إلا من أناب عن كتمانه، وراجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأقرّ بنبوته، وصدّق ما جاء به من عند الله، وأصلح حال نفسه بالتقرّب إلى الله بصالح الأعمال، وبيّن ما علم من وحي الله إلى أنبيائه، وما عهد إليهم في کتبه، فلم یکتمه ولم يخفه، فهؤلاء یتوب الله عليهم، ويفيض عليهم مغفرته تفضّلًا منه ورحمة، وهو الذي يرجع قلوب عباده المنصرفة عنه ويردّها إليه بعد إدبارها عن طاعته، وهو الرّحيم بالمقبلين عليه يتغمدهم برحمته ویشملهم بعفوه، ويصفح عما كانوا اجترحوا من السيئات. وفي الآية: ترغيب للقلوب الواعية التي تخاف سخط الله وشديد عقابه في التوبة عما فرط من (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٣٠٢. مُوسُو ◌َ النَّية الموضـ القرآن الكريم ٧٤