النص المفهرس
صفحات 41-48
التواضع على الأعداء، ومحاربة الفساد بإعداد ثانيًا: تواضع الصالحين: الجيوش مقودة بقيم الإيمان، وتعاليم الرحمن، وشريعة الديان(١). ونتعلم من هؤلاء الأنبياء عدم الاعتماد على أحد إلا على الله سبحانه وتعالى، في مطعمنا ومشربنا وملبسنا، فهو الذي يرزقنا، وقد كانوا عليهم السلام أصحاب حرف وصناعات ... ، يأكلون ويشربون من هذه الحرف، ومما عملت أيديهم ... ، وما من أحد إلا ویعلّمه الله عز وجل شيئًا يصلح له، ویکون فیه معاشه ورزقه، فمن الناس من لا يستفيد مما علّمه الله سبحانه، فيترك العمل ويسأل الناس، ويستسهل أن يأخذ رزقه من الحرام، وما من مخلوق إلا وقد قسم له الله عز وجل رزقه، ولابد أن يأتيه هذا الرزق، فعلى الإنسان المؤمن أن يبحث عن وظيفته بالطرق الحلال، ولا يقول: قد ضيّق الله عز وجل عليّ، ثم يتوجّه إلى الحرام؛ فإن رزقك مقسوم، وكسبك معلوم، ولن يزداد شيئًا على ما قسمه الله عز وجل، فابحث عن الحلال تجد الحلال، ويرزقك الله سبحانه وتعالى، وائتس بهؤلاء الأنبياء الذين كانوا لا تلهيهم صنعتهم ولا كسبهم الرزق عن الدعوة إلى الله عز وجل، ولا تشغلهم عن المرتبة العظيمة التي هم فيها، وهي مرتبة النبوة. (١) الإيمان بالقدر، الصلابي ص ٢٠٧. لقد حكى القرآن بعض النماذج من تواضع الصالحين، منها: ١. لقمان. قال الله تعالى: عَائِينَا لَقَمْنَ وَلَقَدّ اَلْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]. فأخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان بالحكمة، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته، وهي أيضًا العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالمًا ولا يكون حكيمًا، وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم والعمل؛ ولهذا فسّرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح ... ، وهذه الوصايا التي وصى بها لقمان لابنه تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام وحكمها ومناسباتها(٢). فمن حكمته وتواضعه: أنه أوصى ابنه بعدة وصايا. منها: أنه قال له: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَّ (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٤٨. www. modoee.com ٤٧ حرف التاء إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨- وتعالى، والله أعلم بهذا الإنسان، فلا تحتقر ١٩]. أحدًا من الخلق، ولكن ادع إلى الله سبحانه وتعالى، وظنّ الخير في غيرك؛ لعل هذا الذي تنظر إليه بازدراء واحتقار يكون أفضل منك في يوم من الأيام. أي: ولا تمش فى الأرض مختالًا متبخترًا؛ لأن تلك مشية الجبارين المتكبرين الذين يبغون فى الأرض، ويظلمون الناس، بل امش هونّا؛ فإن ذلك يفضي إلى التواضع. وهذه كلمة جامعة من الحكمة والتقوى؛ إذ جمع لابنه الإرشاد إلى فعله الخير، وبثّه في الناس، وكفّه عن الشر، وزجره الناس عن ارتكابه. وهي وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم ليمتثلها الناس، ويقتدوا بها، بعد أن امتثلها هو فکان حكيمًا متواضعًا لله ولخلقه. فبعد أن أمر ابنه بأصل الدین وهو التوحید، ونهاه عن الشرك ... ، نهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك. وفي قوله: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَّمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ﴾ [لقمان: ١٨]. قالوا في معناها: لا تمل خدك للناس كبرًا عليهم، وإعجابًا بنفسك، واحتقارًا للخلق ... ، وقيل في معناها أيضًا: ﴿تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: أن تولي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره، فكل إنسان له قدر عند نفسه، وله قدر عند خالقه سبحانه فعامل الناس بالصورة التي تحب أن يعاملوك بها، وانظر للذي تأمره وتنهاه وضع نفسك مكانه، إذا كنت أنت مكانه في هذه المعصية وهو يأمرك، فإنك تحب أن يأمرك باللين، فكن ليّا أنت معه، وأمره بالطريقة التي تحب أن يأمرك هو بها في يوم من الأيام، وعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: ((فالمعنى: أقبل عليهم -أي: الناس- متواضعًا مؤنسًا مستأنسًا، وإذا حدّثك أصغرهم فاصغ إليه حتی یكمل حديثه، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل))(١). قال سيد قطب: ((ويستطرد لقمان في وصيته التي يحكيها القرآن هنا إلى أدب الداعية إلى الله، فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس، والتطاول عليهم باسم قیادتهم إلى الخير، ومن باب أولى يكون التعالي والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٧٠. ٤٨ جَوَهُ القرآن الكريم التواضع ﴿ وَلَا تُصَعِّ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ والصعر: داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها، والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصّعر، حركة الكبر والازورار، وإمالة الخد للناس في تعالٍ واستكبار! والمشي في الأرض مرحًا هو المشي في تخايل ونفخة، وقلة مبالاة بالناس، وهي حركة كريهة يمقتها الله، ويمقتها الخلق، وهي تعبير عن شعور مریض بالذات، یتنفس في مشية الخيلاء! ومع النهي عن مشية المرح بيان للمشية المعتدلة القاصدة ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ﴾ والقصد هنا من الاقتصاد، وعدم الإسراف، وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال ومن القصد كذلك؛ لأن المشية القاصدة إلى هدف لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق. والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أوٍ يغلظ في الخطاب إلا سيء الأدب، أو شادًّ في قيمة قوله، أو قيمة شخصه، يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق! والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبّحه في صورة منفّرة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اَلِْيرِ﴾ فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية مع النفور والبشاعة، ولا يكاد ذو حس يتصور هذا المشهد المضحك من وراء التعبير المبدع، ثم يحاول شيئًا من صوت هذا الحمير!))(١). ٢. ذو القرنين. ذو القرنين هذا الملك الصالح الذي ملك الأرض، وهو أحد أربعة (٢) حكموا الناس شرقًا وغربًا، حكى الله قصته في سورة الكهف في عدة آيات، وفي قصته دروس عظيمة، وفوائد جمة، تدل على عقله الراجح، وحنكته السياسية، ومقدرته على الحكم، وعلى الرغم من ذلك فإنه كان في قمة التواضع لربه وخالقه جل وعلا، ولعباده. حكى الله عنه أنه قال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ تُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَقُّإِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِ حَا فَلَهُ جَزَّآءُ الْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ. مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٧-٨٨]. وقال: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَعِينُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَّكُمْ وَيَتْنَهُمْ رَدْمًا (٥ ◌َتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ. [الكهف: نَارًا قَالَ مَاتُونِيِّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (١) في ظلال القرآن ٥/ ٢٧٩٠. (٢) مسلمان، وهما: ذو القرنين وسليمان عليهما السلام، وكافران، وهما: النمرود وبختنصر، كذا قيل، والله أعلم. انظر: فنون العجائب، أبو سعيد النقاش ص ١٠٩. www. modoee.com ٤٩ حرف التاء ٩٥-٩٦]. ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةً مِّن وقال تعالى عنه أنه قال: تَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ, ذَكَآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨]. قال سيد: ((﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِى جَعَلَهُ, ذَكَاءُ وَكَانَ وَعْدُ رَبٍ حَقًّا﴾ وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكّنه الله في الأرض، وييسّر له الأسباب، فيجتاح الأرض شرقًا وغربًا، ولكنه لا یتجبّر ولا یتکّر، ولا یطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا یعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخّر أهلها في أغراضه وأطماعه، إنما ینشر العدل في کل مکان یحلّ به، ويساعد المتخلفین، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم القوة التي يسّرها الله له في التعمير والإصلاح، ودفع العدوان، وإحقاق الحق، ثم يرجع کل خیر یحقّقه الله علی یدیه إلى رحمة الله، وفضل الله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله))(١). والمقصود: أن التواضع خلق الصالحين في أحوالهم كلها، ولقد كان سلف هذه الأمة لا تغيّرهم المناصب ولا الدنيا، ولا (١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٩٣. مَوَسُولَةُ الَّقية القرآن الكريم یحتقرون أحدًا صغر عنهم أو کبر، بل كانوا شديدي التواضع والانكسار لله، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا. فهذا ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته یأخذ بر کاب زيد بن ثابت الأنصاري ويقول: ((هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا))(٢). وقال مجاهد: ((ربما أخذ لي ابن عمر بالركاب»(٣). وقد كان بكر بن عبد الله المزني رحمه الله آية في التواضع في ملبسه وكلامه وتصرفاته ومعاملته للخلق، يعامل جميع الناس على حد سواء، في الرفق والاحتفاء والبشر والاهتمام بأحاديثهم، فلا يفرّق بين غني وفقير، وبين عالم وجاهل، وشريف ووضیع، لا یعنف أحداً، ولا یترفع على أحد مع عظم منزلته، حتى إنه يقول: «إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: سبقني بالإيمان والعمل الصالح؛ فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي؛ فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظّمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل: هذا ذنب أحدثته))(٤). (٢) انظر: تاريخ الإسلام، الذهبي ٤ / ٥٧، البداية والنهاية، ابن كثير ١٢ / ٩٤. (٣) انظر: تاريخ الإسلام، الذهبي ٢٣٧/٧، تاريخ دمشق، ابن عساكر ٣٤/٥٧. (٤) صفة الصفوة، ابن الجوزي ١٤٦/٢. ٥ ٠ التواضع فوائد التواضع لا شك أن خلق التواضع من أعظم الأخلاق الكريمة، والشمائل الحميدة، التي يتحلى بها المؤمن الكريم، فيضفي على إخوانه المسلمين المحبة والمودة والألفة، ويرضي ربه، ويقتدي برسوله صلی الله علیه وسلم سيد المتواضعين، وللتواضع فوائد عديدة، نذکر بعضًا منها: أولًا: دخول الجنة. من أعظم ما يناله المتواضعون هو دخول جنات النعيم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ بَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوًّاً فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَنِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. والمعنى: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحقّ في الأرض، وتجبرًا عنه ولا فسادًا، يقول: ولا ظلم الناس بغير حقّ، وعملًا بمعاصي الله فيها(١). و﴿يَلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ إشارة تعظيم، کأنه قال: تلك التي سمعت خبرها، وبلغك وصفها، تعظيم لها، وتفخيم لشأنها (٢). ويراد بالدار الآخرة هنا: الجنة؛ وذلك (١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٦٣٧. (٢) مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٦٦٠، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /١٨٦. معهود في إطلاقها على الجنة، ومعلوم أن ما يجعل لهؤلاء هو الجنة ... ، والأحسن أن یکون ذلك على حذف مضاف دل عليه المعنى، أي: نعيم الدار الآخرة وحظوتها وخيرها؛ لأن الدار الآخرة هي موضع الإقامة بعد انقضاء الدنيا، وسميت آخرة؛ لأنها متأخرة عن الدنيا، أو هي آخر ما يسكن(٣). ومعنى جعلها لهم: أنها محضرة لأجلهم ليس لهم غيرها، وأما من عداهم فلهم أحوال ذات مراتب، أفصحت عنها آيات أخرى، وأخبار نبوية (٤). وعن الفضيل: أنه قرأها -أي: هذه الآية-، ثم قال: ذهبت الأماني هاهنا. وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه .(٥). أنه کان یر ددها حتی قبض . وقوله: ﴿لَا يُرِدُونَ عُلُوَّا فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد الله، والتكبر عليهم وعلى الحق ﴿وَلَّا فَسَادًا﴾ وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد لزم من ذلك أن تکون إرادتهم مصروفة إلی الله، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد الله، (٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٤٩٧. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ١٨٩. (٥) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢٨١/٤ www. modoee.com حرف التاء والانقياد للحق، والعمل الصالح (١). ومعنى: ﴿لا يُريدُونَ﴾ كناية عن: لا يفعلون؛ لأن من لا يريد الفعل لا يفعله إلا مكرهًا ... ، والعلو: التكبر عن الحق وعلى الخلق، والطغيان في الأعمال. والفساد: ضد الصلاح، وهو كل فعل مذموم في الشريعة أو لدى أهل العقول الراجحة، وقوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ العاقبة: وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به، وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة، وغلب إطلاقها على عاقبة الخير(٢). فهؤلاء متواضعون: لا يريدون التكبر على خلق الله، ولا الاستعلاء على عباد الله، ولا يتيهون بأحسابهم ولا بأنسابهم ولا بأمومتهم أو أبوتهم، ولا بأموالهم، ولا بما ملّكهم الله في هذه الدنيا، وإلا لكان ذلك ابتلاء وفتنة، کما کانت کنوز قارون لقارون، فقد فتن بها وعذّب في الدنيا؛ وعذاب يوم القيامة أشد. والدار الآخرة إنما جعلها الله للذين لا یستعلون على عباد الله، ولا يتكبرون على الإيمان والمؤمنين ... ، والدار الآخرة وجنتها ورضاها ورحمتها مقصورة على الذین لا یتکبرون، ومن ينازع الله في كبريائه أذله وحقره(٣). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٢٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ١٩٠. (٣) انظر: تفسير المنتصر الكتاني ١٥٦/٦. وقال في آية أخرى: ﴿وَيَشْرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج: ٣٤]. يعني: بالجنة (٤). وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ اَلْمُخْبِتِينَ﴾ قال: ((هم المتواضعون)»(٥). ثانيًا: محبة الله للمتواضع. ومن فوائد التواضع العظيمة محبة الله للمتواضع، يقول الله جل وعلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَفِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥٤]. فأخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الکریمة: أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يآتي عوضًا عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين؛ وبهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأمره بلين الجانب للمؤمنين، بقوله: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. وقوله: ﴿وَلَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ أَبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥](٦). فالتواضع يورث محبة الله للمتواضع، (٤) انظر: تفسير يحيى بن سلام ١/ ٣٧٥. (٥) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره، ٤٠٦/٢، والطبري في تفسيره ١٦ / ٥٥١. (٦) أضواء البيان، الشنقيطي ٤١٥/١. سمالعضو مَوَسُوع لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٥٢ التواضع ومحبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها علیه، وأعظم فضيلة تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدا يسر له الأسباب، وهوّن عليه كل عسير، ووفّقه لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد. ومحبة الله حال من أحوال الذات العلیة لا نعرف كنهها، ولا ندرك حقيقتها، وهي تليق بذاته الكريمة، وتتفق مع صفات الجلال والكمال التي يتصف بها واجب الوجود، والذي خلق بقدرته كل موجود، وهي غیر الإحسان، وإن كانت من فضل الله، وغير الرحمة وغير الرضا؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعلها لبعض عباده، والإحسان والرحمة يعمّان كل موجود، والرضا وإن جعله جزاء أعلى للمحسنين، كما قال في جزاء المؤمنين بعد ذكر الجنات والنعيم المقيم: ﴿وَيِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. فالمحبة أكبر منه، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى، فكان هذا دليلًا على أنهما متغايران بالنسبة لذاته العلية، كما أن المدلول اللفظي لهما متغاير، وإن كانت المحبة تتضمن الرضا لا محالة، بل إنها لا تكون إلا حیث يكون أقصى الرضا، هذه إشارة إلى محبة الله لبعض عباده الذين اصطفاهم(١). (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١١٨٧/٣. والمقصود: أن من الأسباب التي يترتب عليها محبة الله: الذّلة على المؤمنين بأن يكون المسلم للمؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته، والعزة على الكافرين، أي: لا يخضعون للكافرين، ولا يحالفونهم على المؤمنين، ولا يختارون أن يدخلوا في ولايتهم ويتركوا ولاية المؤمنين. موضوعات ذات صلة: الاستكبار، الخشوع، الذل، الغرور www. modoee.com ٥٣