النص المفهرس
صفحات 21-40
التواضع أي: والحال أنهم مجتمعون حوله صلى صلوات الله وسلامه عليه. وهكذا ينبغي أن يكون حال المسلم في معاملته مع الناس، وتواضعه معهم. الله عليه وسلم بفضل الله وبرحمته، فهو الذي جعل في قلبه الشفقة والحنان والرحمة على المؤمنين؛ ليقتدي به المؤمنون، فكل إنسان مؤمن قدوته النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مهما أنفق على الناس من مال فلن یجمع قلوبهم، وقد یجمع أبدانهم، لكن القلوب يجمعها الله سبحانه وتعالى بما يجعله في خلق الإنسان من تواضع، ومن لین جانب، ومن حب للغیر، فمن یحب الخلق يحبه الخلق، أما من يكره الناس تكرهه الناس؛ ولذلك كان الرجل الجاهلي يقول (١): لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني أي: لا أسأل أحدًا هل تحبني، أو لا تحبني؟ ولكن أبحث في قلبي إذا كنت أحب إنسانًا، فإن الله عز وجل يجعل في قلب هذا الإنسان المحبة لي، أما إذا كنت أکرهه فکیف أرجو المحبة منه؟! فعلی ذلك لا تطلب محبة من تكرهه. فجعل الله عز وجل في قلب النبي صلى الله عليه وسلم المحبة للمؤمنين، فکان یدعو لهم، ویشفق علیهم، ویرحمهم، ويرأف بهم، فيحبونه، ويجتمعون حوله (١) البيت لذي الإصبع العدواني. انظر: العقد الفريد، ابن عبدربه ٢/ ١٧٧ . والمقصود: أن من علامات التواضع أن يكون المسلم لين الجانب للخلق على اختلاف طبقاتهم وطبائعهم، مع الأقارب والأجانب، وأن یکون حسن الصحبة، ذا رفق مع الشريف والضعيف، مع تواضعه للحق والدین؛ لأنه ربما يكون صاحب النار ليّن الجانب للناس، حسن الأخلاق، لكنه جبار بالنسبة للحق، مستكبر عن الحق، فلا ينفعه لینه وعطفه على الناس، بل هو موصوف بالجبروت والكبرياء ولو كان لين الجانب للناس؛ لأنه تجبر واستكبر عن الحق. فيجب على الإنسان المسلم أن يكون ليّن الجانب لإخوانه، وبخاصة من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، فليخفض له جناحه أكثر؛ لأن المتبع للرسول عليه الصلاة والسلام أهل لأن يتواضع له، وأن يكرم، وأن يعزز، قال تعالى: ﴿وَلَخْفِضْ جَنَلَمَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. وقال الله تعالى لرسوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]. www. modoee.com ٢٧ حرف التاء فاصبر نفسك: احبسها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: یعني صباحًا ومساءً، لا رياء ولا سمعة، ولكنهم يريدون وجه الله عز وجل في دعائهم له، وعبادتهم وذکرهم وتسبيحهم له. وتواضع المؤمن ولینه یجب أن یکون لينًا ليس معه ضعف، فيكون لين الجانب، سهل الأخلاق، مسفر الوجه، طليقه، یتواضع مع الصغیر والکبیر، ولکن بحیث لا یطمع فيه أهل الظلم، فیغتنم دینه ویخدعه، ویصرفه عن طريق الحق، لابد أن يكون ليّنا، ولكن لا يكون مع اللين ضعف شديد، وأن یکون حلیمًا فلا یعجل، وإذا تكلم علیه أحد لم یغضب، ولم يشتد في كلامه، بل یغلبه الحلم. وليعلم المسلم: أن لين الجانب المعروف بالتواضع على ثلاثة أقسام: بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله ١. واجب: كالتواضع لله ولرسوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩]. وللحاكم والعالم والوالد. ٢. حرام: كالتواضع لأهل النار والظلم والكبر؛ لأن التواضع لهؤلاء هو الذل الذي لا عز معه، والخسة التي لا رفعة معها. ٣. مندوب: کالتواضع لعباد الله سوى من ذکر. ومفهوم المؤمنين أن الكفار لا يجوز موالاتهم بالمعنى المذكور؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُؤَآَدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم مبعوثًا بأعدل الأمور وأكملها، فهو نبي المرحمة، ونبي الملحمة، فكان صلى الله عليه وسلم في مظهر الكمال الجامع بين القوة والعدل والشدة في الله، وبين اللين والرأفة والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات؛ ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشدة في موضع الشدة، وباللين في موضع اللين، ووضع السیف موضعه، ووضع الندى موضعه. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى وقوله: اُلْكَفِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥٤]. ٣. خفض الجناح للوالدين وللمؤمنين. ومن مظاهر التواضع: التواضع للوالدين بطاعتهما بما لا يخالف الشرع، وبالإحسان إليهما وإكرامهما، وبالتواضع لهما، والشفقة ٢٨ جُوبُوالَهُ النَّفِيَّة جوبيهـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التواضع قولًا حسنًا، وكلامًا طيبًا، مقرونًا بالاحترام والتعظيم، مما يقتضيه حسن الأدب، وغير ذلك مما يجب لهما، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل لَّمَا أُنِّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. ثم زاد الأمر بالإحسان إلى الوالدين تأكيدًا، فصوّر ما ينبغي أن تكون عليه حال الولد من والديه دائمًا، وأخرج معنى الرحمة بهما، والإحسان إليهما، والتواضع لهما في مظهر شيء متخيل محسوس مبالغة في الإلزام به، والدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبِّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. فصوّر الذلّ المأمور به بطائر خرّ هاويًا إلى الأرض، ثم صوّر مبالغة وضوح الذلّ والتواضع بنشر هذا الطائر - مع ذلك- جناحيه يخفضهما نحو الأرض، بيد أنه استدرك كي لا تحسب أنه ذلّ الحطّة والصغار، وهو ما ينهى عنه الإسلام، ولا يمكن أن يأمر به، فقال: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ عليهما، والتلطف بهما، بأن يقول لهما أي: بسبب ويعامل الرحمة بهما، وهو شرف لك، وليس بصغار عليك، ومع ذلك فلا تقتصر على أن تعاملهما برحمة من عندك، بل ادع الله لهما أيضًا على أن يشملهما برحمة من عنده ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبَّانِ صَغِيرًا﴾ أي: رحمة كرحمتهما بي إذ كنت صغيرًا، أو في مقابل رحمتهما بي إذ ذاك(١). والمقصود أن قوله: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ المقصود منه والعبادة: هي التذلل للمعبود والتواضع له، وكذلك الإحسان إلى الوالدين يقتضي التواضع لهما؛ وذلك ينافي الاختيال والعجب والتفاخر؛ ولهذا قرن بينهما. المبالغة في التواضع، أي: ابسط لهما جناح الذّلّ والمسكنة والتواضع، الناشئة من كمال الرحمة والشفقة عليهما، وقد ورد: (الجنة تحت أقدام الأمهات)(٢) معناه: أن التواضع للأمهات سبب دخول الجنة. والأمر في ﴿وَأَخْفِضْ﴾ أمر للولد بالتواضع للوالدين تواضعًا يبلغ حد الذل لهما؛ لإزالة وحشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد؛ لأن الأبوين بيغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما، والقصد من ذلك التخلق بشكره على إنعامهما السابقة علیه. قال ابن عاشور: ((وصيغ التعبير عن (١) من روائع القرآن، البوطي ص ٢٦٠. (٢) أخرجه الشهاب القضاعي في مسنده، ١٠٢/١، رقم ١١٩، والدولابي في الكنى والأسماء، ١٠٩١/٣، رقم ١٩١١. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص ٣٩٤، رقم ٢٦٦٦. www. modoee.com ٢٩ حرف التاء التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر عند عمانهي عنه، لا يعصي ربه، ولا والديه (٣). فجمع بین القيام بحق الله وحق خلقه؛ ما یعتریه خوف من طائر أشد منه؛ إذ يخفض جناحه متذللا، ففي التركيب استعارة مكنية، والجناح تخييل بمنزلة تخييل الأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب(١): ولهذا حصلت له السلامة من الله في جمیع أحواله، مبادئها وعواقبها؛ فلذا قال: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]. وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع وهذه أحكام عامة في الوالدين وإن کانا مشركين، ولا يطاعان في معصية ولا كفر، كما في آية سورة العنكبوت، ومقتضى الآية التسوية بين الوالدين في البر وإرضاؤهما معًا في ذلك؛ لأن موردها لفعل يصدر من الولد نحو والديه؛ وذلك قابل للتسوية، ولم تتعرض لما عدا ذلك مما يختلف فيه الأبوان، ويتشاحان في طلب فعل الولد إذا لم يمكن الجمع بين رغبتيهما، بأن یأمره أحد الأبوين بضد ما يأمره به الآخر، ويظهر أن ذلك يجري على أحوال تعارض الأدلة، بأن يسعى إلى العمل بطلبيهما إن استطاع)»(٢). وقال الله تعالى عن يحيى: ﴿وَبَرَّا بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًاعَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤]. أي: ولم يكن مستكبرًا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعًا متذللاً يأتمر لما أمر به، وينتهي (١) انظر: جمهرة أشعار العرب، القرشي ص ٥٣٦، تهذيب اللغة، الأزهري ٢٦٠/١١. (٢) التحرير والتنوير ١٥/ ٧٠. وذلك يقتضي سلامته من الشيطان والشر والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال ومن أهل دار السلام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر المرسلين، وجعلنا من أتباعهم، إنه جواد کریم(٤). ٤ . بذل السلام. ومن مظاهر التواضع: بذل السلام على كل أحد، فالمؤمن المتواضع یفشي السلام، ويبذله لكل أحد، صغيرًا أو كبيرًا، غنيًا أو فقيرًا، عرفه أو لم يعرفه، فإفشاء السلام من أجل القربات، وهو من صفات المؤمنين المتواضعين، ومن أسباب المحبة والألفة، والمحبة من أسباب دخول الجنة، فمن أراد دخول الجنة فعليه أن يفشي السلام، ويسلم على كل من لقي، وفي هذا إزالة للوحشة؛ فإنك إذا لقيت شخصًا ولم تسلّم عليه دخلت الجفوة والوحشة بينك وبينه. وقدروي: ((رأس التّواضع ثلاثةٌ: الابتداء (٣) جامع البيان، الطبري ١٦٠/١٨. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٩١. ٣٠ مُوسُوبَةُ النَّسيد جونيو الْقُرآن الكَرِيْمِ التواضع بالتّسليم على كلّ أحدٍ، والرّضا بالمجلس كأنهم شخص واحد من تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم، فالسلام مشروع لدخول سائر البیوت من غیر فرق بین بیت وبيت»(٣). عن شرف المجلس، وحبّ العبد المساجد، وترك الرّياء والسّمعة في شيءٍ من دينه))(١). وقد أمر الله في القرآن بإلقاء السلام على أهل البيوت التي يدخلها المسلم، فالسلام هنا للاستئذان والاستئناس والتواضع والبركة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُّبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ [النور: ٦١]. وجعل الله عز وجل السلام علمًا وشعارًا فيما بين المسلمين، وأمانًا يؤمّن بعضهم بعضًا من شره؛ ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلّمون، ولا يردّون السلام، وإن كانوا لا يعرفون تفسيره ولا معناه؟! ولكن على الطبع جعل ذلك لهم(٢). وقوله: ـًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتعمّ البيوت المسكونة وغير المسكونة، فأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بیت کان للغير أو لنفسه، فإذا دخل بيتًا لغيره استأذن، وإذا دخل بيتًا لنفسه سلّم. قال السعدي: ((﴿فَإِذَا دَخَلْتُم ◌ُونًا﴾ نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء کان في البیت ساکن أم لا، فإذا دخلها الإنسان ﴿فَسَلِمُواْ عَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي: فليسلّم بعضكم على بعض؛ لأن المسلمين (١) ترتيب الأمالي الخميسية، الشجري ٢/ ٣٠١. (٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٢٨٥/٣. وقوله: ﴿تَجِيَّةٌ﴾ أصل التحية: الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاءٍ، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضًا يقول: حياك الله، ثم استعملها الشرع في السلام، وهي تحية الإسلام، قال تعالى: ﴿وَشَهِتَّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿يَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، سَلَمْ﴾ وقال: [الأحزاب: ٤٤]. وقال: ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ [النور: ٦١]. قالوا: في السلام مزيةٌ على التحية؛ لما أنه دعاءٌ بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية، وهي مستلزمةٌ لطول الحياة، وليس في الدعاء بطول الحياة ذلك؛ ولأن السلام من أسمائه تعالى، فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزّيته، أي: إذا سلّم عليكم من جهة المؤمنين (٤). وقوله: ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي: ثابتة بأمره تعالى، مشروعة من لدنه عز وجل، وكانت ﴿مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ لأنه أمر بها؛ ولأنها يحفّها رضاه وبركته وطيبه، ولا شىء ابرك وأكرم (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٥. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٧٠، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ٢١١. www. modoee.com ٣١ حرف التاء مما جاء من عند الله، واختاره وأحبه مؤمن لمؤمن، وكلاهما يرجو بها من الله تعالى زيادة الخير، وطيب الرزق. وشرعه! قال ابن عاشور: «ولكون كلمة (السلام) جامعة لهذا المعنى امتن الله على المسلمين بها بأن جعلها من عند الله؛ إذ هو الذي علّمها رسوله بالوحي))(١). وقيل: ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء، وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا (٢). فلا يليق بالمسلم أن يدع هذه التحية إلى تحية الجاهلية، أو ما شابهها من ألفاظٍ مستحدثة، كقولهم: احتراماتي، تحياتي، صباح الخير، إلى غير ما هنالك من ألفاظ وعبارات ليس فيها ذلك المعنى اللطيف أو المغزى الدقيق الذي قصد إليه الإسلام، دین الإنسانية الخالد(٣). و﴿مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة جميلة، ويقال: ذكر البركة والطيب ها هنا لما فيه من الثواب، ومن أهدى سلامًا إلى إنسان فهي هدية خفيفة المحمل، طيبة الريح، مباركة العاقبة (٤). فوصف سبحانه هذه التحية بالبركة والطيب لأنها دعوة (١) التحرير والتنوير ١٨/ ٣٠٤. (٢) المصدر السابق ٢٠/ ٧. (٣) روائع البيان تفسير آيات الأحكام، الصابوني ٢/ ٢٣٤. (٤) تفسير القرآن، السمعاني ٣/ ٥٥٣. مُوسُوبَةُ التَّقِ القرآن الكريمِ قال السعدي: ((ثم مدح هذا السلام فقال: ﴿َتَجِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. أي: سلامكم بقولكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ إذ تدخلون البيوت ﴿تَجِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ أي: قد شرعها لكم، وجعلها تحيتكم ﴿مَُرَكَةُ ﴾ لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، ﴿طَيِّبَةً﴾؛ لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فیه طیب نفس للمحیا، ومحبة وجلب مودة»(٥). فالتعبير في قوله: ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية، فالذي يسلّم منهم على قريبه أو صدیقه یسلّم على نفسه، والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند الله، تحمل ذلك الروح، وتفوح بذلك العطر، وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهكذا ترتبط قلوب المؤمنين بربهم في الصغيرة والكبيرة (٦). ونظير الآية السابقة قوله: ﴿وَإِذَا حُبِّيتُم (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٥. (٦) في ظلال القرآن ٤/ ٢٥٣٤. ٣٢ التواضع ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء: ٨٦]. ﴿وَإِذَا حُيِّينُمْ﴾ أي: سلّم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين ﴿إِنَحِيَّةِ﴾ هي تفعلة من حيّا يحيّي تحية ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي: قولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، إذا قال: السلام علیکم، وزيدوا: وبركاته، إذا قال: ورحمة الله، ويقال لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام وبر كاته ﴿آو رُدُّوهَا﴾ أي: أجيبوها بمثلها، ورد السلام جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلّم، وفيه حذف مضاف، أي: ردوا مثلها(١). وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يبدأ من لقيه بالسلام، ويسلّم على الصبيان إذا مر بهم (٢). ٥. ترك التفاخر والبغي. ومن علامات التواضع: ترك التفاخر والبغي، فهما صفتان تنافيان التواضع. وقد ضرب الله في القرآن مثلًا لرجلين: الأول: متكبر فخور بما آتاه الله من فضله. (١) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٣٨٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان، ٨/ ٥٥، رقم ٦٢٤٧، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب استحباب السلام على الصبيان، ٤ /١٧٠٨، رقم ٢١٦٨. والآخر: متواضع خاشع لله. فقال عن الأول: ﴿وَكَانَ لَّهُ ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. قَالَ مَآ أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيْن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٤-٣٦]. إلى آخر الآيات التي ساق فيها مثلًاً للنفس الإنسانية المغرورة المتفاخرة بزينة الحياة الدنيا، الجاحدة لنعم الله، وللنفس الإنسانية المتواضعة المعتزة بعقيدتها السليمة، الشاكرة لربها؛ لكي يكون في هذا المثل عبرة وعظة لمن كان له قلب. فقال تعالى: ﴿وَكَانَ لَّهُ نَمَرُ فَقَالَ لِصَحِیهِ. وَهُوَ تُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالًا، وأعز منك عشيرة وحشمًا وأعوانًا، وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرًا وفسادًا في الأرض. ثم انتقل صاحب الجنتين من غروره هذا إلى غرور أشد، حكاه القرآن في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّنَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَا أَغْظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً وَلَيِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ أي: أن هذا المغرور لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن، بل سار به www. modoee.com ٣٣ حرف التاء نحو جنته حتى دخلها، وهو ظالم لنفسه بقدرته ﴿مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أباك الأول من تراب ﴿مَّ مِن نُظْفَةٍ﴾ أي: خلق أباك آدم من بسبب کفره وجحوده وغروره، وقوله: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: وهو معجب بما أوتي مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرّضُ بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم، وقوله: ﴿قَالَ مَآ أَخُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا﴾ أي: قال هذا الكافر لصاحبه: ما أظن أن هذه الجنة تفنى أو تهلك أبدًا. تراب، ثم أوجدك أنت من نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى سَوََّكَ رَجُلًا﴾ أي: ثم صيّرك إنسانًا كاملًا، ذا صورة جميلة، وهيئة حسنة، والاستفهام في قوله: ﴿أَكَفَرْتَ ﴾ للإنكار والاستبعاد؛ لأن خلق الله تعالى له من تراب ثم نطفة، ثم تسويته إياه رجلًا، يقتضى منه الإيمان بهذا الخالق العظيم، وإخلاص العبادة له، وشكره على نعمائه، وترك الفخر والتكبر. والمتدبر لحال صاحب الجنتين يراه أولًا: قد زعم أن مدار التفاضل هو الثروة والعشيرة، ويراه ثانيًا: قد بنى حياته على الغرور والبطر، واعتقاد الخلود لزينة الحياة. ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله الرجل المؤمن المتواضع لصاحب الجنتين، الذي نطق بأفحش، وأفجر الفجور، فقال تعالى: قَالَ لَهُ، صَاحِبُهُ, وَهُوَ تُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا ( ٣٧ لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةً إِلَّا بِاللَّهَّ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَّدًا ٣٩ فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِن جَنَِّكَ وَبُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَآءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ. ٤٠ طَلَبًا﴾ أي: قال الرجل الفقير المؤمن في رده على صاحبه الجاحد المغرور، منكرًا عليه كفره، قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة: يا هذا ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ﴾ ثم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين: ﴿لَّكِنَّا هُوَ اَللّهُ رَبِّ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا أي: إن كنت أنت يا هذا قد كفرت بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سوّاك رجلًا، فإني لست بكافر، ولكني أنا مؤمن، أعترف له بالعبادة والطاعة، وأخضع وأتواضع(١). فمما ينافي التواضع: البغي، وهو العدوان على الناس بالقول وبالفعل ونحو ذلك. قال ابن منظور: ((وأصل البغي مجاوزة النَّاسُ إِنَّمَا الحدّ)) (٢)، قال تعالى: بَغْيُّكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. (١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٨ / ٥١٦. (٢) لسان العرب ٧٨/١٤. ٣٤ القرآن الكريم التواضع أي: إن اسم البغي وعقوبة البغي على الذين لهم الجزاء الحسن من ربهم هم الذين الباغي (على أنفسكم الباغية). والمقصود أن من مظاهر التواضع ترك استكبار، يطؤون الأرض برفق، ويعاملون هذه الأمور، وهي: (الغرور والعجب والكبر والبغي) فكلها رذائل، والتواضع فضيلة، وقد جعل الله تعالى الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض، قال الكلبي ومقاتل: استكبارًا عن الإيمان، وقال عطاء: وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنّعًا ورياء، وإنما بعزة وأنفة، هي عزة المؤمن المتواضع لله وحده. استطالة على الناس، وتهاونًا بهم، وقال الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانهم، وعن علي رضي الله عنه: أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل المقدرة، يعني: من كان من الولاة وأهل القدرة متواضعًا فهو لا يريد علوًّا فى الأرض ولا فسادًا(١). قال السعدي: ((﴿وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد لزم من ذلك أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد الله، والانقياد للحق، والعمل الصالح)»(٢). ومدح الله من عباده ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. أي: وعباد الله المخلصين الربانيين (١) معالم التنزيل، البغوي ٥٤٧/٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٢٥. يمشون في سكينة ووقار من غير تجبّر ولا الناس بلين، لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، كما قال تعالى حاكيًا وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَّمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. فلا ینبغی التفاخر بمظاهر الدنيا، فإن كل ما فيها من ثروات وقصور ومبانٍ وآلات هو متاع يستمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب، وما عند الله من الثواب على الطاعة خير وأدوم للذين صدّقوا بالله ووحّدوه، وتوكلوا على ربهم وفوّضوا إليه أمورهم. وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباد أن يتواضع بعضهم لبعض، حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، فقال: (وإن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)(٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، ٢١٩٨/٤، رقم ٢٨٦٥. www. modoee.com ٣٥ حرف التاء تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم في رضي الله عنهم (٣). التعليق على هذا الحديث: ((فنهى سبحانه عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهو الفخر والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحقّ فقد افتخر، وإن كان بغير حقٌّ فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا))(١). ٦ مشاركة الضعفاء والمساكين. ومن مظاهر التواضع: مشاركة الضعفاء والمساكين، والجلوس معهم، وتفقّد أحوالهم، وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طرد المؤمنين الضعفاء، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةْ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌّ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. يعني: المصلّين، بلالًا وابن أم عبد، کانا یجالسان النبي صلی الله عليه وسلم، قالت قريش محقرتهما: لولاهما وأمثالهما الجالسناه، فنهي عن طردهم(٢). وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أشد امتثال، فكان إذا جالس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسّن خلقه، وقرّبهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه (١) اقتضاء الصراط المستقيم ٤٥٣/١. (٢) انظر: تفسير مجاهد ١/ ٣٢٢. قال الطبري: ((ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!))(٤). وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا! قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذیل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَظِرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ وهذه وصية له صلى الله عليه وسلم فى باب الفقراء والمستضعفين؛ وذلك لما قصروا لسان المعارضة عن استدفاع ما کانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول صلوات الله عليه وسلامه مجلسه منهم، وسكنوا متضرعین بقلوبهم بين يدي الله، أراد أن يبيّن له أثر حسن الابتهال، فتولّى سبحانه خصيمتهم، وقال: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٥٨ (٤) جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٧٤. ٣٦ مُوسُو ◌َ النَِّيـ الْعُرآن الكَرِيْمِ التواضع رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَاَلْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ لا هذا الدين الذي يدعو إليه ليس بجاههم وسلطانهم وأنسابهم وأحسابهم، وإنما هو مائدة ممدودة من الله لعباد الله، فمن أخذ مكانه منها لم يكن لأحد أن يزحزحه عنه (٢). تنظر يا محمد إلى خرقتهم على ظاهرهم، وانظر إلى حرقتهم فى سرائرهم، ويقال: كانوا مستورين بحالتهم، فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه سبحانه قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَدٌ﴾ فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول: إن شخصًا مخلوقًا يريد الحق سبحانه؟!(١). وجاء هذا النهي إلى النبي الكريم ليقرع أسماع المشركين، وليريهم أن محمدًا لن يتخلى أبدًا عن هؤلاء الفقراء الذين تزدري أعينهم، وأنه إذا كان ألف صحبة هؤلاء الفقراء، وأنس بهم قبل أن يتلقى أمر ربه بشأنهم، فإنه الآن وقد جاءه من ربه هذا النهي الذي يلبس صورة الأمر بالحفاظ على تلك الجماعة الفقيرة المؤمنة، وملء یده منها، وإعطائها وجهه كله، إنه لن يتخلّی أبدًا عن تلك الجماعة، ولو وقعت السماء على الأرض، إنه لن يعصي أمر ربه، ولن يخرج عنه بحال أبدًا، هذا ما تعرفه قريش فيما عرفت من محمد، وأخذه بكل كلمة جاءته من ربه، أو يقول إنها جاءته من ربه، كما تزعم قريش، إذن فهذا النهي هو كبتٌ لقريش ولزعمائها خاصة، واستخفاف بهم، وأنهم أقلّ شأنًا، وأخفّ ميزانًا عند الله الذي يدعوهم محمد إلیه، وأن حساب الناس فى (١) لطائف الإشارات، القشيري ٤٧٥/١. ومن کمال تواضعه صلی الله عليه وسلم مع الضعفة والمساكين: أن الأمة من إماء أهل المدینة کانت تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به إلى حيث شاءت (٣). وفي رواية الإمام أحمد: ((إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به في حاجتها)» (٤). وفي رواية أخرى له: «إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلی الله علیه وسلم، فلا ينزع يده من يدها حتی تذهب به حیث شاءت»(٥). ٧ الاعتدال في اللباس. ومن مظاهر التواضع: عدم المباهاة باللباس، ولبس المتوسط منه، وقد ذكر الله (٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٤ / ١٩٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الكبر، ٢٠/٨، رقم ٦٠٧٢. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٩/١٩، رقم ١١٩٤١. قال المحقق: ((إسناده صحيح على شرط الشيخين)). (٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٠/ ١٧٨، رقم ١٢٧٨٠. قال المحقق: ((إسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، وقد صح الحديث بغير هذا اللفظ)». www. modoee.com ٣٧ حرف التاء تعالى في القرآن الحكمة من اللباس، فهو التقوى ذلك الذي قد علمتموه، خير لكم من أجل أن يقي من الحر والبرد، ويستر يا بني آدم، من لباس الثياب التي تواري سوءاتكم، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم، هكذا فالبسوه(٣). العورة، لا للفخر والمباهاة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. قال قتادة: من القطن والكتان والصوف، وقد قال في أول السورة: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] من البرد (١). وقال تعالى: ﴿يَبَنِيّ ءَادَمَ قَدْ أَزَلْنَا عَلَيْكُ ◌ِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ اتِكُمْ وَرِيشَاً وَرِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. فقد امتن الله علی الخلق بأن جعل لهم لباسًا وريشًا، والرياش: جمع ريش: وهو اللباس، قال الفراء: ریش ورياش كما يقال: لبس ولباس، وریش الطائر ما ستره الله به، وقيل المراد بالريش هنا: الخصب ورفاهية العيش، قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة، وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهبت له دابة وريشها، أي: وما عليها من اللباس، وقيل المراد بالريش هنا: لباس الزينة؛ لذكره بعد قوله: ﴿قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُوْ لِيَاسًا﴾ وعطفه علیه(٢). ولما كان هذا هو المقصود من اللباس، وهو الوقاية والستر، عقب بعده بقوله: ﴿وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: ولباس (١) انظر: تفسير يحيى بن سلام ١/ ٨٠. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٢٤/٢. والحاصل: أن من علامات التواضع التوسط في اللباس، وعدم المبالغة فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (البذاذة من الإيمان) (٤). والبذاذة: رثاثة الهيئة، يقال: بذّ الهيئة، وباذّ الهيئة، أي: رتّ اللبسة، والمراد: التواضع في اللباس، وترك التبجّح به(٥). وقوله: (من الإيمان) أي: من كمال أهله، والمراد من الحديث: أن التواضع في اللباس، والتوقي عن الفائق في الزينة من أخلاق أهل الإيمان، والإيمان هو الباعث علىە(٦). ولا يمنع هذا من التجمل، فخير الهدي -في قضية اللباس- هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن ھدیه في اللباس أجمل الهدي وأحسنه، فقد كان صلی الله عليه وسلم متواضعًا في لباسه، (٣) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٣٧٠. (٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب من لا يؤبه له، ١٣٧٩/٢، رقم ٤١١٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٦٠١/١ ، رقم ٣٤١. (٥) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ١١٠/١. (٦) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٧/ ٢٧٨٢. ٣٨ موسوعة النسبية الوضوء القرآن الكريم التواضع ومع ذلك کان یتجمل للوفود، وفي يوم الجمعة، ويحث أمته على إظهار نعمة الله عليهم، فقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجل يحبّ أن یکون ثوبه حسناً، ونعله حسنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل، يحبّ الجمال)(١). فکان صلی الله عليه وسلم يلبس ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل الیمن، وثياب الشام ونحوها، وتارة يلبس لباس المساكين، فيلبس جبّة من صوف أحيانًا، وأحيانًا يتّزر بعباءة ويهيئ إبل الصدقة، يعني: أنه يطلبها بيده ويصلحها، كما يفعل أرباب الإبل بها (٢). والمقصود: أن ترك اللباس الفاخر والثياب الغالية - وإن كانت حلالاً - تواضعًا لله ليس بخلًا على النفس ولا شهرة؛ علامة على التواضع، فالتوجيه الشرعي في أمر اللباس أنه يستحب للناس أن يتوسطوا ويعتدلوا فيه، من غير إسراف ولا مخيلة، ومن غير رداءة ولا رثاثة، فالاعتدال مندوب في جميع الأمور، ومنها اللباس الذي يقي الإنسان من الحر أو البرد، ويتزين به للناس. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، ١/ ٩٣، رقم ١٤٧. (٢) اختیار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، ابن رجب ص ١١١. نماذج قرآنية في التواضع التواضع للحق وللخلق من صفات الأنبياء والمرسلين، الذين عرفوا الحق فاتبعوه، والباطل فاجتنبوه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة، وهو كذلك من صفات أتباعهم الصالحين، كما سيأتي بيانه في الآتي: أولًا: تواضع الأنبياء والرسل: ١. تواضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم. أشار القرآن في غير موضع إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم فقال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظُ اَلْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والمعنى: من رحمة الله عليك أن عاملت أصحابك باللين والرفق، وهذا شيء خصّك الله به، فقد حباك بآداب القرآن العالية، وحكمه السامية، فهانت عليك المصائب، هذا مع أنّ كثيرًا من أصحابك قد استحقوا اللوم والتعنيف؛ إذ تركوك وقت اشتداد الهول فيما الحرب قائمة على أشدها. وتنوين ﴿رَحْمَةٍ﴾ للتعظيم. أي: فبرحمةٍ عظیمة لهم کائنةٍ من الله تعالى، وهي ربطه علی جأشه، وتخصيصه بمكارم الأخلاق، كنت ليّن الجانب لهم، وعاملتهم بالرفق، www. modoee.com ٣٩ حرف التاء والتلطّف بهم ... ، ولو ﴿كُنْتَ فَظًّا﴾ جافيًا كذلك، والله أعلم حيث يجعل رسالته، في المعاشرة قولًا وفعلًا، والفظّ: هو الكريه الخلق، أو هو الغليظ الجانب، السيئ الخلق ﴿فَلِظَ الْقَلْبِ﴾ قاسيه ﴿لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ لتفرّقوا من عندك، ولم یسکنوا إليك، وتردّوا في مهاوي الردى (١). فخلق الرسول مناسب لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله؛ لأن الرسول يجيء بشريعة يبلغها عن الله تعالى، فالتبليغ متعين لا مصانعة فيه، ولا يتأثر بخلق الرسول، وهو أيضًا مأمور بسياسة أمته بتلك الشريعة، وتنفيذها فیهم، وهذا عمل له ارتباط قوي بمناسبة خلق الرسول لطباع أمته؛ حتى يلائم خلقه الوسائل المتوسل بها لحمل أمته على الشريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالی منهم(٣). والفظاظة والشراسة والخشونة في المعاشرة، والقسوة والغلظة والتكبر من الأخلاق المنفّرة للناس، لا يصبرون على معاشرة صاحبهما وإن کثرت فضائله، ورجیت فواضله، بل يتفرّقون ويذهبون من حوله، ويتركونه وشأنه، لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه ﴿لَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ وإذا لفاتهم هدايتك، ولم يبلغ قلوبهم دعوتك. وتقديم المجرور ﴿فَيِمَا رَحْمَةٍ﴾ مفيد للحصر الإضافي، أي: برحمة من الله لا بغير ذلك من أحوالهم، وهذا القصر مفيد التعريض بأن أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم، ولكن الله ألان خلق رسوله؛ رحمة بهم، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمة (٢). ودل الفعل الماضي في قوله: ﴿لِنتَ ﴾ على أن ذلك وصف تقرر وعرف من خلقه، وأن فطرته على ذلك برحمة من الله؛ إذ خلقه (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٠٥/٢. (٢) التحرير والتنوير ١٤٤/٤. وهذه الآية: ﴿فَِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، ومن عجيب أمره صلی الله عليه وسلم أنه كان أجمع الناس لدواعي العظمة، ثم كان -مع ذلك- أدناهم إلى التواضع، فكان أشرف الناس نسبًا، وأوفرهم حسبًا، وأزكاهم عملًا، وأسخاهم كرمًا، وأفصحهم بيانًا، وكلها من دواعي العظمة، ثم كان من تواضعه عليه السلام أنه كان يرفع الثوب، ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض، ويجيب دعوة العبد المملوك، فصلوات الله وسلامه على السراج المنير بحر المكارم والفضائل (٤). ويبين السعدي رحمه الله ما للأخلاق (٣) انظر: التحرير والتنوير ١٤٥/٤. (٤) صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٢٢١. ٤٠ مَوَسُولَة التَفي القرآن الكريم التواضع الحسنة في الرئيس من أثر على عامة الناس، ومنامه، وفي سائر حياته، يسلّم على الغلمان ويداعبهم، ويذهب مع الفقير والجارية وسائر أصحاب الحاجات ليقضي لهم حاجاتهم، وكان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، وکان لا یشرب حتى يفرغ أصحابه فيشرب فضلتهم، وكان ينام على الحصير فيؤثر في جنبه. فيقول: ((والأخلاق الحسنة من الرئيس في الدین تجذب الناس إلی دین الله، وترغبھم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفّر الناس عن الدين، وتبغّضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم یقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم من اللين وحسن الخلق والتأليف؛ امتثالا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله))(١). والمقصود: أن هذه الآية وما أشبهها من الآيات الدالات علی اتصافه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، ومن جملة هذه الأخلاق التواضع، ولين الجانب لأصحابه، فهو سيد المتواضعين صلى الله عليه وسلم، فليس هناك خلق تجلّى في سيرة سيد المتواضعين، وسيد الخلق أجمعین -صلوات الله وسلامه عليه- كما تجلّى خلق التواضع، وإنك لتجد هذا الخلق سجيّة في شخصه الكريم، في سائر أحواله، في بيته، وبين أصحابه، في سفره وإقامته، في لباسه ومركبه، ومأكله ومشربه، ويقظته (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٥٤. فتواضعه ظاهر في كل أخلاقه، ركب الحمار، وأردف عليه، والعرب في كبرياء نفوسهم لا یرون ذلك لذوي الزعامة والشأن منهم، أجاب دعوة الداعي الذي دعاه إلى إهالة سنخة وخبز من شعير فأجاب، يغشى الأنصار في بيوتهم فيسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم، -صلوات الله وسلامه عليه-، توقظه الأمة حتى يقضي حاجتها، کلمه رجل یوم فتح مکة فلما کلمه أصاب ذلك الرجل رعدة احترامًا وتقديرًا لرسول الله، فقال: (هوّن عليك! إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد)(٢). سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى (٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأطعمة، باب القديد، ٢/ ١١٠١، رقم ٣٣١٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع ١١٨٥/٢، رقم ٧٠٥٢. www. modoee.com ٤١ حرف التاء الصلاة)(١) وقالت: (كان يخصف نعله، ويرقّع ثوبه)(٢). والمقصود: أن التواضع خلقه وصفته في حضره وسفره، والتواضع خلقه مع أصحابه ومع أعدائه، والتواضع خلقه مع الأغنياء والفقراء، مع الصغار والكبار، رقيق القلب، رءوفًا بأمته، حريصًا عليهم، ساع في تأليفهم، فأحبّوه المحبة الصادقة فوق محبة المال والأهل والولد، یقول له أحد أصحابه: يا رسول الله! إني أحبك، فكلما ذكرتك لم تقر عيني حتى أنظر إليك، ولكنني أفكر بعد موتي وعلو منزلتك ماذا سأفعل؟ فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَّهِم مِّنَ النَّبِيْتِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩](٣). ٢. تواضع إبراهيم عليه السلام. من تواضعه عليه السلام: أنه خدم أضيافه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج، ١٣٦/١، رقم ٦٧٦. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٦٩/٤١، رقم ٢٤٧٤٩. قال المحقق: ((حدیث صحیح)). (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير، ١/ ٥٣، رقم ٥٢، وفي المعجم الأوسط، ١٥٢/١، رقم ٤٧٧، والبيهقي في شعب الإيمان، ٥٠٤/٢، رقم ١٣١٧. بنفسه، قال تعالى: ﴿فَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ٦ فَقَرَّدُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٦-٢٧]. قوله: ﴿فَاعَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الروغان: هو الذهاب في اختفاء بحيث يكاد لا يشعر به، وهذا من كرم رب المنزل المضيّف، أن یذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه وهو يقول له أو لمن حضر: مكانكم حتى آتیکم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه(٤). والمقصود أنه ذبحه، فشواه فى الرضف، وأتاهم به، قال تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ يدل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف (٥) وقوله: ﴿فَقَرَّدُهُ إِلَيْهِمْ ﴾ أخذ العلماء فقهًا آخر من فقه الضيافة، ألا وهو أن صاحب البيت نفسه يستحب له أن يباشر خدمة الأضياف بنفسه، ولا يجعل الخدم فقط هم الذين يتولون تقديم الطعام، فإن مباشرة صاحب البيت تقديم الطعام بنفسه للأضياف تفهمهم مدى حفاوته واهتمامه (٤) التفسير القيم، ابن القيم ص ٤٨٨. (٥) المصدر السابق. ٤٢ مَشَارَةُ النَّفِيــ جوية القرآن الكريم التواضع بهم، وإن كان المؤدى واحد، لكن حسن مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. الاستقبال مع القيام على الخدمة كل ذلك یشعر الأضیاف باهتمام صاحب البيت بهم، وهذا ينعكس بمودة ومحبة في قلب الضيف؛ لأن المضیف جمع له بین الحسنیین: حسن الضيافة، وحسن البشاشة والاستقبال. ومن أوجه تسمیتهم مکرمین، قيل: لأن إبراهیم علیه السلام أکرمهم بتعجیل قراهم، والقيام بنفسه عليهم، وطلاقة الوجه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: خدمته بنفسه (١) إياهم (١). والمقصود أن من تواضعه عليه السلام منه (٢). أنه ذهب إلى أهله، وأحضر العجل، وذبحه بنفسه، وقرّبه إليهم، مع الإمكان أن يقوم غيره بهذه المهمة. ٣. تواضع موسى عليه السلام. وهذا موسى كليم الرحمن، أحد أولي العزم من الرسل، يذكر الله عنه قصته مع الخضر العبد الصالح، التي تعلّمنا كيف يتعلم الأكبر والأعلم من الأصغر، والأقل منه رتبة، فإن موسى عليه السلام كليم الله، مع كثرة علمه وعمله أمره الله أن يصحب العبد الصالح وهو الخضر، في رحلة استطلاعية، وجولة ميدانية، تدل على أن التواضع خير من العجب والكبر، قال تعالى: ﴿قَالَ لَّهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ (١) معالم التنزيل، البغوي ٢٨٥/٤. فموسی وهو نبيُّ عظيم، ورسول كريم عزم على الذهاب إلى الخضر، والتفتيش عنه، ولو أنّه يمضي حقبًا من الزمان، قيل: ثمانین سنة، ثمّ لما اجتمع به، تواضع له، وعظّمه، واتبعه في صورة مستفيد منه. قال الزجاج: وفيما فعل موسى عليه السلام، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم قال الرازي: ((اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعًا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر. فأحدها: أنه جعل نفسه تبعًا له؛ لأنه قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ وثانيها: أن استأذن في إثبات هذا التبعية، فإنه قال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعًا لك، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع. وثالثها: أنه قال: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ وهذا إقرار له على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم. ورابعها: أنه قال: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ وصيغة (من) للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما (٢) الوسيط، الواحدي ٣/ ١٥٨. www. modoee.com ٤٣ حرف التاء علمه الله، وهذا أيضًا مشعر بالتواضع؛ كأنه إذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ يقول له: لا أطلب منك أن تجعلنى مساويًا في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزءا من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءًا من أجزاء ماله. لمجرد کون ذلك الأستاذ آتيًا بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم، وترك المنازعة والاعتراض. وخامسها: أن قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم. وسادسها: أن قوله: ﴿رُشْدًا﴾ طلب منه للإرشاد والهداية، والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال. وسابعها: أن قوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ معناه: أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيهًا بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم. وثامنها: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغیر لأجل كونه فعلا لذلك الغیر، فإنا إذا قلنا: لا إله إلا الله، فاليهود الذين كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة، فلا یجب کوننا متبعين لهم في ذکر هذه الكلمة، لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنھم قالوها، بل إنما نقولها لقيام الدليل على أنه يجب ذكرها، أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة فعل رسول الله صلی الله علیه وسلم فإنما أتينا بها لأجل أنه عليه السلام أتى بها؛ لا جرم كنا متابعين في فعل هذه الصلوات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاسعها: أن قوله: ﴿أَتَّعُكَ﴾ يدل على طلب متابعته مطلقًا في جميع الأمور، غير مقید بشيء دون شيء. وعاشرها: أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولًا أنه نبي بني إسرائيل، وأنه هو موسى صاحب التوراة، وهو الرجل الذي كلّمه الله عز وجل من غير واسطة، وخصّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة، والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدل على كونه عليه السلام آتيًا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة، وهذا هو اللائق به؛ لأن كل من کانت إحاطته بالعلوم أکثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد. والحادي عشر: أنه قال: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِمَنِ﴾ فأثبت کونه تبعًا له أولًا، ثم طلب ثانیًا أن يعلّمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم. والثاني عشر: أنه قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ ٤٤ صَوْنُو القرآن الكريم التواضع تُعَلِّمَنِ﴾ فلم يطلب على تلك المتابعة على لمالكه وسيده. التعليم شيئًا، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا غرض لي إلا طلب العلم))(١). والمقصود: أنه راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه، واستأذن أن یکون تابعًا له، وسأل منه أن یرشده وینعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه، وهكذا ينبغي أن یکون سؤال المتعلم من العالم. وأيضًا مما يدل على تواضعه عليه السلام أنه سقى للفتاتين اللتين أرادتا السقيا فعجزتا، قال جل وعلا: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُّونَ وَوَجَدَ مِن دُوِنِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانٍ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَقَّ يُصْدِرَ الزِّهَاَةٌ وَأَبُوْنَا شَمْحُ كَبِيرٌ (٢) فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٣ فسقى لهما، وأعانهما على سقيهما، فارتاحتا من انتظار من هو أقوی منهن. ثم هو عليه السلام لما خطب من صاحب مدین ابنته جعل مهر ابنته أن یرعی غنم مدین ثماني أو عشر سنين، كل ذلك من التواضع الذي يتخلق به عليه السلام. ٤. تواضع عيسى عليه السلام. وهذا نبى الله عيسى عليه السلام يقول الله عنه: ﴿قَالَ إِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]. فتواضع لله بأنه عبد لله، والعبد خاضع (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٨٣ -٤٨٤. وفي آية أخرى قال الله تعالى: ﴿أَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]. وعدل عن طريق الإضافة في قوله: ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾ فأظهر الحرف الذي تقدّر الإضافة عليه؛ لأن التنكير هنا أظهر في العبودية، أي: عبدًا من جملة العبيد، ولو قال: ((عبد الله)) لأوهمت الإضافة أنه العبد الخصیص، أو أن ذلك علم له، وأما ما حکی الله عنه في الآية السابقة: ﴿إِنِّ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، فلأنه لم يكن في مقام خطاب من ادعوا له الإلهية(٢). وقال الله تعالى عنه أنه قال: يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. لَمْ أي: ولم يجعلني متعظّمًا عاصيًا مستكبرًا عن عبادة ربي، وطاعته وبر والدتي، فأشقی بذلك. والجبار: المتعظّم، وهي صفة مقرونة بالشقاء؛ لأنّها مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروهًا، وكان عيسى عليه السلام في غاية التّواضع، يأكل الشجر، ويلبس الشّعر، ويجلس على الأرض، ویأوي حیث جنّه اللیل، لا مسكن له، قال قتادة: وكان يقول: سلوني فإني ليّن (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٩/٦. www. modoee.com ٤٥ حرف التاء القلب، صغيرٌ في نفسي(١). يقول تعالى ذكره: وعلّمنا داود صنعة وقوله: ﴿شَقِيًّا﴾ أي: في دنياي أو لبوس لكم، واللبوس عند العرب: السلاح أخراي، فلم يجعلني كذلك، بل جعلني كله، درعًا كان أو جوشنّا أو سيفًا أو رمحًا، يدلّ على ذلك قول الهذليّ (٣): مطيعًا له خاضعًا خاشعًا متذللا متواضعًا لعباد الله، سعيدًا في الدنيا والآخرة، أنا ومن ومعي لبوسُ لّبيس كأنّه اتبعني. روقٌ بجبهة ذي نعاج مجفل وإنما یصف بذلك رمحًا. فلما تم له الکمال ومحامد الخصال قال: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]. أي: من فضل ربي وكرمه حصلت لي السلامة يوم ولادتي، ويوم موتي، ويوم بعثي، من الشر والشيطان والعقوبة؛ وذلك يقتضي سلامته من الأهوال ودار الفجار، وأنه من أهل دار السلام، فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر على أنه رسول الله، وعبد الله حقًا(٢). ٥. تواضع داود عليه السلام. ومن الأنبياء الذي عملوا بأعمال البشر داود عليه السلام، فقد كان حدّادًا يصنع الدروع، وفي نفس الوقت كان ملكًا، وكان يأكل مما تصنعه يداه، وهذا من كرم أخلاقه، وعظيم تواضعه. قال الله تعالى عنه: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةً ◌َبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. (١) الجواهر الحسان، الثعالبي ٤/ ١٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٩٢. وأما في هذا الموضع فإن أهل التأويل قالوا: عني الدروع(٤). قال قتادة: أول من صنع الدروع داود عليه السلام، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها (٥). وبيّن الله تعالى العلة من هذا التعليم، فقال: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ ﴾ أي: لتحرزكم وتمنعكم ﴿مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي: من حرب عدوكم(٦). وهذا دليل على جواز اتخاذ الصنائع والأسباب، فالسبب سنة الله في خلقه، وهي شهادة للعمال وأهل الحرف والصنائع بأن العمل شرف، واتخاذ الحرفة كرامة، وهذه الآية: فيها إشارة لحث أهل الإيمان على العمل والإبداع، والأخذ بأسباب النصر (٣) البيت منسوب لأبي كبير الهذلي. انظر: الجليس الصالح الكافي، أبو الفرج الجريري ص ٣١٣. (٤) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٤٨٠. (٥) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٨٦/٦. (٦) معالم التنزيل، البغوي ٣٠١/٣. ٤٦ القرآن الكريم