النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ التَّوَاضِعُ عناصر الموضوع مفهوم التواضع ٨ التواضع في الاستعمال القرآني ١٠ الألفاظ ذات الصلة ١١ ١٢ درجات التواضع ٢٢ مظاهر التواضع ٣٥ نماذج قرآنية في التواضع ٥١ فوائد التواضع المُجَلَدَ العَاشِرْ حرف التاء مفهوم التواضع أولًا: المعنى اللغوي: وضع: الواو والضّاد والعين: أصلٌ واحدٌ - كما يقول ابن فارس- يدلّ على الخفض للشّيء وحطّه. ووضعته بالأرض وضعًا، ووضعت المرأة ولدها، ووضع في تجارته يوضع: خسر، والوضائع: قومٌ ينقلون من أرضٍ إلى أرضٍ يسكنون بها(١). والتواضع: التذلل(٢). و(تواضع) فلان تذلل وتخاشع، والقوم على الأمر: اتّفقوا عليه، والأرض: انخفضت عمّا يليها(٣). والمقصود: أن معنى الجذر (وضع) يدور حول الخفض للشيء وحطّه، كما ذكر ابن فارس، وجاء منه التواضع بمعنى التذلل، والتواضع بمعنى الانخفاض، كقول العرب: تواضعت الأرض: انخفضت عما يليها، ثم توسع المتأخرون في معنى الكلمة، فقالوا: أجرٌ متواضعٌّ، وأصلٌ متواضعٌ، وهديةٌ متواضعةٌ ... الخ، على سبيل المجاز. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: وأما في الاصطلاح فقد عرّف التواضع بعدة تعريفات، نذكر منها: التواضع: استعظام ذوي الفضائل من دونه في المال والجاه، وقيل: الرضا بمنزلة دون ما يستحقّه فضله ومنزلته(٤). وقيل: التواضع: الاستسلام للحق، وترك الاعتراض على الحكم، وقيل: التواضع: قبول الحق، وقيل: افتخار بالقلة، واعتناق المذلة، وتحمل أثقال أهل الملّة(٥). وعرّفه المناوي بقوله: ((التواضع: تحقير النفس وإهانتها بالنسبة إلى عظمة الله، وقبول الحق بحسن الخلق. وقيل: ترك الصول، والتبرؤ من القوة والحول، قال التونسي: التواضع: تذلل القلوب لعلام الغيوب، بالتسليم لمجاري أحكام الحق)) (٦). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١١٧/٦. (٢) العين، الفراهيدي ٢/ ١٩٦، تهذيب اللغة، الأزهري ٤٨/٣. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٠٤٠/٢. (٤) مقاليد العلوم، السيوطي ص ٢٠٣. (٥) انظر: المصدر السابق ص ٢١٧، التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي ص ٩٧. (٦) التوقيف ص ١١١. مُوسُوبَة المَشـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٨ التواضع وقيل: ((التواضع: ضد التكبر، وهو أن يرى المرء نفسه دون غيره في صفة الكمال))(١). وقيل: ((التواضع: ألا ترى لنفسك قيمة، فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب)) (٢) وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: يخضع للحق، وينقاد له، ويقبله ممن قاله(٣). وقال الجنيد: ((التواضع خفض الجناح، وكسر الجانب))(٤). أي: لين الجانب. وقال رويم: ((التواضع: تذلل القلوب لعلام الغيوب»(٥). وعرّفه من المعاصرين سليمان بن عبد الرحمن الحقيل بقوله: ((التواضع: معرفة المرء قدر نفسه، وتجنّب الكبر، ويتطلب أن يتجنب الإنسان المباهاة بما فيه من الفضائل، والمفاخرة بالجاه والمال»(٦). ومما سبق ندرك أنه وإن اختلفت عبارات العلماء في تعريفهم للتواضع إلا أن كل هذه التعريفات مجتمعة تدل على أن التواضع هو: خفض النفس، وهضمها في ذات الله، ومعرفة المرء قدر نفسه، واجتناب الكبر والبطر والخيلاء، وقبول الحق، والانقياد له. فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن أصله اللغوي. (١) معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي وحامد قنيبي ص ١٥٠. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٣١٤. (٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ١٠/ ٥١٠، رقم ٧٨٩٥. وانظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٣١٤، ترتيب الأمالي الخميسية، الشجري ٣٠٣/٢. (٤) التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي ص ٩٧. (٥) المصدر السابق ص ٩٧. (٦) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله ١٤٩/١. www. modoee.com ١٩ حرف التاء التواضع في الاستعمال القرآني لم يرد لفظ (التواضع) في القرآن، ولكن ورد جذره (وضع) في القرآن (١٢) مرة. والمعاني التي استعمل القرآن فيها الجذر (وضع) لا تخرج عن المعنى اللغوي العام، الذي يدل على الخفض للشيء وحطه (١). وقد تحدث القرآن عن التواضع باستخدام ألفاظٍ قريبة، مثل: الذل، واللين. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ١١٧. مَوَسوبر التشيكالعضوي القرآن الكريم ١٠ التواضع الألفاظ ذات الصلة العجب: ١ العجب لغةً: العجب بالضم: الزّهو والكبر، ورجلٌ معجبٌ: مزهوٌّ بما يكون منه حسنًا أو قبيحًا (١). العجب اصطلاحًا: مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه، من فعل، أو ترك، أو اعتقاد(٢). الصلة بين التواضع والعجب: أن العجب بالشيء شدة السرور به حتى لا يعادله شيء عند صاحبه، تقول هو معجب بفلانة إذا كان شديد السرور بها، وهو معجب بنفسه إذا كان مسرورًا بخصالها، ولهذا يقال: أعجبه، كما يقال: سر به، فليس العجب من الكبر في شيء(٣)، بل هو أحد أسبابه الداعية إليه (٤). الكبر: ٢ الكبر لغة: تدل على خلاف الصّغر، والكبر: معظم الأمر، والكبر: العظمة، وكذلك الكبرياء (٥)، والكبر والتكبّر والاستكبار تتقارب، وأصل ذلك أن يستعمل في الأعيان ثم استعير للمعاني. الكبر اصطلاحًا: قال الراغب الأصفهاني: ((الكبر: الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره.))(٦). الصلة بين التواضع والكبر: التواضع ضد الكبر، فالأول محمود، والثاني مذموم. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٤٣/٤، لسان العرب، ابن منظور، ٥٨٢/١، تاج العروس، الزبيدي، ٣١٨/٣. (٢) البحر الزخار، ابن المرتضى الصعدي ٦/ ٤٩٠. (٣) الفروق اللغوية، العسكري، ص٣٥٢. (٤) انظر: إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ٢/ ٤٥٦. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٣/٥-١٥٤. (٦) المفردات، ص٥٤٥. www. modoee.com حرف التاء درجات التواضع التواضع خلقٌ حمید، وجوهر لطيف، يستهوي القلوب، ويستثير الإعجاب والتقدير، وهو من أخصّ خصال المؤمنين المتقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شيم الصالحين المخبتين. والتواضع هدوء وسكينة ووقار واتزان، والتواضع ابتسامة ثغر، وبشاشة وجه، ولطافة خلق، وحسن معاملة، بتمامه وصفائه يتميّز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب. وهو على ثلاث درجات: تواضع للدين، وتواضع للحق، وتواضع للخلق. أولًا: التواضع للدين: من أعظم درجات التواضع الانقياد لما جاء به الرسول، والاستسلام له والإذعان، وهذا هو معنى ﴿وَيُسَلِّمُواْ نَسْلِيمًا ﴾ في قوله: فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فقوله: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أي: ويخضعوا لأمرك في القضاء خضوعًا، وقال الزجاج: تسليمًا مصدر مؤكد، فإذا قلت ضربه ضربًا فكأنك قلت: لا شك فيه، كذلك ﴿وَيُسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ أي: ويسلّمون لحكمك تسليمًا، لا يدخلون على أنفسهم شگًا(١). ونلحظ أنه جمع بين الجملتين ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وكأن الأولى - المراد بها الانقياد في الباطن، والثانية - المراد منها: الانقياد في الظاهر(٢). نفى الله عنهم الإيمان أو كماله، إذا تحاكموا إلى غير الرسول، أو لم يرضوا بحکمه، والحرج هو الشك. وليس المراد الحرج الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يلزم به إذا لم يخامره شك في عدل الرسول، وفي إصابته وجه الحق، وقد بيّن الله تعالى في سورة النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفرًا، سواء كان من منافق أم من مؤمن، إذ قال في شأن المنافقين: ﴿وَإِذَا دُهُوَا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، لِيَحْكُمْ بَيَّنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِن يَكُنْ هُمُ الْمُّ يأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾﴾ آفِ ٤٨ قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَمِ آَرْتَابُوْ أَمْ يَضَافُونَ أَنْ يَصِفَ اللَّهُ عَلَتِهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ [النور: ٤٨-٥٠]. ثم قال: ﴿إِنََّا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوَ أْسَمِعْنَا﴾ [النور: ٥١]. لأن حكم الرسول بما شرع الله من الأحكام لا يحتمل الحيف؛ إذ لا يشرع الله (١) تفسير السمر قندي ١/ ٣١٥. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٨/١٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٩/٢. ١٢ القرآن الكريمِ التواضع إلا الحق، ولا يخالف الرسول في حكمه شرع الله تعالى ؛ ولهذا كانت هذه الآية خاصة بحکم الرسول صلی الله علیه وسلم، فأما الإعراض عن حکم غير الرسول فليس بكفر إذا جوّز المعرض على الحاكم عدم إصابته حكم الله تعالى، أو عدم العدل في الحكم(١). ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّاً أَنْ يَكُونَ لَّهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَاقُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. والخيرة: الاختيار، أي: يريد غير ما أراد الله، ويمتنع مما أمر الله ورسوله. ولفظ (ما كان) و(ما ينبغي) ونحوهما معناهما المنع، والحظر من الشيء، والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعًا، وقد يكون لما يمتنع عقلًا، كقوله: ﴿مَاكَانَ لَكُأَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠](٢). وإنما الواجب عليهم أن يخضعوا لما جاء من عند الله ورسوله، ويقبلوه ويتواضعوا له، ويتركوا التكبر عنه، فليس لهم الخيرة في قبوله أو عدم قبوله، وليس لهم الخيرة أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا، بل یجب علیهم أن يجعلوا رأيهم تبعًا لرأيه صلی الله عليه وسلم، واختيارهم تلو اختياره. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥/ ١١١. (٢) فتح القدیر، الشوكاني ٤/ ٣٢٥. فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئًا بعد أمره صلى الله عليه وسلم، بل إذا أمر فأمره حتم، وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته، فيهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتّباع لا واجب الاتباع، فلا یجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصيًا لله ورسوله (٣). ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَآَنَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. أي: في الإسلام. قال مجاهد: في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم، ﴿كَانَّةٌ ﴾ أي: جميعًا. وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره، وأصل السلم من الاستسلام والانقياد (٤). وقد ذكر الهروي هذه الدرجة من درجات التواضع، وهي التواضع للدين، وأنها تکون بثلاثة أشیاء: الأول: أن لا يعارض شيئًا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول والقياس والذوق والسياسة. (٣) محاسن التأويل، القاسمي ٣/ ٢١٣. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٦٧/١. www. modoee.com ١٣ حرف التاء الثاني: أن لا يتهم دليلًا من أدلة الدين بالمعقول، وألا تتهم للدين دليلًا، والكبر أن تأبى حكمًا شرعيًا، أو آيةً أو حديثًا، أو أن تأخذ من الدین ما تحب وتدع ما لا تحب، فكل هذا كبرٌ وبطرٌ للحق، وردّله. بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها، أو أن غیرہ کان أولی منه، ومتى عرض له شيء من ذلك فليتّهم فهمه، وليعلم أن الآفة منه، والبلیة فیه. الثالث: أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا ألبتة لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله، بل إذا أحسّ بشيء من الخلاف فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس، بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك، وهو داع إلى النفاق، وهو الذي خافه الكبار والأئمةً على نفوسهم (١). وفي كلام الهروي -السابق- شرحٌ وافٍ لدرجة عظيمة من درجات التواضع، بل هي أعظم درجات التواضع وأعلاها، وهي التواضع للدین، بمعنى الاستسلام له، والانقياد لما جاء في الشرع دون معارضة، وألا يحكّم العقل في النقل، فمن يحكّم العقل في النقل فهو متكبّر، فالعقل لا يكون حاكمًا في النقل، وإنما العقل له ثلاث وظائف، هي: أن يتحقق من صحة النقل، وأن يفهم مضمون النقل، وأن يتفكر في خلق السماوات والأرض؛ لكي يعرف الله عز وجل، أما غير هذه الأمور فلا يمكن أن يدركها العقل الضعيف المحدود العلم. فمن التواضع للدين ألا تعارض المنقول (١) مدارج السالكين، ابن القيم ٣١٨/٢-٣١٩. ومن التواضع للدّين ألا تعارضه برأي أو هوی، ولا تعرض عن تعلّمه والعمل به، وإذا أسدی إلیك نصحًا فاقبله واشكر قائله، ومن أمرك بمعروفٍ أو نهاك عن منكرٍ فامتثل لرشده، فالحظوة في التواضع للطاعة، قال رجل لمالك بن مغول: ((اتّق الله)) فوضع خدّه على الأرض؛ تواضعًا لله(٢). وروي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعًا لله(٣). ینسی بعض الناس هذا كله فيتعاظمون في أنفسهم، ويأخذهم العجب بأجسادهم وألوانهم، وامتداد قاماتهم، وجمال ثيابهم، فإذا هم يمشون في الأرض مشية الخيلاء المتكبرين، وينظرون إلى الناس نظرة احتقار وازدراء، ويظن أحدهم أنه خير الناس وهو أرذلهم. وقد قسم ابن القيم التواضع بقوله: ((والتواضع المحمود على نوعين: النوع الأول: تواضع العبد عند أمر الله امتثالاً، وعند نهيه اجتنابًا، فإن النفس لطلب (٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١/ ٥٧٥. (٣) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٢٦٤، تفسير القرآن، السمعاني ٢٠٨/١. ١٤ مُوتُوابَرُ الْتَسْكِ الوصيوم جوبين القرآن الكريم التواضع الراحة تتلكأ في أمره، فيبدو منها نوع إباء وشراد هربًا من العبودية، وتثبّت عند نهيه طلبًا للظفر بما منع منه، فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه فقد تواضع للعبودية. والنوع الثاني: تواضعه لعظمة الرب وجلاله، وخضوعه لعزته وكبريائه، فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانکسر لعظمة الله قلبه، واطمأن لهيبته، وأخبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع، وهو يستلزم الأول من غير عكس، والمتواضع حقيقة من رزق الأمرين، والله المستعان)»(١). والمقصود أن التواضع يكون للشرع بالخضوع التام لأوامر الله، والاستسلام له، فلا یعارض بمعقول ولا رأي ولا هوى، والانقياد التام لما جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وأن يعبد الله وفق ما أمر، وأن لا يكون الباعث على ذلك داعي العادة. ثانيًا: التواضع للحق: ومن درجات التواضع وأنواعه: التواضع للحق، والعمل به، وقبوله، والفرح به، وقد أخبر الله عن قوم من أهل الكتاب أنهم قبلوا الحق لما جاءهم، وفرحوا به، وتواضعوا له، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. وهذا وصف برقة القلوب، والتأثر بسماع القرآن، والظاهر أن الضمير يعود علی قسیسین ورهبانًا فيكون عامًا، ويكون قد أخبر عنهم بما یقع من بعضهم، کما جرى للنجاشي، حيث تلا عليه جعفر سورة مريم إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ [مريم: ٣٤]. وَهَلَ أَتَنْكَ وسورة طه إلى قوله: حَدِيثُ مُوسَىّ﴾ [طه: ٩]. فبكى، وكذلك قومه الذين وفدوا على الرسول، حین قرأ علیھم یس فیکوا. قال ابن عطية: ((الضمير في ﴿سَمِعُواْ﴾ ظاهره العموم، ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذهم عرفوا الحق وقالوا: آمنا، وليس كل النصارى يفعل ذلك، وصدر الآية في قرب المودة عام فيها، ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصًّا فيمن آمن؛ لأن من آمن فهو من الذين آمنوا، وليس يقال فيه: ﴿قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَى﴾، ولا يقال في مؤمنين: ﴿ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ﴾ ولا يقال: إنهم أقرب مودة، بل من آمن فهو أهل مودة محضة ... فالقوم الذين وصفوا بأنهم عرفوا الحق هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه (١) الروح ص ٢٣٣. www. modoee.com ١٥ حرف التاء وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه قرأ أنهم قالوا: ﴿ وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ اَلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤]. عليهم القرآن، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿مآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله، ورقت القلوب))(١). وقال ابن كثير في قوله تعالى قبل الآية السابقة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]: ((تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد ﴿وَإِذَا للحق واتباعه والإنصاف، فقال: سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلی الله عليه وسلم. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. أي: مع من يشهد بصحة هذا، ویؤمن به))(٢). قال الألوسي: ((وفي الآية: دليل على أن صفات التواضع والإقبال على العلم والعمل، والإعراض عن الشهوات؛ محمودة أينما كان))(٣). وفي قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ﴾ إشارة إلى أنهم يقبلون الحق إذا فهموه، ویتواضعون ولا یتکبرون کالیهود. وأخبر الله تعالى عنهم بعد ذلك (١) المحرر الوجيز ٢٢٧/٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ١٦٨. (٣) روح المعاني، ٤ / ٥. فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ اَلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾ أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا الذي لا يقبل الشك والريب، ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبًا للمسارعة والانقياد للإيمان، وعدم التخلف عنه. قال الله تعالى: ﴿فَتَبَهُمُ اَللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾ [المائدة: ٨٥]. أي: بما تفوهوا به من الإيمان، ونطقوا به من التصديق بالحق ﴿حَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَّهُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]. قال السعدي: ((وهذه الآيات نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كالنجاشي وغيره ممن آمن منهم، و کذلك لا یزال یوجد فیھم من يختار دین الإسلام، ويتبين له بطلان ما كانوا عليه، وهم أقرب من اليهود والمشرکین إلی دین الإسلام»(٤). (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٤٢. ١٦ القرآن الكريم التواضع وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم ممن يحب، وممن يبغض، فيقبله من عدوه الكبر بأنه بطر الحق، وغمط الناس (١)، كما يقبله من وليه. يعني: وضده التواضع للحق، وهو قبوله حیث کان، ومع من كان. وبطر الحق: جحده ودفعه ورده، والتعالي والتعاظم عن القيام به، والأنفة من اتّباعه، وتضييع الحق في أوامر الله ونواهيه، والمعنى: أن المتکبر یرفض الحق، ویابی ان يدخل فيه، وأن يتبعه؛ ومن بطر الحق أيضًا الحيرة فيه، بمعنى: أن يتحير عند سماع الحق فلا يقبله، ولا يجعله حقًا، ومن بطر الحق أيضًا التكبر، يعني: أنه يتكبر عند سماع الحق فلا يقبله. وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم واستصغارهم. وهذا مما نهى الله عنه، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له؛ ولهذا قال: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَوَ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّنْ نِسَآءِ عَسَوَ أَنْ يَكُنَّ خَيْرٌ مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي النساء(٢). والحاصل: أن اتباع الحق والانقياد له لهو من أهم علامات التواضع في العبد، بل لا يصح له خلق التواضع حتى يقبل الحق (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، ١/ ٩٣، رقم ١٤٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٦/٧. ثالثًا: التواضع مع الخلق: ومن درجات التواضع: التواضع مع الخلق، وهو: خفض جناح الذل والرحمة للخلق، حتى لا یری له على أحد فضلًا، ولا یری له عند أحد حقًّا. قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال ابن كثير: «هذه صفات المؤمنين الكُمَّل: أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه وولیه، متعززًا علی خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]))(٣). ﴿أَذِلَّةِ﴾ يعني: أرقاء عليهم، فقوله: رحماء بهم، من قول القائل: ذل فلان لفلان: إذا خضع له واستكان (٤). قال السمعاني: ((﴿أَزِلَّةٍ﴾ ليس من الذل وإنّما هو من الذلة، وهي: اللين))(٥). وقال البغوي: ((ولم يرد به الهوان، بل أراد به أن جانبهم ليّن على المؤمنين، وقيل: هو من الذل، من قولهم: دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون، كما قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ (٣) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ١٣٦. (٤) جامع البيان، الطبري ٥٢٧/٨. (٥) تفسير القرآن، ٢/ ٤٧. www. modoee.com ١٧ حرف التاء حَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣])(١). ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ عدي ﴿أَذِلَّةٍ﴾ بـ﴿مَ﴾ وإن كان الأصل باللام؛ لأنه ضمّنه معنی: الحنو والعطف، كأنه قال: عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع، أو لأنه على حذف مضاف، والتقدير: على فضلهم على المؤمنين، والمعنى: أنهم يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليه مع شرفهم وعلو مكانهم(٢). أحنّة وأحدبة لإغراء المؤمنين بالاتصاف بها دون سواها؛ لما فيها من نسيان الذات، وغياب الأنا، مع اللين واليسر والسماحة والود، إنها أخوة ترفع الحواجز، وتزيل الكلف، وتصفّي النفوس، ذلة ليس فيها مهانة، ذلة ليس معها حساسية بالذات تجعله عصيًّا على أخيه(٣). وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللین، فالمؤمن ذلول للمؤمن، غير عصي عليه ولا صعب، هيّنٌّ لَيْنٌّ، ميسّر مستجيب، سمحٌ ودود، وهذه هي الذلة للمؤمنين، وما في الذلة للمؤمنين من مذلة ولا مهانة، إنما هي الأخوة، ترفع الحواجز، وتزيل التكلف، وتخلط النفس بالنفس، فلا يبقى فيها ما (١) معالم التنزيل، ٧٢/٣. (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٤/ ٢٩٨. (٣) التضمين النحوي في القرآن الكريم، محمد فاضل ١/ ٣٤٤. يستعصي، وما يحتجز دون الآخرين. يقول سيد رحمه الله: ((إن حساسية الفرد بذاته متحوصلة متحيزة هي التي تجعله شموسًا عصيًّا شحيحًا على أخيه، فأما حين يخلط نفسه بنفوس العصبة المؤمنة معه فلن يجد فيها ما يمنعه، وما يستعصي به، وماذا يبقى له في نفسه دونهم، وقد اجتمعوا في الله إخوانا يحبهم ويحبونه، ويشيع هذا الحب العلوي بينهم ويتقاسمونه؟! وآثر الأسلوب الحكيم ﴿أَذِلَّةٍ﴾ على ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ فيهم على الكافرين إياء واستعلاء؛، ولهذه الخصائص هنا موضع، إنها ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس، إنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين، إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير، وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم، ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين! ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى، وبغلبة قوة الله على تلك القوى، وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية، فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك، في أثناء الطريق الطويل» (٤). ولما قيل: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ربما توهم أنّ مفهوم القید غير معتبر، وأنهم موصوفون (٤) في ظلال القرآن ٢ / ٩١٩. ١٨ مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة القرآن الكريم التواضع بالذل دائمًا، وعند كل أحد، فدفع بقوله: والسعي للنفع؛ ولذلك علق به قوله: ﴿عَلَ ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾(١). ففي قوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِينَ ﴾ تكميل؛ لأنه لما وصفهم بالتذلل ربما توهم أن لهم في نفسهم حقارة، فقال: ومع ذلك هم ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾. واستدل بالآية على فضل التواضع للمؤمنين، والشدة على الكفار(٢). وهذا الوصف هو وصف لهؤلاء القوم بعد أن دخلوا فى الإسلام، فكانت تلك صفتهم، وهذا سلوكهم، فهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: متخاضعين للمؤمنين، لا يلقونهم إلا باللّين والتواضع ﴿أَعِزَّوْ عَلَ الگفِينَ ﴾ أي: أشدّاء وأقوياء، لا یلقی منهم أهل الكفر إلا بلاء في القتال، واستبسالًا في الحرب .. ، أما في السّلم فهم جبال راسخة في الإيمان، لا ينال أحد منهم نيلا في دينه، ولا يطمع أحد من أعداء الإسلام في موالاتهم، أو في تعاطفهم معه(٣). والأذلة والأعزة وصفان متقابلان وصف بهما القوم باختلاف المتعلق بهما ... ، ويطلق الذل على لين الجانب والتواضع، وهو مجاز ... ، فالمراد هنا الذل بمعنى لين الجانب، وتوطئة الكنف، وهو شدة الرحمة، (١) حاشية الشهاب على أنوار التنزيل، ٦٨/٨. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٤ / ١٧٢. (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٠١١٢٠/٣ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾، والأعزة: جمع العزيز، فهو المتصف بالعز، وهو القوة والاستقلال، ولأجل ما في طباع العرب من القوة صار العز في كلامهم يدل على معنى الاعتداء، ففي المثل (من عزّ بز) وقد أصبح الوصفان متقابلين؛ فلذلك قال السموأل (٤): وما ضّنا أنّا قلیل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل وإثبات الوصفين المتقابلين للقوم صناعة عربية بديعية، وهي المسماة: الطباق، وبلغاء العرب يغربون بها، وهي عزيزة في كلامهم، وقد جاء كثير منها في القرآن، وفيه إيماء إلى أن صفاتهم تسيرها آراؤهم الحصيفة، فليسوا مندفعين إلى فعل ما إلا عن بصيرة، وليسوا ممن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة، بأن یکون لينًا في کل حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الذي یکون في کل حال بما يلائم ذلك الحال، كما قال(٥): (٤) انظر: البيان والتبيين، الجاحظ، ٣ / ١٢٨، العقد الفريد، ابن عبدربه ١/ ٢٠٨. (٥) البيت لكعب بن سعد الغنوي، يرئي أخاه. انظر: جمهرة أشعار العرب، القرشي ص ٥٦٠ ، لسان العرب، ابن منظور ٣٢٨/١. www. modoee.com ١٩ حرف التاء حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عین العدو مھیب(١) فالقرآن عندما يعبّر عن الإنسان السويّ فهو لا يضع المؤمن في قالب حديدي، بحیث لا يستطيع أن يتغیر، فيقول سبحانه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. ولا مطبوعًا على العزة، لكنه ينفعل للمواقف المختلفة، فهذا موقف یتطلب ذلة وتواضعًا للمؤمنين، فيكون المؤمن ذليلاً، وهناك موقف آخر يتطلب عزة على الكافرين المتكبرين، فيكون المؤمن عزيزًا(٢). وكيف يكون الإنسان المؤمن ذليلاً وعزيزًا في آن واحد؟ لأن الحق لا يريد أن يطبع الناس على لون واحد من الانفعال، ولكنه يريد أن ينفعلوا تبعًا للموقف، فعندما يحتاج الموقف إلى أن يكون المؤمن عطوفًا فالمؤمن يواجه الموقف بالعاطفة، وعندما يحتاج الموقف إلى الشدة فالمؤمن يواجه الموقف بالشدة، وإن احتاج الموقف إلى الكرم فالمؤمن يقابل الموقف بالكرم، فالمسلم إذن ينفعل انفعالًا مناسبًا لكل موقف، وليس مطبوعًا على انفعال واحد، ولو انطبع المؤمن على موقف ذلة دائمة (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ٢٣٧-٢٣٨. (٢) تفسير الشعراوي ١٧١٦/٣. فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب العزة فلا يجدها، ولو طبع المؤمن على عزة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب الذلة فلا يجدها؛ لذلك جعل الحق قلب المؤمن لينًا قادرًا على المواجهة كل موقف بما يناسبه(٣). فالشدة في محلّ اللين هي من الحمق إذن فليس المؤمن مطبوعًا على الذلة، والخرق، واللين في محلّ الشدة هو من الضعف والخور، والسداد والحكمة أن تكون الشدة في محلّ الشدة، واللين في محلّ اللين (٤). قال أبو السعود: أي: يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة، قال المفسرون: وذلك لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم: ﴿وَلَيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٣]. وقد بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تمسّ أبدانهم، وكان الواحد منهم إذا رأى أخاه في الدين صافحه وعانقه. وقد قال عطاء في هذا: إنهم للمؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده، وعلى الكافرين کالأسد علی فریسته(٥). ومما يدل على التواضع للخلق قوله عز وجل: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: (٣) انظر: تفسير الشعراوي ٥/ ٣٢١٣. (٤) العذب النمير، الشنقيطي ١٥٢/٢. (٥) صفوة التفاسير، الصابوني ٢١١/٣. ٢٠ القرآن الكريم التواضع ٨٨]. والخفض: معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في وصف القيامة ﴿خَافِضَةٌ رَّفِعَةَ﴾ [الواقعة: ٣]. يقدّم التواضع للحق، فمثلًا: لو كان هناك أي: أنّها تخفض أهل المعاصي، وترفع إنسان يسب الحق، ويفرح بمعاداة من يعمل أهل الطّاعة، وجناح الإنسان: يده. قال الليث: يد الإنسان جناحه، قال تعالى: الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢]. وخفض الجناح كناية عن اللّين والرّفق والتّواضع، والمقصود: أنه نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، وأمره بالتّواضع لفقراء المؤمنين، ونظيره: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾[الفتح: ٢٩](١). وإذا أردت أن تعرف نفسك هل أنت متواضع أو لا؟ فانظر لنفسك حين تخاطب الفقير والمسكين، صاحب الحاجة، فحين تخاطبه متذکرًا فضل الله عز وجل، و تحنّ عليه، وترحمه، فهذا هو التواضع. فيظهر تواضعك مع من هو دونك من الخلق، وليس مع من هو أعلى منك؛ لأن الذي هو أعلى منك إما أن تتواضع له اختيارًا، وإما أن يجبرك على ذلك؛ لأنك لا تقدر أن تترفع عليه، ولن يقبل منك. فالتواضع الحقيقي يكون لمن هو أقل منك، وتحمد ربك سبحانه على ما أعطاك (١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٨٩/١١. من فضله. وإذا تعارض التواضع للحق مع التواضع للخلق فأيهما يقدّم؟ به، فهنا لا تتواضع له، تواضع للحق، وجادل هذا الرجل حتى وإن أهانك، أو تكلم فيك، ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ فلا تهتم به، فلابد من نصرة الحق(٢). قال ابن تيمية: ((نهى الله على لسان نبيه عن نوعي الاستطالة للخلق الفخر والبغي؛ لأن الاستطالة إن بحق فافتخار، وإن بغيره فبغي، فلا يحل هذا ولا ذاك، مثل أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا یکن حظه استشعار فضل نفسه، والنظر إلى ذلك، فإنه مخطيء في هذا؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما قدمناه، فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قریش»(٣). ويتأكد للشيخ التواضع مع طلبته ... ، وإذا طلب التواضع لمطلق الناس، فكيف لمن له حق الصحبة، وحرمة التودد وصدق المحبة؟! لكن لا يتواضع معهم مع اعتقاد أنهم دونه، وممن يتأكد التواضع لهم: الضعفة والمساكين. قال الإمام النووي: ((وليكن شريف (٢) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ٢٦/ ٢١٨. (٣) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٥٣. www. modoee.com ٢١ حرف التاء النّفس عفيفًا، متواضعًا للصّالحين، وضعفة المسلمين))(١). والمقصود: أن الله يحب من عباده أن يتواضعوا، ولا يعلو أحد على أحد، متكئًا علی نسب، أو مال، أو جاه، أو حسب. والكتاب والسنة حافلان بما يحث على التواضع للخلق، وخفض الجناح لهم، وما سبق ذكره غیض من فيض، وقليل من کثیر مما ورد في ذلك. مع ملاحظة أن التواضع للخلق لا يعني الذلة للأغنياء من أجل غناهم وأموالهم؛ لأن العلماء قد قسّموا التواضع إلى نوعين هما: محمود، وهو: ترك التطاول على عباد الله، والإزراء بهم، ومذموم، وهو: تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه، فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها، ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات کلها. (١) المجموع شرح المهذب، النووي ١٦٩/٢ . مَوَسُو ◌َر النفسيةِ الوَصوي القرآن الكريم مظاهر التواضع التواضع وإن كان خلقًا من الأخلاق وعلاقته بالقلب، إلا أن له مظاهر ودلالات ظاهرية تدل عليه في المأكل والملبس وغيرها، ومن هذه المظاهر: ١. قبول الحق والانقياد له. من مظاهر التواضع قبول الحق ممن جاء به کائنًا من کان، وإن خالف الرأي والهوى، وقد جاء في تعريف التواضع أنه: قبول الحق(٢). وقال ابن عطاء: ((التواضع: قبول الحق ممن كان))(٣). وقد امتدح الله المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَاكَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُرُ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. والمعنى: أن من صفات المؤمنين الصادقين أنهم إذا ما دعوا إلى حكم شريعة الله تعالى التي أوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا عندما يدعون لذلك: سمعنا وأطعنا بدون تردد أو تباطؤ، وذلك لكمال إيمانهم، ومعرفتهم للحق، وتواضعهم له، وعدم تکبرهم عنه، ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ الذين يفعلون ذلك ﴿هُمُ (٢) التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي ص ٩٧. (٣) مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٣١٤. ٢٢ التواضع اٌلْمُفْلِحُونَ﴾ فلاحًا تامًّا في الدنيا والآخرة. وهذه هي الصورة المشرقة لإيمان المؤمنين، وما فى قلوبهم من صدق ويقين، إنهم إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم أجابوا بالسّمع والطاعة، ورضوا بما يقضي به الله ورسوله فيهم، سواء أكان ذلك لهم أم عليهم، هكذا الإيمان، وهكذا شأن المؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُّ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمٌ وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. إنه السمع والطاعة لما يأمر به الله ورسوله دون تردد أو ارتیاب؛ إذ لا إیمان مع تردد فى أمر من أمر الله، أو شك فى حكم من أحكامه(١). إذ لابد من الانقياد للحق في جميع الأمور، ظاهرًا وباطنًا، والتسليم له كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، والسمع والطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول سيد رحمه الله: ((فهو السمع والطاعة بلا تردد ولا جدال ولا انحراف، السمع والطاعة المستمدان من الثقة المطلقة في أن حكم الله ورسوله هو الحكم، وما عداه الهوى، النابعان من التسليم المطلق لله، واهب الحياة، المتصرف فيها کیف یشاء، (١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٣١٠/٩. ومن الاطمئنان إلى أن ما یشاؤه الله للناس خير مما يشاءونه لأنفسهم، فالله الذي خلق أعلم بمن خلق)»(٢). وقال في المقابل عن المنافقين المتكبرين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]. أي: تعالوا إلى ما أنزل الله فى القرآن لنعمل به ونحكمه فيما بيننا، وإلى الرسول لیحکم بيننا بما أراه الله، رأيتهم يعرضون عنك ويرغبون عن حكمك إعراضًا متعمدًا منهم بسبب ما فيهم من الضلال والكبر عن اتباع الحق. وقال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِه فَتُخْتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]. والإخبات: هو الخشوع والتواضع والانقياد. أي: ولكى يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها ونسخ ما ألقى الشيطان أنه الحق من ربهم، فيصدّقوا به، وتخضع له قلوبهم، وتذعن للإقرار به نفوسهم، وتعمل بما فيه من عبادات وآداب وأحكام وهى مثلجة الصدر هادئة مطمئنة بيرد اليقين، والسير على نهج سيد (٢) في ظلال القرآن ٤/ ٢٥٢٧. www. modoee.com ٢٣ حرف التاء المرسلين (١). وكما هو معلوم أن من الأسباب المانعة من قبول الحق هو الكبر وعدم التواضع والخضوع للحق. قال تعالى: ﴿قَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠]. فمن تكبّر لرياسة نالها دل على دناءة عنصره، ومن تفكر فى تركيب ذاته فعرف مبدأه ومنتهاه وأوسطه عرف نقصه، ورفض کبره، ومن کان تکېّره لغنية فليعلم أن ذلك ظل زائل، وعارية مستردة، وإنما قال: ﴿بِغَيِّ اَلّ﴾ إشارة إلى أن التكبر ربما يكون محمودًا، وهو التكبر والتبختر بين الصفين(٢). ولهذا كان أكثر من يتكبر عن الحق هم المترفون المتكبرون، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرِبَةٍ مِّن نَّذِيٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَ ابَلَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ومترفوها هم: أهل الرفاهية والمال في الغالب؛ لأنهم أهل الشر وعدم قبول الحق، خلاف الضعفاء والفقراء فإن الغالب عليهم التواضع وقبول الحق، فأهل الترف هم أصحاب الجاه وأصحاب المال ﴿إِلَّا قَالَ (١) تفسير المراغي ١٧ / ١٣١. (٢) روح البيان، إسماعيل حقي ٦/ ٤٠٨. مُتْرَفُوهَا ﴾ أي: أصحاب المال والجاه فيهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَ نَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة ودین، وإنّا متبعون لهم على دينهم، يعني: لسنا بحاجة إليكم أيها الرسل، يزعمون أن هذا يغنيهم عن اتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهذا هو التقلید الأعمى، وهو من أمور الجاهلية. واحتقار المكذّبين للرسل عليهم السلام وأتباعهم، واعتقاد نقصهم، والتهکم بهم، والتكبر عليهم من الموانع الصادة عن وصول الإيمان إلى القلب، واتباع الحق، كما قال قوم نوح عليه السلام: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. وهذا الداء منشؤه من الكبر؛ فإذا تكبّر وتعاظم في نفسه، واحتقر غيره اشماز من قبول ما جاء به من الحق، وقد سبق في الحديث أن الكبر (بطر الحق)(٣) وهو ردّه، وعدم قبوله كبرًا، إذا خالف هواه، أو جاءه ممن هو دونه. ومن هنا قال بعض السلف: التواضع أن تقبل الحق من کل من جاء به، وإن كان صغیرًا، فمن قبل الحق ممن جاء به، سواء أکان صغیرًا أم کبیرًا، وسواء أكان يحبه أم لا یحبہ فھو متواضع، ومن أبی قبول الحق تعاظمًا علیه فهو متکبر (٤). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، ١/ ٩٣، رقم ١٤٧. (٤) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٣٠٧/١. ٢٤ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التواضع فالمتواضع يقبل الحق ممن جاء به كائنًا على النصيحة جنبيه(٢). من كان، ولو كان عدوًّا مخالفًا في الدين؛ لأنه یحب الحق، وینشده، ويخضع له. قال صاحب المنازل: ((التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق)). قال ابن القيم: ((يعني: أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل والانقياد، والدخول تحت رقه، بحيث يكون الحق متصرفًا فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا یحصل للعبد خلق التواضع)»(١). والحاصل: أن من علامات التواضع قبول الحق، والانقياد له، وإن خالف الرأي والهوى. وقد ذم الله قومًا بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وهؤلاء أقوام استولى عليهم التكبّر، وزال عنهم خضوع الإنصاف، فشمخت آنافهم عن قبول الحق، فإذا أمرته بمعروف قال: ألمثلي يقال هذا؟! وأنا كذا وكذا! ثم یتکبر عليك، فيقول: وأنت أولى بأن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن من حالك وقصتك كذا وكذا، ولو ساعده التوفيق، وأدركته الرحمة، وتقلّد المنة بمن هداه إلى رؤية خطئه، ونبّهه على سوء وصفه، لم يطوٍ (١) مدارج السالكين ٢/ ٣١٧. ٢. اللين مع الخلق. ومن مظاهر التواضع: اللين مع الخلق، والرفق بهم، والشفقة عليهم، والتواضع لهم، وترك الترفع عليهم، وخفض الجناح لهم، والرأفة والرحمة بهم، وبخاصة العوام والجهلة، ففي اللين والرحمة والشفقة بهم اقتضاءً للحكمة، وتحقيقًا للعدل والإنصاف والتواضع، ومن علامة حب الله تعالى للمؤمن أن يكون ليّن الجانب، متواضعًا لإخوانه المؤمنين، متسربلا بالعزّة حيال الكافرين والمنافقين. وقد مدح الله نبيّه يحيى بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا﴾ [مريم: ١٤]. أي: لم یکن متکبرًا على الناس، بل كان ليّن الجانب متواضعًا لهم(٣). وأمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بمثل هذا فى قوله: ﴿ وَلَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَثَبعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ ووصفه بقوله: اٌلْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهذا الكلام لسيد البشر عليه الصلاة والسلام، فلا شك أن من هو دونه أولی بهذا. وممن أمر الله بخفض الجناح لهم: (٢) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١/ ١٧١. (٣) انظر: تفسير المراغي ٣٩/١٦، الوسيط، الزحيلي ٢ / ١٤٦٦. www. modoee.com ٢٥ حرف التاء الوالدان، فهما أولى الناس بذلك، قال وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، فأحبوه حبًّا تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبِّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. ملك مشاعرهم، فما حكاه التاريخ الصادق عنهم، من أنه ما كان أحد يحب أحدًا مثل ما کان یحب أصحاب محمد محمدًا صلی الله وخفض الجناح: كناية عن لين الجانب، ولطف المعاشرة، ورقّة الحديث. عليه وسلم. والإنسان فيه جانبان من كل شيء: جانب الخير وجانب الشر، جانب القوة وجانب الضعف، جانب الشدة وجانب اللين، وهكذا، وبين جانبى الإنسان إرادة هي التي تنزع به إلى أي الجانبين، فهو في هذا أشبه بالطائر حين يريد الاتجاه إلى أية جهة يخفض جناحه لها، على حين يفرد الجناح الآخر، فكأنّ الإنسان حين دعي إلى أن يلين لأبويه، وأن يّق لهما، قد مثّل بطائر أراد أن يأخذ هذا الجانب من جانبيه، وهو جانب الرحمة والعطف، فخفض جناحه ومال إليه(١). وقد كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لطيف المعاملة، ليّن الجانب، ليس بفظً، ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا یشتھیه، ولا یؤیّس منه، ولا یجیب فيه، يتغافل عما لا یشتهي، ولا يقنط منه قاصده، ولا يذم أحدًا، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، (١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٨/ ٤٧٣. جَوَسُوبَة النفسية القرآن الكريم وكان صلى الله عليه وسلم يؤلّف أصحابه ولا ینفّرهم، ویکرم کریم كل قوم، ويوليه عليهم، ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، ينصرف إلى من جالسه أو قاربه لحاجة حتی یکون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا. وقد مدحه الله بقوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وهذه الآية تبين ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الأخلاق العظيمة تجاه أمة دعوته، من كونه يعزّ عليه مشقتهم وهلاكهم، وضررهم وأذاهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب، ويحرص على هداهم، ویرأف بهم ویرحمهم. وأخبره سبحانه فقال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٢٦