النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
عناصر الموضوع
التعريف بثمود
٢٤٨
ثمود في القرآن
٢٥٠
رسول الله إلى ثمود ورسالته
٢٥١
موقع قوم ثمود من رسولهم ومعجزته
٢٥٤
نعم الله على قوم ثمود وموقفهم منها
٢٧٠
٢٧٣
عاقبة قوم ثمود
المُجَلَدَ العَاشِرْ

حرف التاء
التعريف بثمود
أولًا: التسمية:
اسم ثمود عَلَمٌ على قبيلة ثمود قوم سيدنا صالح عليه السلام.
وقد ذكر ابن فارس أن الثاء والميم والدال تدل على القليل من الشيء(١).
والثَّمَد: موضع يلزم ماء السماء، وله مسایل، وتحفر في نواحيه رکايا تُمْلأ من مائه،
فيشرب الناس الماء الظاهر حتى يجف، فتبقى تلك الركايا بعده فهي الثماد (٢)، ولهذا سموا
ثمود على تلك الأثماد التي جعلوها لريهم وشربهم، وذلك أشبه أن تكون التسمية في أصلها
منسوبة لهذه الأثماد، التي ربما يكون أثمدها جدهم ثمود، فنسبوا إليه، وأصبح الاسم عَلَمًا
على أبناء ثمود.
وقيل: سميت ثمود لقلة مائها، ولأن الثمد هو: الماء القليل (٣).
ثانيًا: موقع ثمود:
يعد المؤرخون ثمود من قبائل العرب العاربة البائدة (٤)، وكان مسكنهم الحجر في وادي
القرى بين بلاد الشام والحجاز، ولهذا عرفوا بأصحاب الحجر (٥).
[الحجر: ٨٠]. وقد مر النبي
٨٠
قال سبحانه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بالحجر في طريقهم إلى تبوك (٦)، والحجر، مدينة من مدن
النبط للقديمة المهمة تقع على شريان التجارة في العالم القديم(٧).
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهم سكنوا منطقة الحجر التي تسمى (مدائن صالح)(٨).
وقد جاء ذكر الموضع في القرآن: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
٨٠
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ٣٨٧.
(٢) أساس البلاغة، الزمخشري ١ / ٧٦.
(٣) لباب التأويل، الخازن، ٢/ ٢٢٠.
(٤) انظر: تاريخ الرسل والملوك، الطبري، ١/ ١٣٣، تاريخ ابن خلدون، ٢٨/٢.
(٥) انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي ٢/ ٢٥٥، ومروج الذهب، المسعودي ١/ ٤٢.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (وإلى ثمود أخاهم صالحًا) ٤/ ١٨١، رقم
٣٣٨٠.
(٧) دراسات في تاريخ العرب القديم، أحمد صلبون، ص٣٤.
(٨) انظر: أطلس تاريخ الأنبياء والرسل، سام المغلوث ص ٩٦.
مُوسوبر النفسي
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ
٢٤٨

مود
[الحجر: ٨٠](١).
ثالثًا: زمن ثمود:
ظهرت ثمود بعد عاد، وقبل قوم لوط وقوم شعيب.
وعلى هذا فإن أقل تقدير لفترة ظهورهم هو ما يزيد عن أربعة آلاف سنة من الآن، حيث
أن لوطًا عليه السلام هو ابن أخ إبراهيم عليه السلام، وقد عاشا قبل أربعة آلاف سنة.
وهذا الترتيب لهؤلاء الأقوام قد ورد في قوله تعالى ﴿وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ
يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوٍ مِّنْكُمِبِبَعِيدٍ
٨٩
[هود: ٨٩].
وجاء في الموسوعة البريطانية: أن منشأ ثمود هو جنوب الجزيرة العربية، إلا أن مجموعة
كبيرة منها انتقلت إلى الشمال في تاريخ مبكر واستقرت على منحدرات جبل أثلب، وقد
كشفت الحفريات الأثرية عن كتابات حجرية وصور ثمودية ضخمة عبر وسط الجزيرة العربية
أيضًا. واليوم وبالرغم من كل ما كانوا عليه لم يبق لهم من أثر سوى هذه البقايا التي تخبرنا
عن الفن الذي كان يطبع عصرهم ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ يُوتًا فَرِمِينَ (٥)﴾ [الشعراء: ١٤٩].
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٠٧.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف التاء
ثمود في القرآن
ورد ذكر (ثمود) في القرآن الكريم (٢٦) مرة في (٢٢) سورة.
وقد وردت قصة ثمود في القرآن في السور الآتية:
السورة
الآيات
الأعراف
٧٣-٧٩
هود
الشعراء
١٤١ -١٥٩
فصلت
١٨/١٧
الذاريات
٤٣-٤٥
القمر
٢٣-٣١
الحاقة
٤-٥
الشمس
١١-١٥
٢٥٠
القرآن الكريم
٦١-٦٨
النمل
٤٥-٥٣

مود
رسول الله إلى ثمود ورسالته
أرسل الله تعالى إلى ثمود أخاهم صالحًا
رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا
شريك له.
قال تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.
قَدْ جَآءَنْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّيِّكُمْ هَذِهِ،
نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلُ فِيّ
أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ.
•[الأعراف: ٧٣].
(٧٣
وأمرهم بإخلاص العبادة لله سبحانه
وتعالى، وقد جاءهم بالبرهان على صدق
دعوته، فأخرج لهم من الصخرة ناقة عظيمة،
وأمرهم ألا يتعرضوا لها بأي أذى، فيصيبهم
عذاب موجع.
[انظر: صالح عليه السلام: التعريف بصالح
عليه السلام]
رسالة سيدنا صالح عليه السلام إلى
ثمود:
أولًا: رسالته دعوة للتوحید:
فقد ورد في القرآن الكريم الخطاب
ببعث الرسل وإرسالهم إلى أقوامهم بدعوة
التوحيد.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
وقوله:
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ
) [الأنبياء: ٢٥].
وهذا على وجه الإجمال وفصل لبعضهم
فقال عن نوح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُرُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُمُر﴾
[المؤمنون: ٢٣].
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاُ قَالَ يَقَوْمِ
أَعْبُدُوا اللَّهُ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيِّرُهُ﴾
[الأعراف: ٧٣].
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودَّا قَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠].
﴿وَإِلَى مَنْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ
أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[هود: ٨٤].
وهذا خطاب واحد لهم جميعًا،
وأرسل الله سبحانه وتعالى سيدنا صالحًا
عليه السلام إلى قومه، وكان أوسطهم
وأفضلهم أسرة وعشيرة، وموضع مشورتهم
ویصدرون عن رأيه ويرجون له ومنه الخير،
فلما دعاهم لتوحيد الله وحده وترك
الأوثان، والتوجه بالعبادة لله وحده، وألح
عليهم وأنذرهم بالوعيد والعذاب الشديد
طلبوا منه أن يخرج لهم آية في عيدهم، دالة
على صدقه عنادًا ونفاقًا، فآتاهم الله الناقة آية
بینة، فأصروا على عنادهم، بل استمروا في
www. modoee.com
٢٥١

حرف التاء
غیهم حتى ينمنوا به ويصدقون رسالته، فدعا ويجادلهم تارة بالتي هي أحسن في موضع
الجدال، مؤكدًا على أن عبادة الله هي الحق،
الله فأخرج لهم الناقة مع فصيلها بالأوصاف
التي طلبوها من صخرة، وكانت مميزة بكثرة
لبنها وشكلها رغم أنها آية من الله وحجة
ظاهرة، أصروا على عنادهم، وعتوا من أمر
ربهم وتجرأوا على انتهاك حرمة الله فعقروا
الناقة، فحق عليهم الهلاك، وكلمة العذاب.
ولما عقروا الناقة وعدهم سيدنا صالح
بالهلاك بعد ثلاث أيام.
والطريق المستقيم. ولكن قومه تمادوا في
کفرهم، وأخذوا یدبرون له المكائد والحيل
حتی لا یؤمن به أکثر الناس، وذات يوم کان
صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله،
ويبين لهم نعم الله الكثيرة، وأنه يجب شكره
وحمده عليها، فقالوا له: يا صالح ما أنت
إلا بشر مثلنا، بل وذلك خطاب كل الأمم
المكذبة لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿مَا
أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥].
قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ
دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيرُ مَكْذُوپٍ
﴾ [هود: ٦٥].
وقد ذاقوا مرارة الترقب والانتظار خلال
تلك الأيام، فلما اكتملت الأيام الموعودة
آتاهم العذاب صبيحة يوم نحس، فأخذتهم
رجفة شديدة زلزلت بهم الأرض، وصاعقة
محرقة من فوقهم، وصيحة واحدة مفزعة
قطعت نياط قلوبهم وتركتهم أجسادًا بلا
أرواح، وبقیت ديارهم عبرة على من الأيام
والعصور (١).
ثانيًا: سيدنا صالح عليه السلام يدعو
قومه بالحكمة والموعظة الحسنة:
كان صالح عليه السلام يخاطب قومه
بأخلاق الداعي الكريمة، وآدابه الرفيعة
ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة تارة،
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٠٨/٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/٩.
جَوَسُو عبر التفسير
القرآن الكريم
أي: كان هذا احتجاجهم في رد
الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون
-والله أعلم -: إن الرسل إنما يجيئون من
عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم
تأتونا من عند أحد في الظاهر، ولا نرى
لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة
والمال وغيره وإذا كنت تدعي أنك رسول
الله، فلابد أن تأتينا بمعجزة وآية.
قال تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً
قَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهُ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.
قَدْجَآءَ تْكُم بَيِّنَةٌ﴾ [الأعراف: ٧٣].
وكان رد الرسل عليهم صلوات الله
وسلامه: ﴿إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾
[إبراهيم: ١١].
٢٥٢

مود
رابعًا: منهج سيدنا صالح عليه قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن
زَّبِى وَءَاتَنْنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُفِ مِنَ
اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ، فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ
٦٣
[هود: ٦٢ -٦٣].
السلام في الدعوة:
أمّا منهج النبي صالح عليه السلام فإنّه لا
يختلف عن منهج أخويه نوح وهود عليهما
السلام؛ في الدعوة إلى الله تعالى في عدم
الشرك به وإفراده بالعبادة، لكن الكثير منهم
رفض هذه الدعوة فآذوا نبي الله صالحًا
وهمّوا بقتله وعقروا الناقة الّتي جعلها الله
آية على صدقه، وقد كان حذّرهم من قتلها
فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
قال تعالى: ﴿﴿ وَإِلَى ثَمُودَأَخَاهُمْصَلِحًاً
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ
أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُوَّ
تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٦١] - ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ
إِلَيْهِ﴾ - أي: فاسألوه أن يغفر لكم ما أشركتم
وما أجرمتم، ثم توبوا وارجعوا إليه كلما وقع
منكم ذنبا أو خطأ(١).
قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَاً
أَنْهَئِنَّا أَنْ تَُّدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِىِ شَكِّ مِّمَّا
تَدْعُونَاْ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ [هود: ٦١-٦٢].
أي: قد کنا نرجو أن یکون عقلك كاملا
قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد
العبادة لله، وترك ما كنا نعبده من الأنداد،
والعدول عن دين الآباء والأجداد.
ولهذا قالوا: ﴿أَنَّهَمْنَا أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ
ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكِ مِّمَّا تَدْعُونَ إِلَيْهِ مٍُِ
(١) المنار، ١٢ / ١٠١.
وهذا تلطف منه لهم في العبارة، وحسن
تأت في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما
ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم، وأدعوكم
إليه، ما عذركم عند الله، وماذا يخلصكم من
بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دعائكم
إلى طاعته. وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب
علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم، ولا من
غيركم، أن يجيرني منه ولا ينصرني، فأنا لا
أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له،
حتی یحکم الله بيني وبينكم. أو أي: غير أن
تجعلوني خاسرًا بإبطال أعمالي وتعريضي
لسخط الله تعالى أو فما تزيدونني بما
تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران وأقول
لكم: إنكم الخاسرون، فالزيادة على معناه،
والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر
المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع
تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة السلام
على بينة من ربه وإيتائه النبوة (٢).
وقالوا له أيضًا: ﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ
(١٥٣)) [الشعراء: ١٥٣].
الْمُسَخَّرِينَ
أي: من المسحورين، يعنون مسحورًا
لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٣/ ٣٦٥.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف التاء
إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من
الأنداد. والمراد بالمسحرين: المسحورين
المخدوعين(١).
موقع قوم ثمود من رسولهم ومعجزته
ما من دعوة جاء بها رسول إلى قومه وإلا
انقسم القوم إلى مستجیبین وغیر مستجیبین،
وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:
أولًا: موقف ثمود من رسولهم عليه
السلام:
أولًا: قوم ثمود لا يستجيبون لنبيهم
عليه السلام:
كانت ثمود أمة مشركة تعبد الأصنام
وتجحد تفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة،
شأنها في ذلك شأن من كان قبلها من الأمم
كقوم نوح وقوم هود، فكان مستهل دعوة
صالح عليه السلام دعوتهم إلى عبادة الله
وحده، وقد ورد ذلك في عدة مواضع في
القرآن الكريم، ولكن الحديث عن شركهم
وعبادتهم الأصنام لم يرد إلا في آية واحدة
هي قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنتَ فِنَا
مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَنْهَيْنَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا
وَإِنَّنَا لَفِى شَكِ مِمَّا تَدْعُونَّ إِلَيْهِ مُرٍِ
٦٢
[هود: ٦٢].
وكان هذا جوابًا لدعوة صالح إياهم
إلى التوحيد في قوله تعالى: ﴿﴿ وَإِلَى ثَمُودَ
أَخَاهُمْ صَلِحًاْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ
إِلَهٍ غَيْرٌ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا
فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِى قَرِيبٌ مُجِيبٌ (
٦١
(١) معالم التنزيل، البغوي، ٦/ ١٢٥.
جَوَبُو بَر النفسيةِ العضوي
القرآن الكريم
٢٥٤

فود
[هود: ٦١].
وغيرهما (٥)، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به
فالقوم جعلوا الدعوة إلى عبادة الله ويتشاءم (٦).
وحده سببًا لحط الدرجات والقدح في
المروآت، فقالوا لصالح مظهرين التحسر
وخيبة الرجاء: ﴿قَدْكُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾
أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدًا (١)؛ لما
كنا نرى منك من دلائل السداد ومخايل
الرشاد (٢) قبل هذا القول العجيب الذي
جئت به؛ أفأنت تدعونا إلى ترك عبادة هذه
الأصنام التي توارثنا عبادتها أبًا عن جدّ ؟
ثم بينوا موقفهم من الدعوة إلى التوحيد
بأسلوب المتهكم في صورة المنصف للحق،
المشفق على صالح، فقالوا: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى سَئِ
مِمَا تَدْعُونَاْ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قال الفخر الرازي:
والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفًا بين
النفي والإثبات، والمريب: هو الذي يظن به
السوء، فقوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ﴾ يعني: أنه لم
يترجح في اعتقادهم صحة قوله ﴿شُرِيبٍ﴾
يعني: أنه ترجح في اعتقاداتهم فساد قوله،
وهذا مبالغة في تزييف كلامه (٣).
ثانيًا: تطير قوم ثمود:
التطير لون من ألوان الشرك ورد ذكره
عن قوم ثمود، وأصله مأخوذ من التطير
بالسوانح والبوارح (٤) من الطير والظباء
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ١٢.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٦٣/٣.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/٩.
(٤) السوانح: جمع سانح، وهو ما ولاك میامنه من
وقد دل علی کونه شرگًا حدیث ابن
مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: (الطيرة
شرك، الطيرة شرك، ثلاثًا)(٧).
قال ابن الأثير: ((وإنما جعل الطيرة من
الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب
لهم نفعًا أو يدفع ضرًّا إذا علموا بموجبه،
فكأنهم أشرکوه مع الله في ذلك»(٨).
وحديث القرآن عن تطير قوم صالح ورد
في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أََّزْنَا بِكَ وَيِمَنْ مَّعَكَ
قَالَ طَيِرُ كُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ )
[النمل : ٤٧].
قال الطبري في تفسير الآية: ((أي: تشاءمنا
الطير والظباء وغيرهما، بأن يمر من يسارك
إلی یمینك، و کانوا یتیمنون به.
والبوارح: جمع بارح وهو عكس السائح،
أي: الذي يمر من يمينك على يسارك، وكانوا
يتشاءمون به.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٤٦/١.
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر
١٥٢/٣.
(٦) انظر: المفردات ص ٣١٠.
(٧) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطب، باب
في الطيرة، ٤/ ٢٣٠، رقم ٣٩١٠، والترمذي
في سننه، كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة،
١٦٠/٤ - ١٦١، رقم ١٦١٤ .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا
نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل.
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير،
١/ ٧٣٣، رقم ٣٩٦٠.
(٨) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ١٥٢.
www. modoee.com
٢٥٥

حرف التاء
بك وبمن معك من أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا وما كان من أمر قوم صالح عليه السلام،
سيصيبنا بك وبهم المكاره»(١).
إلا الصد والتكذيب، وكيف نجاه الله
والقوم لشقاوتهم وخبثهم نسبوا ما تعالى مع من آمن به، وكيف قطع دابر القوم
يصيبهم من المكاره والمساوئ إلى صالح الذين ظلموا بكفرهم، وعتوهم ومخالفتهم
رسولهم عليه السلام. ومع إنهم شهدوا
آثار هلاك قوم عاد وتسامعوا به إلا أنهم لم
يعتبروا بما كان من أمر سلفهم.
وأصحابه وهو أبعد الناس عنها، فهم أهل
الصلاح، ودينهم سبب لجلب الخيرات
لا المصائب، وقد نسوا أنهم إنما یؤخذون
بجرائرهم وسوء أعمالهم.
وقد أجابهم صالح عليه السلام كما في
قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَّيَّرْنَا بِكَ وَيَمَن ◌َّعَكَّ قَالَ
◌َِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ ﴾
[النمل : ٤٧].
قال عبدالله بن عباس: ((﴿طَِّرُّكُمْ﴾:
مصائبكم))(٢).
والمعنى: عند الله علم بما يصيبكم من
المكاره والمصائب، فكل ذلك بقضائه
وقدره لا حسب تطیرکم و تشاؤمکم(٣).
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ﴾ أي:
تبتلون وتختبرون، أتطيعون فتجدون
الجزيل من الثواب، أم تعصون فيحل عليكم
العقاب (٤).
ثالثًا: ثمود لا تعتبر بما حاق بسلفها
قوم عاد:
(١) جامع البيان، ١٩/١١.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٩/١١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/١١، مفاتيح وإياكم ومخالفته، والعدول عن طاعته، فإن
الغيب، الرازي ١٢/ ٢٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/١١.
٢٥٦
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكَرِيْمِ
ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام: ﴿وَإِلَى
ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَدِحَا قَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرَةٌ قَدْ جَآءُ نْكُمْ بَيِّنَةٌ
مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ
فَذَرُوهَا تَأْكُلٌ فِي أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ
فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ
خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِىِ الْأَرْضِ
تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ
الْجِبَالَ بُيُوتًاً فَاذْكُرُواْ ءَالَآءَ اَللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِىِ
الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: ٧٣ -٧٤].
وفي هذه الآيات یذکرهم نبيهم بما كان
من أمر سلفهم، إذ کنتم خلفاء من قوم عاد،
لتعتبروا بما كان من أمرهم، وتعملوا بخلاف
عملهم، وأباح لكم هذه الأرض تبنون في
سهولها القصور، وتنحتون من الجبال بيوتًا
فارهين، أي: حاذقين في صنعتها وإتقانها
وإحكامها، فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل
الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له،

مود
عاقبة ذلك وخيمة (١).
وذكر الله سبحانه وتعالى بأن صالحًا
أخاهم يقول تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ
صَلِحًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهُ مَا لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]؛ لأن ثمود قبيلة.
و ﴿أَخَاهُمْ صِحًا﴾ يعني: في النسب لا في
الدين ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهُ مَا لَكُمْ مِّنْ
إِلٍَ غَيْرُهُ﴾ وهذا قول نبيهم صالح عليه
السلام حين أرسله الله تعالى إليهم: يا قوم
وحدوا الله تعالی ولا تشركوا به شيئا فما
لكم من إله يستحق أن یعبد سواه ﴿قَدّ
جَآءَنْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني:
جاءتکم حجة من ریکم وبرهان علی صدق
ما أقول وأدعو إليه من عبادة الله تعالی ولا
تشركوا به شيئًا وعلى التصديق بأني رسول
الله إليكم، ثم فسر تلك البيئة فقال: ﴿هَذِهِ،
نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً﴾ يعني: علامة على
صدقي.
ووجه نسبة هذه الناقة لله سبحانه
وتعالى، وکون الناقة آیة علی صدق سيدنا
صالح عليه السلام ومعجزة له، خارقة
للعادة؛ لأنها خرجت من صخرة في الجبل،
لا من ذکر ولا من أنثى، مع کمال خلقها.
وقيل: لأنها کان لها شرب یوم، ولجميع
قبيلة ثمود شرب يوم.
وهذا من المعجزات أيضًا؛ لأن ناقة
(١) النكت والعيون، ٢/ ٢٣٥.
تشرب ما تشربه قبيلة معجزة، وكانوا
يحلبونها في يوم شربها قدر ما يكفيهم
جميعهم ويقوم لهم مقام الماء، وهذا أيضًا
معجزة.
وقيل: إن سائر الوحوش والحيوانات
کانت تمتنع من شرب الماء في يوم شرب
الناقة، وتشرب الحيوانات الماء في غیر یوم
الناقة.
وهذا أيضًا معجزة، وإنما أضافها إلى
الله تعالى في قوله ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اُللَّهِ ﴾ على
سبيل التفضيل والتشريف، كما يقال: بيت
الله.
وقيل: لأن الله تعالى خلقها بغير واسطة
ذكر وأنثى.
وقيل: لأنه لم يملكها أحد إلا الله تعالى.
وقيل: لأنها كانت حجة الله على قوم
صالح.
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللَّهِ﴾ يعني:
فذروا الناقة تأكل العشب من أرض الله،
فإن الأرض لله والناقة أيضًا لله ولیس لكم
في أرض الله شيء، لأنه هو الذي أنبت
العشب فيها ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْوٍ﴾ يعني: ولا
تطردوها ولا تقربوها بشيء من أنواع الأذى
ولا تعقروها﴿فَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يعني:
بسبب عقرها وأذاها(٢).
(٢) لباب التأويل، الخازن، ٢/ ٢٢٠.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الثاء
ثانيًا: من صفات قوم ثمود:
١. الشك المريب.
من مظاهر معاداة الرسل من قبل أقوامهم؛
الترفع عن إفراد الله تعالى بالعباد وعدم
توحيده، فقد كانت ثمود شبيهة بنظيراتها من
الأمم التي سبقتها التي استنكفت إقرار تفرد
الله تعالى بالعبادة تكبرًا وتجبرًا، وأنهم لن
يتركوا ما كانوا عليه من عبادة الأصنام التي
ورثوها من آبائهم.
قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ
كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَيْنَآ أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ
ءَابَاؤُنَا وَإِنََّ لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونَّ إِلَيْهِ مُرِيبٍ )
[هود: ٦٢].
أي: كنا نرجو أن تكون فینا سيّدًا، وقيل:
كنا نرجو أن تعود إلى ديننا(١).
ويقول أبو السعود: كنا نرجو منك لما كنا
نرى منك من دلائل السداد ومخايل الرشاد
أن تكون لنا سيدًا ومستشارًا في الأمور.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
«فاضلا خيّرًا نقدمك علی جمیعنا)».
وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا
وتوافقنا على ما نحن عليه(٢).
٢. الظلم.
دمرهم الله تعالى عاقبة لظلمهم.
(١) الكشف والبيان، الثعلبي ٥/ ١٧٦.
(٢) إرشاد العقل السليم، ٢٢١/٤.
قال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
٦ فَتِلْكَ بُيُوتُّهُمْ خَوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُواْ إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَيَةُ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ وَأَنْجَيْنَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾
[النمل: ٥١-٥٣].
ذكر جلّ وعلا في هذه الآيات الكريمة،
ثلاث أمور:
الأول: أنه دمّر جميع قوم صالح، ومن
جملتهم تسعة رهط الذين يفسدون في
الأرض ولا يصلحون، وذلك في قوله:
﴿أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْأَجْمَعِينَ﴾، أي: وهم قوم
صالح ثمود، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾
أي: خالية من السكان لهلاك جميع أهلها،
﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي: بسبب ظلمهم الذي
هو كفرهم وتمّدهم وقتلهم ناقة اللّه التي
جعلها آية لهم، وقال بعضهم: ﴿خَاوِيَةٌ﴾،
أي: ساقطًا أعلاها على أسفلها.
الثاني: أنه جلّ وعلا جعل إهلاكه قوم
صالح آية، أي: عبرة يتّعظ بها من بعدهم،
فیحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل
به ما نزل بهم من التدمير، وذلك في قوله:
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
الثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا
وكانوا يتّقون من الهلاك والعذاب، وهو
نبيّ الله صالح ومن آمن به من قومه، وذلك
في قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
٢٥٨
مَوَسَ بَةُ اللَّهِد
القرآن الكريم

مود
وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
وهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها جلّ
وعلا هنا، جاءت موضحة في آیات أخر.
٣. الاختصام.
قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَِقَانِ
يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥].
ولم يبيّن هنا خصومة الفريقين، ولكنّه
بيّن ذلك في سورة ((الأعراف»، في قوله
تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ
قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ
أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ، قَالُواْ إِنَّا
بِمَا أُرْسِلَ بِه مُؤْمِنُونَ ) قَالَ الَّذِينَ
أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِى ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ
﴾ [الأعراف: ٧٥-٧٦].
ء
فهذه خصومتهم، وأعظم أنواع
الخصومة: الخصومة في الكفر والإيمان(١).
٤. التكذيب.
ورد ذكر تكذيب ثمود بالبعث في
موضعين:
الأول: قرن فيه مع عاد، قال تعالى:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْفَارِعَةِ ﴾ [الحاقة: ٤].
الثاني: هو قوله تعالى: ﴿ثُرَّأَنشَأَنَامِنْ بَعْدِهِمْ
قَرْنَا ءَاخَرِنَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيِهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ
﴿ وَقَالَ
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ تَنَّقُونَ ))
اَلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ
(١) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢/ ١٣.
وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يَأْكُلُ مِمَاتَأْ كُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَيُونَ
٣١
[المؤمنون: ٣١-٣٣].
ذكر ابن جرير الطبري وآخرون أن
المعنيون بهذا الخطاب هم ثمود قوم
صالح؛ لأن القصة شبيهة بقصتهم، فهم
الذين أهلكهم الله بالصيحة، وقد ختمت
هذه القصة بذكر هلاك المذكورين فيها
بالصيحة (٢).
فقد وصف الله تعالى الملأ الذين
تصدروا لمعارضة صالح عليه السلام بثلاث
أوصاف قبيحة: الكفر بالله، والتكذيب
بالبعث، والترف (٣).
٥. الترف.
المترف مع ما يترتب عليه سلوكه
من الإنكباب على الدنيا والانغماس في
الشهوات، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
أَلْعَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ
وَأََّفْنَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآَ إِلَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ
يَأَكُّلُ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
وقوله: ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَّآءِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: كذبوا
بلقاء ما فيها من الحساب والجزاء.
والمراد: بيان تكذيبهم بالبعث بالكلية
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/١٠، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ١١، والتسهيل،
ابن جزي ٣/ ٥١.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٢٣.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف التاء
كما تدل عليه الآيات(١).
وقد جاء تفصيل تكذيبهم بالبعث في
الآيات التي بعد هذه، وذلك ضمن المسائل
التي أنكروها على صالح عليه السلام، فبعد
أن أنکروا علیه ادعاء الرسالة مع كونه بشرًا
أنكروا ما يعدهم به من البعث والنشور
بعد الموت، فقالوا مخاطبًا بعضهم بعضًا:
﴿أَيَدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُرُ
تُخْرَجُونَ ﴾ [المؤمنون: ٣٥].
وهذا الاستفهام على جهة الاستهزاء
والاستبعاد (٢).
والمعنى: أيعدكم صالح أنكم بعد
موتکم، ومصیرکم ترابًا، أي: قبورکم،
وعظامًا قد ذهب لحوم أجسادكم وأعصابها،
أنکم مخرجون أحياء كما كنتم (٣).
ثم لم يقتنعوا بالاستبعاد عن طريق
الاستفهام حتی قرنوه بالاستبعاد عن طريق
* حَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
الأخبار قالوا
[المؤمنون: ٣٦].
٣٦
أي: بعيد بعيد ما توعدون من أنكم
محیون بعد مماتكم (٤).
ثم أكدوا إنكارهم للبعث بذكر تصورهم
(١) انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٢١/١٢، فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٤٨٢.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ١٤٣،
التسهیل، ابن جزي ٣/ ٥١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٨.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٨، تفسير
السمر قندي ٢/ ٤١٤.
للحياة، فقالوا: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا
نَمُوتُ وَفَحْيَا وَمَا غَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٧)﴾ [المؤمنون:
٣٧].
أي: ما الحياة إلا هذه الحياة التي نحن
نحياها في الدنيا، لا الحياة الآخرة التي
وعدنا بها صالح بعد البعث (٥).
وجملة ﴿نَمُوتُ وَغَحْيَا﴾ مفسرة لما ادعاه
من أن الحياة هي الحياة الدنيا (٦).
وقد ذكر في معناها أقوال:
فقیل معناها: یموت بعضنا ویولد بعضنا،
وهكذا(٧).
وقيل: يموت الآباء ويحيا الأبناء (٨)
وقيل: يموت قوم ويحيا قوم(٩).
وقيل: بمعنى نحيا ونموت ولا نبعث(١٠).
وهذه الأقوال متقاربة في المعنى، غير
متعارضة، فهم لا يقصدون بقولهم ﴿نَمُوتُ
وَثَحْيَا﴾ إنهم يموتون ثم يبعثون يوم
القيامة، فهم منكرون للبعث إنكارًا شديدًا،
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٢/ ١٢٤، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤٢٤/٢.
(٦) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٤٨٣، روح
المعاني، الألوسي ١٨/ ٣٢.
(٧) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٥٣/٤،
روح المعاني، الألوسي ١٨/ ٣٢.
(٨) انظر: النكت والعيون ٥٣/٤، معالم التنزيل،
البغوي ٥/ ٤١٧.
(٩) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/١٠، معالم
التنزيل، البغوي ٤١٧/٥.
(١٠) تفسير السمر قندي ٤١٤/٢، النكت والعيون،
الماوردي ٤ / ٥٤.
مَوَسُوبَةُ النَّهِ
القرآن الكريم
٢٦٠

مود
وقد استمروا في تأكيد إنكارهم للبعث
﴿وَمَا
واستحالته بما يدل عليه قولهم الجازم
◌َّْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، ثم ختموا جدالهم بقولهم:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُ أَفْتَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا وَمَا تَحْنُ
لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [المؤمنون: ٣٨].
بذلك أحبوا ما هم عليه من الضلال
على دعوة سيدنا صالح عليه السلام
للهدى والإيمان، فحقت عليهم كلمة
العذاب فأتاهم هلاك الصيحة، كما قال
الحق عز وجل: ﴿فَأَخَذَتَهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
فَجَعَلْنَهُمْ غُثَلَهُ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[المؤمنون: ٤١].
٦. الاستهزاء.
ومما اتصف به قوم ثمود الاستهزاء
بالرسل وإيذائهم، وما صاحب ذلك من
الهزء والوقاحة.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِنَا
مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَا أَنَنْهَئِنَّا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنا
وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونَاْ إِلَيْهِ مُرِيمٍ ﴾ [هود:
٦٢].
أي: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم
تعجبًا مما قالته الرسل على سبيل الاستهزاء
كحال من غلبه الضحك (١).
﴿أَفْتَىُ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ
بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣/٨، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣٢٦/٣.
فجعلوا صالحًا عليه السلام مفتريًا على
الله تعالى بسبب دعوته لهم إلى التوحيد،
والإيمان بالبعث (٢)، وصرحوا بأنهم لن
يؤمنوا به، أو أنهم فعلوا ذلك إشارة على
الأنبياء بالسكوت وإطباق الأفواه استبشاعًا
لما قالوه من دعوى النبوة (٣)، أو أنهم
أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به
من قولهم: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾
[إبراهيم: ٩].
تنبیھا علی أن هذا هو جوابهم، ولا جواب
عندهم سواه، تيئيسًا لهم من التصديق (٤).
وذلك ما قاله المستكبرون من قوم
ثمود للمستضعفين الذين آمنوا بصالح عليه
السلام.
قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
أُسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ
لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ
مِّن رَّبِّهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِ مُؤْمِنُونَ
﴾ [الأعراف: ٧٥].
((وقولهم: ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾ استفهامٌ على
معنى الاستهزاء والاستخفاف»(٥).
فالرسل في نطاق دعوتهم إلى التوحيد
(٢) انظر: فتح قدير، الشوكاني ٤٨٣/٣.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٣٢٦،
التسهيل، ابن جزي ١٣٨/٢.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٩٥/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٠/ ١٩.
(٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٢٣.
www. modoee.com
٢٦١

حرف التاء
ونهيهم عن الشرك يبيّنون بطلان اتخاذ الناس (٤))(٥).
الأصنام آلهة، ويظهرون ضعفها وعجزها
عن جلب نفع أو دفع ضرِّ؛ وهذا في نظر
المشركين مسبّةٌ شنيعة، وطعن قادح في
آلهتهم التي يعتقدون أنها جالبة الخيرات،
ودافعة الشرور والأضرار، فیردون علی ھذا
بالاستهزاء بالرسل، ويسلطون عليهم ألوانًا
من ألأذى، وينال أتباعهم قسطًا من ذلك.
ثالثًا: استكبار قوم ثمود:
الكبر والتكبر والاستكبار من مشتقات
مادة (كبر) وهي متقاربة في المعنى(١)،
فالكبر ألصقٍ بالخلق الباطني، وهو: ((خلق
في النفس دالٌّ على الاسترواح والركون إلى
رتبة فوق المتكبّر عليه))(٢)، فمتى اتصف
المرء بهذا الخلق يقال: فى نفسه كبر، فإذا
ظهر كعمل صادر عن الجوارح كان تكبرًا
واستكبارًا(٣).
وبهذا فالكبر شعور باطني يستشعره
المتكبر، وعندما يصبح هذا الشعور سلوكًا
ظاهرًا يقال لصاحبه: متکبر مستکبر، وجاء
في حديثه صلى الله عليه وسلم بيان لحقيقة
الکبر المتوعد علیه بالعقاب في قوله صلى
الله عليه وسلم: (الكبر بطر الحق ، وغمط
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٤٢١.
(٢) تصفية القلوب، يحيى الذماري ص ١٨٧.
(٣) إحياء علوم الدين، ٢/ ٣٦٣.
وردت آيات مختلفة تتحدث عن
استكبار قوم ثمود، فقد وصف الله سبحانه
تعالى ملأ منهم بصفة الاستكبار فقال
تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ
قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ
أَتَقْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُّنْ سَلٌ مِّن رَّيِّدَ قَالُواْ إِنَّا
بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ) قَالَ الَّذِينَ
أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِى ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ
﴾ [الأعراف:٧٥-٧٦].
والمستكبرون تتعدد أنواعهم بحسب
تکېرهم:
التكبر على الله تعالى.
وذلك بعدم الطاعة والترفع عن عبادته،
ورفض أوامره ونواهيه، التي بأتيهم بها
الأنبياء والرسل في دعوتهم، وهذا أكثر ما
واجه الأنبياء وهو مقرون بالتكذيب والکفر
متمثلا في رفض رسالاتهم.
· التكبر على الرسل.
وذلك يتمثل فيعدم الخضوع لهم بأسباب
متعدده؛ لأنهم بشر، لأنهم ضعفاء.
التكبر على الناس.
(٤) بطر الحق: رده ودفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا.
وغمط الناس: احتقارهم.
انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
٢/ ٩٠.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب تحريم الكبر، ٩٣/١، رقم ١٤٧، عن ابن
مسعود رضي الله عنه.
مَوَسُولَة النشـ
القرآن الكريم
٢٦٢

مود
كل الرسل ووجهوا بهذا النوع من رابعًا: موقف ثمود من معجزة رسولهم
عليه السلام:
التكبر، فكان أهل الشرك والكفر يستعظمون
أنفسهم ویرون أنهم فوق أتباع الرسل الذين
عادة ما يكونوا من المستضعفين.
* قَالُواْ أَنُؤْمِنُ
يقول سبحانه وتعالى:
لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾ [الشعراء: ١١١].
وقالوا: ﴿وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ
هُمْ أَرَاِلْنَا ﴾ [هود: ٢٧].
وقد وصف الله سبحانه وتعالى قوم ثمود
بالطغيان فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ
بِالطَّاعِيَةِ ﴾ [الحاقة: ٥].
فقد روي عن قتادة: بأن الطاغية
تعني الطغيان وتجاوز الحد في اغتراف
المعاصي(١).
ويقول ابن كثير في تفسير قوله سبحانه
وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ تَمُودُ بِطَغْوَنِهَا (١)﴾
[الشمس: ١١]: ((كذبوا رسولهم بسبب ما
كانوا عليه من الطغيان والبغي»(٢).
وذكر البيضاوي أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
◌َغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ﴿ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ
[الفجر: ١١- ١٢] صفةٌ للمذكورين جميعًا:
عاد وثمود وفرعون (٣).
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٩/١٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٥٥٢.
(٣) أنوار التنزيل، ٢ / ٥٩٤.
كان موقف ثمود من معجزة رسولهم
وآياته هو الإعراض والتكذيب.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصَْبُ اَلِجْرِ
وَءَانِيْنَهُمْ ءَايَِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا
٨٠
الْمُرْسَلِينَ
مُعْرِضِينَ (١)﴾ [الحجر: ٨٠-٨١].
وقد دلت الأيات على تكذيبهم
وإعراضهم عن الآيات التي أظهرها الله
تعالى لهم تصديقًا لنبيه عليه السلام، دلالة
علی عظمته ووحدانيته. وقد أوتي سیدنا
صالح عليه السلام الناقة آية، وقد جمعت
آيات متعددة فى إظهارها.
قال ابن الجوزي: ((والمراد بالآيات
الناقة، قال ابن عباس: كان فيها آيات،
خروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند
خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة،
و کثرة لبنها حتی کان یکفیھم جمیعًا)» (٤).
والأولى عدم تخصيص الآيات بالناقة
فقط، بل تحمل على الناقة وغيرها، وهو ما
جنح إلیه بعض المفسرين.
قال الطبري في تفسير الآية: ((يقول:
وأريناهم أدلتنا وحججنا على حقيقة ما بعثنا
به إليهم رسولنا صالحًا)»(٥).
وهذه الآيات يدخل فيها الناقة دخولًا
(٤) زاد المسير ٤ / ٣٠١.
(٥) جامع البيان، الطبري ٧/ ١٤.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الثاء
أوليًّا؛ لأنها ذكرت في القرآن الكريم، ولكن وصلى لله سبحانه، ثم دعا ربه أن يجيبهم
عدم ذكر غيرها لا يدل على أنها هي الآية إلى ما طلبوا. وكانت الآية التي أوتيها سيدنا
الوحيدة التي أعطيت لسيدنا صالح عليه
السلام حتى يضطر لحمل الآيات على الناقة
فقط.
فهذه الآيات تشتمل على الحجج
والبراهين الكونية الدالة على عظمة الله
تعالى ووحدانيته، ولا شك أن صالحًا عليه
السلام قد ذكّر قومه بهذه البراهین والآيات
وقد تكون الآيات التي كذبوا بها غير هذه
الآيات.
قال البيضاوي: ((﴿وَءَانِيْتَهُمْ ءَايَئِنَا فَكَانُواْ
﴾ [الحجر: ٨١] يعنى: آيات
٨١
عنهَا مُعْرِضِينَ
الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزاته
المتضمنة في الناقة من سقيها وشربها
وغيره، أو ما نصب لهم من الأدلة)) (١).
وقد سأل قوم ثمود سیدنا صالح عليه
السلام معجزة يخرجها لهم يريدونها،
فأشاروا على صخرة بجوارهم، وقالوا له:
أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة طويلة عشراء،
وأخذوا يصفون الناقة المطلوبة ويعددون
صفاتها، حتى يعجز صالح عن تحقيق
طلبهم، فقال لهم صالح: أرأيتم إن أجبتكم
إلى ما سألتم أتؤمنون بي وتصدقونني
وتعبدون الله الذي خلقكم؟ فقالوا له: نعم،
وعاهدوه على ذلك، فقام صالح عليه السلام
(١) أنوار التنزيل، ١/ ٥٣٤.
جَوَس ◌َرُ النَّقِينِ لالمرضوي
القرآن الكريم
صالح عليه السلام هي الناقة، قال سبحانه
وتعالى ﴿قَدْ جَآءَ نْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمّْ
هَذِهِ، نَاقَةُ اُللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلٌ
فِيّ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣].
وكانت الناقة بطلب من قومه ولم
يأت بها من تلقاء نفسه؛ وذكر ابن عطية
عن بعضهم أنه جاء بها من تلقاء نفسه من
غير طلب(٢)، والرأي الأول هو الأرجح
والأصوب كما جاء في القرآن قوله تعالى:
﴿ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِنَ ا مَآ أَنتَ إِلَّا
بَشَرٌ مِثْلْنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
[الشعراء: ١٥٣- ١٥٤].
و کذلك جاء في الحديث ما يصدق رأي
طلبهم الناقة، فعن جابر بن عبد الله رضي
الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه
وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات، وقد
سألها قوم صالح، فكانت -أي: الناقة - ترد
من هذا الفج (٣)، وتصدر من هذا الفج، فعتوا
عن أمر ربهم فعقروها)(٤).
(٢) انظر: المحرر الوجيز ٢/ ٤٢١.
(٣) الفج: هو الطريق الواسع بين جبلين. مختار
الصحاح ص ٤٠١.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٦/٢٢، رقم
١٤١٦٠، والحاكم في المستدرك، كتاب
التفسير، سورة الأعراف، ٣٥١/٢، رقم
٣٢٤٨.
٢٦٤

مود
حددوا نوع الآية أن تكون ناقة، وكيفية
خروجها وشكلها وأن تخرج أمام أعينهم
من الصخرة في قبيلتهم
وأما صفة الناقة التي جعلها الله عز وجل
آية مبصرة لثمود، فقال الله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَاً
ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَأْ وَمَا نُرْسِلُ
◌ِلَيَتِ إِلَّا تَخْوِيمًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ
مِّن رَّبِّكُمُّ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ
فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَّعٍ
فَيَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣].
قوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَهُمْ ءَايَدِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا
مُعْرِضِينَ (١)﴾ [الحجر: ٨١].
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى
أصحاب الحجر آياته فکانوا عنها معرضین.
والإعراض: الصدود عن الشيء والإضراب
عنه(١) وعدم الالتفات إليه؛ كأنه مشتق من
العرض بالضم وهو الجانب؛ لأن المعرض
لا يولي وجهه بل يثنى عطفه ملتفتًا صادًا(٢).
ولم يبين جل وعلا هنا شيئًا من تلك
الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم
عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر،
فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم: تلك
الناقة التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض
وحسن إسناده ابن حجر في الفتح ٦/ ٣٨٠.
(١) التوقيف، ١/ ٧٦.
(٢) انظر: لسان العرب، ٧ / ١٦٥.
وذكر العلماء أن قوم صالح هم الذين العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة:
كخروجها عشراء وبراء جوفاء من صخرة
صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها،
وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها
حتی یکفیھم جميعًا، و کثرة شربها؛ كما قال
تعالى: ﴿لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾
[الشعراء: ١٥٥].
﴿وَنَّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَّ كُلُّ شِرْبِ
وقال:
مُخَْضَرُ (٥)) [القمر: ٢٨](٣).
روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله
عنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات
وقد سألها قوم صالح، فكانت ترد من هذا
الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر
ربهم فعقروها، فكانت تشرب ماءهم يومًا
ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم
صيحة أهمد الله عز وجل من تحت أديم
السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم
الله عز وجل)، قيل: من هو يا رسول الله
قال: (هو أبو رغال؛ فلما خرج من الحرم
أصابه ما أصابهم) (٤).
ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى
على آية الأعراف عند قوله تعالى: ﴿قَدْ
جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمُّ هَذِهِ، نَاقَةُ
اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ فيقول: ((والسياق
(٣) التحرير والتنوير، ١٦ / ١١٧.
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الثاء
هنا -لأنه يستهدف الاستعراض السريع فيّ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْمٍ فَيَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: ٧٣] فاقتران الدعوة
إلى التوحيد بالإشارة إلى الناقة يدل على أنه
طلب منهم الإیمان عقب مجيئها.
للدعوة الواحدة ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة
التكذيب- لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة،
بل يعلن وجودها عقب الدعوة، وكذلك
لا يذكر تفصيلًا عن الناقة أكثر من أنها بيّنة
من ربهم، وأنها ناقة الله، ومن هذا الإسناد
نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية، أو أنها
أخرجت لهم إخراجًا غير عادي؛ مما
يجعلها بيّنة من ربهم، ومما يجعل نسبتها
إلی الله ذات معنى، ويجعلها آیة على صدق
نبوته. ولا نزید علی هذا شيئًا مما لا يرد ذكره
من أمرها في هذا المصدر المستيقن، وفيما
جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل
آخر)) (١).
ثانيًا: تقسيم الماء بينهم وبين الناقة.
فلقوم صالح عليه السلام يوم، وللناقة
يوم، في يومهم لا ترد الناقة الماء فيأخذون
ما يكفيهم ويكفي بهائمهم، وفي يوم الناقة
لا یریدون الماء.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ،
نَاقَّةٌ لََّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
١٥٥
[الشعراء: ١٥٥] وقوله تعالى: ﴿وَنَبِّثْهُمْ أَنَّ الْمَآَ
قِسْمَةُ بَّنَهُمْ كُلَّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ ﴾ [القمر: ٢٨].
كما حذرهم صالح عليه السلام من
وقد أخذ سيدنا صالح عليه السلام على نقص حصة الناقة من الماء.
قومه العهد بعد خروج الناقة.
وبعد أن أخرج الله لهم الناقة بالكيفية
التي طلبوها طلب منهم صالح عليه السلام
الوفاء بعهدهم ومواثيقهم التي قطعوها على
أنفسهم في أمور: منها:
أولًا: الإيمان بالله جل جلاله ونبذ عبادة شرب یوم معلوم»(٢).
الأوثان والتصديق برسالة صالح.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ
صَلِحَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهُ مَا لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرٌ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ
هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣١٣/٣.
مَوَسُولَةُ
القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللّهِ
﴾ [الشمس: ١٣].
وسقيهًا
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((أي:
احذرواناقة الله أن تمسوها بسوء ولا تعتدوا
عليها يوم سقياها، فإن لها شرب يوم ولكم
ثالثًا: أن لا تمس الناقة بأي سوء.
وقد حذرهم من مساس الناقة بسوء
تحذیرًا صارمًا واضحًا، ونبههم بأنه يستدعي
العذاب العاجل.
قال تعالى حكاية عن سيدنا صالح عليه
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤ / ٥٥٢.
٢٦٦