النص المفهرس
صفحات 21-40
الثواب أخبرکم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو ﴿مَن لَّعَنَهُ اللّهُ﴾ أي: أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ بأن منع عنه رضاه ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ بأن مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي: من عبد كل معبود باطل من دون الله کالأصنام والأوثان، وغیر ذلك من المعبودات الباطلة التي اتبعوها (١) بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم ٠ فإن قيل: إن قوله: ﴿قُلُّ هَلْ أُنَّبِّئُكُمْ بِشٍَ مِّن ذَلِكَ مَتُوبَةً﴾ يفيد أن ما عابه اليهود على المؤمنین من إیمانهم بالله فیه شر، إلا أن ما علیه اليهود أشد شرًّا، مع أن إيمان المؤمنین لا شر فيه ألبتة، بل هو عين الخير فكيف ذلك؟. فالجواب: أن الكلام مسوق على سبيل المشاكلة، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد، وزعمهم الباطل، فكأنه سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء اليهود -یا محمد- ينكرون علیکم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية، ويعتبرون ذلك شرًّا -مع أنه عين الخير-، قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة: لئن كنتم تعيبون (١) الوسيط، طنطاوي ٤ /٢٠٨. نعلم أهل دين أقل حظًّا في الدنيا والآخرة علينا إيماننا وتعتبرونه شرًّا لا خير فيه في منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم، قل لهم على زعمكم، فشر منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم: هل من لعن وطرد من رحمة الله، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة، وبعضهم خنازير، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله، وشبيه بهذه الآية في مجاراة الخصم في زعمه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْلِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِي ضَلَلِ تُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤](٢). ﴿أُوْلَكَ﴾ الممسوخون الملعونون ﴿شَرِّ مَكَانًا﴾ جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله مبالغة ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة(٣). فأثبت سبحانه الشرية لمكانهم؛ ليكون أبلغ في الدلالة على كثرة شرورهم؛ إذ إن إثبات الشرية لمكان الشيء كناية عن إثباتها للشيء نفسه. فكأن شرهم قد أثّر في مكانهم، أو عظم وضخم حتى صار متجسمًا (٤). ولذا قال في حقهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌّ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]. المستحقون لثواب الآخرة: أولًا: الخیر: * المجاهدون والمهاجرون. قال تعالى: ﴿قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُوا (٢) المصدر السابق. (٣) مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٤٥٨. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩١/١٣. www. modoee.com ٢٩٧ حرف التاء مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأَكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ ◌َّجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللّهُ عِنْدَهُحُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. يبين الحق سبحانه وتعالى الثواب العظيم والأجر الكبير للذين هاجروا وتركوا أو طانهم من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا من ديارهم، فرارًا بدينهم من ظلم الظالمين، المعتدين، ﴿وَأُوْذُواْ﴾ وتحملوا واعتدا الأذى والاضطهاد في سبيل الحق الذي آمنوا به ﴿فِي سَبِلِي وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ ﴾ أعداء الله ﴿وَقُتِلُواْ ﴾ وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل. فهؤلاء تكفل لهم الله تعالى بالثواب والنعيم في الآخرة فضلًا عن الدنيا. ففي هذا النص تعداد للأعمال الصالحات التي قام بها هؤلاء واستحقوا بها نعيم الجنة، واتقوا بها عذاب النار، وهي أمور ثلاثة، آخذ بعضها بحجز بعض، ومتلاقية في معناها ومغزاها(١). الأول: أنهم هاجروا وأخرجوا من ديارهم فهم هجروا مغانيهم التي تربوا فيها غير راغبين ولا محبين للخروج، بل ملجئين مضطرين، ولذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخاطبًا مكة عندما خرج منها: (إنك أحب أرض الله إليّ، ولولا أن (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٥٥٥. أهلك أخرجوني ما خرجت)(٢)، ویروی أن ورقة بن نوفل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((ليتني أكون جذعًا إذ يخرجك قومك)». فقال له عليه الصلاة والسلام: (أو مخرجيّ هم)؟! قال: (ما أوتی أحد بمثل ما أوتيت إلا عودي)(٣). والله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوَ ... ﴾، فكان الإخراج سبب الهجرة. الثاني: الذي استحقوا به الجزاء الأوفى هو أنهم تحملوا الأذى في سبيل الله تعالى، فهم أوذوا في مكة قبل الهجرة، واستمر الإيذاء بعدها، وكل ذلك في سبيل الله، وفي سبيل الحق وإعلائه، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، وإن هذا يزكي الخير فيهم، فإنهم ما أخرجوا من ديارهم، وهجروا أحباءهم وذويهم إلا في سبيل الله تعالی. الثالث: أنهم قاتلوا في سبيل الله تعالى فجاهدوا الأعداء واستشهدوا في هذا القتال، فلهم فضلان: فضل القتال والتقدم، (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٣/٣١، رقم ١٨٧١٧، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب فضل مكة، رقم ٣٨٦٠. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم ٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي، رقم ٢٣١، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها. ٢٩٨ القرآن الكريم الثواب وفضل الاستمرار فيه والشهادة في سبيل ذلك بقوله: ﴿لَأَكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، الحق (١)، وإليه الإشارة ﴿وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ ﴾. وقد ذكر الله صفات المؤمنين هكذا، لينّهنا إلى أن نرّوض أنفسنا ونختبرها، فإن رأيناها تحتمل الأذى فى سبيل الله حتى القتل فلها الرضوان من ربها، وإلا فلنروّضها حتى تصل إلى هذه المنزلة، والسر فى هذا التكليف الشاق أن الحق لا يقوى إلا إذا وجد من ينصره ويؤيده، ويقاوم الباطل وأعوانه؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى، فيجب على أنصار الحق ألا يفشلوا ولا ینهزموا، بل يثبتوا مهما لاقوا من المحن والأرزاء، فقد كتب الله النصر لعباده المؤمنين (٢). وقد بيّن سبحانه وتعالى الجزاء والثواب لَّأَ كَفْرَنَ عَنْهَم بقوله تعالت كلماته: سَيْئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَخْتِهَا الْأَنْهَرُ تَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾. قلنا: الثواب والمثوبة يرادبه الجزاء، وقد جعله الدين أثرًا طبيعيًّا للعمل، فللأعمال تأثير في نفس العامل بتزكيتها فتكون منعمة في الآخرة، أو تدسیتها فتكون معذّبة فيها. وقد وعد الله تعالى من فعل ذلك بأمور: هي بمثابة الإثابة على أعمالهم: فأثابهم بمحو السيئات وغفران الذنوب، ودل على (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٥٥٦/٣. (٢) تفسير المراغي ٤ /١٦٧. ووعدهم كذلك بإعطائهم الثواب العظيم المتمثل في الجنة، وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَهُمْ جَنَّتِ ◌َّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ وهذا الثواب مقرون بالتعظيم والإجلال، وهو قوله: ﴿مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ والمعنى لأكفرنّ عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم الجنات، ولأثيينهم بذلك ثوابًا من الله لا يقدر عليه غيره. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ أي: هو ثواب من عنده مختص به، بحيث لا يقدر عليه غيره، وهذه الجملة تأکید لشرف ذلك الثواب؛ لأنه تعالى قادر على كل شيء، غني عن كل أحد، فهو لا محالة فى غاية الجود والكرم والإحسان (٣). ففي قوله تعالى: ﴿تَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أن هذا الجزاء والثواب الذي يجزونه، هو فضل عليهم من الله سبحانه وتعالى، إذ هداهم إلى الإيمان، ووفّقهم للعمل الصالح من الجهاد وتحمل الأذى في سبيل الله، الذي أنزلهم منازل الرضا والقبول عند الله. روي عن جعفر الصادق أنه قال: ((من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، قال: لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٧١. www. modoee.com ٢٩٩ حرف التاء مرات: ربنا، ثم أخبر أنه استجاب لهم. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ وهو تأكيد؛ ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف؛ لأنه تعالى لما كان قادرًا على كل المقدورات، عالمًا بكل المعلومات، غنيًّا عن الحاجات، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والإحسان، فكان عنده حسن الثواب)»(١). الذين آمنوا وعملوا الصالحات. قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ. قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيَّتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِ قَدرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ ) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا وَلَا يُلَقَّمَهَا إِلَّا الصََّبِرُونَ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠]. يبين الحق سبحانه أن الإيمان بالله والصبر عن طلب زينة الحياة الدنيا خير من طلب الزينة والتكبر والغرور على الخلق. إن الناس لما رأوا قارون على تلك الزينة قال من کان منهم يرغب في الدنيا: یا لیت لنا مثل ما أوتي قارون من هذه الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا، وأما العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا: ويلكم ثواب الله (١) انظر: المصدر السابق، التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٢/ ٦٧٤. خير من هذه النعم؛ لأن للثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاث، قال صاحب الكشاف: ((ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى))(٢). فقال: ﴿الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ﴾ بالله، حين رأوا قارون خارجًا عليهم في زینته، -للذين قالوا: ﴿يَتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ قَرُونُ﴾: ويلكم اتقوا الله وأطيعوه، فثواب الله وجزاؤه لمن آمن به وبرسله، وعمل بما جاءت به رسله من صالحات الأعمال في الآخرة، خير مما أوتي قارون من زينته وماله لقارون. وقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّمَهَآَ إِلَّ الصَِّرُونَ﴾ يقول: ﴿وَلَا يُلَقَّمُهَا﴾، أي: ولا يوفّق لقيل هذه الكلمة، وهي قوله: ﴿ثَوَابُّ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ والهاء والألف كناية عن الكلمة. وقال: ﴿إِلَّالصَّكِرُونَ﴾ يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها، فجدّوا في طاعة الله، ورفضوا الحياة الدنيا. أو ﴿وَلَا يُلَقَّمُهَا﴾ أي: لا يؤتى الجنة، ولا يدخلها، أو لا يوفّق للأعمال الصالحة (٢) الكشاف ٣/ ٤٣٢. ٣٠٠ جَوْسُورُ القرآن الكريم الثواب ﴿إِلَّ الصَِّرُونَ﴾ على الطاعات، وعن (١) المعاصي (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُوْلَكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَّجْرِى مِن تَحِمُ اَلْأَنْهَرُ يُحُلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ◌ِيَابًا خُضْرًا مِنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِيَهَا عَلَى ٠٠٤,٣٨ الْأَرَابِكِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]. لقد جعل اللّه تعالى سبب ما يستقبلهم من النعيم والثواب أمرين: الأول: إيمان صادق وإخلاص يعمر القلوب، فإنه لا ثواب من غير قلب منيب. الثاني: عمل صالح نافع بأداء ما أمر اللّه به واجتناب ما نهى اللّه عنه في استقامة قلب، و کمال قصد واتجاه إلى النفع(٢). ﴿أُوْلَيْكَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿إِنَّالَا تُضِيعُ﴾ اعتراض، ولك أن تجعل ﴿إِنَّالَا تُضِيعُ﴾ و﴿ أُوْلَكَ﴾ خبرين معًا. أو تجعل أُوْلَيْكَ﴾ كلامًا مستأنفًا بيانًا للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت ﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ﴾ خبرًا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ و﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ﴾ ينتظمهما معنى واحد، فقام ﴿مَنْ أَحْسَنَ﴾ مقام الضمير. أو أردت: (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٢٩/١٩. (٢) زهرة الفاسير، أبو زهرة ٩/ ٤٥٢٥. ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين (٣). وتنكير ﴿أَسَاوِرَ﴾ لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بین السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الاستبرق: وهو الغليظ منه؛ جمعًا بين النوعين. وخص الاتكاء؛ لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرّتهم (٤). وإحسان العمل: أن يريد العبد العمل لوجه الله، متبعًا في ذلك شرع الله. فهذا العمل لا یضیعه الله، ولا شيئًا منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر، بحسب عملهم وفضله وإحسانه، وافتتاح الجملة باسم الإشارة لما فيه من التنبيه على أن المشار إليهم جديرون لما بعد اسم الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة، وهي كونهم آمنوا وعملوا الصالحات(٥). فبين الحق جزاء وثواب السعداء، الذين آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين فيما جاءوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فيقول في شأن الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح: أن لهم الجنات العالیات التي قد كثرت أشجارها، فأجنت من فيها، وكثرت أنهارها، فصارت تجري (٣) الكشاف ٢/ ٧٢٠. (٤) المصدر السابق ٢/ ٧٢٠. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١١/١٥. www. modoee.com ٣٠١ حرف التاء من تحت تلك الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة، وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس، وهو الغليظ من الديباج، والإستبرق، وهو ما رق منه. صلی الله عليه وسلم قال: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)(١). وقد قالوا: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء والخضرة والوجه الحسن. ولفظ: ﴿عَنِ﴾ بمعنی: إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول. وأصله من عدن فلان بالمكان. إذ أقام به واستقر فيه ﴿ُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِكِ﴾، وهي السرر المزينة، المجملة بالثياب الفاخرة، فإنها لا تسمی أریکة حتی تکون کذلك، وفي اتکائھم على الأرائك، ما يدل على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون، وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية، فهذه الدار الجليلة ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ للعاملين أي: نعمت الجنة ثوابًا لهم على أعمالهم ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: حسنت منزلًا ومقيلاً ومقامًا يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، رقم، ٢٥٠. والفرح الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة، وأي مرتفق أحسن من دار، أدنی أهلها، يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة، ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم، قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه، وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول وزيد من المطالب، ما قصرت عنه الأماني، ومع ذلك، فنعیمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان. ودلت الآية الكريمة وما أشبهها على أن الحلية عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأحاديث الصحيحة؛ لأنه أطلقها في قوله: ﴿يُلَّوْنَ﴾ وكذلك الحرير ونحوه(٢). ونحو الآية قوله: ﴿أُوْلَكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَمَّا ◌َ خَلِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾﴾ [الفرقان: ٧٥-٧٦]. وبذلك نرى الآية الكريمة قد اشتملت على ألوان متعددة من التكريم والثواب لأولئك المؤمنين الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح. فقد بشّرهم سبحانه بجنات عدن، ثم بشّرهم ثانيًا بأن ﴿الْأَنْهَرَ نَّهْرِى مِن ◌َِّهِمْ﴾، ثم بشّرهم ثالثًا بأنهم (ثُعَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾، ثم بشّرهم رابعًا بأنهم (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٦/٥، تفسير المراغي ١٤٥/١٥. جَوَبُو ◌َ النَّهـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٠٢ الثواب ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنِ سُندُسِ وَإِسْنَبْرَقٍ﴾، ثم بشّرهم خامسًا، بأنهم يتكئون في تلك الجنات ﴿عَلَى الْأَرَابِكِ﴾. وفي هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح، الذي يرفع درجات المؤمن إلى أعلى عليين، وذلك ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. نسأل الله تعالى أن يرزقنا هذا الفضل، فهو أكرم مسئول، وأعظم مأمول. ويقول تعالى -في شأن بعض أهل النصارى الذين آمنوا- على لسانهم: ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَّا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴾ فَأَتَبَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَّآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٤- ٨٥] قال الإمام الطبري: «هذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآيات))(١)، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب الله، وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا﴾ نقرّ بوحدانية الله ﴿وَمَاجَآءُنَا﴾ من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن ﴿وَنَطْمَعُ﴾ بإيماننا بذلك ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (١) جامع البيان ٥١١/١٠. بـ ﴿اَلْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾: فالمقصود المؤمنون بالله، المطيعون له، الذين استحقّوا من الله الجنة بطاعتهم إياه. وإنما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يدخلنا ربّنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنته يوم القيامة، ویلحق منازلنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم في جنّاته (٢). فجزاهم الله بقولهم: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٤]. فَأَتَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [المائدة: ٨٥]. يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: دائمًا فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحوّلون عنها ﴿وَذَلِكَ جَزَآَهُ الْمُحْسِنِينَ﴾، فيقول الحق: فهذا الذي جزیت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا، من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاء كل محسنٍ في قیله وفعله. فقد بيّنت هذه الآية الكريمة أنه سبحانه قد أجابهم إلى ما طلبوا، بل أكبر مما طلبوا، فقد كانوا يطمعون في أن يكونوا ﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، وأن يكتبهم مع الشاهدين، فأعطاهم سبحانه جنات تجرى من تحتها (٢) الوسيط، طنطاوي ٥١٣/٨. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الثاء الأنهار، وسماهم محسنین، والإحسان أعلى درجات الإيمان، وأکرم أوصاف المتقين. مَا أَنْزِلَ إِلَى سَمِعُواْ هذا جزاء الذين الرَّسُولِ﴾ صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وقالوا ما قالوا مما يشهد بصفاء نفوسهم(١). و(إحسان المحسن) في ذلك، أن يوحّد الله توحيدًا خالصًا محضًا لا شرك فيه، ويقرّ بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب، ويؤذّي فرائضه، ويجتنب معاصيه. فذلك كمال إحسان المحسنين ((الذين قال الله تعالى ذكره أنه أثابهم بما قالوا جنات ... )) (٢). ثانيًا: ثواب الشر: الكفار. قال تعالى: ﴿قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ ) هَلْ ثُّبَ اَلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٦]. تأتي تلك الآيات من سورة المطففين في إطار حديث القرآن عن المقارنة بين أعمال الكفار وأعمال المؤمنين، وما يستحقه المؤمنون من الثواب العظيم والسعادة في الدنيا والأخرة والجنة التي عرضها السماوات والأرض، وما أعدّه الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة من نعيم دائم؛ حيث يتتعمون في الجنة بكل ما يشتهون. (١) الوسيط، طنطاوي ٤ /٢٥٩. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥١٢. جويق القرآن الكريم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)(٣). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ أدنى أهل الجنّة منزلةً لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنةٍ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوةً وعشيّةً) (٤). وبعد أن بيّن الحق سبحانه ثواب المؤمنين المتمثل فى الجنة ونعيمها، أردف ذلك ببيان ما يستحقه الكفار من ثواب الشر الذي جنته أيديهم وعملته جوارحهم من الإنكار والمكابرة، وعدم الإيمان، والاستهزاء بالرسول والرسالة، وأتباع النبي من المؤمنین، فهؤلاء الكفار كانوا يسخرون من المؤمنين ويحتقرون من شأنهم، ويتهمونهم بالضلال لإيمانهم بسيدنا محمد، وتركهم شهوات الدنيا وملاذتها. وبعد بيان حالة هؤلاء الكفار الذين كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا، (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم ٣٢٤٤، ومسلم في صحيحه، أوائل كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم ٢٨٢٤. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، رقم ٢٥٥٣. ٣٠٤ الثواب يقول لهم الحق سبحانه وتعالى: ﴿قَالْيَوْمَ﴾ يعني: ففي هذا اليوم يوم الجزاء والعدل الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ والحساب وهو يوم القيامة اُلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي: يضحك المؤمنون على الكفار في مقابلة ما ضحك بهم أولئك في الدنيا(١). وقوله: ﴿عَلَى آلآرآپِكِ ينظُرُونَ﴾ حال، أي: يضحكون منهم، ناظرون إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم على الأرائك -أي: على الأسرّة فى حجالها آمنون-، وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: هلموا إلى الجنة، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم (٢) فيضحك المؤمنون منهم ٠ فهذا بيان للحال التي عليها المؤمنون، وهم يضحكون من الكفار، إنهم يضحكون وهم جالسون، مستريحون على الأرائك، على حين يتقلب المجرمون على جمر (٣) جهنم(٣). فالمقصود من الآية الكريمة تسلية المؤمنين، وتبشيرهم بأنهم سيأخذون بثأرهم من المشركين عما قريب، وأنهم -أي: المؤمنون- سيكونون يوم القيامة على سرر قد فرشت بأجمل الفراش، (١) مدارك التنزيل، النسفي ٦١٨/٣. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٤/٨. (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٠١٤٩٩/١٦ وأنهم لا ينظرون إلا إلى ما يسرّهم ويبهج (٤) نفوسهم . وقوله: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله (٥). فالاستفهام للتقرير كأنه خطاب للمؤمنين؛ تعظيمًا لهم وتكريمًا وزيادة في مسرتهم. أي: هل رأيتم كيف جازى الله الكافرين بأعمالهم، أي: أنه فعل. و﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة. وثوّبه وأثابه بمعنى جازاه، وهو من (ثاب) بمعنى: رجع. فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله. ويستعمل في الخير والشر، وهو هنا مستعمل في الشر؛ لأننا في سياق الحديث عن أحوال الکافرین وما يستحقونه من الجزاء (٦). فهم قد جوزوا يومئذ بأسوء الجزاء بسبب ﴿مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ من الاستهانة والاستهزاء بالمؤمنين، ومن ضحكهم بأعمالهم، وتغامزهم فیما بینھم بعیونھم تھگّمًا علیھم. وجاء الجزاء بأسلوب الاستفهام لتأكيد هذا الجزاء، حتى لكأن المخاطب هو الذي نطق بهذا الجزاء العادل الذي استحقه (٤) الوسيط، طنطاوي ٣٢٩/١٥. (٥) مدارك التنزيل، النسفي ٦١٨/٣. (٦) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤٣٧/٥. www. modoee.com ٣٠٥ حرف التاء الكافرون، ولبيان أن عدالة الله تعالى تقتص من المعتدين مهما طالت بهم الحياة. والتعبير بـ ﴿ثُوَّبَ﴾ - مع أنه أكثر ما يستعمل في الخير - إنما هو من باب التهكم بهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِرْهُمپِعَذَاپٍ أَلِيمٍ﴾(١). وهكذا تشير تلك الآيات إلى مجموعة من الومضات والإشارات الربانية، فتشير إلى أنّ المؤمنين المخلصين الذين تمسكوا بكتاب الله وسنة نبيه يرزقهم الله النعيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة. وتوميء إلى خبث الكافرين، وسوء أخلاقهم، وتعمدهم الاستهزاء بالمؤمنين، والتنكيل بهم، والنيل منهم بكل الوسائل والطرق. كما تشير إلى عدل الحق سبحانه وتعالى في الجزاء والعقاب، فمن یحسن یکون نصيبه الخیر والفلاح، ومن یکون غير ذلك یکون نصيبه الخزي والندامة في الدنيا والآخرة، ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩]. فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾[النساء: ٤٠]. (١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٤٩٩/١٦. مقاصد الثواب للثواب في القرآن مقاصد عدیدة، یمکن إجمالها فيما يلي: أولًا: تحفيز العباد على الأعمال الصالحة: الأصل في المسلم أن يؤدي ما كلّفه الله من العبادات والمعاملات والأخلاق، وأن يجتهد في أداء ذلك على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، إلا أنّ الحق سبحانه وتعالى عالم بأحوال عباده الذين قد يصيبهم ضعف في الهمة، وتكاسل عن أداء المطلوبات الشرعية، فحضّهم على الأعمال الصالحة من خلال مجموعة من المحفّزات التي تجعل الإنسان المسلم يسارع في أداء ما كلّف به بهمة ونشاط، ومن ثمّ يحصل على الثواب والأجر من الله. فالتحفيز معناه أن تدفع الشخص لعملٍ ما، وتحثه عليه بإثارته لفعل هذا الشيء وحثه عليه، من خلال الترغيب والترهيب أو الوعد أو البشارة، وغيرها من أساليب التحفيز المختلفة المعروفة لدى علماء التربية والسلوك، وسواء أكان الثواب العظيم من الله تبارك وتعالى في الدنيا أو الآخرة، أو في الحال أو المآل، وسواء أكان الثواب ماديًّا أو معنويًّا. فمن أولى أساليب التحفيز التي انتهجها ٣٠٦ القرآن الكريم الثواب القرآن، إخبار الحق أنّ عمل العبد لن يضيعه الله، وسيثيب العبد عليه، ويجازيه على عمله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. فالمراد بقوله: ﴿لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ أنه لا يترك أعمال العباد تذهب ضياعًا، بل يجازي الإنسان عليه بالثواب. فأولى المحفزات نحو العمل والعبادة بيان الحق سبحانه للعباد أنّ أي عمل يعملونه في هذه الدنيا لن یضیع عند الله، بل يجازي الحق عباده، ويثيبهم عليه أحسن الجزاء والثواب. وجعل القرآن من وسائل وأساليب التحفيز الترغيب في فعل الخير والعمل الصالح؛ ابتغاء الثواب من الله وأجره في الآخرة، والفوز بالحياة الكريمة الطيبة في الدنيا، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧](١). قال الإمام الشوكاني: ((هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح، وجعل سبحانه الإيمان قيدًا في الجزاء المذكور؛ لأن عمل الکافر لا اعتداد به؛ (١) انظر: التحفيز التربوي في القرآن الكريم وتطبيقاته التربوية، أحمد الحافظي، ص٥، ٢٤،١٧. لقوله سبحانه: ﴿وَقَدِ مْنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة بماذا تكون؟ وأكثر المفسرين على أن هذه الحياة الطيبة هي في الدنيا لا في الآخرة؛ لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾))(٢). وقال الإمام الطبري: ((وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: ﴿فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق لم یکثر للدنيا تعبہ، ولم یعظم فیھا نصبه، ولم یتکدّر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها))(٣). فجعل سبحانه وتعالى من المحفزات لمن آمن وعمل الصالحات الحياة الطيبة في الدنيا، مما يدفع نحو العمل الصالح؛ لنيل تلك الحياة، ولنيل القرب والثواب من الله تبارك وتعالى. كذلك من أساليب التحفيز الوعد بالثواب، وهو يتعلق بوصف ما أعده الله من شتى ألوان النعيم في الدار الآخرة لمن آمن وعمل الصالحات، وبهذا يكون (٢) فتح القدير ٢٣١/٢. (٣) جامع البيان ٢٩٢/١٧. www. modoee.com ٣٠٧ حرف التاء الوعد حافزًا للإنسان للقيام بتلك الأعمال النعيم كمن يخلّد في النار))(١). الصالحة، والإكثار منها؛ لنيل ما وعد الله به عباده الصالحين. قال تعالى: ﴿ََّلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُجِدَ الْمُنَّقُونَّ فِيهَا أَنْهَرٌ مِن مَّآٍ غَيْرِ ءَامِنٍ وَأَتْهَرٌ مِنِ لَّبٍَ لَّمْ يَنَغَيِّرْ طَعْمُهُ. وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِنَ وَأَنْهُرٌ مِنْ عَلٍ مُّصَفَّىّ وَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَّتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنِ زَّبِّهِمَّ كُمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُواْ مَآءُ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [الرعد: ١٥]. قال القرطبي: ((لما قال عز وجل: ﴿إِنَّ اَللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَةِ جَنَّةٍ﴾ [الحج: ١٤]. وصف تلك الجنات، أي: صفة الجنة ﴿فِيهَا أَتَهَرٌ مِّن مَِّ غَيْرِ المعدّة للمتقين. مَاسِنٍ﴾ أي: غير متغير الرائحة. ﴿وَتَهَرٌ مِّنْ لَيَوْ لَّمْ يَغَيَرْ طَعْمُهُ﴾ أي: لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة. ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَِّنَ﴾ أي: لم تدنّسها الأرجل، ولم ترنقها الأيدي کخمر الدنیا، فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون. ﴿وَأَنْهَرٌمِنْ عَسَلِ مُعَنَى﴾ العسل ما يسيل من لعاب النحل. ﴿قُصَفَى﴾ أي: من الشمع والقذى، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنّسه النحل. ﴿وَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ ﴿مِن﴾ زائدة للتأكيد. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّن تَّبِهِمْ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿كَمَنْ هُوَخَلِدٌ فِالنَّارِ﴾ قال الفراء: ((المعنى: أفمن يخلّد في هذا كذلك من أساليب التحفيز في القرآن البشارة أو التبشير بالثواب، من خلال تبشير المؤمنين الذين عملوا الصالحات بحسن العاقبة يوم القيامة، وفي الحياة الدنيا بالنصر والتمكين والتأييد، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلََّّتَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِالَّتِ كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. قال الإمام ابن كثير: ((﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِ كُتُمْ نُوعَدُونَ ﴾ فیبشرونھم بذهاب الشر وحصول الخير) (٢) ٠ ومن أساليب التحفيز الإيجابي التي استخدمها القرآن إحياء الأمل وطرد اليأس، الأمل في الله والرجاء فيما عنده من النعيم والرحمة والمغفرة، وهذا ينبع من الإيمان بالله وعباته حق العبادة. قال تعالى: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَيْكَ تَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦]. قال الإمام الشوكاني (٣): ((﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ أي: أعمال الخير، ﴿خَيْرُّعِنْدَ رَيِّكَ ثَوَابًا﴾ أي: أفضل من هذه الزينة بالمال والبنين ثوابًا، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها، ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ أي: أفضل أملًا، يعني: أن هذه الأعمال الصالحة لأهلها من الأمل (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/ ٢٣٧. (٢) تفسير القرآن العظيم ٧/ ١٧٧ . (٣) فتح القدير ٣٤٤/٣. ٣٠٨ جَوَسُبُو القرآن الكريم الثواب أفضل مما يؤمله أهل المال والبنين؛ لأنهم وجل ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًّا وَرَهَبًا﴾ يعني: أنهم ضموا إلى فعل الطاعات أمرين: یتالون بها في الآخرة أفضل مما كان يؤمله هؤلاء الأغنياء في الدنيا))(١). وإضافة إلى ذلك قد يتخذ التحفيز في القرآن منحى التكريم، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَِّحَا فَلَهُ جَزَّآءَ الْحُسْنِىٌّ وَسَنَقُولُ لَهُمِنْ أَمْرِنَايُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨]. أي: وأمّا من آمن بالله، وأحسن العمل في الدنيا، وقدّم الصالحات فجزاؤه الجنة يتنعّم فيها ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُشْرًا﴾ أي: نیسّر علیه في الدنیا، فلا نکلّفه بما هو شاق، بل بالسهل الميسّر(٢). كما قد يكون من أساليب التحفيز أسلوب المدح والثناء، كما أثنى الله تبارك فقال: وتعالی علی بعض أنبيائه الأخيار ومدحهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال الإمام الخازن: ((﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَةِ﴾ يعني: الأنبياء المذكورين في هذه السورة -الأنبياء -. وقيل: زكريا وأهل بيته، والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء؛ لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله عز (١) انظر: التحفيز التربوي في القرآن الكريم وتطبيقاته التربوية، أحمد الحافظي، ص٣٣- ٣٥. (٢) صفوة التفاسير، الصابوني ١٨٨/٢. أحدهما: الفزغ إلى الله لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه. والثاني: الخشوع، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَشِمِينَ﴾. الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور؛ خوفًا من الوقوع في الإثم (٣). فالسبق إلى الخيرات يكشف عن المعادن النفيسة التى تواظب على الطاعات، وتستزيد من الحسنات، وتقلع عن السيئات، وتراقب رب الأرض السماوات، ووقت السبق هو الحياة الدنيا؛ لأنه وقت التكليف ووقت العمل(٤). وهكذا يحفّز القرآن إلى القيام بالعمل بهمة ونشاط، دون تکاسل أو (٥) . تأخير" هذا عن بعض جوانب التحفيز الإيجابية، وهناك نوع آخر من أنواع التحفيز، يسمى بالتحفيز السلبي أو الترهيبي، وهذا النوع من التحفيز يعتبر بمثابة الدرع الواقي وطوق النجاة للمسلم، حيث يمنع هذا النوع من التحفيز، أو على الأقل يحاول منع أو (٣) لباب التاويل ٢٤٢/٣. (٤) السابقون إلى الخيرات، سعد الحجري ص٩. (٥) انظر: التحفيز التربوي في القرآن الكريم وتطبيقاته التربوية، أحمد الحافظي، ص٣٣- ٣٥. www. modoee.com ٣٠٩ حرف التاء تقليل ارتكاب المخالفات أو المعاصي من إذا كان ضيقًا))(١). خلال تلك الأساليب التي تكوّن لدیه وازعًا دينيًّا أخلاقيًّا متيناً، يكفّه عن عمل الشرور والمنکر، وقد تنوعت تلك الأساليب: منها: الترهيب، والترهيب ضد الترغيب، وهو تخويف الإنسان، وتهديده بالعقوبة والعذاب والسخط من عند الله، إذا لم ينته عما نهاه الله عنه، أو لم يلتزم بما فرضه الله عليه وكلّفه به من الواجبات. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَِّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا ١٢٤ ١٢٠) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) وَكَذَلِكَ نَجْرِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِئَايَتِ رَيِّدِهٌ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَ يَدْعُونَنَا رَغَبَا وَرَهَبَا وَكَانُوا لَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿ وَمَنْ أَغْرَضَ عَن ذِكرى﴾ الذي أُذكّره به فتولى عنه، ولم يقبله، ولم يستجب له، ولم يتعظ به فینزجر عما هو عليه مقیم من خلافه أمر ربه ﴿لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ يقول: فإن له معيشة ضيقة، والضنك من المنازل والأماكن والمعايش: الشديد، يقال: هذا منزل ضنك، وقال أيضًا: ((﴿وَرَهَبًا﴾ يعني: رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته ورکوبهم معصیته))(٢). قال القرطبي عن قوله: ﴿وَإِقَّىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. ((أي: خافون. والرهب والرّهب والرهبة الخوف. ويتضمّن الأمر به معنى التّهديد))(٣). والترغيب والترهيب يمثلان قاعدة أساسية، وبناءً متينًا في تعاليم الدين الإسلامي الحنيف؛ ذلك أن الترغيب والترهيب في القرآن يأتيان مقرونين بتوضيح وبيان طبائع الحسن والقبح في الأفعال والأعمال، حتي يكون الإقبال عليها أو القيام بها، أو الابتعاد والنفور منها صادرًا عن قناعة ووعي (٤). ومن ضمن الأساليب التحفيزية للامتناع عن كل ما يخالف منهاج الشرع وأوامر الله سبحانه وتعالى الوعيد، وهو ضد الوعد، وهو التهديد والتخويف بالعذاب يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْتَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. (١) جامع البيان ١٨/ ٣٩٠. (٢) المصدر السابق ١٨ / ٥٢١. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٣٣٢/١. (٤) انظر: التحفيز التربوي في القرآن الكريم وتطبيقاته التربوية، أحمد الحافظي، ص٣٦. ٣١٠ جوبيهـ للقرآن الكريم الثواب قال الشوكاني: ((﴿وَصَرَّفْنَافِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ بيّنّا فيه ضروبًا من الوعيد تخويفًا وتهديدًا، أو كررنا فيه بعضًا منه ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ﴾ أي: کي يخافوا الله فيتجنبوا معاصيه، ويحذروا عقابه ﴿أَوْ مُحْدِثُ هُمْ ذِكْرًا﴾ أي: اعتبارًا واتعاظًا))(١). وكذلك الذم من الأساليب للحث عن الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، وهو ضد المدح، ويعني التوبيخ واللوم لمن يرتكب ما نهى الله عنه، أو يقصّر فيما أمره الله به، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنِهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]. قال الطبري: ((﴿مَذْمُومًا﴾ على قلة شكره إيانا، وسوء صنيعه فيما سلف من أيادينا عنده في الدنيا ﴿مَدْحُورًا ﴾ يقول: مبعدًا، مقصى في النار .... وعن ابن عباس، قوله: ﴿مَذْمُومًا ﴾ يقول: ملومًا))(٢) ويدخل في تلك الأساليب للتحفيز على تجنب ما لايرضي الله ورسوله: النذارة أو الإنذار، ويعني: التحذير من سوء العاقبة المترتبة على مخالفة أمر الله، وعدم طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَآَ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ نُحِبْ (١) فتح القدير ٤٥٩/٣. (٢) جامع البيان ١٧ /٤٠٩. دَعْوَتَكَ وَنَتَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال الإمام الطبري: ((وأنذر يا محمد الناس الذين أرسلتك إليهم داعيًا إلى الإسلام ما هو نازل بهم، يوم يأتيهم عذاب الله في القيامة»(٣). ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وقال تعالى: قُرْ ءَانَا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيِّبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِ اَلجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. قال صاحب الظلال: ((وقد كان الإنذار الأكبر والأشد والأكثر تكرارًا في القرآن هو الإنذار بیوم الجمع، يوم الحشر، یوم یجمع الله ما تفرق من الخلائق على مدار الأزمنة واختلاف الأمكنة؛ لیفرقهم من جديد: ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ بحسب عملهم في دار العمل، في هذه الأرض، في فترة الحياة الدنيا)) (٤). وقصارى القول: أنّ من مقاصد الثواب في القرآن التحفيز نحو إتيان الأفعال والأعمال التي ترضي الحق سبحانه وتعالى، ويستفيد من يأتي بتلك الأفعال وينفذها بالثواب الجزيل من الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، أو التحفيز نحو الابتعاد (٣) المصدر السابق ١٧ /٣٥. (٤) في ظلال القرآن، ٣١٤٤/٥. www. modoee.com ٣١١ حرف التاء عن الأفعال التي لا ترضي الله ورسوله، أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٌ وَاللَّهُ يُضَنْعِفُ ويستفيد من ينتهي ويبتعد عن تلك الأفعال بالثواب والأجر الكبير من الله. لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَىْ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦١ - ٢٦٢]. ولقد تنوعت أساليب التحفيز في القرآن ما بين ترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، وتبشير وإنذار وغيرها، وفي ذلك التنويع ما يدل على ثراء القرآن وإعجازه في إقناع المتلقين، ومن ثمّ استمالتهم وتحفيزهم على تحصيل الثواب. ثانيًا: المبادرة إلى أحب الأعمال وأكثرها ثوابًا: إن الحق سبحانه وتعالى قد يرغّب في فعل بعض الأعمال وذلك بزيادة المثوبة التي تترتب على فعلها، وذلك يقع في النفوس والقلوب موضع الإقبال والمبادرة، فيبادر الإنسان لفعل تلك التكاليف والعبادات التي يكون في مقابلها من الحق مزيد الثواب والأجر، فمزيد الثواب على بعض الأعمال يقصد به الحق سرعة الاستجابة لتنفيذ الأمر الإلهي بالفعل، سواء أكان الأمر يدل على وجوب الفعل أو الندب إليه أم حتى مجرد إباحته، فتعظيم الثواب يعظّم من الاستجابة والتنفيذ، وكلما كان التنفيذ على وجه السرعة كان دليلًا على حسن الاعتقاد، وزيادة الإيمان، و کمال الإسلام. كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فهذا المثل راجع إلى قوله: ﴿ یَأَيُّهَا [البقرة: الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ ﴾ ٢٥٤]. والآية تثير في نفوس السامعين الاستشراف لما يلقاه المنفق في سبيل الله، فهذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (١). فقوله: ﴿َثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في وجوه الخيرات من الواجب والنفل ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ لابد من تقرير مضافٍ في أحد الجانبين أي: ﴿مَثَلُ﴾ نفقتهم ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أو مثلهم ﴿كَمَثَلِ﴾ باذر ﴿حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ أي: أخرجت ساقًا تشعّب منها سبع، لکل واحدة منها سنبلة ﴿فِي كُلِّ سُنْبُكَةِمِائَةُ جَّةِ﴾ كما يشاهد ذلك في الذرة والدخن في الأراضي (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٩١/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢/٣. ٣١٢ جوبي القرآن الكريم الثواب المغلة، بل أكثر من ذلك، وإسناد الإنبات إلا الله تعالى؛ لأنها تترتب على أحوال المتصدق وأحوال المتصدق عليه، وأوقات إلى الحبة مجازيٌ كإسناده إلى الأرض والربيع، وهذا التمثيل تصويرٌ للأضعاف كأنها حاضرةٌ بين يدي الناظر (١). ذلك وأماكنه. وللإخلاص، وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس، والإيثار على النفس، وغير ذلك مما يحف بالصدقة والإنفاق، تأثير في تضعيف الأجر، ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ (٤). وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة. وروي عن ابن مسعود: أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول كالمنفقين في إعلاء شأن الحق، وتربية الله صلى الله عليه وسلم: (لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة)(٢). وعن عبد الله بن مسعود كذلك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (٣). ومعنى قوله: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِّمَن يَشَآءُ﴾ أن المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ٢٥٧. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الصّدقة في سبيل الله وتضعيفها، رقم ١٨٩٢. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٧/ ٢٩٠، رقم ٤٢٥٦. قال المحقق: ((صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف)). وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ أي: إنه تعالى لا ينحصر فضله، ولا يحد عطاؤه، وهو عليم بمن يستحق هذه المضاعفة الأمم على آداب الدين وفضائله التي تسوقهم إلى سعادة المعاش والمعاد، حتى إذا ما ظهرت آثار ذلك في قوة ملتهم وسعادة أمتهم جنوا من ذلك أجلّ الفوائد وعاد ذلك عليهم بالخير الوفير (٥). ثم بیّن ثواب الإنفاق في الآخرة بعد بيان منافعه في الدنيا فقال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَاً أَذىْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: إن الذين يبذلون أموالهم يبتغون بذلك مرضاة ربهم، ولا يتبعون ذلك بمنّهم على من أحسنوا إليهم ولا بإيذائهم، لهم عند ربهم ثواب لا يقدر قدره، ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ حين يخاف الناس وتفزعهم (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/ ٤٢. (٥) تفسير المراغي ٣٠/٣. www. modoee.com ٣١٣ حرف التاء الأهوال، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ حین یحزن الباخلون الممسكون عن الإنفاق في سبيل الله، إذ هم أهل السكينة والاطمئنان والسرور الدائم (١). مما سبق يمكن القول أن تعظيم القرآن لشأن الإنفاق، وتكثير ثوابه، وتضعيف الأجر عليه يجعل في النفس الهمة والمبادرة إلى ذلك العمل الذي يحبه الله، ويعظّم من شأنه، ویکثر من ثوابه وفضله، وهكذا فإن من مقاصد الثواب جعل الإنسان المؤمن يبادر ويسارع إلى فعل الخيرات، كما قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فدأب المؤمنين دائمًا المسارعة والمبادرة إلى فعل الخيرات؛ لنيل الثواب من الله، وكما قال: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْخَّرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]. ثالثًا: بيان عدل الله وفضله في معاملة الخلق: إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق، ونظّم لهم حیاتهم بما يحفظ لكل ذي حق حقه، وأمر بالعدل، وجعل العدل هو میزان الدنيا والآخرة، فلا جور ولا حيف، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَّكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١) المصدر السابق ٣١/٣. مَوَسُو ◌َرَا القرآن الكريم [المائدة: ٨]. ففي الآية أمر بالعدل حتى مع الأعداء، فالعدل نظام هذا الوجود الإنساني، فلا يصح أن يكون البغض الشديد حاملًا على الاعتداء، ولا أن يكون البغض الشديد حاملًا على منع الحقوق، بل يعطي كل ذي حق حقه، ولو کان عدوًّا مبینا، فالحق لیس منحة من شخص لشخص يسلبه إن أبغض، ويعطيه إن أحب، بل إن التمكين منه واجب مقدس أمر الله سبحانه وتعالی به، وحث علیه (٢). فعن أبي ذرِّ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنّه قال: (يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا)(٣). وإذا كان العدل ينبغي أن يكون شعار كل مسلم فما بالنا بالخالق الذي من أسمائه العدل، ولذلك بيّن الحق سبحانه وتعالى أنه لا يظم أحدًا فقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩]. قال الطبري: ((ولا يجازي ﴿رَبُّكَ يا محمد بغير ما هو أهله، لا يجازي بالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئة إلا (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٠٥٩/٤. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البرّ والصّلة والآداب، باب تحريم الظّلم، رقم ٢٥٧٧، عن أبي ذر رضي الله عنه،. ٣١٤ الثواب أهل السيئة، وذلك هو العدل))(١). ﴿فَمَنْ ولذا يقول سبحانه وتعالى: يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ الْ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧- ٨]. و(المثقال) مفعال من الثقل، ويطلق على الشيء القليل الذي يحتمل الوزن، و(الذرة) تطلق على أصغر النمل، وعلى الغبار الدقيق الذي يتطاير من التراب عند النفخ فيه. والمقصود المبالغة في الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها، وحقر وزنها(٢). قال الطبري: ((فمن عمل في الدنيا وزن ذرة من خير، يرى ثوابه هنالك - يعني: في الآخرة- حتى ولو كان هذا العمل في نهاية القلة))(٣). ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا يَرَهُ﴾ يقول: ومن كان عمل في الدنيا وزن ذرة من شريرى جزاءه هنالك. حتى ولو كان هذا العمل أيضًا في أدنى درجات القلة. والآية تدل على أمرين مهمين: الأول: أن الحق سبحانه وتعالى يسجّل لكل عبد من عباده -من خلال الملائكة- الحسنات والسيئات مهما قلّت أو كثرت، كما قال: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. (١) جامع البيان ٢٠/ ١٥١. (٢) الوسيط، طنطاوي ١٥/ ٤٧٩. (٣) جامع البيان ٢٤/ ٥٤٩. الثاني: أن الحق سبحانه وتعالى يجازي کل إنسان بما كسبت یدیه، فمن يعمل خيرًا يجد جزاء ذلك خيرًا، ومن یعمل شرًّا يجد جزاء ذلك شرًّا، فالجزاء من جنس العمل، والثواب والجزاء من قبل الله يكون في الدنيا والآخرة. فعدل الله أنه يثيب المحسن ويجازي المسيء. ولذا يقول الحق مؤكدًا هذا المعنى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَاحَسِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فقوله: ﴿فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ أي: فلا يظلم الله نفسًا ممن ورد عليه منهم شيئًا، بأن يعاقبه بذنب لم يعمله، أو يبخسه ثواب عمل عمله، وطاعة أطاعه بها، ولکن يجازي المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئًا إلا بإساءته. وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا﴾ أي: وإن كان الذي من عمل الحسنات، أو عليه من السيئات وزن ﴿حَنَّةٍ مِّنْ خَرْوَلٍ أَنَيْنَا بِهَا﴾ وجئنا بها فأحضرناها إياه. وقوله: ﴿وَگَغَى بِنَاحَسِبِينَ﴾ يقول: وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين؛ لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف في الدنيا من صالح أو سيِّء منا (٤). (٤) المصدر السابق ١٨/ ٤٥١. www. modoee.com ٣١٥ حرف التاء وهکذا یتبین عدل الحق سبحانه وتعالى في معاملة الخلق، ومجازاة كل إنسان بما کسبت يداه وعملته جوارحه. موضوعات ذات صلة: الإهلاك، الجزاء، العذاب ٣١٦ جوبين القرآن الكريم وضوي