النص المفهرس

صفحات 1-20

صَوْو ◌َرُ النَفسِة الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الثَّبَاتِ
عناصر الموضوع
مفهوم الثبات
٢٢٨
الثبات في الاستعمال القرآني:
٢٢٩
الألفاظ ذات الصلة
٢٣٠
علاقة الثبات بالصبر والنصر
٢٣٣
مواطن الثبات
٢٣٤
أسباب الثبات المحمود
٢٣٧
٢٤٤
عاقبة الثبات
المُجَلَدَ العَاشِرْ

حرف التاء
مفهوم الثبات
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (ثبت) تدل على دوام الشيء، ويقال: ثبت ثباتًا وثبوتًا (١)، والثبات ضد
الزوال(٢)، وجاءت بمعنى دام واستقر(٣). ويقصد بالثبات الإقامة في المكان، فيقال: ثبت
فلان في المكان: إذا أقام به (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الدالة على لزوم المكان دون تحرّك ولا
تزلزل، ويستعار للدوام على الشيء، وعدم التردد فيه(٥).
والمراد به في هذا البحث: الثبات على الدين والحق، وعدم التحول والانحراف عنه.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٩/١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٨.
(٣) انظر: المصباح المنير، الفيومي ١/ ٨٠.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤/ ٤٧٢، لسان العرب، ابن منظور ١٩/٢.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ٣٠.
مُوسُو ◌َةُ التَّقِ
القرآن الكريم
٢٢٨

الثبات
الثبات في الاستعمال القرآني:
وردت مادة (ثبت) في القرآن الكريم (٨٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
[الإسراء: ٧٤]
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ
٧
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
فعل الأمر
٤
ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢]
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ
المصدر
٣
(٦٦)﴾ [النساء: ٦٦]
تَثَّبيتًا
اسم الفاعل
٢
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَآءِ ﴾ [إبراهيم : ٢٤]
وقد استعمل الثبات في القرآن الكريم في الثبات الحسي والمعنوي.
فأما المعنوي: فنحو قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَشَبْتُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
وأما الثبات الحسي، فنحو قوله تعالى : : ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، أي: يشتد
الرمل حتى تثبت أقدامهم.
(١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٥٨ -١٥٩.
www. modoee.com
٢٢٩
وَلَوْلَآ أَنْ نَبَّنْنَكَ لَقَدْ كِدَتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
الفعل المضارع
يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَتَبِتُواْ الَّذِينَ

حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
الصبر:
١
الصبر لغة:
الحبس، صبر عنه يصبره: حبسه، والصبر في المصيبة، وأما في المحاربة فهو شجاعة،
وفي إمساك النفس عن الفضول قناعة وعفة، والصّبر نقيض الجزع(١).
الصبر اصطلاحًا:
ح (٢)
حبس النفس عند الجزع
الصلة بين الثبات والصبر:
الثبات هو التمسك والالتزام عن طواعية ورضى، وقد يكون بمبادرة ذاتية من الشخص،
أما الصبر فهو إلزام النفس الهجوم على المكاره، وتمسّك ورضَى بأمر الله، وتلقي بلائه
بالرحب والسعة، فقد يأتي الأمر رغمًا عن الشخص، فيصبر ويثبت على أمر الله تعالى(٣).
الفرار:
٢
الفرار لغة:
(فر) الفاء والراء، أصول ثلاثة: فالأول: الانكشاف وما يقاربه من الكشف عن الشّيء.
والثاني: جنسٌِّ من الحيوان. والثالث: دالٌّ على خفّة وطيش (٤). الفرّ والفرار بالكسر:
الهرب(٥).
الفرار اصطلاحًا:
الهرب، والجد في الذهاب مذعورًا (٦).
الصلة بين الثبات والفرار:
الثبات اللزوم في المكان والإقامة فيه، أما الفرار فهو المغادرة وعدم الاستقرار، وكذلك
الثبات فيه طمأنينة واستقرار وأمن، أما الفرار ففيه الخوف والذعر.
(١) انظر: الكليات، الكفوي ٨٨٤/١، لسان العرب، ابن منظور ٤ /٤٣٧.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١/ ٢٧٣، لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٤٣٧.
(٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٧٣/١٢.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٩/١.
(٥) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ١ / ٥٨٦.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/ ٧٨٣.
مُوسُوبَةُ النَّقية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٣٠

الثبات
المكث:
٣
المكث لغة:
المكث: الأناة واللّبث والانتظار، مكث يمكث، ومكث مكثًا ومكثًا ومكوثًا ومكانًا
ومكاثةً(١).
المكث اصطلاحًا:
ثباتٌ مع انتظار طويل (٢).
الصلة بين الثبات والمكث:
المكث فيه البقاء في المكان وملازمته زمنًا، أما الثبات فهو لزوم دائم على الشيء، ولزوم
دائم في المكان حتى انقضاء الغاية منه.
الرسوخ :
٤
الرسوخ لغة:
رسخ الشيء يرسخ رسوخًا: ثبت في موضعه، وأرسخه هو، والراسخ في العلم الذي
دخل فيه دخولًا ثابتًا، وكل ثابت راسخ(٣).
الرسوخ اصطلاحًا:
الثبات والتمكّن. والراسخ في العلم: المتحقّق الذي لا يعترضه شبهة (٤).
الصلة بين الرسوخ والثبات:
أن الرسوخ كمال الثبات، فيقال للشيء المستقر على الأرض: ثابت، وإن لم يتعلق بها
تعلقًا شديدًا، ولا يقال: راسخ. ولا يقال: حائط راسخ؛ لأن الجبل أكمل ثباتًا من الحائط،
قال الله تعالى: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِي الْمِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: الثابتون فيه، ويقولون: هو
أرسخهم في المكرمات، أي: أكملهم ثباتًا فيها (٥).
(١) انظر: المصدر السابق ٢ / ١٩١.
(٢) انظر: التوقيف، المناوي ١/ ٦٧٣.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨/٣.
(٤) انظر: التوقيف، المناوي ١/ ٣٦٤.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢٥٥/١.
www. modoee.com
٢٣١

حرف الثاء
الرسوّ:
٥
الرسوّ لغة:
أصل مادة (رسا) تدلّ على الثبات. تقول: رسا الشّيء يرسو، إذا ثبت. والله جلّ ثناؤه
أرسى الجبال، أي: أثبتها. وجبلٌ راسٍ: ثابتٌ. ورست أقدامهم في الحرب. ويقال: ألقت
السّحابة مراسيها، إذا دامت(١).
الرسوّ اصطلاحًا:
الثبات والتمكن في المكان(٢).
الصلة بين الرسوّ والثبات:
أما الرسوّ فلا يستعمل إلا في الشيء الثقيل، نحو الجبل وما شاكله من الأجسام الكبيرة؛
يقال: جبل راسٍ، ولا يقال: حائط راسٍ، ولا عود راسٍ وفي القرآن: ﴿يَسْمِ اللَّهِ مَجْرِمُهَا
وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤١].
شبهها بالجبل لعظمها، فالرسوّ هو الثبات مع العظم والثقل والعلو، فإن استعمل في
غير ذلك فعلى التشبيه والمقاربة، نحو قولهم: أرست العود في الأرض (٣)؛ أما الثبات: فهو
يستعمل للأشياء الثقيلة والخفيفة، وكذلك لا يكون إلا لمكلف.
العلاقة بین الثبات والصبر: العلاقة بينهما علاقة تلازم، فلا ثبات دون صبر، فهو من
مقومات الثبات.
العلاقة بین الثبات والمکث: يشتركان في المعنى، فكلاهما ثبات وانتظار فیه صبر.
العلاقة بين الثبات والرسوخ: الثبات تواجد في المكان، وإقامة فيه مع حرية الحركة، أما
الرسوخ فهو ثبات واستقرار دون تحرك.
العلاقة بين الثبات والمور: الثبات فيه استقرار وطمأنينة، أما المور فيه الاضطراب وعدم
الاستقرار.
العلاقة بين الثبات والفرار: هما نقيضان.
العلاقة بين الثبات والرسوّ: كلاهما بمعنى واحد، وهو التمكّن في المكان.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٢٤/٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢١/١٤.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
٢٣٢
القرآن الكريمِ

الثبات
علاقة الثبات بالصبر والنصر
المتأمل والمتدبر لكتاب الله تعالى يجد
التلازم بين هذه المفردات القرآنية؛ لما لهذه
المفردات من أثر في اعتماد بعضها على
بعض، فالثبات بحاجة إلى صبر، وكذلك
النصر بحاجة إلى صبر، فالصبر عامل
مشترك بين النصر والثبات، والثبات والصبر
نتيجتهما النصر.
يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًّا
وَتَسْتَ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
﴿ وَمَا كَانَّ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَىَ
اُلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧].
وردت لفظة الثبات في هاتين الآيتين
الكريمتين في سياق الصبر والنصر والدعاء،
فالنصر نتيجة طبيعية للثبات والصبر بعد
التوكّل على الله واللجوء إليه بالدعاء.
يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى:
((﴿رَبَّنَآَ أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ وهو تعبير
يصوّر مشهد الصبر فيضًا من الله يفرغه
عليهم فيغمرهم، وينسكب عليهم سكينة
وطمأنينة، واحتمالًا للهول والمشقة.
﴿وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، فهي في يده
سبحانه يثبتها، فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا
تمید.
﴿وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾، فقد
وضح الموقف، إيمان تجاه كفر، وحق
إزاء باطل، ودعوة إلى الله؛ لينصر أولياءه
المؤمنين على أعدائه الكافرين، فلا تلجلج
في الضمير، ولا غبش في التصوّر، ولا شك
في سلامة القصد ووضوح الطريق. وكانت
النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها:
فَهَزَ مُوهُم بِنِ اللَّهِ﴾))(١).
وعندما نتأمل كلمة: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا
صَبْرًا﴾، تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله
قلوبهم بالصبر، ويكون أثر الصبر تثبيت
الأقدام ﴿وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ حتى
يواجهوا العدو بالإيمان، وعند نهاية الصبر،
وتثبيت الأقدام، يأتي نصر الله للمؤمنين على
الكافرين، وتأتي النتيجة للعزم الإيماني في
قوله الحق: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِنِ اللّهِ﴾(٢) .
العلاقة هنا دعاء وطلب من الله أن يملأ
القلوب بالصبر، فينتج عن الصبر تثبيت
الأقدام، وتكون النتيجة النصر وهزيمة
الكافرين.
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٩/١.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ٢/ ١٠٧٠.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف التاء
مواطن الثبات
إن الناظر في القرآن الكريم يجد أن هناك
مواطن يكون فيها الثبات، وهي متعددة في
كتاب الله تعالى؛ لنوطن أنفسنا، ونثبت
الأقدام، وهي على عدة مطالب على النحو
الآتي:
أولًا: القتال:
لقد تعددت الآيات التي تتحدث عن
القتال في کتاب الله تعالى، ولکننا نقف عند
آيات القتال التي لها علاقة بالثبات، ولقد
ذكر الثبات في مواطن القتال في مواضع
متعددة.
منها: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]
«نائبُتُوا ﴾، أمر بالثبات عند قتال الكفار،
و﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾؛ فإنّ ذكره یعین
على الثبات في الشدائد(١)، والثبات في
هذه الآية جاء في سياق الشرط ﴿إِذَا لَقِيتُمْ
فِئَةٌ فَاعْبُتُواْ﴾، وكأنّ في ذلك إشارة من الله
تعالى أنه يجب الاستعداد والأخذ بالأسباب
التي تؤدّي إلى وجود التكافؤ بين المسلمين
وأعدائهم.
ولا بد أن يكون الإعداد على قدر
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠٢٣/٨
الاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم
مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ ◌ِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمّ وَمَا تُنفِقُواْ
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
نُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ لأن الاستعداد
والأخذ بالأسباب من عوامل الثبات.
ومنها: قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى
الْمَلَتَبِكَةِ أَنّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْقِى
فِي قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَضْرِبُوا
فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنَّهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾
[الأنفال: ١٢].
يقول الطبري: قوّوا عزمهم، وصحّحوا
في قتال عدوهم من المشرکین، وقد قيل:
إن تثبيت الملائكة المؤمنين كان حضورهم
(٢).
حربهم معهم (٢).
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ
لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
أي: أنزل علينا صبراً من عندك، ﴿وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا﴾، أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا
الفرار والعجز (٣).
وتبين هذه الآية أن من عوامل الثبات في
القتال، أن يتوجه المسلم بالدعاء والطلب
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٢٨/١٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٦٦٩/١.
٢٣٤
مَنُوالَهُ الْبَشِيَّة
القرآن الكريم

الثبات
من الله تعالى بأن يفرغ عليه صبرًا، وأن التولّي من الزحف، ((ويفيدنا أنهم طلبوا
يثبت أقدامه في القتال، وهذا ما طلبته الفئة أن يملأ الله قلوبهم بالصبر، ويكون أثر
الصبر تثبيت الأقدام؛ حتى يواجهوا العدو
بإيمان)»(٢).
القليلة، ودعت به عند قتالها ولقائها جالوت
وجنوده.
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن
◌َنصُرُوا اللَّهِ يَنصُْكُمْ وَيُنَِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة
أن المؤمنين إن نصروا ربهم نصرهم على
أعدائهم، وثبّت أقدامهم، أي: عصمهم من
الفرار والهزيمة (١).
ولو تأملنا هذه الآية لوجدناها جاءت
في سياق الشرط، وذلك أن نصر الله محقق
للمؤمنين، ولكن بشرط، وهو: ﴿إِن تَنصُرُوا
اللَّهَ﴾، ويتحقق مع النصر تثبيت أقدام
المؤمنين.
ثانيًا: الفتنة والابتلاء:
وقد ذكر الثبات عند الفتن في مواضع
متعددة.
منها: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ
◌ِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
هذا دعاء فى موطن صعب، وهو موطن
بوارق السيوف والقتال، وفيه فتنة وابتلاء؛
يسأل فیه العبد ربّه الثبات؛ حتى لا يكون
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٤/ ٥٠.
ومنها: قوله تعالى:
قَلْ
روح
ـزّلهُ
اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحِيْ لِيُنَّبِتَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
[النحل: ١٠٢].
جاءت هذه الآية ردًّا وجوابًا على زعم
الكافرين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ
مَّكَانَ ءَايَةٌ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ
قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[النحل: ١٠١].
أي: قل -يا محمد- للقائلين لك أنت
مفترٍ فيما تتلو عليهم من كتابنا ... ، وقوله:
﴿لِيُقَبْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، قل: نزل هذا
القرآن ناسخه ومنسوخه روح القدس من
ربي؛ تثبيتًا للمؤمنين، وتقويةً لإيمانهم(٣).
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ بِشَىْءٍ
مِّنَ اْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَّرَتِّ وَبَشْرِ الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا
أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾
[البقرة: ١٥٥ - ١٥٦].
تفيد الآيات أن صبرهم أكمل الصبر؛ إذ
هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى، إذ
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ١/ ٦٦٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٢٩٧.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الثاء
يعلمون عند المصيبة أنهم ملك لله تعالى
يتصرف فيهم کیف یشاء، فلا يجزعون مما
يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه، فيثيبهم
على ذلك (١).
وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
عن البراء بن عازب: عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال:
من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبتّي محمد
والصبر هنا يوحي بمعنى الثبات على
أنواع متعددة من الابتلاءات التي قدرها الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى:
﴿يُتَّبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾﴾(٣).
تعالی علی الناس.
ثالثًا: عند الموت والقبر:
أضعف ما يكون المسلم أمام ربه وخالقه
عندما يخرج من الدنيا بالموت ليجد القبر
وأهواله، والقبر أول منازل الآخرة؛ لذا
يحتاج إلى التثبيت والتأييد من ربه وخالقه
الرحيم بعباده.
يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
اُلْآَخِرَةُ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اَللَّهُ
مَا يَشَآءُ ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى
عن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (المسلم إذا سئل في
القبر، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾﴾(٢).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٥٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب تثبيت الله الذين آمنوا، ٦/ ٨٠، رقم
٤٦٩٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة
الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من
الجنة والنار، وباب عذاب القبر والتعوّذ منه
١١٠٠/٣، رقم ٢٨٧١.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٦/١٣.
صَوَسُو ◌َرَ النَّهـ
القرآن الكريم
ومعنى تثبيت الله الذين آمنوا بها: أن الله
يسّر لهم فيهم الأقوال الإلهية على وجهها
وإدراك دلائلها، حتى اطمأنت إليها قلوبهم
ولم يخامرهم فيها شك، فأصبحوا ثابتين
في إيمانهم غير مزعزعين، وعاملين بها غير
مترددین.
وذلك في الحياة الدنيا ظاهر، وأما في
الآخرة فبإلفائهم الأحوال على نحوٍ مما
علموه في الدنيا، فلم تعترهم ندامةٌ ولا
لھفٌ، ویکون ذلك بمظاهر کثيرة یظهر فيها
ثباتهم بالحق قولًا وانسياقًا، وتظهر فيها فتنة
غير المؤمنين في الأحوال كلها (٤).
والتثبيت هنا من الله عز وجل، وهو ليس
وليد اللحظة، إنما كان هذا الثبات بتوفيق
الله، ثم باتباع أوامره، والتمسّك بنهجه
وشرعه، والكلمة الطيبة التى ذكرت قبل هذه
٢٣٦

الثبات
الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَوِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا
ثَابِتٌ وَقَّعُهَا فِى السَّمَآِ﴾ [إبراهيم: ٢٤].
أسباب الثبات المحمود
الثبات المحمود: هو فضل وکرمٌ من الله
تعالی علی عباده، وحتی یتحصّل هذا الأمر
لا بدّ من الأخذ بالأسباب لحدوثه، وهناك
أسباب عديدة تحقق الثبات المحمود،
ومنها:
أولًا: الإيمان بالله تعالى:
الَّذِينَ
اللَّهُ
يُسَبّتُ
مثاله قوله تعالى:
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
اْأَخِرَةٌ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللّهُ
مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
تبين هذه الآية أن الإيمان من عوامل
الثبات في الحياة الدنيا والآخرة؛ لأن الإيمان
إذا رسخ وثبت في قلب العبد، وكان تعامله
مع ربه، ونفسه، والناس نابع من إيمانه بالله
تعالى كان ذلك ثباتًا له على الحق، وكانت
ثمرته الثبات في الآخرة عند دخوله القبر،
وسؤال الملكين العظیمین له، وقد بيّنا -فيما
سبق- أن ثبات المؤمن في الحياة الدنيا
والآخرة هو ثباته وإيمانه بكلمة التوحيد، لا
إله إلا الله محمد رسول الله، وثباته في القبر
الإجابة على سؤال الملكين: من ربك؟ ما
دينك؟ ومن نبيك؟(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
التفسير، باب تثبيت الله الذين آمنوا ٦/ ٨٠،
رقم ٤٦٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب
صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت من
www. modoee.com
٢٣٧

حرف التاء
وما دام المؤمن قد ثبت قلبه بالإيمان من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ هداهم
الجواب الصحيح بأن يقول المؤمن: الله
ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيّي))(٣).
وبالقول الثابت، فهو لا يتعرّض لزيغ القلب،
ولا يتزعزع عن الحق(١).
والثبات يكون بتثبيت الله للذين آمنوا
في الحياة الدنيا، وفي الآخرة بكلمة الإيمان
المستقرة في الضمائر، الثابتة في الفطر،
المثمرة بالعمل الصالح المتجدد الباقي في
الحياة، ويثبتهم بكلمات القرآن وكلمات
الرسول، وبوعده للحق بالنصر في الدنيا،
والفوز في الآخرة، وكلها كلمات ثابتة،
صادقة، حقّةٌ، لا تتخلّف ولا تتفرق بها
السبل، ولا يمس أصحابها قلق ولا حيرة
ولا اضطراب (٢).
يقول السعدي في تفسيره: ((يخبر تعالى
أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا
بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي
يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم
الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات
بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات
بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه الله
على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة
عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي
والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال
الملكين للجواب الصحيح، إذا قيل للميت:
الجنة والنار، وباب عذاب القبر والتعوذ منه
١١٠٠/٣، رقم ٢٨٧١.
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٨/ ٤٦٧٧.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٩٩/٤. (٤) سبق تخريجه.
٢٣٨
مَنُوا
القرآن الكريم
مما سبق يتبين أن الإيمان بالله تعالى له
ثمرة ونتيجة يعيش المسلم ويتوجه بالدعاء
إلى الله تعالى من أجلها، وهو الثبات في
الدنيا والآخرة.
ثانيًا: الدعاء:
کان النبي صلی الله عليه وسلم یکثر من
الدعاء بالثبات، فعن أنس رضي الله عنه
قال: كان رسول الله صلی الله عليه وسلم
يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبّت
قلبي على دينك) فقلت: يا رسول الله، آمنا
بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال:
(نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله
يقلبهما كما يشاء)(٤).
فهذا دعاء من رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالثبات، حري بنا أن نكثر منه وخاصة
في أوقات الشدة كالقتال، وفي أي وقت،
وهذا التوجه -وهو الدعاء- من أسباب
الثبات المحمود، كما في قوله تعالى:
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَاقَنَا فِىْ أَمْرِنَا وَثَيِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَىَ
اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧].
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
٤٢٥/١.

الثبات
إن فطرة الإنسان أن يتوجه إلى خالقه
بالدعاء في حالة الكرب والشدة، ويجأر
بالدعاء أکثر حین یکون الأمر فوق طاقته،
وهذا ما فعلته الفئة المؤمنة حينما توجهت
إلى ربها قائلة: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ﴾[البقرة: ٢٥٠].
وقوله تعالى: ﴿وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾
هذه هي الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه
عدوه، فهو ينادي قائلًا: ﴿رَبَّنَا﴾، إنه لم
يقل: يا الله، بل يقول: ﴿رَبَّنَآَ﴾؛ لأن الرب
هو الذي يتولى التربية والعطاء، بينما مطلوب
(الله) هو العبودية والتكاليف؛ لذلك ينادي
المؤمن ربه في الموقف الصعب: ((يا ربنا»،
أي: یا من خلقتنا وتتولانا وتمدّنا بالأسباب،
قال المؤمنون مع جالوت: ﴿أَفْرِعْ عَلَيْنَا
صَبْرًا﴾.
وعندما نتأمل كلمة: ﴿أَفْرِغْعَلَيْنَاصَبًا﴾
تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر
ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام ﴿وَتَيِّتْ
أقدامنا﴾؛ حتی یواجهوا العدو بإيمان،
وعند نھایة الصبر وتثبيت الأقدام یأتي نصر
الله للمؤمنين على القوم الكافرين.
وتأتي النتيجة للعزم الإيماني والقتال
في قوله الحق: ﴿فَهَزَمُوهُم بِنِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ٢٥١](١).
فالدعاء في وقت الشدة وفي أثناء
المعركة مفيد ومحقق للغاية؛ لأن الدعاء آية
الإيمان والعون على الثبات (٢).
والمتأمل في هذه الدعوات الثلاث في
الآية السابقة يراها قد جمعت أسمى ألوان
الأدب وحسن الترتيب، فهم قد صدّروا
دعاءهم بالتوسل بوصف الربوبية فقالوا:
﴿ربّناً﴾، أي: يا خالقنا، يا منشئنا، يا
مربّينا، يا مميتنا، وفي ذلك إشعار أنهم
يلجئون إلى من بيده وحده النفع والضر،
والنصر والهزيمة، ثم افتتحوا دعاءهم
بطلب الصبر عند المخاوف؛ لأنه هو عدة
القتال الأولى، ورکنه الأعلى؛ إذ به يكون
ضبط النفس فلا تفزع، وبه يسكن القلب
فلا يجزع، ثم التمسوا منه سبحانه أن يثبت
أقدامهم عند اللقاء؛ لأن هذا الثبات هو
مظهر الصبر، ووسيلة النصر، وعنوان القوة،
ثم ختموا دعاءهم بما هو ثمرة ونتيجة للصبر
والثبات، وهو النصر على الأعداء.
فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع
الخالص؟ كانت نتيجته النصر المؤزّر
الذي حكاه القرآن في قوله: ﴿فَهَزَمُوهُم
يِلأنِ اللَّهِ﴾(٣).
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٦٨٨/٢.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤٣٥/٢.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ٤٥٩.
www. modoee.com
٢٣٩

حرف التاء
ثالثًا: عون الملائكة:
تبين لنا كثيرٌ من الآيات أن الله قد
تكفّل المؤمنين في رعايته ومعيّته، وأيدهم
بالملائكة في غزواتهم؛ وما كانوا ليظفروا
بهذا الكرم الإلهي إلا لاتصافهم بالإيمان،
فاستحقوا معيّة الله، ومشاركة الملائكة لهم
في القتال؛ لذا كان التثبيت لهم في المعركة
وأرض القتال، وذلك أن الله تعالى أوحى
إلى الملائكة أني معكم بالعون والنصر
والتأييد، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي
رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَشَهِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
سَأَلْقِى فِ قُلُوبٍ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ
فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ
بَنَانِ﴾ [الأنفال: ١٢].
والمعنى: بأني معكم، أي: بالنصر
والمعونة، ﴿فَتَبِتُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، أي:
بشّروهم بالنصر أو القتال معهم، أو الحضور
معهم من غیر قتال، فکان الملك یسیر أمام
الصف في صورة الرجل، ويقول: سيروا فإن
الله ناصركم(١).
ومن ذلك أن اللّه أوحى إلى الملائكة
﴿إِنّ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصر والتأييد،
﴿فَتَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ألقوا في قلوبهم،
وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغّبوهم
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٧٨/٧.
في الجهاد وفضله (٢)
وتثبيت الّذين آمنوا بالإعانة والتبشير،
وقيل: إن الملائكة كانوا يتشبهون بصور
رجال من معارف المؤمنين، وكانوا يمدونهم
بالنصر والفتح والظفر(٣).
مما سبق يتبين أن الملائكة كانت تأتي
المسلمين بصورة رجال؛ وهي صورة مألوفة
حتى يظن المسلمون أنهم منهم، فتقوي
عزمهم، وتمدّهم وتبشرهم بالنصر، فتزيد
من قوة المؤمنين، وكل ذلك من عوامل
الثبات في المعركة.
رابعًا: الاعتبار بقصص السابقين:
إن ذكر القصص في القرآن الكريم،
وأخبار الأمم السابقة يجعل الفؤاد ثابتًا على
الحق؛ لأنه جاء تسلية وتصبيرًا لهم.
وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ
يقول تعالى:
الرُّسُلِ مَا تُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِى هَذِهِالْحَقّ
وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].
أي: ما نجعل به فؤادك مثبتًا بزيادة
یقینه بما قصصناه عليك، ووفور طمأنینته؛
لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب، وأرسخ في
النفس، وأقوى للعلم(٤).
وبذكر قصص السابقين يسكن الفؤاد في
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣١٦.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ٢٦٢-
٢٦٩.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٦٦٢.
٢٤٠
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم

الثبات
موضعه، ویطمئن ويزداد یقینه، فلا يضيق
الصدر من قولهم.
ولقد قصّ علينا القرآن الكريم بعض
نماذج الثبات، ومن تلك النماذج:
١. ثبات نبي الله نوح عليه السلام.
لبٹ في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا،
دعا إلى الله تعالى، وثبت، وما آمن معه إلا
قليل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ، فَلَيْثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًاً
فَأَخَذَهُمُ اُلُّوفَاتُ وَهُمْ ظَلِمُونَ﴾ [العنكبوت:
١٤].
رسول الله إبراهيم عليه السلام: دعا
إلى عبادة الله وهجر عبادة الأصنام، فكذبه
قومه وعادوه، حتى إنهم جمعوا الحطب،
وأشعلوا نارًا عظيمة؛ وألقوه فيها ليحرقوه،
ولكنه ثبت، وتوگّل على الله، فحفظه من
النار.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوّاً
ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ (٦) قُلْنَايَنَاُ كُنِ
بَرَّدًّاً وَسَلَمَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٦٩].
٢. ثبات نبي الله موسى عليه
السلام.
ثبت في دعوته لفرعون، وصبر على قومه
في كثير من المواقف.
قال تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَن
تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى
أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ
الصَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمَّ ثُمَّ أَخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى
# [النساء: ١٥٣].
سُلْطَنَا مَّبِينًا
وهناك العديد من الآيات التي تبين ثبات
الرسل على الحق، وصبرها على أقوامها(١).
٣. ثبات أهل الكهف.
وذلك حين ثبتوا على عقيدتهم وفرّوا
بدينهم إلى الكهف، قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا
عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَّتِ
وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُواْ مِن دُونِ: إِلَهَاً لَّقَدْ قُلْنَآ إِذَا
شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذِ آَعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأَوُاْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُـ
رَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَيِّئْ لَكُمْ يِّنْ أَمْرِكُمْ يِّرْفَقًا﴾
[الكهف: ١٦].
٤. ثبات أهل الأخدود.
وما أعظمه من ثبات! حین یثبت الإنسان
على الحق وهو يعلم أنه إذا لم يتراجع عن
دينه سيلقى في النار، ذلك حين حفر لهم
أخدود، واشتعل نارًا عظيمة يلقى فيه كل من
آمن برب الغلام.
قال تعالى: ﴿قُلِلَ أَصْحَبُّ الْأُخْدُودِ ن ◌َالنَّارِ
ذَاتِ الْوَقُودِ ) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ () وَهُمْ عَلَى مَا
يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِينَ شُهُودٌ ) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٥٩١/٣.
www. modoee.com
٢٤١

حرف الثاء
يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨].
خامسًا: تدبر القرآن الكريم:
أنزل الله القرآن الكريم بما فيه من الخير
والرحمة، ومن العبر والعظات؛ ليخرج
العباد من الظلمات إلى النور، ومن الضلال
إلى الهدى. وتلاوة کتاب الله تعالى، وتدبر
آياته من عوامل الثبات المحمود للإنسان
على الإيمان.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا تُزِّلَ
عَلَيْهِ اَلْقُرْءَانُ جْلَةٌ وَحِدَةً كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِه
فُؤَادَكٌ وَرَقَّلْنَهُ تَرْبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٣٢].
وجاء في بيان حكمة إنزال القرآن
منجّمًا بكلمةٍ جامعة، وهي: ﴿لِنُكَبِّتَ بِه
فُؤَادَكَ﴾؛ لأن تثبيت الفؤاد يقتضي كل ما
به خير للنفس (١)؛ والحكمة في تفريقه أن
نقوّي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه؛
لأنّ المتلقّن إنما يقوى قلبه على حفظ
العلم يلقى إليه، إذا ألقي إليه شيئًا بعد شيء،
وجزءًا عقيب جزء(٢)، وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ
يَتَدَبَُّونَ الْقُرَّءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ واْفِيهِ
أُخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
في هذه الآية عاب الله المنافقين
بالإعراض عن التدبر في القرآن والتفكّر فيه
وفي معانيه(٣).
فالاستفهام إنكاري للتوبيخ والتعجيب
منهم في استمرار جهلهم، مع توفّر أسباب
التدبير لدیھم، وقد تحدّى الله تعالى هؤلاء
بمعاني القرآن؛ کما تحدّاهم بألفاظه لبلاغته،
إذ كان المنافقون قد شكّوا في أنّ القرآن من
عند الله، فلذلك يظهرون الطاعة بما يأمرهم
به، فإذا خرجوا من مجلس النبي صلى الله
عليه وسلم خالفوا ما أمرهم به لعدم ثقتهم،
ويشكّكون ويشكّون إذا بدا لهم شيء من
التعارض، فأمرهم الله تعالى بتدبير القرآن.
وقوله: ﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾، أي: يتأمّلون
دلالة تفاصيل آياته على مقاصده التي أرشد
إليها المسلمين، أي: تدبّر تفاصيله(٤).
تبين الآيات أن المنافقين لعدم تدبرهم
للقرآن الكريم، وإعراضهم عنه اضطربوا
وتزلزلت قلوبهم، فهم ﴿مُّذَبِّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾
[النساء: ١٤٣].
فلا ثبات لديهم على الإيمان واتباع
الحق، وبمفهوم المخالفة أن المؤمن الذي
يتدبر القرآن الكريم يطمئن قلبه ويرسخ
الإيمان فيه، فهو ثابت على الحق والإيمان
بالله تعالى، وعليه فإن تدبر القرآن يؤدّي إلى
ثبات القلب على الحق، وهو ثبات محمود.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/١٩.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٨٢/٣.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٩٠/٥.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٧/٥.
٢٤٢
مُؤَسُولَةُ الْبَقِيَة
جوبيه
القرآن الكريم

الثبات
سادسًا: نصرة الحق:
إن من أهم مقومات الثبات وأسبابه نصرة
الحق والانتصار له.
يقول تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنْصُرُواْ
اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ وَيُثَبْتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
كقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾
[الحج: ٤٠].
فإن الجزاء من جنس العمل(١)، وهذا
أمر منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله
بالقيام بدینه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه،
والقصد بذلك وجه الله؛ فإنهم إذا فعلوا
ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط
على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات،
ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على
أعدائهم، فهذا وعد من کریم صادق الوعد،
أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره
مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات
وغيره(٢).
وعليه فإن من نصر الله في كل موقف
جزاه الله بالنصر وتثبيت الأقدام.
وإن مواقف نصرة الحق، موقف
أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم
أبو بكر الصديق، وبلال بن رباح، وآل یاسر،
وخبيب بن عدي، وأذكر هنا موقف خبيب
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٠/٧.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٧٨٥.
ابن عدي رضي الله عنه، وهو يضرب أروع
الأمثلة في ثباته لنصرة الحق، كلّفه ذلك
حياته، نعم الثبات المحمود ثباته، عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم عشرةً، منهم خبيبٌ
الأنصاريّ، فأخبرني عبيد اللّه بن عياضٍ
أنّ ابنة الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا
استعار منها موسى يستحدّ بها، فلمّا خرجوا
من الحرم ليقتلوه قال خبيبٌ الأنصاريّ:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا
على أيّ شقٌّ كان للّه مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
فقتله ابن الحارث، فأخبر النّبيّ صلى الله
علیه وسلم أصحابه خبرهم يوم أصيبوا(٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب ما يذكر في الذّات، والنّعوت، وأسامي
اللّه، ١٢٠/٩، رقم٧٤٠٢.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف التاء
عاقبة الثبات
یمکن تلخیص عاقبة الثبات في الدینا
والآخرة في النقاط الآتية:
١. صلوات الله ورحمته.
كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ
مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَاَلْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَتِّ وَيَشْرِ الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ( أُوْلَكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُّ
الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
تبين الآيات أن أهل الابتلاء والثبات عليه
تتنزل عليهم الصلوات، والرحمة والأجر
العظيم، وما نالوا هذا الأجر إلا بثباتهم
ورضاهم بقدر الله تعالی وحمدهم له.
٢. التثبيت في القبر.
ثبات المؤمن على الشهادتين في حياته
وقبل مماته يؤدي إلى ثباته عند موته و دخول
قبره، وذلك استقرار النهاية والحياة الأبدية.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
يقول تعالى:
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
اْأَخِرَةٌ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ
مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
٣. الطمأنينة واليقين.
إن ثبات الإنسان على الحق يعطي
طمأنينة فى القلب، خاصة إن كان هذا
الثبات من الله تعالى.
يقول تعالى: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَثْبَآءِ
الرُّسُلِ مَا تُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِى هَذِهِالْحَقُّ
وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].
٤ . قوة العزيمة
إن خوض المعارك ليس بالأمر الهين؛
لذا فالإنسان بحاجة إلى عزيمة قوية ليقوم
بالدفاع والقتال، وذلك ناتج عن ثباته ورباطة
جأشه؛ لذا كان إمداد الله بالملائكة في غزوة
بدر لتثبيتهم وتقوية عزمهم.
يقول تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ
أَنّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْقِى فِ
قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ
فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾
[الأنفال: ١٢].
٥. النصر.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًّا
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
وعندما نتأمل كلمة: ﴿أَفْرِعٌ عَلَيْنَا
صَبْرًا﴾ تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله
قلوبهم بالصبر، ويكون أثر الصبر تثبيت
الأقدام ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ حتى
يواجهوا العدو بالإيمان، وعند نهاية الصبر
وتثبيت الأقدام يأتي نصر الله للمؤمنين على
٢٤٤
القرآن الكريمِ

الثبات
الكافرين، وتأتي النتيجة للعزم الإيماني في لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
قوله الحق: ﴿فَهَزَّمُوهُم ◌ِلأِنِ اَللَّهِ﴾(١).
٦. بلوغ الغايات والأهداف.
ويراد بذلك تحقيق الأهداف في الدنيا
أو في الآخرة، وذلك ظاهر من ثبات الرسل
والأنبياء ومن آمن بهم واتبع نهجهم على
مدار الوقت؛ لقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَضْلِبَكَ أَنَا وَّرُسُلٍّ إِنَّ اللّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾
[المجادلة: ٢١].
ولا تكون غلبة دون ثبات، فالرسل
ثباتهم واقع بتثبيت الله لهم، والمؤمنون
کذلك ثباتهم واقع من إيمانهم بالله ورسله،
واتباع نهجه، ولا يكون تحقيق الأهداف إلا
بالثبات.
٧. زيادة الإيمان ورسوخه.
ثبات الإنسان علی دینه یؤدّي إلى زيادة
الإيمان ورسوخه في القلب.
يقول تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوِحُ الْقُدُسِ
مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُنَّبْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَهُدَّى وَيُشْرَىْ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:
١٠٢].
وثبات الإنسان في المعارك يؤدي إلى
حماية الدين والأوطان واستقرارها.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٢/ ١٠٧٠.
موضوعات ذات صلة:
الاستقامة، الإيمان، التمكين، الجهاد،
القتال، النصر، الهزيمة
www. modoee.com
٢٤٥