النص المفهرس

صفحات 21-40

الوزارة
صفات التوراة في القرآن
لقد وصف الله التوراة في القرآن الكريم
بصفات عديدة؛ فقد وصفها بأنها هدى،
وأنها نور، كما وصفها بالفرقان، والضياء،
والذكر، والرحمة، وفيما يلي تفصيلٌ لتلك
الصفات:
١. هدى.
قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدًى
وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
قال الطبري: ((إنا أنزلنا التوراة فيها بيان
ما سألك هؤلاء اليهود عنه من حكم الزانيين
المحصنين))(١).
قال الزمخشري: «فيها هدىّ يهدى للحق
والعدل))(٢).
وقال الرازي: ((فالهدى: محمول على
بيان الأحكام والشرائع والتكاليف))(٣).
ويقول ابن الجوزي: ((والهدى: البيان؛
فالتّوراة مبيّنة صحة نبوّة محمّد صلّى الله
عليه وسلّم، ومبينة ما تحاكموا فيه إليه)) (٤).
وقال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِّبَنِيَّ إِسْرَّهِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ
وَكِيلًا
﴾ [الإسراء: ٢].
٢
قال ابن أبي حاتم: ((جعله الله لهم هدى،
(١) جامع البيان ١٠/ ٣٣٨.
(٢) الكشاف ١/ ٦٣٦.
(٣) مفاتيح الغيب ١٢/ ٣٦٥.
(٤) زاد المسير ١/ ٥٥١.
يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله
رحمة لهم)»(٥).
وجاء في روح البيان: ((هاديًا لأولاد
يعقوب، يهتدون إلى الحق والصواب بما
فیه من الأحكام»(٦).
وقال تعالى أيضًا: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَّنَةَ وَالْإِنِيلَ
مِن قَبْلُ هُدِّى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣-٤].
٣
قال السمرقندي: ((هدىً للنّاس معناه:
وأنزل التّوراة على موسى، والإنجيل على
عیسی عليهما السلام، بيانًا لبني إسرائيل من
الضلالة)» (٧).
٢. نور.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدًى
وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
قال الطبري: «﴿و ◌ُورٌ﴾ يقول: فيها
جلاء ما أظلم عليهم، وضياء ما التبس من
الحكم)» (٨).
يقول الزمخشري: ((ونورٌ يبين ما استبهم
من الأحكام)) (٩).
الجوزي: ((والنور:
ويقول: ابن
الضياء الكاشف للشبهات، والموضح
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٠٩.
(٦) روح البيان ٥/ ١٣١.
(٧) تفسير السمر قندي ١/ ١٩٣.
(٨) جامع البيان ١٠/ ٣٣٨.
(٩) الكشاف ١/ ٦٣٦.
www. modoee.com
١٦٣

حرف التاء
للمشكلات»(١).
قال الطبري: (ولقد آتينا موسى بن عمران
بينما فسر الواحدي النور بأنه بيان وأخاه هارون الفرقان، يعني به: الكتاب
صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فقال:
(﴿وَثُرٌ﴾ بيانٌ إِنّ أمرك حٌ))(٢).
وقال تعالى أيضًا: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ
الَّذِى جَّةَ بِهِهَ مُوسَى نُرًّا وَهُدَى لِلنَّاسِ﴾
[الأنعام: ٩١].
قال ابن كثير: ((إن الله قد أنزلها على
موسى بن عمران نورًا وهدى للناس، أي:
ليستضاء بها فى كشف المشكلات، ويهتدى
بها من ظلم الشبهات))(٣).
وقد فرّق ابن عادل بين النور والهدى
﴾، وهو
فقال: وصف الكتاب بقوله:
منصوبٌ على الحال، وسمّاه نورًا تشبيهًا له
بالنّور الذي یبین به الطریق، فإن قيل: فعلی
هذا لا یبقی بین کونه نورًا، وبین کونه هدی
للناس فرقٌ، فعطف أحدهما على الآخر
یوجب التغاير؛ فالجواب: أن للنور صفتين:
أحدهما: كونه في نفسه ظاهرًا جليًّا، والثانية:
كونه بحيث يكون سببًا لظهور غيره، فالمراد
من كونه ﴿يُرًا وَهُدَى﴾ هو هذان الأمران (٤).
٣. فرقان.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣].
(١) زاد المسير ١/ ٥٥١.
(٢) الوجيز، الواحدي، ص ٣٢٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٠٠.
(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب ٨/ ٢٧٩.
الذي يفرق بين الحق والباطل، وذلك هو
التوراة في قول بعضهم)»(٥).
ولقد اعتبر الثعلبي التوراة والفرقان
شيئًا واحدًا، فقال: ((قال مجاهد والفراء:
هما شيء واحد، والعرب تكرر الشيء إذا
اختلفت ألفاظه على التوهم)» (٦).
ويؤيد هذا الرأي قول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ مَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءُ
وَذِكْرَالْمُنَّقِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
ويقول الزمخشري: ((الكتاب والفرقان
يعنى الجامع بين كونه كتابًا منزلًا، وفرقانًا
يفرق بين الحق والباطل: يعنى التوراة،
کقولك: رأیت الغیث واللیث، ترید الرجل
الجامع بين الجود والجرأة)) (٧).
ولقد فصل ابن عطية القول في ذلك
وذكر أقوالًا، فقال: ((والكتاب: هو التوراة
بإجماع من المتأولين، واختلف في الفرقان
هنا؛ فقال الزجاج وغيره: هو التوراة أيضًا،
کرر المعنى لاختلاف اللفظ، ولأنه زاد معنی
التفرقة بين الحق والباطل، ولفظة الكتاب لا
تعطي ذلك.
وقال آخرون: الكتاب: التوراة، والفرقان
سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام،
(٥) جامع البيان ١٨/ ٤٥٢.
(٦) الكشف والبيان ١/ ١٩٦.
(٧) الكشاف ١/ ١٤٠.
مَوَسُولَهُ الْبَقِد
القرآن الكريم
١٦٤

النورارة
لأنها فرقت بين الحق والباطل.
ويقول البقاعي: «وضياء لا ظلام معه، فلا
وقال آخرون: الفرقان: النصر الذي ظلم للمستبصر به، لأن من شأن من كان في
فرق بين حالهم وحال آل فرعون بالنجاة الضياء أن لا يضع شيئًا إلا في موضعه))(٦).
والغرق))(١).
٤. ضياء.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ
٤٨
اُلْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرَاً لِلْمُنَّقِينَ
[الأنبياء: ٤٨].
قال الزمخشري: أنه في نفسه ضياء،
أو وآتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ
ضياء (٢).
وفي زاد المسير: ((والمعنى: أنهم
استضاءوا بالتوراة حتى اهتدوا بها في
دینهم»(٣).
قال النسفي: ((قيل: هذه الثلاثة هي
التوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل،
وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى السبيل
النجاة، وذكر: أي شرف أو وعظ وتنبيه،
أو ذكر ما يحتاج الناس إليه في مصالح
دینھم»(٤).
والجهالة)»(٥).
(١) المحرر الوجيز ١ / ١٤٤.
(٢) انظر: الكشاف ٣/ ١٢١.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ١٩٣.
(٤) مدارك التنزيل ٢ / ٤٠٧.
(٥) أنوار التنزيل ٤/ ٥٣.
ويقول سيد قطب: ((وجعل التوراة
كذلك، ضياء يكشف ظلمات القلب
والعقيدة، وظلمات الضلال والباطل، وهي
ظلمات يتوه فيها العقل ويضل فيها الضمير،
وإن القلب البشري ليظل مظلمًا حتى تشرق
فیه شعلة الإيمان، فتنیر جوانبه، ویتکشف له
منهجه، ويستقيم له اتجاهه، ولا تختلط عليه
القيم والمعاني والتقديرات)»(٧).
٥. ذکر.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ
اَلْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ ﴾
[الأنبياء: ٤٨].
قال الثعالبي: ((والذّكر: بمعنى
التذكرة» (٨).
أما البقاعي فقال: ((وذكرًا: أي وعظًا
وشرفًا)»(٩).
قال النسفي: ((وذكر: أي شرف، أو
ويؤكد البيضاوي هذا المعنى فيقول: وعظ، وتنبيه، أو ذكر ما يحتاج الناس إليه في
((وضياءً يستضاء به في ظلمات الحيرة مصالح دينهم)) (١٠).
وقال أبو السعود: ((وذكرًا: يتعظ به
(٦) نظم الدرر ١٢ / ٤٣١.
(٧) في ظلال القرآن ٤/ ٢٣٨٤.
(٨) الجواهر الحسان ٤ / ٨٩.
(٩) نظم الدرر، البقاعي ١٢/ ٤٣١.
(١٠) مدارك التنزيل ٢ / ٤٠٧.
www. modoee.com
١٦٥

حرف التاء
الناس، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم
المستضيئون بأنواره، المغتنمون لمغانم
آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع
والأحكام))(١).
ويقول سيد قطب: ((وجعل التوراة
کالقرآن ﴿وَذكراللهُنَّقِينَ ﴾، تذكرهم بالله،
وتبقي لهم ذکرًا في الناس، وماذا كان بنو
إسرائيل قبل التوراة؟ كانوا أذلاء تحت
سياط فرعون، يذبح أبناءهم، ويستحيي
نساءهم، ويستذلهم بالسخرة والإيذاء))(٢).
٦. رحمة.
وجاء ذلك في عدة آيات.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ
وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لَعَلَّهُمْ بِلِقَلْ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ()
[الأنعام: ١٥٤].
قال الطبري: ((ورحمة لمن كان منهم
ضالًّ لينجيه الله به من الضلالة))(٣).
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ،
وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِ كِتَبُ مُوسَىَ إِمَامًا
وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٧].
وجاءت أيضًا في الأحقاف: ﴿وَمِن قَبْلِهِ،
كِتَبُ مُوسَىََّإِمَامًا وَرَحْمَةٌ﴾ [الأحقاف: ١٢].
يقول ابن عاشور: ((والرحمة: اسم
مصدر لصفة الراحم، وهي من صفات
(١) إرشاد العقل السليم ٦/ ٧١.
(٢) في ظلال القرآن ٤/ ٢٣٨٤.
(٣) جامع البيان ١٢/ ٢٣٨.
الإنسان، فهي: رقة في النفس، تبعث على
سوق الخير لمن تتعدى إليه، ووصف
الكتاب بها استعارة لكونه سببًا في نفع
المتبعين؛ لما تضمنه من أسباب الخير في
الدنيا والآخرة، وصف الكتاب بالمصدر
مبالغة في الاستعارة»(٤).
قال تعالى في سورة القصص أيضًا:
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ
مَا أَمْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ
وَهُدَى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
[القصص: ٤٣].
قال الزمخشري: ((ورحمةً: لأنهم لو
عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة)»(٥).
قال البقاعي: ((ورحمة: أي نعمة هنية
شريفة، لأنها قائدة إليها)) (٦).
(٤) التحرير والتنوير ٢٦/ ٢٤.
(٥) الكشاف ٣/ ٤١٧.
(٦) نظم الدرر ١٤/ ٣٠٢.
مُوسُو ◌َرَ
القرآن الكريم
١٦٦

التوزارة
الأحكام التشريعية في التوراة
لقد جاءت التوراة بالدرجة الأولى
لتكون منهج حياة لبني إسرائيل، وإلى جانب
ذلك جاءت لتهيئ الناس لمجئ النبي
الأمي، وتهيئ عقولهم لتقبل شريعته، ولأن
هذا النبي سيكون نبيًّا لجميع الأمم، جعلها
شريعة عامة؛ ليسهل على الأمم الإيمان
بمحمد صلى الله عليه وسلم.
و کان بنو إسرائيل شهداء بین أهل دینھم،
يثقون بهم، يشهدون بمجيئ محمد صلى
الله عليه وسلم ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ
تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَّبْغُونَهَا عِوَجًا
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءٌ وَمَا اللّه ◌ِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ()﴾
[آل عمران: ٩٩](١).
قال الرازي: أنتم شهداء أن في التوراة
موجود: أن دين الله الذي لا يقبل غيره
هو الإسلام، وأنتم شهداء على ظهور
المعجزات على نبوته صلى الله عليه
وسلم(٢).
لذا فقد جاء الأمر لبني إسرائيل بأن
يأخذوا الكتاب بقوة؛ ذلك الكتاب الذي
تضمن أحكامًا تشريعية، منها ما نسخ، ومنها
ما استمر بعد بعثة النبي صلى الله عليه
وسلم، ولكن بني إسرائيل لم يعملوا بتلك
(١) انظر: شرح الأحكام التشريعية في التوراة،
نادي فرج درويش العطار، ٦/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب ٨/ ٣٠٨.
الشرائع، ولو عملوا بها لأكلوا من فوقهم
ومن تحت أرجلهم، وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولًا: حكمة الأمر بأخذ التوراة بقوة:
لقد أمر الله بني إسرائيل بأخذ التوراة وما
فيها بقوة، وذلك في آيات عدة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَّعْنَا
فَوْقَكُمُ الُوَرَ خُذُّواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا
﴾ [البقرة: ٦٣].
٦٣
فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
قال الطبري: ((خذوا ما افترضناه عليكم
في كتابنا من الفرائض، فاقبلوه، واعملوا
باجتهاد منکم في أدائه، من غیر تقصیر ولا
توان»(٣).
وبعد أخذ الميثاق عليهم بقوة ورفع
الجبل فوق رؤوسهم نكثوا العهود
والمواثيق كعادتهم، بل وتبجحوا في ذلك
الأمر، وأقروا بالعصيان، وعبدوا العجل
كفرًا وجورًا؛ فكيف يتصور الإيمان من
أخلافهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الطَّورَ خُذُواْمَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ
وَأَسْمَعُواْ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِىِ
قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا
يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
﴾ [البقرة: ٩٣].
جاء في روح البيان: ((قالوا سمعنا قولك،
(٣) جامع البيان ٢ / ١٦١.
www. modoee.com
١٦٧

حرف التاء
ولكن لا سماع طاعة، وعصينا أمرك ولولا وصفاتها لما كان عليه من الذل والعبودية
لدى فرعون وقومه، وما كان عليه من الشرك
مخافة الجبل ما قبلنا في الظاهر، فإذا كان
حال أسلافهم هكذا، فکیف یتصور من
أخلافهم الإيمان))(١).
والوثنية التي ألفها وراضت نفسه لقبولها،
فأنّى للقائد والمرشد أن يصلح ذلك
الفساد، ويرأب ذلك الصدع إذا لم يكن ذا
عزيمة وقوة وبأس شديد وحزم في أوامره
ونواهيه)»(٣).
ولا شك أن ديننا الحنيف يختلف في
هذا الأمر حيث لا يعتمد على الإكراه
والتخويف، رغم كونه مرغبًا ومرهبًا.
قال تعالى: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
[البقرة: ٢٥٦].
قال الرازي: «أن إظلال الجبل لا شك أنه
من أعظم المخوفات، ومع ذلك فقد أصروا
على كفرهم، وصرحوا بقولهم: سمعنا
عظم لا يوجب الانقياد))(٢).
وكثرة الآيات تدلل بصورة واضحة
وعصينا وهذا يدل على أن التخويف وإن جلية، طبيعة بني إسرائيل الملتوية،
وقال تعالى أيضًا: ﴿ وَكَتَبْنَالَهُ،فِى
الْأَلْوَاجِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًاً
لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوّمَكَ يَأْخُذُوا
بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيَكُوْ دَارَ الْفَسِقِينَ
[الأعراف: ١٤٥].
يفصل المراغي الأخذ بقوة فيقول:
((﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: وكتبنا له في الألواح
وقلنا له: هذه وصايانا وأصول شريعتنا
وكلياتها، فخذها بقوة وجدّ وعزم، ذاك أنك
ستکون بها شعبًا جديدًا، بعادات جديدة،
وأخلاق جديدة، مخالفة في جوهرها
(١) روح البيان، إسماعيل حقي ١/ ١٨٢.
(٢) مفاتيح الغيب ٣/ ٦٠٤.
صَوسُو ◌َ النَّتِيَّة
القرآن الكريم
وقال تعالى: ﴿وَإِذَّ نَثَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ
كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُوا أَنَّهُهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ
بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ
١٧١
[الأعراف: ١٧١].
ونفسيتهم المريضة؛ فقد عرضت عليهم
التوراة فرفضوا أخذها؛ فرفع الله الجبل فوق
رؤوسهم كأنه ظلة، وأمرهم بأخذ الكتاب
بقوة، ويقول محمد رشيد رضا: ((لعل حكمة
ختم قصة بني إسرائيل بهذه الآية هنا للتذكير
ببدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم في أثر
بيان عاقبة أمرهم في مخالفته والخروج عنها
فإن في تلك الفاتحة إشارة إلى هذه الخاتمة،
وذلك عندما أخذ عليهم الميثاق ليأخذن
بالشريعة بقوة وعزم، فإنه رفع فوقهم الطور،
وأوقع في قلوبهم الرعب من خوف وقوعه
بهم، فلا غرو إذا آل أمرهم إلى ترك العمل
به بعد طول الأمد وقساوة القلوب والأنس
(٣) تفسير المراغي ٩/ ٦١.
١٦٨

التوراة
بالذنوب)»(١).
ثانيًا: الأحكام التشريعية في التوراة:
إن التوراة كتاب الله أنزله على نبيه
موسی لیحکم بین الناس، فھو کتاب إلهي
یحتوي على تشريعات ربانية، وقد ذکر لنا
القرآن الكريم بعضًا منها في الميثاق الذي
أخذه الله على بني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَ بَنِيَّ
إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ
لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن
دِيَكْرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ )﴾
[البقرة: ٨٣ -٨٤].
فهذا الميثاق تضمن عدة تشريعات:
التوحيد بأنواعه؛ ﴿لَا تَعْبُدُ ونَ إِلَّا اللَّهَ﴾.
بر الوالدين والإحسان إليهما؛
إحْسَانًا
وَبِالْوَالِدَيْنِ
صلة الأرحام والإحسان إليهم؛ ﴿وَزِى
الْقُرْبَ﴾.
كفالة اليتيم والإحسان إليه؛
﴿وَالْيَتَكَى﴾.
التكافل بين الناس والإحسان إلى
الضعفاء؛ ﴿وَالْمَسَكِينِ
(١) المنار ٩/ ٣٢٤.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛
﴿وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
إقامة الصلاة؛ ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾.
إيتاء الزكاة؛ ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
حفظ النفس، وتحريم سفك الدماء،(﴿لا
تَسْفِكُونَ وِمَآءَكُمْ﴾.
عدم إخراج الناس من ديارهم والاعتداء
على ممتلكاتهم؛ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن
دِيَرِكُمْ﴾.
وفي آية ثانية، تشريعات أخرى؛ قال
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيّ
تعالی:
إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًاً
وَقَالَ اللَّهُ إِنَّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ
الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِي
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
[المائدة: ١٢].
الإيمان بالرسل، ونصرتهم؛
﴿وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِيٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾.
ايتاء الصدقات؛ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا﴾.
قال سيد قطب: ندرك أن ميثاق الله
مع بني إسرائيل، ذلك الميثاق الذي أخذه
عليهم في ظل الجبل، والذي أمروا أن
یأخذوه بقوة وأن یذکروا ما فيه، أن ذلك
الميثاق قد تضمن القواعد الثابتة لدين الله،
هذه القواعد التي جاء بها الإسلام أيضًا،
فتنكروا لها وأنكروها.
www. modoee.com
١٦٩

حرف التاء
لقد تضمن ميثاق الله معهم: ألا يعبدوا
إلا الله، القاعدة الأولى للتوحيد المطلق،
وتضمن الإحسان إلى الوالدين وذي القربى
واليتامى والمساكين، وتضمن خطاب الناس
بالحسنى، وفي أولها: الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، كذلك تضمن فريضة
الصلاة، وفريضة الزكاة، وهذه في مجموعها
هي قواعد الإسلام وتكاليفه(١).
وهذه التكاليف قد أقرتها بنو إسرائيل:
قال الرازي: ((ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم لكفر عنهم سيئاتهم، ولأدخلهم جنات
على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون
عليها))(٢).
ثالثًا: أثر عمل اليهود بالتوراة في
زمانهم:
اشتملت الكتب السماوية على كل ما
يصلح أحوال الناس في دنياهم وأخراهم،
وما التزم قوم بما أنزل الله عليهم وأقاموا
شرع الله فيهم إلا كانوا أسعد الناس في
دنياهم وأخراهم، وينطبق هذا الأمر على
جميع الشرائع السماوية.
ونلمس هذا الأمر في القرآن الكريم فقد
جاء في حق بني إسرائيل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا
عَنْهُمْ سَبِيَّاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ (
٦٥
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم
(١) انظر: في ظلال القرآن ١/ ٨٧.
(٢) مفاتيح الغيب ٣/ ٥٩١.
مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةً وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَلَّهُ مَا يَعْمَلُونَ
﴾ [المائدة: ٦٥- ٦٦].
يقول سيد قطب: إن هاتين الآيتين تقرران
أصلًا كبيرا من أصول التصور الإسلامي،
ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في
الحياة الإنسانية .... إن الله سبحانه يقول
لأهل الكتاب- ويصدق القول وينطبق على
كل أهل كتاب- إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا
النعيم - وهذا جزاء الآخرة، وإنهم لو كانوا
حققوا في حياتهم الدنيا منهج الله الممثل
في التوراة والإنجيل، وما أنزله الله إليهم
من التعاليم- کما أنزلها الله بدون تحريف
ولا تبديل- لصلحت حياتهم الدنيا، ونمت
وفاضت عليهم الأرزاق، ولأكلوا من فوقهم
ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق، ووفرة
الإنتاج وحسن التوزيع، وصلاح أمر الحياة،
ولكنهم لا يؤمنون ولا يتّقون، ولا یقیمون
منهج الله- إلا قلة منهم في تاريخهم الطويل
مقتصدة غير مسرفة على نفسها ﴿وَكِرُ مِنْهُمْ
سَآءُ مَا يَعْمَلُونَ
وهكذا يبدو من خلال الآيتين: أن
الإيمان والتقوى وتحقيق منهج الله في
واقع الحياة البشرية في هذه الحياة الدنيا،
لا يكفل لأصحابه جزاء الآخرة وحده- وإن
كان هو المقدم وهو الأدوم - ولكنه كذلك
١٧٠
مَوَسُولَةُ التَّفِي
القرآن الكريم

التوراة
يكفل صلاح أمر الدنيا، ويحقق لأصحابه
جزاء العاجلة .. وفرة ونماء وحسن توزيع
وكفاية .. يرسمها في صورة حسية تجسم
معنى الوفرة والفيض في قوله: ﴿لَأَكَلُواْ
مِن فَوْقِهِمْ وَ مِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾(١).
قال ابن عاشور: ((وقد أومأت الآية إلى
أن سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب
الله تعالى عليهم؛ لإضاعتهم التوراة،
وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن»(٢).
وفي موضع آخر يبين سيد قطب أن هناك
قاعدة مطردة، فيقول: ((وهذه القاعدة التي
يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة
صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله،
ومن سنة الحياة، كما أن الواقع العملي
یشهد بتحققها على مدار القرون، والحديث
في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. وما
من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهًا
حقيقيًا لله بالعمل الصالح، والاستغفار
المنبئ عن خشية الله .. ما من أمة اتقت
الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت
العدل والأمن للناس جميعًا، إلا فاضت
فيها الخيرات، ومكّن الله لها في الأرض،
واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح
سواء))(٣).
(١) في ظلال القرآن ٢/ ٩٣١.
(٢) التحرير والتنوير ٦/ ٢٥٣.
(٣) في ظلال القرآن ٦/ ٣٧١٣.
الربانيون والأحبار وحفظ التوراة
ميّز الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم
عن سائر الكتب بأن تعهد بحفظه.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ.
[الحجر: ٩]؛ فالقرآن وحده
◌َفِظُونَ
هو الذي تعهد الله بحفظه، أما التوراة
والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، فقد أوكل
الله حفظها إلى أهلها من الأحبار والرهبان
والربانيين، ولم يتكفل بحفظها، ولما ترك
حفظها لهم صار حالها إلى ما صارت إليه،
من التغيير والتبديل والتحريف، وفيما يلي
تفصيل ذلك:
أولًا: تكليف الله للربانيين والأحبار
بحفظ التوراة والعمل بها:
لقد كلّف الله الربانيين والأحبار حفظ
التوراة، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدًى
وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ
مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾
[المائدة: ٤٤].
قال الرازي: ((دلت الآية على أنه يحكم
بالتوراة: النبيون والربانيون والأحبار،
وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالًا
من الأحبار، فثبت أن يكون الربانيون
كالمجتهدين، والأحبار كآحاد العلماء،
ثم قال: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾
www. modoee.com
١٧١

حرف التاء
أي: حفظ كتاب الله علی وجھین: الأول:
أن يحفظ فلا ينسى، الثاني: أن يحفظ فلا
یضیع، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه
من هذين الوجهين: أحدهما: أن يحفظوه في
صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني: أن
لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه)»(١).
وقال ابن عاشور: ((والاستحفاظ:
الاستئمان، واستحفاظ الكتاب: أمانة فهمه
حق الفهم بما دلت عليه آياته، استعير
الاستحفاظ الذي هو طلب الحفظ لمعنى
الأمر بإجادة الفهم، والتبليغ للأمة على ما
هو عليه)) (٢)
٠
ولقد كلف الله اليهود أحبارًا وشعبًا
بحفظ التوراة والعمل بها فضيعوها.
قال الثعالبي: ((وقوله سبحانه: ﴿پِمَا
أَسْتُحْفِظُواْ﴾، أي: بسبب استحفاظ اللّه
تعالى إياهم أمر التّوراة، وأخذه العهد علیھم
في العمل والقول بها، وعرّفهم ما فيها،
فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيّعوا لمّا
استحفظوا حتى تبدّلت التوراة))(٣).
ولقد استخلف الله الأحبار والرهبان
لحفظ وتبليغ التوراة وإجراء أحكامها
عليهم.
قال أبو السعود: «﴿پما اُسْتُحْفِطُوا﴾،
أي: بالذي استحفظوه من جهة النبيين وهو
(١) مفاتيح الغيب ١٢ / ٣٦٦.
(٢) التحرير والتنوير ٦/ ٢٠٩.
(٣) الجواهر الحسان ٢/ ٣٨٥.
التوراة، حيث سألوهم أن يحفظوها من
التغيير والتبديل على الإطلاق. ولا ريب
في أن ذلك منهم عليهم السلام استخلافٌ
لهم في إجراء أحكامها من غير إخلالٍ بشيء
منها)) (٤).
ثانيًا: ذم القرآن للربانيين والأحبار لعدم
حفظهم التوراة:
ولقد ذمّ الله الربانيين والأحبار الذين
استحفظهم التوراة فضيّعوها ولم يطبقوا
أحكامها، ووصفهم وصفًا شنيعًا.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرِينَةَ ثُمَّ
لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الجمعة: ٥].
قال الطبري: ((مثل الذين أوتوا التوراة
من اليهود والنصارى، فحملوا العمل بها
ثم لم يعملوا بما فیھا، وکذّبوا بمحمد صلّی
الله عليه وسلم، وقد أمروا بالإيمان به فيها
واتباعه والتصديق به؛ كمثل الحمار يحمل
على ظهره كتبًا من كتب العلم، لا ينتفع
بها، ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا
التوراة التي فيها بيان أمر محمد صلّى الله
عليه وسلّم مثلهم إذا لم ينتفعوا بما فيها،
كمثل الحمار الذي يحمل أسفارًا فيها علم،
فهو لا يعقلها ولا ينتفع بها)»(٥).
(٤) إرشاد العقل السليم ٣/ ٤١.
(٥) جامع البيان ٢٣/ ٣٧٧.
١٧٢
مَوَسُوبَةُ الْبَشِير
القرآن الكريم

النورارة
قال الزمخشري: ((شبه اليهود- في أنهم وليس شريكًا في الغاية منها، وهي صورة
زرية بائسة، ولكنها صورة معبرة عن حقيقة
صادقة))(٢).
حملة التوراة وقرّاؤها وحفاظ ما فيها، ثم
إنهم غير عاملين بها ولا منتفعین بآیاتها،
وذلك أنّ فيها نعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به-
بالحمار حمل أسفارًا، أي: كتبًا كبارًا من
کتب العلم، فهو یمشی بها ولا يدرى منها إلا
ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، و کل
من علم ولم یعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس
المثل الّذين كذّبوا بآيات الله، وهم: اليهود
الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة
نبوّة محمد صلی الله عليه وسلم، ومعنى
حمّلوا التّوراة: كلفوا علمها والعمل بها، ثمّ
لم يحملوها، ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم
يحملوها))(١).
ويقول سيد قطب في تفسيرها: ((فبنو
إسرائيل حملوا التوراة، وكلفوا أمانة العقيدة
والشريعة ثم لم يحملوها؛ فحملها يبدأ
بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل
لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم
الواقع. ولکن سيرة بني إسرائيل كما عرضها
القرآن الكريم- وكما هي في حقيقتها- لا
تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم
فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها، ومن
ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام،
وليس له منها إلا ثقلها، فهو ليس صاحبها،
(١) الكشاف ٤/ ٥٣٠.
لم يكتف الأحبار والرهبان بتضييع
التوراة، وعدم حفظها والعمل بها، وهذه
في حد ذاتها جريمة، لكنهم اقترفوا جريمة
أعظم؛ ذلك أن بدلوها وحرفوها واعتدوا
على كلام الله، فبدلوه بما يناسب مآربهم،
ويخدم مصالحهم، وكتبوها بأيدهم،
ومزجوها بکلامهم، ثم قالوا هي من عند
الله، وأصبح هناك توراتان: توراة أنزلها الله
وأمرهم بحفظها وعدم تضييعها، وهي ما
يسمى بالعهد القديم الذي نزل على موسى،
وتوراة محرفة كتبها الأحبار والرهبان
بأيدهم، وأسموها ظلمًا وزورًا (العهد
القديم).
أولًا: تحريف اليهود للتوراة المنزلة
على موسى:
أخبرنا الله في ست آيات صريحة
عن تحريف التوراة بأيدي هؤلاء الأحبار
والرهبان، وقد توعدهم الله بالويل والطرد
من رحمة الله.
قال تعالى: ﴿﴿ أَفَتَطِمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ
وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ
يُحَرِّقُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
(٢) في ظلال القرآن ٦/ ٣٥٦٧.
www. modoee.com
١٧٣

حرف التاء
[البقرة: ٧٥].
قال الطبري: «التوراة التي أنزلها علیھم،
يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حرامًا،
والحرام فيها حلالًا والحق فيها باطلًا
والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوة
أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل
برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه
محق. وإن جاء أحد يسألهم شيئًا ليس فيه
حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق))(١).
﴿مِّنَ اَلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِفُونَ أَلْكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ
مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَّا بِأَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنَا فِ الّذِينَ وَلَوْ
أَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًّا
لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَّعَنَهُمُ اَللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا
قَلِيلًا ﴾ [النساء: ٤٦].
قال الزمخشري: ((يحرّفون الكلم عن
مواضعه: یمیلونه عنها ویزیلونه؛ لأنهم إذا
بدلوه ووضعوا مكانه کلمًا غیره، فقد أمالوه
عن مواضعه التي وضعها اللّه فيها، وأزالوه
عنها))(٢).
وقال ابن الجوزي:«وفي معنی تحریفھم
الكلم قولان: أحدهما: أنهم كانوا يسألون
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الشيء،
فإذا خرجوا، حرفوا كلامه، قاله ابن عباس.
والثاني: أنه تبديلهم التوراة، قاله مجاهد)»(٣).
(١) جامع البيان ٢/ ٢٤٦.
(٢) الكشاف ١ / ٥١٦.
(٣) زاد المسير ١/ ٤١٦.
مُوَنُوابَرُ الْتَدِلعضوية
القرآن الكريم
وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ
لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةٌ يُحَرِّقُونَ
اُلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًا مِّمَا
ذُكِرُواْ بِدٍّ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا
قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: ١٣].
قال السمعاني: ((تحريفهم الكلم: هو
تبديلهم نعت الرسول، وقيل المراد
به: تحريفهم بسوء التأويل»(٤).
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْرُنكَ
الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ
قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ
وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ
سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحِّفُونَ
اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
قال أبو حيان: ((أي: يزيلونه ويميلونه
عن مواضعه التي وضعها الله فيها. قال ابن
عباس والجمهور: هي حدود الله في التوراة،
وذلك أنهم غيروا الرجم، أي: وضعوا الجلد
مكان الرجم، وقال الحسن: يغيرون ما
يسمعون من الرسول عليه السلام بالكذب
عليه، وقيل: بإخفاء صفة الرسول، وقيل:
بإسقاط القود بعد استحقاقه. وقيل: بسوء
التأويل»(٥).
ثانيًا: واجب المسلمين تجاه التوراة
(٤) تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٢٢.
(٥) البحر المحيط ٤ / ٢٦١.
١٧٤

النورارة
المنزلة والتوراة المحرّفة:
المسلم يؤمن بأن التوراة التي أنزلت
على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي
أنزل على عيسى عليه السلام حق من عند
الله تعالى، وقد اشتملا على الأحكام
والمواعظ والأخبار، التي فيها هدى ونور
للناس في معاشهم وحیاتهم وآخرتهم، كما
يعتقد المسلم أن التوراة والإنجيل أنزلا من
عند الله، ولكن شابهما الكثير من التحريف
والتبديل، ولا نصدق منها إلا ما وافق القرآن
والسنة.
وقد أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم
أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد
حرّفوا كتبهم، وأضافوا إليها وأنقصوا منها،
فلم تبق کما أنزلها الله تعالی.
فالتوراة الموجودة الآن ليست هي
التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام،
لأن الیھود حرفوا وبدّلوا، وتلاعبوا بکثیر من
أحكامها.
قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ
اَلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾ [النساء: ٤٦].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن
بني إسرائيل كتبوا كتابًا فتبعوه وتركوا
التوراة)(١).
وقد استقر هذا المعنى في نفوس
(١) أخرجه الدارمي في سننه، باب من لم ير كتابة
الحديث، رقم ٤٨٠، ١/ ١٣٥.
الصحابة والمؤمنین بعدهم.
يقول ابن عباس: (يا معشر المسلمين،
كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي
أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث
الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد
حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب
الله وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من
عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا یتهاکم ما
جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما
رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل
علیکم)(٢).
ولا يمنع هذا من صحة بعض مواضع
في التوراة، لما فيها من آثار الأنبياء؛ ففي
التوراة حق وباطل كما أخبر الله ورسوله،
ومن النصوص التي اشارت إلى شيء من
الحق في كتبهم ألبسوه الباطل والزور قوله
تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمْ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ
[آل
٧١
عمران: ٧١].
بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (
وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُ
التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ
بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَيْكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
٤٣
[المائدة: ٤٣].
البخاري: أن رسول الله
وفي صحيح
صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصدقوا أهل
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب لا يسأل أهل الشرك عن
الشهادة وغيرها، رقم ٣،٢٦٨٥ / ١٨١.
www. modoee.com
١٧٥

حرف التاء
الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿قُولُواْ وَاَلْإِنِيلِ وَاَلْقُرْءَانِ﴾ [التوبة: ١١١].
ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِشَمْ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ
مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن زَّيِّهِمْ لًا
تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَتَحْنُ لَهُ, مُسْلِمُونَ ()﴾)
[البقرة: ١٣٦](١).
وقد بينت الآيات موقف المسلمين من
التوراة بجلاء ووضوح، إذ يخبرنا الله أنها
وحيٌ منه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيَهَا هُدَّى
وَفُورٌ ﴾ [المائدة: ٤٤].
التوراة نسبت إلى الله، لكنها خالية - إلا
قليلًا- من الهدى والنور، فقد حملت هذه
الأسفار في طياتها ضعف البشر وجهلهم،
فجاءت متناقضة، مليئة بالكثير مما لا يرضي
العقلاء نسبته إلى الله ووحيه القويم.
ومما يثبت أن هذه الأسفار ليست توراة
موسى عليه السلام، أن القرآن الكريم
نسب إلى أسفار موسى من المعاني التي
نفتقدها في النصوص الحالية للتوراة، ومن
ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةُ يُقَئِّلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْنُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (قولوا آمنا بالله)، رقم ٤٤٨٥،
٢٠/٦.
ولا وجود لهذا المعنى في العهد القديم
ولا الجديد، ومثله قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ
الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ إِنَّ
هَذَا لَفِى السُّحُفِ اَلْأُوْلَى مُفٍ إِنْزَهِيمَ
وَمُوسَى ﴾ [الأعلى: ١٦- ١٩].
فهذا المعنى لا وجود له في صحف
الأسفار المنسوبة لموسى، والتي تخلو من
الحديث عن الآخرة والقيامة(٢).
ولكن الناس قد توارثت كتبًا بديلة عن وهو مصطلح يستخدمه المسيحيون
وللتوراة أسماء كثيرة قد وضعها
حاخامات اليهود؛ فتعرف بالعهد القديم،
للإشارة إلى کتاب اليهود المقدس، بينما
يستخدم مصطلح (العهد الجديد) للإشارة
إلى الأسفار التي تضمنتها الأناجيل الأربعة،
وأما اليهود فيستخدمون عبارة (الكتب
المقدسة)، وأحيانًا (الكتب)، وأحيانًا
(التوراة) للتعبير عن العهد القديم(٣).
فالعهد القديم هو الكتاب الذي يضم
ثلاثة أشياء: التوراة، والأنبياء، والمكتوبات.
والجزء الأول هو الذي نزل على موسى
عليه السلام، وقد حرّفوه، أما الجزءان
الآخران فهما صناعة بشرية خالصة (٤).
(٢) انظر: هل العهد القديم كلمة الله، منقذ
السقار، ص١٥.
(٣) انظر: الخطأ والدخيل في توراة بني إسرائيل،
إبراهيم ثروت حداد، ص١٧ .
(٤) انظر: مدخل إلى تاريخ اللغة الآرامية، أحمد
١٧٦
جوسين
القرآن الكريم

النورارة
فالتوراة والتي هي كتب موسى تطلق خضراء) (٢)، أو كان له شاهد من الشرع
يؤيده. وهذا القسم صحيح مقبول.
عندهم على الأسفار الخمسة: سفر
التكوين، وسفر الخروج، وسفر التثنية،
وسفر اللاويين، وسفر العدد (١).
القسم الثاني: ما یعلم کذبه بأن یناقض ما
عرفناه من شرعنا، أو كان لا يتفق مع العقل،
وعليه: فنحن نؤمن بتوراة موسى كل وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.
الإيمان، ونؤمن بأنها حرفت ولم تحفظ،
وأن القوم أخفوا منها شيئًا وكتبوا أشياء،
وضاع منها الکثیر، وما بین یدیھم لا يخلو
من بعض الحق، وعلى المسلم أن يحترمها
ولا یھینها ولا يدنسها؛ لأنها قد تحتوي في
طياتها على شيء من بقايا كلام الله الذي لم
یحرف.
ثالثًا: واجب المسلمين تجاه
الإسرائيليات:
تنقسم الأخبار الإسرائيلية إلى أقسام
ثلاثة، وهى ما يأتي:
القسم الأول: ما يعلم صحته؛ بأن
نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلًا
صحيحًا، وذلك كتعيين اسم صاحب موسى
عليه السلام بأنه الخضر، فقد جاء هذا الاسم
صريحًا على لسان رسول الله صلى الله عليه
وسلم كما عند البخاري؛ فعن أبي هريرة
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم، قال: (إنما سمي الخضر أنه جلس
على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه
الجمل، ص١٣.
(١) انظر: حجية التوراة، أحمد الحوفي، ٣٢/٠١.
القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا
هو من قبيل الأول، ولا هو من قبيل الثاني،
وهذا القسم نتوقف فيه، فلا نؤمن به ولا
نكذّبه، وتجوز حكايته، لما تقدّم من قوله
صلى الله عليه وسلم: في صحيح البخاري
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا
تصدقوا أهل الکتاب ولا تکذبوهم، وقولوا:
﴿مَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِمْ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ
مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ زَّيِّهِمْ لَا
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ()﴾)
[البقرة: ١٣٦](٣).
وهذا القسم غالبه مما ليس فيه فائدة
تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء
أهل الكتاب في مثل هذا اختلافًا كثيرًا،
ويأتي عن المفسّرين خلاف بسبب ذلك،
كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى
عليهما السلام، رقم ٣٤٠٢، ٤ / ١٥٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (قولوا آمنا بالله)، رقم ٤٤٨٥،
٦/ ٢٠.
www. modoee.com
١٧٧

حرف التاء
الكهف، ولون كلبهم، وعصا موسى من أي وهذا إذا لم يتفق أهل الرواية من علماء
الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها التفسير على ذلك، أما إن اتفقوا عليه: فإنه
یکون أبعد من أن یکون مسموعًا من أهل
ضرب به قتيل بنى إسرائيل، ونوع الشجرة الكتاب، وحينئذ تسكن النفس إلى قبوله
والأخذ به (١).
٠
الله لإبراهيم، وتعيين بعض البقرة الذى
التي کلّم الله منها موسی، إلى غير ذلك مما
أبهمه الله في القرآن ولا فائدة في تعيينه تعود
علی المکلّفین في دنياهم أو دينهم.
ويجمل الشنقيطي الأمر فيقول: ((ومن
المعلوم: أن ما يروى عن بني إسرائيل من
الأخبار المعروفة بالإسرائیلیات له ثلاث
حالات، في واحدة منها يجب تصديقه
وهي: ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على
صدقه، وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي: إذا
ما دل القرآن والسنة على كذبه، وفي الثالثة:
لا يجوز التكذيب ولا التصديق، وهي ما
صلى الله عليه وسلم عن تصديقهم. وإن إذا لم يثبت في كتابٍ ولا سنّة صدقه ولا
کذیه»(٢).
ثم إذا جاء شيء من هذا القبيل -أي: ما
سکت عنه الشرع ولم یکن فيه ما يؤيده أو
يفنده- عن أحد من الصحابة بطريق صحيح،
فإن كان قد جزم به فھو کالقسم الأول، يقبل
ولا يرد، لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن
أهل الكتاب بعد ما علم من نھي رسول الله
کان لم يجزم به فالنفس اسکن إلی قبوله،
لأن احتمال أن يكون الصحابي قد سمعه
من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ممن
سمعه منه، أقوى من احتمال السماع من
أهل الكتاب، لا سيما بعدما تقرر من أن أخذ
الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلاً بالنسبة
لغيرهم من التابعين ومن يليهم.
أما إن جاء شيء من هذا عن بعض
التابعين، فهو مما يتوقف فيه ولا يحكم
عليه بصدق ولا يكذب، وذلك لقوة احتمال
السماع من أهل الكتاب، لما عرفوا به من
کثرة الأخذ عنهم، وبعد احتمال کونه مما
سمع من رسول الله صلی الله عليه وسلم،
(١) انظر: التفسير والمفسرون، الذهبي، ١/
١٣٠.
(٢) أضواء البيان، ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
١٧٨
القرآن الكريم

التوزارة
عيسى عليه السلام والتوراة
عیسی ابن مريم عليه السلام، أحد أنبياء
الله الكرام، ومن أولي العزم من رسله،
أرسله الله إلى بني إسرائيل، وعلمه التوراة
والإنجيل، وأخبر أنه جاء مصدقًا لما في
التوراة، إلا أنه نسخ بعض أحكامها، وأباح
لأتباعه بعض ما حرم فيها.
﴿وَيُعَلِّمُهُ اَلْكِنَبَ
قال تعالى:
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَّةَ وَاَلْإِنجِيلَ ﴿ وَرَسُولًا
إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنِّ قَدْ جِثْتُكُمْ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمّ
أَنِّ أَغْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلَّيْرِ
فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَبْرِىُ
اْأَكْمَهُ وَالْأَبْرَصَ وَأُخْىِ اَلْمَوْقَ بِإِذْنِ اَللَّهِ
وَأَنَبِّتُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَنَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمّ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لََّيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَيةِ وَلِأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَِشْتُكُم
بَِايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [آل
عمران: ٤٨ - ٥٠].
قال السمرقندي: ((فعلّمه الله بالوحي
والإلهام والحكمة، يعني: الفقه، والتّوراة
والإنجيل، يعني: يحفظ التوراة عن ظهر
قلبه. وقال بعضهم: وهو عالم بالتوراة،
وقال بعضهم: ألهمه الله بعد ما كبر حتى
تعلم في مدة يسيرة))(١).
(١) تفسير السمر قندي ١/ ٢١٤.
وقال ابن عطية: ((والتّوراة هي المنزلة
على موسى عليه السلام، ويروى أن عيسى
کان یستظهر التوراة وکان أعمل الناس بما
فيها، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب
إلا أربعة: موسى، ويوشع بن نون، وعزير،
وعيسى عليهم السلام))(٢).
وقال ابن كثير: ((﴿وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنْجِلَ﴾؛
فالتوراة: هي الكتاب الذي أنزله الله على
موسى بن عمران، والإنجيل: هو الكتاب
الذي أنزله الله على عيسى عليهما السلام،
وقد كان عيسى عليه السلام، يحفظ هذا
وهذا))(٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى
حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّيِّكُمْ
فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥٠].
قال الطبري: ((وإنما قيل: ﴿وَمُصَدِّقًا
لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ﴾؛ لأن عيسى
صلوات الله عليه، كان مؤمناً بالتوراة مقرًّا
بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء
كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من
كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع
أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك. مع
أنّ عيسى كان - فيما بلغنا - عاملًا بالتوراة
لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفّف
(٢) المحرر الوجيز ١ / ٤٣٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤٤.
www. modoee.com
١٧٩

حرف التاء
الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددًا للأول؛ لأن في الأول إخبارًا بأن عيسى
علیھم فیها))(١).
ويقول الرازي: ((اعلم أنه عليه السلام
لما بين بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولا
من عند الله تعالى، بين بعد ذلك أنه بماذا
أرسل، وهو أمران، أحدهما: قوله: ومصدقًا
لما بين يدي من التوراة ... ، وأنه يجب على
كل نبي أن يكون مصدقًا لجميع الأنبياء
عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم
هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز،
وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن
عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقًا
لموسى بالتوراة، ولعل من جملة الأغراض
في بعثة عيسى عليه السلام إليهم؛ تقرير
التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات
الجاهلين، وأما المقصود الثاني من بعثة
عيسى عليه السلام قوله: ولأحل لكم بعض
الذي حرم عليكم)»(٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى ءَاثَزِهِم بِعِيسَى
أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ وَءَاتَيْنَهُ
اَلْإِنِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّهِ
مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
[المائدة: ٤٦].
قال القنوجي: ((أي: مصدقًا وهاديًا
وواعظًا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. وهذا ليس بتكرار
(١) جامع البيان ٦/ ٤٣٨.
(٢) مفاتيح الغيب ٨/ ٢٣٠.
مصدق لما بين يديه من التوراة، وفي الثاني
إخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة، فظهر
الفرق بينهما)» (٣).
قال ابن كثير: ((﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَنَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾، أي: متبعًا
لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما
بيّن لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون
فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه
قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى
﴾؛ ولهذا كان المشهور من
عَلَيْكُمْ
عُرِّ
قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام
التوراة)» (٤).
فعلم أن عيسى عليه السلام كان مؤمنًا
بالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام،
متبعًا لها، لم يخالفها إلا في أشياء قليلة.
، وعيسى وجميع الأنبياء كان
دينهم الإسلام العام، وهو: توحيد الله عز
وجل، وعبادته وحده لا شريك له، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّالدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل
عمران: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَِدِينًا
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
﴾ [آل عمران: ٨٥].
٨٥ ٢
وقال عن نوح عليه السلام: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ
(٣) فتح البيان في مقاصد القرآن ٣/ ٤٣٩.
(٤) تفسير القرآن العظيم ١٢٦/٣.
١٨٠
القرآن الكريم

النورارة
أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢].
وقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿مَا كَانَ
إَِهِيمُ يَهُوِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حِيفًا مُسْلِمًا
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: ٦٧].
وقال عن موسى عليه السلام: ﴿وَقَالَ
مُوسَى يَوْمِ إِنْ كُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيَّهِ تَوَكَُّواْ إِن كُم
مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: ٨٤].
وقال عن يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِى
مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
فلا يقال: دين موسى عليه السلام
اليهودية، بل دينه الإسلام، وأتباعه سموا
بالیھود؛ إما لقولهم: هدنا إليك، أي: تبنا
ورجعنا، أو نسبة ليهوذا أكبر أولاد يعقوب
عليه السلام، وكذلك دين عيسى عليه السلام
الإسلام، وليس النصرانية، والنصارى هم
أتباعه الذین نصروه وآزروه.
لكنه عليه السلام كان متبعًا للتوراة حافظًا
لها مقرًّا بها؛ لأنه من جملة بني إسرائيل
الذين أرسل فيهم موسى عليه السلام، ثم
أنزل الله عليه الإنجيل، وفيه تصديق لما
في التوراة، كما سبق. فنبي الله عيسى عليه
السلام من بني إسرائيل من غير خلاف،
«لا ريب أن قوم موسى عليه السلام هم بنو
إسرائيل، وبلسانهم نزلت التوراة، وكذلك
بنو إسرائيل هم قوم المسيح عليه السلام،
وبلسانهم كان المسيح يتكلم)»(١).
(١) الجواب الصحيح، ابن تيمية ٢/ ٩٤.
صفات الرسول الكريم وأتباعه في التوراة
قال ابن القيم: ((لو لم يظهر محمد بن عبد
الله صلی الله علیه وسلم لبطلت نبوة سائر
الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لشهادتهم
وشهادة لهم بالصدق، فإرساله من آيات
الأنبياء قبله، وقد أشار سبحانه إلى هذا
المعنى بعينه في قوله: ﴿بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ
الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الصافات: ٣٧]))(٢).
فلقد جاءت صفات الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم وصفات الذين على
دينه في التوراة، إلى أن وصل الحد بيني
إسرائيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ
يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمَّ وَإِنَّ فَرِيقًا
مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١)﴾
[البقرة: ١٤٦].
وفيما يلي بيان لبعض صفاته وصفات
الذين معه كما وردت في التوراة.
أولًا: صفات الرسول الكريم في
التوراة:
إنّ وصف النبي في التوراة واضحٌ وضوح
الشمس في رابعة النهار، ويدل على ذلك
قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّىَّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْثُوبًا عِندَهُمْ
فِي التَّوْرَكَةِ وَآلْإِنْجِلِ يَأْمُرُهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ
(٢) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
٢/ ٥٢٥.
www. modoee.com
١٨١

حرف التاء
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِّكَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّدُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
١٥٧
الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَدُّ أُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[الأعراف: ١٥٧].
قال ابن کثیر:«وهذه صفة محمد صلی
الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، بشروا
أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل
صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم
وأحبارهم»(١).
قال أبو السعود في معرض صفاته
المذكورة في الآية: «فإن ما بيّن فيه: من الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحلال
الطيبات، وتحريم الخبائث، وإسقاط
التكاليف الشاقة؛ كلّها من آثار رحمته
الواسعة» (٢).
ولقد جاءت صفات النبي صلى الله
عليه وسلم في التوراة كما جاءت في
القرآن، ويظهر ذلك في الحديث الذي
أخرجه البخاري في صحيحه (عن عطاء
بن يسار، قال:لقيت عبد الله بن عمرو بن
العاص رضي الله عنهما، قلت:أخبرني عن
صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في
التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في
(١) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ٤٨٣.
(٢) إرشاد العقل السليم ٣/ ٢٧٩.
التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي
إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا، وحرزًا للأميين،
أنت عبدي ورسولى، سميتك المتوكل، ليس
بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا
يدفع بالسيئة السیئة، ولکن یعفو ويغفر، ولن
يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن
يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا،
وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا)(٣).
فلقد جمع هذا الحدیث الکثیر من صفاته
صلى الله عليه وسلم في التوراة، وفي القرآن
والسنة نظير لها، وفيما يلي تفصيل ذلك:
الوصف الأول: (يا أيها النبي إنا أرسلناك
شاهدًا ومبشرًا)، ويناظره في القرآن: قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا
وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥﴾ [الفتح: ٨].
الوصف الثاني: (حرزًا للأميين)، أي:
حصنًا للأميين، وهم: الذین لا کتاب لهم
من العرب وغيرهم، ويقابله في القرآن قوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمَّبِعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾
[الجمعة: ٢].
الوصف الثالث: (أنت عبدي ورسولي)،
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (إنّا أرسلناك شاهداً ومبشّرًا
ونذيرًا)، رقم ٢١٢٥، ٣/ ٦٦.
١٨٢
مُوسُوابَرُ النَّفسبير
جوب
القرآن الكريم