النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ التَّة عناصر الموضوع مفهوم التوراة ١٤٤ التوراة في الاستعمال القرآني ١٤٦ الألفاظ ذات الصلة ١٤٧ اقتران التوراة بالإنجيل في القرآن ١٥٠ ١٥٨ تلقي موسى عليه السلام ألواح التوراة ١٦٣ صفات التوراة في القرآن ١٦٧ الأحكام التشريعية في التوراة ١٧١ الربانيون والأحبار وحفظ التوراة ١٧٩ عيسى عليه السلام والتوراة المُجَلَدَ العَاشِرْ حرف التاء مفهوم التوراة أولًا: المعنى اللغوي: قال أبو حيان: ((التّوراة: اسمٌ عبرانيٌّ، وقد تكلّف النحاة في اشتقاقها، وفي وزنها، وذلك بعد تقرير النّحاة أنّ الأسماء الأعجميّة لا يدخلها اشتقاقٌ، وأنّها لا توزن، يعنون اشتقاقًا عربيًّا))(١). وقال الطاهر بن عاشور: ((هو اسمٌّ عبرانيٌّ أصله (طورا) بمعنى الهدى، والظّاهر أنّه اسمٌ للألواح الّتي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطّور؛ لأنّها أصل الشّريعة التي جاءت في كتب موسى، فأطلق ذلك الاسم على جميع كتب موسى، واليهود يقولون (سفر طورا) فلمّا دخل هذا الاسم إلى العربيّة أدخلوا عليه لام التّعريف الّتي تدخل على الأوصاف والنكرات لتصير أعلامًا بالغلبة: مثل العقبة))(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: جاء في تفسير المنار: ((أما التوراة في عرف القرآن فهي ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليبلغه قومه لعلهم يهتدون به))(٣) وقيل: ((التوراة اسمٌ للكتاب المنزّل على موسى عليه السلام)) (٤). قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّتَنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقد أمر الله كثيرًا من الأنبياء بعد موسى بتبليغها؛ قال الرازي: ((قوله ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، حتى يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها، ويحرموا حرامها))(٥). ولقد اعتمد اليهود تسعة وثلاثين سفرًا أطلق عليها اسم (العهد القديم)، ويعتبرونها (١) البحر المحيط، أبو حيان، ٣/ ٥. (٢) التحرير والتنوير، ١٤٨/٣. (٣) المنار، محمد رشيد رضا ٣/ ١٢٩. (٤) المصدر السابق. (٥) انظر: مفاتيح الغيب ١٢/ ٣٦٥، التحرير والتنوير ٦/ ٢٠٨. مُوسُو ◌َ النَِّّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٤٤ التوزارة أسفارًا مقدسة، أي: موصى بها، ويطلقون على خمسة منها إطلاقًا حقيقيًّا اسم التوراة، أو كتب موسى؛ لأنها في زعمهم قد أنزلها الله على موسى عليه السلام وكتبها موسى بنفسه، وهذه الأسفار الخمسة هي: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر التثنية، وسفر اللاويين، وسفر العدد. ولا علاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي؛ لكون اللفظة أصلها أعجمية ثم عربت. www. modoee.com ١٤٥ حرف التاء التوراة في الاستعمال القرآني وردت التوراة في القرآن (١٨) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الاسم ١٨ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنَزَّلَ التَّوْرَةَ وَاَلْإِغِيلَ ﴾ [آل عمران: ٣] وجاءت التوراة في الاستعمال القرآني اسمًا للكتاب الذي أنزله الله على نبيه موسى عليه السلام (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٥٨. (٢) انظر: تفسير ابن عطية ١/ ٣٩٨، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٦٨. ١٤٦ جَوَسُولَةُ النَّقية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ النورارة الألفاظ ذات الصلة القرآن: ١ القرآن لغة: القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، وقرأت الشيء قرآنًا: جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمّي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمّها (١). القرآن اصطلاحًا: كلام الله تعالى، المنزّل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، المتعبّدُ بتلاوته، المنقولُ إلينا بالتواتر، المقروءُ في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة، والمنتهي بسورة الناس))(٢). الصلة بين التوراة والقرآن: تتفق الكلمتان في كونهما كلام الله المنزل من عنده بواسطة جبريل لتبليغه للناس، وتختلفان في اللغة، والإعجاز، والتحريف؛ فالتوراة نزلت على موسى عليه السلام بالعبرية غير معجزة، ولم يتكفل الله بحفظها، فدخل عليها التحريف، بينما القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالعربية، وهو معجز، وقد تكفل الله بحفظه؛ فهو بعيد عن التحريف. الإنجيل: ٢ الإنجيل لغةً: قال ابن منظور: ((الإنجيل: كتاب عيسى، على نبيّنا وعليه -الصّلاة والسّلام-، يؤنث ويذكّر، فمن أنّث أراد الصّحيفة، ومن ذكّر أراد الكتاب)) (٣). ويجمع على أناجيل. وقد اختلف العلماء في أصله اللغوي، وهل هو عربي أو معرّب، والراجح هو أن كلمة الإنجيل معرّبة. الإنجيل اصطلاحًا: كلمة إنجيل إذا أطلقت فلها معنيان: (١) انظر: الصحاح، الجوهري، ١/ ٦٤، مجمل اللغة، ابن فارس، ١ / ٧٥٠. (٢) انظر: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية، صالح الفوزان، ص٦٦. (٣) لسان العرب، ٦٤٨/١١. www. modoee.com ١٤٧ حرف التاء الأول: الكتاب المنزل من عند الله تعالى على المسيح عليه السلام، وهو مفقود، ولم يبق منه إلا نتف قليلة مما بين أيدي النصارى الآن، قال الطاهر بن عاشور في تعريفه بهذا المعنى: ((اسمٌ للوحي الّذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه))(١). الثاني: الإنجيل الذي تعظّمه النصارى الآن، وهو عبارة عن ((أربعة كتبٍ تعرف بالأناجيل الأربعة)». الصلة بين التوراة والإنجيل: تتفق التوراة والإنجيل في کونهما کلام الله أنزله من عنده على أنبيائه لتبليغه بني إسرائيل، وهما غير معجزين، ولم يتكفل الله بحفظهما، ويختلفان بأن التوراة أنزلت على موسى، بينما الإنجيل أنزل على عيسى عليهما السلام. الزبور: ٣ الزبور لغةً: قال ابن فارس: (زبر) «الزاي والباء والراء أصلان: أحدهما يدل على إحكام الشيء وتوثيقه، والآخر يدل على قراءة وكتابة وما أشبه ذلك، زبرت الكتاب، إذا كتبته، ومنه الزبور))(٢). وقال الكفوي: ((كل كتاب غليظ الكتابة يقال له زبور))(٣). الزبور اصطلاحًا: هو كلام الله المنزل وحيًا على رسوله داود عليه السلام ليبلغه لقومه. الصلة بين التوراة والزبور: تتفق التوراة والزبور في کونهما کلام الله أنزله من عنده على أنبيائه لتبليغه بني إسرائيل، وهما غير معجزين، ولم يتكفل الله بحفظهما، ويختلفان بأن التوراة أنزلت على موسى، بينما الزبور أنزل على داود عليهما السلام. (١) التحرير والتنوير، ١٤٩/٣. (٢) مقاييس اللغة ٣/ ٤٥. (٣) الكليات، ص٤٨٦. مُوسُوبة النفسية العضوي القرآن الكريم ١٤٨ التوراة صحف إبراهيم وموسى: ٤ الصحف لغةً: قال ابن فارس: ((الصاد والحاء والفاء أصل صحيح يدل على انبساط في شيء وسعة. يقال: إن الصحيف: وجه الأرض، ومن الباب: الصحيفة، وهي التي يكتب فيها، والجمع: صحائف، والصحف أيضًا، كأنه جمع صحيف))(١). الصحف اصطلاحًا: وهي كلام الله الذي أنزله على نبيه إبراهيم، وتسمى صحف إبراهيم، وكلام الله المنزل على موسى، وهو التوراة، وتسمى صحف موسى، وهو مذهب أكثر المفسرين، والله أعلم. عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت ﴿سَيِّح ◌ُسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: ١] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلها في صحف إبراهيم وموسى)(٢). الصلة بين التوراة وصحف إبراهيم وموسى: مما سبق يتضح أنه لا فرق بين التوراة وبين صحف موسى، فهما اسمان لمسمى واحد، أما صحف إبراهيم؛ فقد قال ابن عاشور: ((وأما صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة، وقدرت بعشر صحف، أي مقدار عشر ورقات بالخط القديم، تسع الورقة قرابة أربع آيات من آي القرآن، بحيث يكون مجموع صحف إبراهيم مقدار أربعين آية»(٣). (١) مقاييس اللغة ٣/ ٣٣٤. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، رقم ٢٩٣٠، ٢/ ٢٥٨. (٣) التحرير والتنوير ٢٧/ ١٣٠. www. modoee.com ١٤٩ حرف التاء اقتران التوراة بالإنجيل في القرآن اقترن ذكر التوراة والإنجيل في القرآن ست مرات؛ وفي ذلك إشارة لأمر معين ولحكمة معينة؛ فالتوراة والإنجيل نزلتا على بني إسرائيل، ((فالرسالة التي أنزلت على عيسى عليه السلام، مكمّلة لرسالة موسى عليه السلام، ومتممة لما جاء في التوراة من تعاليم، موجهة إلى بني إسرائيل، داعية إلى (١) التوحيد والفضيلة والتسامح)»( فالتوراة أصل كالقرآن؛ قال ابن تيمية: ((والقرآن أصل كالتوراة وإن كان أعظم منها؛ ولهذا علماء النصارى يقرنون بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال النجاشي ملك النصارى لما سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.))(٢). ولشيخ الإسلام في هذا الأمر كلام نفیس حيث قال: لقد علّم الله المسيح التوراة والإنجيل. ﴿وَيُعَلِّمُهُ اَلْكِنَبَ قال تعالى: [آل وَاُلْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِيلَ ﴾ عمران: ٤٨]. ومن المعلوم أنه لولا أنه متبع لبعض ما في التوراة لم يكن تعلمها له منّة؛ ألا ترى أنا (١) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ٢ / ٥٦٤. (٢) الجواب الصحيح ١ / ١١٦. نحن لم نؤمر بحفظ التوراة والإنجيل وإن كان كثير من شرائع الكتابين يوافق شريعة القرآن؛ فهذا وغيره يبين ما ذكره علماء المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة، وأكثر الأحكام يتبع فيها ما في التوراة، ويهذا يحصل التغاير بين الشرعتين. ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها كما يحفظون الإنجيل، ولهذا لما سمع النجاشي القرآن قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشکاة واحدة، وكذلك ورقة بن نوفل قال للنبي صلی الله علیه وسلم -لما ذکر له ما یأتیه- قال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسی. وكذلك قالت الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ هُمُّ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوْنِى مُوسَىَّ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَّا أُوِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨]. فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل، والإنجيل تبع لها في کثیر من الأحکام، وإن کان مغایرًا لبعضها؛ فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِلَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَّنَةَ وَالْإِنْجِيلَ ١٥٠ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم التوزارة [آل عمران: ٣]. ٣ وقال: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى النَّوْرَنةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ [التوبة: ١١١]، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لحكمة، وهي: أن الإنجيل من وجه أصل ومن وجه تبع، بخلاف القرآن مع التوراة؛ فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن کان موافقًا للتوراة في أصول الدين و کتبه من الشرائع، والله أعلم(١). كما ارتبط إنزال التوراة والإنجيل بكيفية واحدة، وهي النزول كاملة غير منجمة بخلاف القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِلَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَّلَ التَّوْرَنَّةَ وَاَلْإِنجِيلَ ﴾ [آل عمران: ٣]. القرآن قال الرازي: ((وإنما خص بالتنزيل، والتوراة والإنجيل بالإنزال، لأن التنزيل للتكثير، والله تعالى نزل القرآن نجمًا نجمًا، فكان معنی التکثیر حاصلا فيه، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة، فلهذا خصهما بالإنزال))(٢). وقال أبو السعود: ﴿وَأَنْزَّلَ التَّوْرَنَّةَ وَالْإِنِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]. تعيينٌ لما بين يديه، وتبيينٌ لرفعة محلّه، تأكيدًا لما قبله وتمهيدًا لما بعده؛ إذ بذلك یترقی شأن ما (١) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ١٦/ ٤٥. (٢) مفاتيح الغيب ٧/ ١٣٠. يصدّقه رفعةٌ ونباهةً، ويزداد في القلوب قبولا ومهابةً، ویتفاحش حال من کفر بهما في الشناعة واستتباع ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام، أي أنزلهما جملةً على موسى وعيسى عليهما السّلام، وإنما لم يذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزلا عليه(٣). ومن أركان العقيدة الإسلامية الإيمان بجميع الكتب السماوية. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَلْكِتَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ. وَاَلْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ فَقَدْ صَلَ ضَلَلاَ بَعِيدًا ﴾ [النساء: ١٣٦]. والإيمان بها يعني الإيمان بصحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على سيدنا موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والقرآن الكريم على سيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين، هذا مع الانتباه الشديد إلى أمرين: أولًا: أننا نؤمن أن هذه الکتب بأصلها من عند الله إلا أن يد البشر امتدت إليها، تعبث وتحرف، وتؤول وتغير، كما أخبرنا القرآن الكريم عن أهل الكتاب، ثانيًا: أن القرآن هو المنهاج الرباني الأخير للبشر، وهو آخر أمر يسأل الله عنه البشر يوم القيامة، فنزل القرآن ناسخًا لما قبله، مهيمنا (٣) إرشاد العقل السليم ٢/ ٤. www. modoee.com ١٥١ حرف التاء على ما قبله من الكتب. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: ٤٨]. وسیتناول هذا المبحث: وجوب الإیمان بالكتب المنزلة، والکفر بإحداها کفر بها جميعًا، والإيمان بأن التوراة كتاب منزل من عند الله سبحانه وتعالى، وتصديق الإنجيل والقرآن للتوراة المنزلة، ثم القرآن مكذّب للتوراة المحرفة، وفيما يلي تفصيل ذلك(١). أولًا: وجوب الإيمان بالكتب المنزلة والكفر بإحداها كفر بها: جاء ذكر الإيمان بالكتب السماوية في القرآن في صيغة الأمر تارة، وصفة للمؤمنين تارة أخرى، وبوصف الكفر لمن لم يؤمن بها تارة ثالثة. فصيغة الأمر في قوله تعالى: ﴿قُولُوا ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَّا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمْ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ زَّيِّهِمْ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: ١٣٦]. أما وصف المؤمنين بأنهم هم الذين يؤمنون بالكتب المنزلة كلها ففي قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن (١) انظر: موقع د. محمد راتب النابلسي. مَؤُوابَرُ التَفيِ الوَضوي القرآن الكريم رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ، وَكُهِ. وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. أما وصف الذين لا يؤمنون بالکتب کلها أو الذين يؤمنون ببعضها ويكفرون ببعض بأنهم كفار ففي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاَ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. ومفهوم هذه الآيات وأمثالها، سواء كانت أمرًا مباشرًا أو وصفًا للمؤمنين أو وصفًا للكافرين، هو أن الإيمان بالكتب السماوية كلها أمر واجب لا يتم إيمان المرء إلا به. إنّ الكتب السماوية كلها تحتوي على حقيقة واحدة، هي الأمر بعبادة الله وحده ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ ٢٥ [الأنبياء: ٢٥](٢). والإيمان بالكتب ينقسم إلى: إيمان إجمالي، وإيمان تفصيلي؛ فالإيمان الإجمالي: وجوب الإيمان بكلّ كتابٍ أنزله الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ﴾ [الشورى: ١٥]. فكل كتاب يجب على العباد أن يؤمنوا به، علموه أم لم يعلموه. (٢) انظر: كائز الإيمان، محمد قطب، ص١٨١. ١٥٢ التوراة والإيمان التفصيلي: وهو الإيمان بكل ما أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن، ثم بين أنه إنما أنزلهما هدى للناس»(٣). سمى الله من كتبه على وجه التفصيل، وقد علمنا من ذلك: القرآن والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأن لله سوی ذلك کتبًا أنزلها علی أنبياءه، لا یعرف أسماءها وعددها إلا الذي أنزلها (١). ثانيًا: الإيمان بأن التوراة كتاب منزل من عند الله سبحانه وتعالى: تمتاز العقيدة الإسلامية بالتكامل؛ فهي عقيدة متكاملة، فالإيمان بالكتب السماوية، يتضمن جميع الكتب، ما علمنا وما لم نعلم، ومن هذه الكتب: التوراة؛ فقد وردت آيات کثیرة تتحدث عن إنزال التوراة. قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَّةَ وَالْإِنِيلَ [آل عمران: ٣]. وقال ايضًا: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِ إِبَهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَنَةُ وَاْإِنجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِيِةُ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ٦٥ [آل عمران: ٦٥]. قال السمر قندي: ((يعني أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل هذا الكتاب)» (٢) وقال الرازي: ((فاعلم أنه تعالى بين أنه (١) انظر: دراسات في العقيدة، سعد عاشور ص٢١٠. (٢) تفسير السمر قندي ١/ ١٩٣. وقالت نعمة النخجواني: ((وأنزل أيضًا التّوراة والإنجيل على موسى وعيسى عليهما السّلام مصدقين كذلك لعموم ما مضى من الكتب السابقة، ﴿مِنْ قَلُ﴾ أي: قبل إنزال القرآن عليك، ومن سنته سبحانه إنزال اللاحق مصدقًا للسابق، لكون الكل هدىّ للنّاس أي نازلًا من عنده سبحانه لمصلحة الهداية، يهديهم الى توحيده الذاتي عند ظهور أمارات الغي والضلال)) (٤). ولقد ذم الله اليهود حيث لم يؤمنوا بما جاء في توراتهم. قال تعالى: ﴿وَكَفَ يُحْكِمُونَكَ وَعِنْدَهُ التَّوْرَنَّةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَّلَّوْنَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ )﴾ [المائدة: ٤٣]. قال المراغي: ((إن أمرهم لمن أعجب العجب، وما سبب ذلك إلا أنهم ليسوا مؤمنين بالتوراة إيمانًا صحيحًا، ولا هم مؤمنین بك، إذ المؤمن بشرع لا يرغب عنه إلى غيره إلا إذا آمن بأن ما رغب إليه شرع من الله أيضًا، أيّد به الأول، أو نسخه لحكمة اقتضت ذلك، ولكن هؤلاء تركوا حكم التوراة التي يدعون الإيمان بها؛ لأنه لم يوافق (٣) مفاتيح الغيب ٧/ ١٣٢. (٤) الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية ١/ ٩٨. www. modoee.com ١٥٣ حرف التاء أهواءهم وجاءوك يطلبون حكمك، رجاء أن بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًالِّمَا مَعَهُمْ ﴾ [البقرة: ٩١]. يوافق أهواءهم، ثم يتولون ویعرضون عنه، إذ لم يأت وفق مرادهم»(١). ثالثًا: تصديق الإنجيل والقرآن للتوراة المنزلة: جاء القرآن مؤيدًا للحق الذى ورد في الكتب السماوية من عبادة الله وحده، والإيمان برسله، والتصديق بالجزاء، ورعاية الحق والعدل، والتخلق بالأخلاق الصالحة؛ وهو في الوقت ذاته مهيمنٌ عليها، ومبينٌ ما وقع فيها من أخطاء وأغلاط، وتحريف وتصحیف، وتغيير وتبديل. وإذا انتفت هذه الأخطاء التي أدخلها رجال الدين على الكتب السماوية وزوروها على الناس باسم الله، ظهر الحق، واستبان، والتقى القرآن مع التوراة والإنجيل. قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لَسْتُمْ عَى شَىْءٍ حَّ تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنْجِلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وإقامتها لا تتحقق إلا بعد تطهيرها من الزيف (٢). ولقد جاءت الآيات تؤكد على تصديق القرآن للتوراة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ (١) تفسير المراغي ٦/ ١٢١. (٢) انظر: العقائد الإسلامية، سيد سابق، ص ١٦٨. وقال أيضًا: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ ءَامِنُواْبِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧]. وقال أيضًا: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ ( [آل عمران: ٣]. قال الطبري: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني بذلك القرآن، أنه مصدق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده (٣). وقال السمعاني: ((القرآن مصدق لما قبله من التوراة والإنجيل»(٤). وقال السعدي: ((فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون»(٥) . والإنجيل أيضًا جاء مصدقًا للتوراة؛ قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِشْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [آل عمران: ٥٠]. وفي مفهوم هذه الآية أيضًا تصديق عيسى للتوراة كما قال الطبري: ((وإنما قيل: (٣) جامع البيان ٦/ ١٦٠. (٤) تفسير القرآن ١/ ٢٩١. (٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٢١. ١٥٤ القرآن الكريم التوراة ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَنَّ مِنَ التَّوْرَئَةِ﴾؛ لأن عيسى صلوات الله عليه، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًّا بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك، مع أنّ عیسی کان -فيما بلغنا- عاملًا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفّف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددا علیهم فيها))(١). وقال ابن عطية: ((وكان عيسى عليه السلام مصدقًا للتوراة متبعًا عاملًا بما فيها، قال وهب بن منبه: كان يسبت، ويستقبل بیت المقدس»(٢). يكون مصدقًا لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقًا لموسى بالتوراة، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم: تقرير التوراة، وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين))(٣). ولقد جاء القرآن مهيمنًا على جميع الكتب السابقة، أي: رقيب عليها، لأنه (١) جامع البيان، الطبري ٦/ ٤٣٨. (٢) المحرر الوجيز ١ / ٤٤١. (٣) مفاتيح الغيب ٨/ ٢٣٠. یشهد بصحتها، ویقرر أصولها، وما یتأبد من فروعها، ويبيّن أحكامها المنسوخة بتعين وقت انتهاء مشروعيتها، أو على معنى أنه أمين عليها، فما أخبر عن صدقه مما ورد فيها صدّق، وما أخبر بزیفه فهو باطل أو على معنى أنه الحافظ لها، فهو الذي حفظ ما جاء فيها من التوحيد، وكليات الدين إلى يوم القيامة، أو علی معنی أنه دال على صدقها، أي هو دليل على أنها من عند الله، لأنه جاء كما نعتته هذه الكتب، قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبٍ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. قال الطبري: ((أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، یا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، عليها، حافظًا لها)»(٤). وقال الرازي: ((يجب على كل نبي أن وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا وقال الزمخشري: ((مهيمنا ورقيبًا على سائر الكتب؛ لأنه يشهد لها بالصحة والثبات)»(٥). قال الواحدي: ((أي: شاهدًا وأمينًا وحفيظًا ورقيبًا على الكتب التي قبله))(٦). رابعًا: القرآن مكذّب للتوراة المحرفة: أنزل الله التوراة على اليهود، فحرفوها وخلطوا الحق بالباطل. (٤) جامع البيان ١٠/ ٣٧٧. (٥) الكشاف ١/ ٦٤٠. (٦) الوجيز ٣٢٢. www. modoee.com ١٥٥ حرف التاء ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ أَلْحَقَّ قال تعالى: بَلْبَطِلِ وَتَكْثُمُوا أَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٤٢]. ولم يتكفل الله بحفظ التوراة، لكنه فند لنا كذب اليهود وافتراءهم علیه وعلى أنبيائه في كثيرٍ من الآيات، نقف على بعض الأمثلة. المثال الأول: وصفوا الله بأنه ندم على فعله؛ فمن ذلك قولهم: ((فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه))(١). وقد كذبهم الله في ذلك فقال: ﴿لَا يُسَْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وقال أيضًا: ﴿قُلّ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُ رَبِى لَوَّلاً دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان: ٧٧]. وهل يندم إلا الغر الجاهل بالعواقب، والله عز وجل منزه عن ذلك (٢). المثال الثاني: وصفهم الله عز وجل بالتعب، فقد زعم اليهود في كتابهم أن الله عز وجل تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع، فقد ورد في توراتهم المحرفة ما نصه: ((وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل))(٣). (١) سفر الخروج ١٤/٣٢. (٢) دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، سعود الخلف، ص ١٠٦. (٣) سفر التكوين ٢/٢. وورد أيضًا: «لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفس»(٤). وقد ردّ الله عز وجل عليهم، وبيّن بطلان قولهم هذا في قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ ◌ِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَنَا مِن لُغُوبٍ ٣٨ [ق: ٣٨]. المثال الثالث: تزعم التوراة أن بني إسرائيل رأوا الله عز وجل، فتقول: ((لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء)»(٥)، ((وفيها ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله، وأكلوا وشربوا)) (٦)، وجاء أيضًا: ((ویكلم الرب موسى وجهًا لوجه، کما یکلم الرجل صاحبه)»(٧). وقد فند القرآن كذبهم فقال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنتُمْ نَنْظُرُونَ [البقرة: ٥٥]. وقال أيضًا: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لَّمِيقَتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبٍّ لَوْ (٤) سفر الخروج ١٧/٣١. (٥) سفر الخروج ١٩/ ١١. (٦) سفر الخروج ٢٤/ ١٠. (٧) المصدر السابق ١٣ / ١١. مُوسُو ◌َر التفسير جوبيو القرآن الكريم ١٥٦ التوزارة شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّنِىِّ أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء: ٢-٣](٢). السُّفَهَآءُ مِنَّ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. بل إن موسی علیه السلام نفسه لم ير الله عز وجل كما قال القرآن الكريم: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ, قَالَ رَبِّ أُرِبِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَِ وَلَكِنْ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَنِيَّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣]. المثال الرابع: ولقد اعتدوا على أنبياء الله، فقالوا عن نوح عليه السلام: ((وابتدأ نوح یکون فلاحًا، وغرس کرمًا، وشرب من الخمر وتعری داخل خبائه»(١). هكذا وصفوا نبي الله نوحًا عليه السلام وهو أول أنبياء الله إلى المشركين، والذي دعا قومه إلى دين الله ألف سنة إلا خمسين عامًا كما ذكر الله عز وجل، حيث قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَِّلََّ خَسِيْنَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ اُلُّوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ١٤]. ولقد امتن الله على بني إسرائيل أنهم ذرية ذلك العبد الصالح نوح عليه السلام فقال تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِّبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا ) ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ. (١) سفر التكوين ٢٠/٩. المثال الخامس: زعموا أن هارون عليه السلام هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته، فقالوا: ((ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل، اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا ... فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في أذان نسائكم وبنیکم وبناتكم وأتوني بها .... فأخذ ذلك من أيديهم، وصوره بالإزميل، وصنعه عجلاً مسبوكًا، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل)) (٣). وقد بين الله عز وجل في القرآن أن الذي صنع لهم العجل هو السامري، فقال عز وجل: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ ﴾ [طه: ٨٥]. أما هارون عليه السلام فقد قام بواجبه من ناحية نهيهم عن عبادة العجل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَّمْ هَرُونٌ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بٌِّ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأَِّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى ﴾ [طه: ٩٠]. (٢) انظر: الأديان والمذاهب، جامعة المدينة، ص١٥٧. (٣) سفر الخروج ١/٣٢. www. modoee.com ١٥٧ حرف التاء تلقي موسى عليه السلام ألواح التوراة لقد أنزل الله على النبيين الرسالات، واختص موسى بالتوراة؛ ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]. والصحف؛ ﴿صُفٍ إِّهِيَمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٩]. والألواح؛ ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. وهناك من فرّق بینھم، قال ابن كثير: ((وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة))(١). ولم يثبت بخبرٍ صحيح أن التوراة غير الألواح وغير الصحف، بينما كثير من المفسرين اعتبروها شيئًا واحدًا. قال القرطبي: ((﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]: يريد التوراة)) (٢). قال السمعاني: ((في قوله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِ الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شىءٍ ﴾أراد به التوراة)»(٣). وقال الزحيلي: ((أنزل الله تعالى على موسى الألواح، وفيها التوراة المشتملة على أصول العقيدة والأخلاق والآداب والشريعة والأحكام المفصلة المبينة (١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٧٤. (٢) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٨١. (٣) تفسير القرآن ٢/ ٢١٤. الحلال والحرام» (٤). ((وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح، ويصفها بعضهم أو صافًا مفصلة- نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير - ولا نجد في هذا کله شيئًا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه، وما تزيد تلك الأوصاف شيئًا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح، أما ما هي، وکیف کتبت، فلا يعنينا هذا في شيء، بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء))(٥). وما ذكره القرآن بشأنها هو تلقي موسى عليه السلام لها، وذهابه بها إلى قومه، ثم إلقائها عند غضبه منهم، وفيما يلي تفصيل ذلك. أولًا: موسى عليه السلام يتلقى الألواح على جبل الطور: لقد تلقى موسى الألواح عند ذهابه لمیقات ربه على جبل الطور. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءُ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَنىِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَئِفِيَّ فَلَمَّا تَّجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفَاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ (٤) التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ٨٧. (٥) انظر: في ظلال القرآن ٣/ ١٣٧٠. ١٥٨ الوضوء مُوسُوبة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التوزارة سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَمُوسَى إِنِّي أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ١٤٣ بِسَلَكِ وَبِكَلَِّى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَّكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٣ -١٤٤]. بعد أن ذكر الله ما أنعم به على بنى إسرائيل، من النجاة من العبودية، ومن جعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما يشرعه الله لها من العبادات والأحكام، ذكر هنا بدء وحي الشريعة لموسى عليه السلام، ممتنّاً عليهم بما حصل لهم من الهداية بتكليم موسى وإعطائه التوراة، وفيها تفاصیل شرعهم وبیان ما یقرّبهم من ربهم من الأحكام، وقد روي أن موسى عليه السلام وعد بنی إسرائیل وهو بمصر، إن أهلك الله عدوهم أتاهم بکتاب من عند الله؛ فیه بيان ما یأتون وما یذرون، فلما هلك فرعون سأل موسی ربه الکتاب، فبینت هذه الآيات کیفیة نزول هذا الكتاب، وهو التوراة (١). قال الواحدي: ((ولمّا جاء موسى في الوقت الذي وقّتنا له، وسمع كلام الله، قال: ربّ إنّي قد سمعت كلامك فأنا أحبّ أن أراك، قال: لن تراني في الدّنيا، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك وهو الجبل، فإن استقرّ مكانه أي: سكن وثبت، فسوف تراني، وإن لم يستقرّ مكانه فإنّك لا تطيق رؤيتي، کما أنّ الجبل لا يطيق رؤيتي، فلما (١) انظر: تفسير المراغي ٩/ ٥٥. ظھر وبان جعله دًا، أي: مدقوقًا مع الأرض کسرًا ترابًا، وسقط موسی مغشيًا عليه، فلما أفاق قال: سبحانك! تبت إليك من مسألتي الرؤية في الدّنيا، وأنا أوّل قومي إيمانًا، قال: يا موسى إني اتّخذتك صفوةً على الناس بوحيي، وكلّمتك من غير واسطة، فخذ ما آتيتك من الشّرف والفضيلة، وكن من الشاكرين لأنعمي في الدنيا والآخرة)»(٢). وقد أمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ ما في الألواح بقوة، لأن الأمور العقدية بحاجة للأخذ بقوة. قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَيِهَاً سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ١٤٥]. يقول سيد قطب: إن العقيدة أمر هائل عند الله، وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ الإنسان وحياته في هذه الأرض، وفي الدار الآخرة كذلك ... وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه، ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلًا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة (٢) الوجيز، ص٤١٢. www. modoee.com ١٥٩ حرف التاء والتميع والترخص(١). ثانيًا: موسى عليه السلام يذهب بالألواح إلى قومه: ولقد بدّلت بنو إسرائيل في غياب موسى عليه السلام لميقات ربه، فعبدوا العجل. قال تعالى: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِّيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوَأ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً أَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٤٨]. قال الثعلبي: ((وكانت بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية في الإسلام، وكان لهم يوم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي، فزامن ذلك عیدهم، فاستعاروا الحلي للقبط، فلما أخرجهم الله من مصر وغرق فرعون؛ بقيت تلك الحلي في أيديهم فاتخذ السامري منها عجلًا، وهو ولد البقر عجلًا جسدًا مجسّد لا روح فيه))(٢). فعبدوه، ثم تبین لهم الحق فندموا. قال تعالى: ﴿ وَلَا سُقِطَ فِى أَيَدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُواْ قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ [الأعراف: ١٤٩]. ١٤٩ قال القشيري: ((حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرّعوا كاسات الأسف ندمًا، واعترفوا بأنهم خسروا إن لم يتداركهم من (١) انظر: في ظلال القرآن ٣/ ١٣٧٠. (٢) الكشف والبيان ٤/ ٢٨٥. الله جميل لطفه)»(٣). ويقول ابن عطية: ((وقول بني إسرائيل ﴿لَین لَّمْ یَرْحَمْنَارَبُنَا ﴾ إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره عليهم، ورؤيتهم أنهم قد خرجوا عن الدين ووقعوا في الكفر))(٤). ولقد رجع موسى من ميقات ربه حاملًا الألواح لقومه. قال تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَقَ إِلَى قَوْمِهِ» غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ بَعْدِىّ أَعَجِلْتُمْ أَمَْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. يقول بعض المفسرين إن الله قد أخبره بصنيع قومه قبل عودته، قال الطبري: «لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومه، وأن السامري قد أضلهم، فكان رجوعه غضبان أسفًا لذلك))(٥). وقال البعض الآخر أنه عرف ذلك الصنيع بعد أن رآهم، قال الرازي مفصلًا المسألة: «اعلم أن قوله: ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا لا یمنع من أن یکون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل، ولا يوجب ذلك؛ لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك، فلهذا السبب اختلفوا فيه؛ فقال قوم: إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك. وقال أبو مسلم: بل كان عارفًا بذلك من قبل، وهذا أقرب. (٣) لطائف الإشارات ١/ ٥٧٢. (٤) المحرر الوجيز ٢ / ٤٥٦. (٥) جامع البيان ١٣/ ١٢٠. ١٦٠ القرآن الكريم التوراة ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله تعالى ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ يدل على أنه حال ما کان راجعًا کان غضبان أسفًا، وهو إنما كان راجعًا إلى قومه قبل وصوله إليهم، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالمًا بهذه الحالة. الثاني: أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات)»(١). قال السمعاني: «و کان موسی رجع نادمًا حزينًا يقول: ليتني كنت فيهم فلم يقع لهم ما وقع»(٢). وفي قول موسى لهم: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَقْرَ رَبِّكُمْ﴾، قال البيضاوي: ((أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين، وقدرتم موتي، وغیرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم»(٣). وقال الخازن: ((وقيل معناه: أعجلتم سخط ربكم بعبادة العجل» (٤). ويقول ابن كثير: (استعجلتم مجيئي إلیکم، وهو مقدر من الله تعالى))(٥). وخلاصة الأمر: أن موسى رجع من الطور بعد أن كلمه ربه، حاملًا ألواح التوراة، (١) مفاتيح الغيب ١٥ / ٣٧١. (٢) تفسير القرآن ٢/ ٢١٧. (٣) أنوار التنزيل ٣/ ٣٥. (٤) لباب التأويل ٢/ ٢٥٢. (٥) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٧٦. وقد استشاط غضبًا من قومه بسبب عبادتهم العجل. ثالثًا: مشهد إلقاء موسى عليه السلام للألواح عند غضبه من قومه: لقد عاد موسى من جبل الطور غضبان أسفًا حزينًا على ما صدر من قومه، ويصور لنا القرآن الكريم مشهد عودته غاضبًا مترجمًا غضبه بإلقاء الألواح، وجر رأس أخيه هارون. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ بَعْدِىّ أَعَجِلْتُمْ أَقَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهٍ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِى اْأَعْدَاءُ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ ) [الأعراف: ١٥٠]. لقد عاد موسی إلى قومه غضبان أشد الغضب، يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله، يبدو في قوله لقومه ﴿قْسَمَا خَلَقْتُهُونِي مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَْ رَبِّكُمْ﴾، ويبدو في فعله إذ يأخذ برأس أخیه یجره إليه ويعنفه، ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾، وحق لموسى عليه السلام أن يغضب، فالمفاجأة قاسية، والنقلة بعيدة: تركتكم على الهدى فخلفتموني بالضلال، وتركتكم على عبادة الله، فخلفتموني بعبادة عجل جسد له خوار. www. modoee.com ١٦١ حرف التاء ﴿وَأَلْقَى أَلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾، وهي حركة تدل على شدة الانفعال، فهذه الألواح هي التي كانت تحمل كلمات ربه، وهو لا يلقيها إلا وقد أفقده الغضب زمام نفسه، وكذلك أخذه برأس أخيه يجره إليه، وأخوه هو هارون العبد الصالح الطيب، فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة، ليسكن من غضبه، ويكشف له عن طبيعة موقفه، وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم. ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ﴾. وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم إلى العجل الذهب، حتى لهموا بهارون إذا حاول ردهم عن التردي والانتكاس. ﴿فَلَ تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾، وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة، حين يكون هناك الأعداء الذین یشمتون، ولا تجعلني مع القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق، فأنا لم أضل ولم أكفر معهم، وأنا بريء منهم، عندئذ تهدأ ثائرة موسى أمام هذه الوداعة وأمام هذا البيان، وعندئذ يتوجه إلى ربه، يطلب المغفرة له ولأخيه، ويطلب الرحمة من أرحم الراحمين. ﴿ قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَّخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ [الأعراف: ١٥١]. ١٥١ ٢٠ وهنا يجيء الحكم الفاصل من الله (١)، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيِّنَاهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَِّْى ٢) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا الْمُفْتَرِينَ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ زَّحِيمٌ ﴾ [الأعراف: ١٥٢ - ١٥٣]. واستكمالًا للمشهد، فلما هدأت نفس موسی وأذهب الله عنه الغضب عاد فأخذ الألواح. قال تعالى: ﴿وَلَمَّ سَكَتَ عَنْ تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ أَلْأَ لْوَاحٌ وَفِ نُتَّخَتِهَا هُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَزْهَبُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. ١٥٤) قال المراغي: ((أي ولما سكن غضب موسی باعتذار أخیه إلیه، ولجأ إلى رحمة ربه وفضله، وجار بالدعاء له أن يغفر له ولأخيه خطاياهما؛ عاد إلى الألواح فأخذها، وفيها الهدى والرشاد من بارئ النسم لمن يرهب الله، ویخشی عقابه، ویرجو ثوابه»(٢). (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٣٧٥. (٢) تفسير المراغي ٩/ ٧٦. ١٦٢ القرآن الكريم