النص المفهرس
صفحات 41-56
التقوى قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِهُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وهذه امرأة عمران تدعو الله تعالى أن يتقبل منها نذرها، فیکرمها الله تعالی بقبول نذرها. قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبِّ إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِّ وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ اُلَّكَوِ كَالْأُنْقَّ وَإِي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا [آل عمران: ٣٥ - ٣٧]. زَكَرِيًّا وهنا نقدر قيمة ما أعطى الله تعالى للمتقين من قبول العمل، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وذلك أن ابني آدم عليه السلام قربا قربانًا فقبل الله من أحدهما ولم يقبل من الآخر، فأراد الآخر قتل أخيه، فأخبره أن عدم قبوله؛ لانسلاخ نفسه من التقوى. قال الله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْقَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَّ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. قال أبو السعود: ((﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ اُلْمُتَّقِينَ﴾ لا من غيرهم، وإنما تقبل قرباني ورد قربانك؛ لما فينا من التقوى وعدمه، أي: إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فلم تقتلني؟! خلا أنه لم يصرح بذلك بل سلك مسلك التعريض؛ حذرًا من تهيج غضبه، وحملًا له على التقوى، والإقلاع عما نواه)(١). وقال الزمخشري: ((إنما أتيت من قبل نفسك؛ لانسلاخھا من لباس التقوى، لا من قبلي فلم تقتلني؟ وما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعةً إلا من مؤمن متقٍ))(٢). ٦. التقوى ميزان التفاضل بين العباد. خصلة التقوى هي التي يتم بها التفاضل عند الله تبارك وتعالى، فأكرم الناس عنده من کان تقیًا. ولا فضل لأي إنسان، ملكًا کان أو أمیرًا، صاحب مال أوجاه أو سلطان على غيره من الضعفاء والفقراء. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمٍمِّنْ ذَكَرٍ وَأَنْقَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧/٣ . (٢) الكشاف ٣٣٣/١. www. modoee.com ٤٦١ حرف التاء الناس في أماكنهم، ويجعل تقییمهم حسب المبادئ والقيم والأخلاق. وليس حسب مقاييس اجتماعية براقة كاذبة خداعة. المقاييس التي تجعل من الناس طبقات يتسلط فيها القوي على الضعيف، والغني على الفقير، يتسلط فيها أصحاب الفساد في المجتمعات، فتشترى الذمم وتنتشر الرذائل. والكرم: اسم للأخلاق والأفعال المحمودة، ويقال: لفظ الكرم لمن ينفق في المحاسن الکبیرة، کمن ینفق مالًا؛ لیجهز جيشًا في سبيل الله، أو يتحمل حمالة تحقن دماء قوم من الناس (١). وأكرم الأفعال وأشرفها ما يقصد به وجه الله تعالى، وأشرفها التقوى، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. يقول سيد قطب في بيان معنى الآية: ((﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم من ذكر وأنثى ... وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبًا وقبائل، إنها ليست التناحر والخصام، إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والاخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوع لا (١) انظر: المفردات، الراغب ص٤٢٩. فهو ميزان التفاضل الحقيقي الذي يضع يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون؛ للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله، إنما هنالك ميزان واحد تتحد به القيم، ويعرف به فضل الناس: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ .. والكريم حقًا هو الكريم عند الله)»(٢). ٧. التقوى طريق للعلم. والتقوى طريق لتحصيل العلم، حيث قرن القرآن الكريم بين العلم وتقوى الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿وَأُثَّقُوا اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والعلم الحقيقي هو العلم الموصل إلى الهداية؛ لأن كل ذرة في هذا الكون تشهد بأن الله هو خالق هذا الكون، فمخلوقات الله تشهد على خالقها، وهذا النوع حث القرآن على النظر فيه والتفكر في شأن السماوات والأرض. فإذا لم يكن العلم موصلًا إلى الهداية ومؤكدًا لحقيقة الإيمان بالله تبارك وتعالى، فليس هو العلم الذي دعا إليه القرآن الكريم وحث على التعلم فيه، لذلك نجد كثيرًا ممن لا تزيدهم علومهم إلا جهلا بالحقيقة وابتعادًا عن الإيمان بالله تعالى وهم قلة، وقد قص علينا القرآن مثال الذي آتاه الله (٢) في ظلال القرآن ٣٣٤٨/٦. مُوسُوبَةُ المَقية القرآن الكريم ٤٦٢ التقوى. علمًا فأضله الله على علم: ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ تَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَفْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ () وَلَوْشِئْنَا ◌َرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتََّعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَاْ فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. والعلم الحقيقي هو الذي يبتغي به الإنسان وجه الله، ويكون سببًا في هداية المرء وتعرفه على مخلوقات الله، فيعرف الله سبحانه وتعالى من معرفة مخلوقاته، ولهذا نجد أن القرآن الکریم یمتدح الذين يعقلون والذين يتفكرون في مخلوقاته، وينعى باللائمة على الذين لا يعقلون والذين لا يتدبرون. ولهذا أشار القرآن إلى أن العلماء هم الذين يخشون الله حق خشيته، وقد خصهم بخشيته فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اٌلْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]. ويدخل في إطار العلماء كل من كان له علم حقيقي، سواء كانوا عالمين بالله وبصفاته وبقدرته أم بمخلوقاته وأسرار خلقه من علم بأمور الطبيعة والكون، فالكون هو کتاب الله المنظور الذي يدل على أن الله خالقه ومبدعه. والله جعل في هذا الكون دلائل قدرته وأظهر فيه بدائع صنعه، لذا كانت العلوم الكونية موصلة إلى معرفة أسرار المخلوقات الدالة على خالقها. وعلى هذا فالعلم الحقيقي موصل إلى الهداية، ومعرف بالحقيقة الأزلية؛ حقيقة خلق الله للأشياء وقدرته وإبداعه، والعلم بهذه الصفات عطاء إلهي، فمنها ما يتوصل إليه بأسباب، ومنها ما لا يكون للوصول إليها إلا بإرادة الله تعالى، ولهذا نجد أن الله تعالى أعطى العبد الصالح - صاحب موسى عليه السلام- من العلم ما لم يعطه لموسى عليه السلام نفسه، وهو نبيه ورسوله، والذي جاء خبره في سورة الكهف، حيث قال تعالى عن العبد الصالح: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. وقد أوحى الله إلى موسى أن هناك عبدًا أعلم منه، وأرشده للذهاب إلى لقياه والتعلم منه(١). وقد جعل القرآن بعض الأمور سببًا في منح شيء من علم الله لهم منها التقوى، فقد جعل القرآن التقوى سببًا من أسباب منحهم شيئًا من علمه تبارك وتعالى. قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ ينبئ عن أن التقوى تثمر العلم. يقول رشيد رضا: ((أي: اتقوا الله في (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٩١. www. modoee.com ٤٦٣ حرف التاء جميع ما أمركم به ونهاكم عنه، وهو يعلمكم الإمام الشافعي (٤): ما فيه قيام مصالحكم وحفظ أموالكم وتقوية رابطتكم، فإنكم لولا هدايته لا تعلمون بذلك)»(١). ويقول سيد قطب: ((ثم - وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير، لا من مجرد ضغط النص- يدعو المؤمنين إلى تقوى الله في النهاية، وذكرهم بأن الله هو المتفضل عليهم، وهو الذي يعلمهم ويرشدهم، وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيء أرواحهم للتعليم؛ ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان)» (٢). . ويقول ابن عاشور: ((وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ تذكير بنعمة الإسلام الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة، ونظام العالم الذي هو أكبر العلوم وأنفعها، ووعدٌ بدوام ذلك؛ لأنه جيء فيه بالمضارع. وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أن التقوی سبب إفاضة العلوم، حتى قيل: إن الواو فیه للتعلیل، أي: ليعلمكم))(٣). فالتقوى سبب إفاضة العلوم على الإنسان، فإن من ابتعد عن معاصي الله تعالى ورثه علم ما لم يعلم. وهذا كما قال (١) المنار، ١٣١/٣. (٢) في ظلال القرآن ١/ ٣٣٧ . (٣) التحرير والتنوير ١١٨/٣. صَوَسُو ◌َرُ النفسية المضوبي القرآن الكريم شكوت إلی و کیع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي ثانيًا: البركة في الرزق: ومن ثمرات التقوى: الرزق، فإن من يتق الله فینتهي عما نهى عنه، ویعمل بما أمره به، فالله يرزقه من حيث لا يحتسب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمًا أَ وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ ٢ - ٣]. والرزق من القضايا التي استأثر الله بها وأعطى منها الإنسان بما يشاء تبارك وتعالى و کیف یشاء. والله وصف نفسه بأنه هو الرزاق: ﴿إِنَّ اُللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ومعنى ذلك: أنه هو الذي خلق الأرزاق وجعل في الأحياء الباعث على اكتسابها، وخلق فيهم أسباب التمتع بها. لذا كان الرزق من الله وحده، يعطيه لمن يشاء. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]. والله تبارك وتعالى قسم الرزق بين عباده فأعطى كلّ منهم بما يشاء، أعطاه لحكمة (٤) ديوان الشافعي ص ٧٦. ٤٦٤ التقوى يعلمها هو تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ - ٣٥]. يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦]. فمسألة بسط الرزق وتقديره تتعلق بحكمة من عند الله تبارك وتعالى فهو يوسع على من يشاء ويقدر على من يشاء، فقد يغدق على أهل الخير أو على أهل الشر، وقد یضیق علیھم، کل ذلك؛ ليبتليهم بأمرٍ هذا الرزق. وبسط الرزق وتقديره يرجع لحكمة، فيعطي الله تعالى كل إنسان بما يشاء وبالقدر الذي يكون أفضل للإنسان المؤمن، فالله تعالى يعلم من أحوال بعض المؤمنين أن قلة المال أفضل لهم حتى لا يشغلهم المال عن ربهم فيضيق عليهم. والمال في حد ذاته فتنة: ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. إلا من عصمه الله تبارك وتعالى، ولهذا يضيق الله على بعض المؤمنين حتى لا تكون فتنة لهم: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]. ويقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمِ لْبُيُوتِهِمْ ٣٣ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ٣٤ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَيَا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكُِّونَ ج وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ فلولا الخشية رحمة بالمؤمنين من أن يكون المال فتنة لهم لكان علامة الكافرين أن یغدق علیھم المال الکثیر. والله تبارك وتعالى جعل للزرق أسبابًا معينة وربط بها الرزق، وحث على طلب الرزق في مظانه، ومن جملة هذا الأسباب: ١. السعي في طلب الرزق. فقد أمر الله تعالى الإنسان أن يسعى في طلب رزقه، فقال: ﴿فَمَشُواْ فِى مَنَّاكِهَا وَكُواْ مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للسائل: ((إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة)). وينبغي أن يكون مع السعي توكل على الله تعالى واعتماد على أنه هو مصدر الرزق، فيسعى للرزق وقلبه معلق بالرزاق يدعوه مبتغیًا منه الرزق. قال تعالى: ﴿فَأَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]. لذلك كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام یدعو الله أن يرزق زوجته وولده: ﴿رَبّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَمِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. ٢. الاستقامة على هدي الله. وقد يكون من أسباب إفاضة الرزق على العباد الاستقامة على هدي الله www. modoee.com ٤٦٥ حرف التاء تبارك وتعالى، فإن آمن بالله وعبده واتقاه واستغفره وعمل ما أمر به فإن الله يفيض علیه من النعم التي لا تعد ولا تحصى. فقد جاء على لسان نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ) يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُعْدِدَكُ بِأَقْوَلٍ وَيَنِنَ وَيَجْعَل لَّكُجَنَّتٍ وَنَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا﴾ [ نوح: ١٠ - ١٢]. وقد ربط القرآن في أكثر من موطن بين التقوى وبين إفاضة النعم، فقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ عَدًا (٢) وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِيِدَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. ربط فيه بين التقوى وبين إفاضة النعم الدنيوية. والحديث وإن كان في معرض الكلام عن أحكام الطلاق إلا أن الآية عامة ويندرج فيه أمور الطلاق. قال الألوسي: ((وجوز أن يكون اعتراضًا جيء به على نهج الاستطراد عند ذكر قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: ٢]. وهو أولى؛ لعموم الفائدة))(١). ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ومعنى قوله: ((أي: من جهة لا تخطر بباله))(٢). فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم وكثيرًا ما يربط القرآن بين الإيمان مخرجًا مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم وصلاح القلوب وبين إفاضة النعم الدنيوية، من حيث لا يحتسبون، فيدفع عنهم ما فضلًا عن الأخروية. يضرهم، ويجلب لهم ما يحتاجون إليه، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللاً فليستغفر الله وليتب إليه. ثالثًا: غفران الذنوب وتكفير السيئات: ومن ثمرات التقوى أن الله يغفر ذنوب المتقين، وذلك أن الإنسان لابد له من الخطأ والذنب، والله تعالى وعد المتقين بمغفرة الذنوب، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَبَبْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. ومعنى غفران الذنوب هو كما قال الراغب: ((أن يصون العبد من أن يمسه العذاب»(٣). وأصل الغفر في اللغة: الستر والتغطية. والله تعالى يغفر ذنوب المتقين، أي: يسترها ولا يحاسبهم علیھا. قال ابن عاشور: (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٠/٤ . (٣) المفردات ص٣٦٢. ٤٦٦ (١) روح المعاني ١٣٥/٢٨. جوببو القرآن الكريم التقوى ((وغفران الذنوب جزاء على التقوى؛ لأن ويتعين أن يحمل على نوع من الذنوب، وهو الصغائر التي عبر عنها باللمم، ويجوز عمود التقوی اجتناب الكبائر، وقد غفر الله للناس الصغائر باجتناب الكبائر، وغفر لهم الكبائر بالتوبة» (١). أن یکون العکس بأن يراد بالسیئات الصغائر وبالمغفرة مغفرة الكبائر بالتوبة المعقبة لها. وقيل: التكفير: الستر في الدنيا، والغفران: عدم المؤاخذة بها في الآخرة))(٣). ويقول سيد قطب: ((﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُنْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. فالإنسان إنسانٌ مهما وهب من النور، إنسانٌ يقصر حتى لو عرف الطريق، إنسانٌ يحتاج إلى المغفرة فتدرکه رحمة الله»(٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبِّئَاتِ، وَيُعْظِّمْ لَهُوَ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]. فليس الأجر على التقوى تكفير السيئات فحسب، بل زيادة في الأجر، فإن الله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف أو أکثر. أما قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]. فقد جمع هنا بین تکفیر السیئات ومغفرة الذنوب مما يدل على اختلافهما. قال ابن عاشور: ((والتقوى تشمل التوبة، فتكفير السيئات يصح أن يكون المراد به تكفير السيئات الفارطة التي تعقبها التقوى. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ محذوف، ومفعول وهو ما يستحق الغفران وذلك هو الذنب، (١) التحرير والتنوير ١٢٣/٢٢. (٢) في ظلال القرآن ٦/ ٣٤٩٦. وهذا الأخير قاله الألوسي حيث قال: (﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سيِّئاتِگم﴾ أي: يسترها في الدنيا ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالتجاوز عنها في الأخرى، فلا تكرار)» (٤). رابعًا: تيسير الأمور وتفريج الهموم: ومن ثمرات التقوى أن الله يجعل أمور المتقين ميسرة، ويخرجهم من الضيق الذي يعانون منه، ويصلح لهم أعمالهم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُمِنْ أَمْيِ هِم ◌ُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. فمن كان في ضيق أو تعسر عليه أمر وأراد تيسير أموره فعليه بتقوى الله تعالى. واليسر هو جعل الأمور سهلة غير معقدة، ولا ضيق فيها، يضاده: العسر، الذي هو تضييق الأمور وجعلها معقدة غير ميسرة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسْرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] أي: سهل خروجه. (٣) التحرير والتنوير ٣٢٧/٩ . (٤) روح المعاني ٩/ ١٩٦ . www. modoee.com ٤٦٧ حرف التاء وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. أي: سهل غير صعب، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. واليسر نعمة من الله تعالى يمن بها على عباده المؤمنين المتقين، ولهذا عندما كلف الله موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون، طلب موسى من الله تعالى أن یجعل أمره سهلًا یسیرًا: ﴿قَالَرَپّ آُشْرِعْلِی صَدْرِى ) وَصَّرْلِ أَمْرِى﴾ [طه: ٢٥ -٢٦]. فتيسير الأمور نعمة كبرى يمن الله بها على عباده. يقول سيد قطب: ((واليسر في الأمر غاية ما یرجوه إنسان، وإنها لنعمة کبری أن یجعل الله الأمور ميسرة لعبد من عباده. فلا عنت ولا مشقة ولا عسر ولا ضيق. يأخذ الأمور بيسر في شعوره وتقديره، وينالها بيسر في حرفته وعمله، ويرضاها بيسر في حصيلتها ونتيجتها))(١). والعسر -الذي هو ضيق في الأمور سواء كان في المعيشة أو غيرها-؛ ابتلاء من الله تعالى يبتلي به العباد؛ ليعلم الصابر من غيره. وقد امتن الله على عباده بأنه رحيم بهم لم يجعل أمورهم كلها في عسر وضيق، بل جعل الفرج من شدة الضيق. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِبُشْرًّا إِنَّمَعَ (١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٦٠٢. ٤٦٨ مَوَسُولَهُ النَِّ القرآن الكريم الْعُسْرِيُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦]. فقد جعل الله تعالی مع کل عسر یسرًا، فإن العبد قد يشتد عليه أمرٌ ما، ولكن الله جعل مع كل عسر يسرًا. وجاء في الآية تكرار ﴿إِنَّمَعَ الْعُسْرِيُسْرًا﴾، ليؤكد هذا الأمر، وجاء اليسر منونًا بينما العسر معرفًا؛ لتفخيم أمر اليسر. وجعل بعضهم اليسر يسران أخذًا من الآية، وحمله بعضهم على يسر الدنيا ويسر الآخرة(٢). فالله جعل اليسر ملازمًا للعسر، وقد عبر عنه بالمعية مع العسر؛ للدلالة على ملازمته الأكيدة والتامة. وفي هذا حث لمن أصيب بالعسر أن يصبر على العسر فإن الیسر معه. فمن العسر ما يصيب الإنسان من ضيق في أمر معيشته، فإن على المرء أن يصبر ويحتسب ذلك عند الله تعالى؛ لأنه فيه ابتلاء، كما أن الفرج ملازم لهذا الضيق. ومن العسر ما يصيب الإنسان من ضر في بدنه، فعلى المرء الصبر على ذلك؛ فإن الفرج لابد آتيه، وهذا ما حصل لنبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام فصبر واحتسب، فمن الله عليه بالشفاء، وأخرجه من هذا الضيق الذي عاناه. وهذا نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام يقع في الضیق فیسجن، ولکنه صبر واحتسب، فكان أن من الله عليه بالفرج (٢) انظر: روح المعاني ١٧٠/٣٠. التقوى والخروج من الضيق. ومن العسر ما يصيب الأنبياء، وكذلك الدعاة من عدم استجابة الناس للدعوة الإلهية، فيصبرون، ثم يأتيهم الفرج والخروج من ذلك الضيق. والخروج من الضيق والعسر إما أن یکون في الدنيا أو في الآخرة، فیکون في الدنيا بتفريج الأمور وقلبها من الشدة إلى اليسر، وهذا ما حصل ليوسف عليه السلام عندما خرج من السجن وجعله الملك أمينًا للخزائن، وكذلك حصل لأيوب حينما برأه الله ووهب له أهله ومثلهم معهم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبٍ﴾ [ص: ٤٣]. وقد لا يكون التفريج في الدنيا، فیکون في الآخرة بأن يثيبه الله تعالى عليه في الآخرة بالثواب العظيم. ولكن الله تعالى جعل بعض الأمور تزيد في تسهيل الأمور والخروج من الضيق الذي يعانيه المرء، ألا وهي التقوى، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِ فُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ. ﴾ [الطلاق: ٢]. خامسًا: النصر والتمكين: من أهم عوامل النصر للمسلمين التقوى؛ لأن المسلمين لا يتغلبون على أعدائهم بمجرد العدد والعدة، بل لابد من طاعتهم لله تبارك وتعالى، لذا كانت التقوى من أهم المواصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المجاهدون في سبيل الله؛ لتحقيق النصر. وكثيرًا ما يتم التعبير عن المؤمنين -في سياق القتال والجهاد- بالمتقين، وذلك؛ إبرازًا لصفة التقوى وأهميتها، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]. فهذه المعية ليست خاصة بصنف من المؤمنين وهم المتقون، ولكنها عامة لكل المؤمنين، وقد عبر عنهم بالمتقين؛ إبرازًا وتأكيدًا لأهمية هذا الوصف في هذا الجانب وهو القتال في سبيل الله. قال أبو السعود: ((ووضع الظاهر موضع الضمير؛ للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى، والشهادة بكونهم من زمرة المتقين)) (١). أي: إنه قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولم يقل: إن الله معكم. وقال الألوسي: ((وإنما وضع المظهر موضع المضمر؛ مدحًا لهم بالتقوى، وحثًا للقاصرين على ذلك، وإيذانًا بأنه المدار في (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ١١٢ . www. modoee.com ٤٦٩ حرف التاء النصر))(١). ﴿وَقَئِلُواْ وفي سورة التوبة: الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ كَمَا يُقَئِلُونَكُمْ كَاَفَّةٌ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦ ]. والمعنى: واعلموا أن الله معكم، ولكنه جعل معيته للمتقين؛ إبرازًا لهذه الصفة، كأنها صارت مثل الشرط، كما قال ابن كثير: ((واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه))(٢). وفي سورة محمد يتحدث عن القتال فيذكر الجنة التي أعدها الله للمؤمنين فيقول: ﴿مََّلُ الْجَنَّةِ أَلَِّى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥]. فييرز صفة التقوى؛ لأهميتها في هذا للمؤمنين المتقين. لذلك نجد في مواطن المجال. ومن أهم واجبات المؤمن في المعركة الصبر في مواطن القتال، فلا نصر بلا صبر. وكثيرًا ما تحدث القرآن عن الصبر وقرنه بالتقوى، فإن من تمسك بالصبر والتقوى کان في مأمن من كيد الأعداء وكانت له العاقبة والنصر. قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُوا لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ محدد ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. (١) روح المعاني ١٠/ ٩٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٤/٢. کما یبین تبارك وتعالى أنه لابد من الصبر والمصابرة والمرابطة مع اقترانهما بالتقوى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وقد بين الله تعالى أن المؤمنين في غزوة أحد لو أنهم صبروا واتقوا ربهم لأمدهم بالملائكة ونصرهم على أعدائهم. قال تعالى: ﴿بَلَىْ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُّكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. فلابد من الصبر في المعركة واقترانه بالتقوى حتى يكون النصر والتمكين كثيرة يعقب عليها القرآن بقوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وقوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. قال أبو السعود: ((﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ أي: لأهل التقوى، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ تنبيهًا على أن ملاك الأمر هو التقوى)» (٣). وكذلك نجد أن القرآن الكريم يمتن على المؤمنين بالنصر في غزوة بدر ويطلب منهم أن يشكروا الله على هذا النصر، طلب منهم أن يشكروه بالتقوى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللّهُ (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦ / ٥١ . ٤٧٠ القرآن الكريم التقوى بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. فإن في التقوى شكرًا له على النصر، وحتی یدوم لهم النصر فلابد من التقوى. فالقرآن يلوح دومًا بالتقوى في مجال الجهاد وفى المعركة، فلابد من ملازمتها للمجاهد في سبيل الله تعالى، وأنه بقدر تقوى المؤمنين يعطيهم النصر، وبقدر ابتعادهم عن التقوى يسلط عليهم عدوهم کما حصل یوم حنین عندما أعجب البعض بکثر تهم. عاقبة التقوى وآثارها بين الله سبحانه وتعالى عاقبة التقوى وآثارها في القرآن الكريم، وسوف نتناول ذلك فيما يأتي: أولًا: عاقبة التقوى في الدنيا وآثرها على الفرد والمجتمع: بين الله تبارك وتعالى أن العاقبة الحسنى للتقوى والمتقين. قال تعالى: ﴿وَأَمِّرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِوَأَصْطَيْ عَلَيْهَا لَا نَتْشَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. فقد أمر الله تبارك وتعالى بالتقوى وتحصيل مبادئها وترك الالتفات إلى ما سواها؛ لأن العاقبة والنتيجة الحسنى للتقوى، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة. وأصل العقب هو مؤخر الرجل، وخص العقب والعقبى بالثواب، وكذلك العاقبة (١)، أي: الثواب الحسن للتقوى، مما يدل على أن التقوى هي ملاك الأمر وعليها تدور دوائر الخير(٢) . فالتقوى سبيل المؤمنين، وخلق الأنبياء والمرسلين ... ووصية الله تعالى لعباده الأولين والآخرين. يقول القرطبي: ((التقوى (١) المفردات، الراغب ص ٣٤٠. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٩٥/٣. www. modoee.com ٤٧١ حرف التاء فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان)»(١). ويقول العلامة الفيروزآبادي عن التقوى: ((لو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم للأجر وأجل في العبودية، وأعظم في القدر، وأولى في الحال، وأنجح في المآل من هذه الخصلة لكان الله سبحان أمر بها عباده، وأوصى خواصه بذلك؛ لکمال حکمته ورحمته. فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة جمیع الأولين والآخرين من عباده، واقتصر عليها، علمنا أنها الغاية التي لا متجاوز عنها ولا مقتصر دونها. وأنه عز وجل قد جمع كل محض نصح ودلالةٍ وإرشاد وسنة وتأديب وتعليم وتهذيب في هذه الوصية الواحدة))(٢). يقول سيد قطب: ((فالإنسان هو الرابح بالعبادة في دنياه وأخراه، يعبد فيرضى ویطمئن ويستريح، ویعبد، فيجزی بعد ذلك الجزاء الأوفى، والله غني عن العالمين))(٣). لذلك فإن للتقوى أثرًا عظيمًا على حياة الناس: فالفرد التقي يجمع كل صفات الخير وينال كل أسباب السعادة الدنيوية، من (١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٦٢. (٢) بصائر ذوي التميز ١١٦/٢ . (٣) في ظلال القرآن ٢٣٥٧/٤. الرزق والعلم وراحة البال، وكل ما يسعد الإنسان في حياته، یسلم أمره لله في كل شأنه من شئون حياته، ويعلم علم اليقين أن الله الذي يعلم السر وأخفى متكفل به. والمجاهد في سبيل الله يدرك تمام الإدراك بأنه لو اتقى الله حق تقواه فلابد أن ينصره الله على عدوه، وإن لم يظهر نصره فلخلل في تقواه، إلا أن العاقبة الحسنى في الدنيا للمتقين. والمجتمع المسلم التقي الذي يؤمن أن في التقوى خيره وما يسعده، فيظهر أثر التقوى في سلوك ذلك المجتمع، وتجد التكافل في أبلغ صوره من التكافل بين الأفراد، وسد حاجة بعضهم لبعض، ويظهر في المجتمع أثر التعاون والإحسان للمحتاج، کما یظهر أثر الإيثار بین الناس، وكرائم الأخلاق، من الصدق والإحسان وكظم الغيظ والعفو عن الناس. لذلك فإن كان بين العباد فرد فاضل ومجتمع فاضل ومدينة فاضلة فهو مجتمع التقوى والمتقين. وهذه المثالية لم توجد في مجتمع آخر، كما وجدت في مجتمع المسلمين الأتقياء، لقد وصل الناس في زمن من تاريخ المسلمين لأن ينادى في الشوارع بالصدقات إذا كان هناك أحد يستحقها فلا يجدون، والفرد يتعلم العلم في جميع ٤٧٢ مُؤَسُولَةُ النفسية القرآن الكريم التقوى مراحل حياته وهو مكفول في كل مراحل فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُّ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]. طلبه للعلم من خلال الأوقاف الكثيرة التي وقد أكرم الله المتقين إكرامًا خاصًا في كل مشهد من مشاهد الآخرة، إليك بيانها: تنفق على طلبة العلم، ولم يعد عند القضاء إلا مسائل معدودة يختلف فيها الناس، ومثل ذلك وغيره کثیر. ثانيًا: عاقبة التقوى في الآخرة: للمتقين في الحياة الآخرة شأن عظيم، ومهما كان أمرهم في الحياة الدنيا فإنهم في الآخرة أفضل مقامًا وأجرًا. وقد بين لنا القرآن الكريم أن الدار التي يقيم فيها المتقون في الآخرة أفضل منها في الدنيا، فإنه بقدر ما أعطاهم من ثمرات على التقوى في الدنيا فإنه يعطيهم أفضل منها في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوًّاً فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وكذلك يكون الجزاء في الآخرة أفضل، قال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿قُلٌ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواُ وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ ١. عند الوفاة. يبين القرآن الكريم مشهد المؤمنين المتقين عندما تقبض الملائكة أرواحهم، و کیف تتلقاهم الملائكة بطیب وسرور بالغ وهم يزفون تلك الروح إلى جنة الخلد. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَثَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ ج جَثَّثُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) تَجْرِى مِن تَحْتَّهَا الْأَنْهَرُ لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ اٌلْمَلَئِكَةُ طَيِِّينَ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ اَلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٠ - ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿طَيِّبِينَ﴾ أي: طاهرين من دنس الشرك والمعاصي. قال الراغب: ((وأصل الطيب: ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس .. ، والطيب من الإنسان من تعرى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال، وتحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال، وإياهم قصد بقوله: ﴿الَّذِينَ تَنَوَقَّتُهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٠]»(١). (١) المفردات ص٣٠٨ . www. modoee.com ٤٧٣ حرف التاء فالملائكة تتوفى المؤمنين حال كونهم طيبي النفوس، أي: طاهرين من دنس الشرك والمعاصي، وقيل: ((فرحين طيبي النفوس بيشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم؛ لتوجه نفسهم بالكلية إلى جانب القدس))(١). فإن النفس المؤمنة تكون طيبة فرحة بلقاء ربها: ﴿وَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةٌ ﴿ فَادْخُلِ فِ عِبَدِى وَأَدْخُلِ جَّفِى﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. ٢. يحشر المتقون حشر تكريم. فإذا كان المجرمون يحشرون على وجوههم صمًا وبكمًا وعميًا فإن المتقين یحشرون حشر تکریم، کما قال تعالی: نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. قال ابن عاشور: ((أي: حشر الوفود إلى الملوك، فإن الوفود يكونون مكرمين»(٢). وبعد بعث الناس وحشرهم يأتي وقال ابن كثير: «إنه يحشرهم يوم القيامة الحساب، فیعطی کل إنسان كتابه بيمينه أو بشماله، ثم يمرون على الصراط. وفدًا، والوفد: هم القادمون رکبانًا، ومنه الوفود)) (٣) وقال الألوسي: «أي: رکبانًا ... وأصل الوفد جمع وافد، کالوفود والأوفاد والوفد، من وفد إليه وعليه وفدًا ووفودًا ووفادة وإفادة: قدم وورد .. وقال الراغب: الوفد (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١١١/٥. (٢) التحرير والتنوير ١٦٨/١٦. (٣) تفسير القرآن العظيم، ١٣٤/٣. والوفود هم الذين يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج .. وهذا المعنى الذي ذكره هو المشهور، ومن هنا قيل: إن لفظة الوفد مشعرة بالإكرام والتبجيل، حيث آذنت بتشبيه حالة المتقين بحالة وفود الملوك، وليس المراد حقيقة الوفادة من سائر الحيثيات؛ لأنها تتضمن الانصراف من الموفود عليه، والمتقون مقيمون أبدًا في ثواب ربهم عز وجل. والكلام على تقدير مضاف، أي: إلى كرامة الرحمن أو ثوابه وهو الجنة أو إلى دار كرامته أو نحو ذلك ... ، وكان الظاهر بأن يقال: يوم نحشر المتقين إلينا، إلا أنه اختير الرحمن؛ إيذانًا بأنهم يجمعون من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة إلى من يرحمهم» (٤). ٣. عند اجتياز الصراط. والصراط جسر على جهنم يمر عليه الناس مؤمنون وكافرون، فيسقط في النار الكافرون ومن قضي عليه بالعذاب، بينما ينجي الله المؤمنين المتقين من الوقوع في النار. وقد وردت روايات فى وصف الصراط بأنه أحد من السيف وأدق من الشعر. (٤) روح المعاني ١٣٦/١٦. ٤٧٤ مَوَسُوبَةُ التَّفِيد القرآن الكْرِيْمِ التقوى وعلى هذا الصراط يعبر المؤمنون المتقون، ولکن سرعة عبورهم على حسب أعمالهم، وذلك أن المتقين يمرون فلا يقعون، وعندها ينجيهم الله برحمته من الوقوع في جهنم. قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَاْ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ، ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَنَّذَرُ الَّلِمِينَ فِيَهَاِجِئْيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]. واختلف المفسرون في المراد بالورود، فقال بعضهم: يراد بورود النار: دخولها، فيدخلها المؤمنون، ولكنها تكون عليهم بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم عليه السلام. وقال آخرون: إن المراد بالورود: المرور عليها من غير دخول. ٤. عند دخول الجنة. وأول ما نلاحظه في الآيات من دخول المتقين الجنة: أن المتقين قبل دخولهم الجنة فإن الجنة تقرب لهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]. ومعنى الإزلاف: التقريب، أي: قربت الجنة للمتقين. قال أبو السعود: ((أي: قربت الجنة للمتقين عن الكفر والمعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها)»(١) . (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢١٥/٦. وقال ابن عاشور: ((والمعنى أن المتقين يجدون الجنة حاضرة فلا يتجشمون مشقة السوق إليها))(٢). بينما قال عن الضالين المجرمين: ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١]. «أي: جعلت بارزة لهم بحیث يرونها مع ما فيها من أنواع الأحوال الهائلة، ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها)) (٣). وكذلك فإن المتقين يصلون إلى الجنة فیجدون أن الأبواب قد فتحت لهم وأن خزنة الجنة واقفة عند باب الجنة؛ لاستقبالهم. أما عن استقبال الملائكة لهم وكيفيته فقد قال الله فيه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَفَنُهَا سَلَمُّ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. فالملائكة تستقبلهم بالسلام قائلين لهم ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ ویبینون لهم سبب هذا الدخول وهذا الاستقبال بقولهم: طِبْتُمْ أي: طبتم من دنس المعاصي والآثام، والتطيب هو التطهير، أي: تطهرتم من المعاصي والشرك، قال سيد قطب: ((فهو الاستقبال الطيب والثناء المستحب. وبيان السبب ﴿طِبْتُمْ﴾ وتطهرتم، كنتم طيبين، وجئتم طيبين)) (٤). وقال الألوسي: ﴿طِبْتُمْ﴾ أي: من (٢) التحرير والتنوير ١٥١/١٩. (٣) روح المعاني، الألوسي ١٩ / ١٠١. (٤) في ظلال القرآن ٣٠٦٣/٥. www. modoee.com ٤٧٥ حرف التاء دنس المعاصي، وقيل: طبتم نفسًا بما أتيح توصف سعة وزيادة على الحاجة، فيتبوأ لكم من النعيم المقيم، والأول مروي عن من جنته حيث يشاء ولا يحتاج إلى جنة غيره)) (٤). مجاهد، وهو الأظهر))(١). وقال أبو حيان: ((طبتم أي: أعمالًا ومعتقدًا ومستقرًا أو جزاءً))(٢). فالملائكة تستقبل المتقين مسلمة عليهم كما ذكر في سورة (ق): ﴿أَدْ خُلُوهَا بِسَلَمِ﴾ [٣٤]. موضوعات ذات صلة: الإحسان، الإيمان، البر، الخشية وبعد دخولهم إلى الجنة واستقبال الملائكة لهم يتوجه المتقون إلى ربهم بالحمد والشكر على هذه النعمة العظيمة: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ. وَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَأَّةٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. والمراد بالأرض: أرض الجنة، قال ابن كثير: ((أي: أرض الجنة))(٣). وقال الزمخشري: ((﴿اَلْأَرْضَ﴾ عبارة عن المكان الذي أقاموا فيه واتخذوه مقرًا ومتبوأ، وقد أورثوها، أي: ملكوها وجعلوا ملوكها، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاءون تشبيهًا؛ بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه واتساعه فيه وذهابه في إنفاقه طولًا وعرضًا. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿حَيْثُ نَشَآءُ﴾؟ وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت: يكون لكل واحد منهم جنة لا (١) روح المعاني ٣٤/٢٤. (٢) البحر المحيط، ٤٤٣/٧. (٣) تفسير القرآن العظيم، ٦٩/٤. (٤) الكشاف ٣٥٨/٣. ٤٧٦ مُوسُو ◌َة التي القرآن الكريم