النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ التَّقَوْىُ عناصر الموضوع مفهوم التقوى ٤٢٢ التقوى في الاستعمال القرآني ٤٢٣ الألفاظ ذات الصلة ٤٢٤ أصناف المخاطبين بالتقوى ٤٢٦ ٤٢٨ أساليب الأمر بالتقوى ٤٣٠ صفات المتقين ٤٤٩ مكانة التقوى ٤٥٣ فضائل التقوى ٤٧١ عاقبة التقوى وآثارها المُجَلَدَ التَّاشِعْ حرف التاء مفهوم التقوى أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((وقي: الواو والقاف والياء: كلمة واحدة تدل على دفع شيء بغيره، والوقاية: ما يقي الشيء. واتق الله: توقه))(١). وقال ابن منظور: ((وقي: وقاه الله وقيًا ووقاية وواقية: صانه .. ووقيت الشيء: أقيه إذا صنته وسترته عن الأذى .. وتوقی واتقى بمعنّى، وقد توقيت واتقيت الشيء وتقيته أتقيه تقَّى وتقية وتقاء: حذرته. والاسم: التقوى، التاء بدل من الواو، والواو بدل من الياء))(٢). وقال القرطبي: ((والأصل في التقوى: وقوى، على وزن فعلى، فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي: منعته، ورجل تقي، أي: خائف، أصله: وقى، وكذلك: تقاة كانت في الأصل وقاة))(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرف ابن كثير التقوى فقال: ((التقوى: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات)) (٤). ويقول ابن رجب الحنبلي: ((وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه)) (٥). قال البيضاوي: ((والوقاية: فرط الصيانة، وهو في عرف الشرع: اسم لمن يقي نفسه مما يضره في الآخرة»(٦). قال أبو حيان في تعريف المتقي: ((والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه أن يتعاطى ما توعد عليه بعقوبة من فعل أو ترك))(٧). فالتقوى في الاصطلاح: هي عبارة عن اجتناب ما نهى الله عنه، ويدخل فيه أداء ما فرضه الله على المسلم من الطاعات والواجبات. (١) مقاييس اللغة ٦/ ١٣١. (٢) معجم لسان العرب ١٥/ ٤٠١ . (٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٤١. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٢٠٠ . (٥) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص١٣٨ . (٦) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤٨/١ . (٧) البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٣٨. ٤٢٢ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التقوى التقوى في الاستعمال القرآني ورد الجذر (وق ي) في القرآن (٢٥٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٣٩) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢٧ ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢] الفعل المضارع ٥٧ ﴿قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] الفعل الأمر ٨٢ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] المصدر ١٧ ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] اسم الفاعل ٤٩ (١٩٤) [ البقرة: ١٩٤] ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ اسم ٢ ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةٌ ﴾ [آل عمران: ٢٨] صفة مشبهة ٣ ﴿وَحَنَانَا مِن لَُّنَا وَزَّكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [ مريم:١٣] اسم تفضيل ٢ ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى ﴾ [الليل: ١٧] وجاءت التقوى في القرآن بمعناها في اللغة، وهي: من الوقاية التي تعني: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٥٨-٧٦١. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٨٨١. www. modoee.com ٤٢٣ حرف التاء الألفاظ ذات الصلة ١ الإيمان: الإيمان لغة: الإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق، وهما: الأمن وضده الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان(١). ویری شیخ الإسلام ابن تيمية رحمهالله تعالی معنی لغويًا آخر للإيمان؛ وهو أنیکون الإيمان بمعنى الإقرار؛ فيقول فيه: ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد (٢). الإيمان اصطلاحًا: التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة، وأمر بالإيمان به؛ والانقياد له ظاهرًا وباطنًا(٣). الصلة بين الإيمان والتقوى: الإيمان هو التصديق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والتقوى هي العمل بمقتضى هذا التصديق، فالتقوى مترتبة على الإيمان، والإيمان سبب لها. الخشية: ٢ الخشية لغة: قال ابن فارس: ((الخاء والشين والحرف المعتل يدل على خوفٍ وذعرٍ)) (٤). الخشية اصطلاحًا: وعرف الأصفهاني الخشية بأنها: «خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما یکون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ [فاطر: ٢٨]» (٥) (١) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٠٧١/٥، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص١٥١٨، لسان العرب، ابن منظور، ١٣ / ٢١. (٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩١/٧، الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه، عند أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عبد الحميد، ص١٩-٢١. (٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص٤١. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٨/٢. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٣. ٤٢٤ القرآن الكريم التقوى وعرفها الجرجاني بأنها: ((تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته، وخشية الأنبياء من هذا القبيل))(١). الصلة بين الخشية والتقوى: إن في الاتقاء معنى الاحتراس مما يخاف، وليس ذلك في الخشية(٢)، فالخشية مقترنة بالعلم، ففيها زيادة العلم والمعرفة بالمعبود سبحانه وتعالى فهي خوف مع تعظيم. (١) التعريفات، الجرجاني ص ٨٦ - ٨٧. (٢) الفروق اللغوية، العسكري ١/ ٢٤٣. www. modoee.com ٤٢٥ حرف التاء أصناف المخاطبين بالتقوى تنوعت أساليب القرآن الكريم في الأمر بالتقوى والحض عليها، فورد الأمر بالتقوى للناس أفرادًا وجماعات: مؤمنين وغير مؤمنين، كما وردت على لسان كثير من الأنبياء والأولياء، مما يشير للأهمية الكبيرة للتقوى. ١. النبي عليه السلام. فقد أمر الله سبحانه نبيه بالتقوى فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]. قال البيضاوي: («ناداه بالنبي وأمره بالتقوى؛ تعظيمًا له وتفخيمًا لشأن التقوى. والمراد: الأمر بالثبات عليه؛ ليكون مانعًا له عما نهي عنه بقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ اَلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ فيما يعود بوهن في الدين))(١). وقال ابن الجوزي: ((فإن قيل: ما الفائدة في أمر الله تعالى رسوله بالتقوى، وهو سيد المتقين؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه. والثاني: الإكثار مما هو فيه. والثالث: أنه خطاب ووجه به، والمراد: أمته)»(٢). ٢. الصحابة. من الآيات قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٧٦/٣. (٢) زاد المسير ٤٤٦/٣. ◌ِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. فقد أمرهم الله سبحانه بالتقوى عسى أن تكون شكرًا للنعمة على نصره العظيم وقد كانوا قلة. قال ابن عطية: ((أمر تعالى المؤمنين بالتقوى ورجاهم بالإنعام الذي يوجب الشكر. ويحتمل أن يكون المعنى: اتقوا الله عسى أن تكون تقواكم شكرًا على النعمة في نصرة بدر»(٣). ٣. أولو الألباب. أمر الله أولي الألباب بالتقوى في أكثر من موضع في كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. يعني بذلك جل ثناؤه: واتقون يا أهل العقول والأفهام بأداء فرائضي عليكم التي أو جبتها علیکم في حجکم ومناسککم وغیر ذلك من ديني الذي شرعته لكم، وخافوا عقابي باجتناب محارمي التي حرمتها عليكم؛ تنجوا بذلك مما تخافون من غضبي عليكم وعقابي، وتدركوا ما تطلبون من الفوز بجناتي. وخص -جل ذكره- الخطاب بأولي الألباب؛ لأنهم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا؛ إذ (٣) المحرر الوجيز ص٣٥٢. ٤٢٦ مُوسُو ◌َرُ النَّفسيد القرآن الكريم التقوى کانوا أشباحا کالأنعام، وصورا کالبهائم، بل هم أضل سبيلا من البهائم(١). وقال ابن عطية رحمه الله ((وخص ﴿أُوْلُواْ الْأَلْيَبٍ﴾ بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل؛ لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله، وهم قابلو أوامره والناهضون بها، وهذا على أن اللب لب التجارب وجودة النظر، وإن جعلناه لب التكليف فالنداء بـ ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ عام لجميع المكلفين، واللب العقل)) (٢). ٤. المؤمنون. أكثر آيات الأمر بالتقوى موجهة للمؤمنين؛ لأن فيها جماع الخیر کله. قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُوْاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. والآيات كثيرة في ذلك؛ لأن القرآن الكريم يربط التقوى بالأوامر والنواهي والنصر والتمكين وغيرها، بصور وأشكال وأساليب مختلفة. ٥. أهل الكتاب. وقد كانت وصية الله سبحانه لأهل (١) جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٠١. (٢) المحرر الوجيز ١/ ٢٧٤. الكتاب بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ أَتَّقُواْ اللَّهَ ﴾ [النساء: ١٣١]. ٦. جميع الناس. وكذلك ورد الأمر بالتقوى لجميع الناس. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ أَلَِّى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسِ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾ [النساء: ١]. فقد ورد الأمر بالتقوى في الخطاب لجميع الناس، قال البيضاوي: ((﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب يعم بني آدم ... وترتيب الأمر بالتقوى ... ؛ لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهید الأمر بالتقوی فیما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه، على ما دلت عليه الآيات التي بعدها))(٣). (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٢٩/١. www. modoee.com ٤٢٧ حرف التاء أساليب الأمر بالتقوى أولًا: أسلوب الغيبة أو الخطاب: وقد تنوعت صيغة الخطاب فاستخدم القرآن الكريم الغيبة والخطاب المباشر في الحديث عن التقوى، وكان أكثر حديث القرآن بلفظ ﴿أَتَّقُواْ اللّهَ﴾ بصيغة الخطاب المباشر المفيد للأمر بالتقوى، والمرتبط بمختلف الأحكام الشرعية وغيرها. وقد يبتدأ بالأمر بالتقوى أولًا؛ تمهيدًا للدخول في الموضوع، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾ [التوبة: ١١٩]. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. وقد يأتي الأمر بالتقوى لاحقًا للأمر أو النهي عن أحكام معينة، كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلى أَلْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]. وهذه الأوامر وردت بصيغة الأمر. وقد يرد الخطاب بالتقوى بصيغة الفعل المضارع، كقوله تعالى: ﴿قَامِتُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ. وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وصيغة الفعل المضارع؛ للتجدد والاستمرار. وقد يضاف الخطاب بنسبته المباشرة إلى الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقد خص بالخطاب أولي الألباب، قال البيضاوي: ((حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعری عن شوائب الھوی، فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب)»(١). كما أنه سبحانه أضاف الأمر بالتقوى بالخطاب المباشر لذاته؛ لتربية المهابة، وتأكید الأمر بالتقوى. كما ترد التقوى بصيغة الغائب، كقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَّجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَُ خَلِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. سواء كان ذلك بصيغة الفعل الماضي كما ذكر في الآية، أو بصيغة الفعل المضارع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِّلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهُ يَجْعَل لَّهُمَخْرَمًا وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٧٨/١. ٤٢٨ جَوَسُو ◌َة النفسية القرآن الكريم التقوى ٢-٣]. ثانيًا: أسلوب الحض على التقوى: وقد ورد الحض على التقوى بألفاظ وأساليب مختلفة: فقد يرد الحض بتحصيل التقوى لذاتها؛ لما فيها من جوامع الخير، وسعادة الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ويراد به القيام بما يقتضيه الأمر بالتقوى. لكن لما كان الأمر غير مقدور للإنسان أن يتقي الله حق تقواه طلب من المرء أن يتقي الله حسب استطاعته. عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. قال: ((لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ تخفيفًا على المسلمين ﴿فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. فنسخت الآية الأولى)). لكن روي عن ابن عباس أنه قال عن آية: ﴿أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. أنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، ويقوموا لله سبحانه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم(١). المهم أن المأمور به من التقوى ما يستطيعه الإنسان؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. ثم إن التقوى هبة من الله سبحانه وتعالى، لا يملك المرء هذه الملكة إلا بتوفیق منه سبحانه، فیبذل الإنسان جهده في تحصیلها، وأهم وسيلة أن یطلب بصدق من الله تعالی أن یھب له التقوى. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَّى وَءَانَتُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. يقول سيد قطب: ((فالذين اهتدوا بدأوا هم بالاهتداء، فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل: ﴿وَءَانَتُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧] ... ، والتقوى حالة في القلب تجعله أبدًا واجفًا من هيبة الله، شاعرًا برقابته، خائفًا من غضبه، مستطلعًا إلی رضاه، متحرجًا من أن يراه الله على هيئة أو في حالة لا يرضاها))(٢). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٩٥. (٢) في ظلال القرآن ٣٢٩٤/٦. www. modoee.com ٤٢٩ حرف التاء صفات المتقين تحدث القرآن عن صفات المتقين وسوف نتناولها فيما يأتي: أولًا: صفات اعتقادية: ١. الإيمان بالغيب. ورد من صفات المتقين الإيمانية أنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيٍْ﴾ [البقرة: ٣]. والغيب: ما غاب عن الحواس، ويقابله الشهادة، أي: ما تشاهده الحواس. ولقد نفى الله تبارك وتعالى علم الغيب عن جميع المخلوقات إلا من أراد هو أن يطلعه على الغيب بالقدر الذي يشاء. فقد نفى علم الغيب عن الإنسان وعن الجان وحتى عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه. قال تعالى: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اُللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ إِي مَلَكُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ [الأنعام: ٥٠]. والجن الذين آتاهم الله بعض القدرة، حيث كانوا يسترقون السمع نفى عنهم علم الغيب فقال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَتَنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: ١٤]. والإنسان محاط بالغيب المجهول الذي يقف العقل عنده عاجزًا قاصرًا. وقد أثبت القرآن علم الغيب وجعل له مفاتح لا يعلمها إلا الله تعالى، وأن علم الغيب منفي عن المخلوقات إلا ما يشاؤه الله تعالى، والإيمان بالغيب يجعل الإنسان يتجاوز ما تدركه الحواس فيتجاوز مرتبة التفكير في هذا الوجود الذي كانت فيه دلائل الوحدانية، ولهذا امتدح الله المؤمنين المتقين بأنهم الذين يؤمنون بالغيب. فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُّ لَا رَيْبُ فِيهِ هُدِّى لِلْنَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَّةَ وَّا رَزَقْهُمْ يُفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٢ - ٤]. قال الألوسي: ((واختلف الناس في المراد به هنا على أقوال شتى .. ، والذي يميل إليه القلب أنه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام وهو الله تعالی وملائكته و کتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ لأن الإيمان المطلوب شرعًا هو ذاك))(١). وفي التعبير بالفعل المضارع ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وهو فعل يفيد الاستمرار، فإيمانهم حاضر لا يغيب وهو مستمر في نفوسهم، ولا تجدهم لحظة يفقدون إيمانهم، ولا مستلزمات إيمانهم، أو لاستحضار تلك الصورة البديعة. وفي اقتران الإيمان بالغيب بإقام الصلاة (١) روح المعاني، الألوسي ١١٤/١. ٤٣٠ القرآن الكريم التقوى وإيتاء الزكاة نجد أن الآيات تتحدث عن فكانت لهم في الإيمان باليوم الآخر صفتان اثنتان: الإيمان قبل ذكر الصلاة والزكاة بعدها؛ الأولى: يوقنون بالآخرة. لأن بينهما صلة: إن علاقة الصلاة بالإيمان بالغيب أنها المظهر العملي له، فالصلاة بها يستشعر الإنسان صفات الله، ويتذكر القرآن والرسل والملائكة واليوم الآخر، فالصلاة والشك عن الشيء سمي يقينًا. مذكرة بهذه المعاني كلها ... وأما علاقة الإنفاق بالإيمان بالغيب فذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة برهان)(١). فالإنسان الذي ينفق ماله مع حبه له وحرصه علیه لا لشيء وبدون مقابل سوی ابتغاء وجه الله فذلك دليل على إيمانه الله واليوم الآخر بشكل عملي ودقيق. وإذا كان الإيمان بالغيب يشمل أركان الإيمان وهي: الإيمان بالله وملائكته و کتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وقد أجملت ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الآية هذه القضايا بقوله ولكن كان لإيمان المتقين بكل ركن من أركان الإيمان صفة خاصة. ٢. الإيمان باليوم الآخر. من صفات المتقين الإيمانية أنهم يؤمنون باليوم الآخر إيمانًا يقينًا لا يخالطه أي شك أو ريبة. ومن صفاتهم أنهم مشفقون من الساعة، (١) جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، رقم ٢٠٣/١،٢٢٣. اليقين هو الاعتقاد بالشيء من حيث لا يعتريه شبهة ولا شك، فإذا انتفت الشبهة قال الراغب: ((اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم ... ، وقوله عز وجل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]. أي: ما قتلوه قتلًا تیقنوه، بل إنما حكموا تخمينا ووهمًا»(٢). ومن صفات المؤمن أنه يعتقد اعتقادًا يقينًا فينبغي أن لا يخالط اعتقاده أية شبهة أو شك. وقد جعل الله الأدلة التي تورث اليقين في النفس. قال تعالى: ﴿وَفِ خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْثُ مِنْ دَابَّةٍ ءَايَتٌ لِقَوْمِ بُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَفِ اْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات: ٢٠]. وامتدح الله أنبياءه وعباده الصالحين حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىَّ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: ٧٥]. وذم الله الكافرين والمنافقين لعدم يقينهم فقال: ﴿فَأَصِْرْ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌُّ وَلَا (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٥٥ . www. modoee.com ٤٣١ حرف التاء يَسْتَخِقَّتَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. وقال: ﴿وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوّا﴾ [النمل: ١٤]. وقد امتح الله المتقين بيقينهم بالآخرة حيث قال: ﴿مَفِرَةِ هُمْيُوقُونَ﴾ [البقرة: ٤]. أي: إن اعتقادهم بالآخرة لا يخالطه شك ولا ريبة، فهم يعتقدون اعتقادًا جازمًا بأمر الآخرة وأحوالها. الثانية: مشفقون من الساعة. الصفة الثانية التي امتدحهم الله بها هي إشفاقهم من الساعة. قال تعالى: ﴿وَذَكْرَالْمُنَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٤٩]. قال الراغب في بيان معنى الإشفاق: ((الشفق: اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]. والإشفاق: عناية مختلطةٌ بخوف؛ لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه، قال: ﴿وَهُمْ مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]. فإذا عدي بـ(من) فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بـ(في) فمعنى العناية فيه أظهر))(١). فمعنى أنهم من الساعة مشفقون أي: (١) المصدر السابق ص ٢٦٤ . خائفون منها مع الاعتناء بأمورها. قال أبو السعود: ﴿وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٤٩] ((أي: خائفون منها بطريقة الاعتناء ... وإيثار الجملة الاسمية؛ للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه)»(٢). ثانيًا: صفات المتقين الفعلية: ١. إقامة الصلاة. وردت بعض الآيات في وصف صلاة المتقين أنهم يقيمون الصلاة. قال تعالى: ﴿الّمّ ن ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبُ فِيهِ هُدَى لِلَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ السَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ١ - ٣]. وورد في آية البر: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وفي آية أخرى أنهم يقيمون الليل بالصلاة والاستغفار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ءَلَخِذِينَ مَآ ءَانَهُمْ رَبُّهُمَّ إَِهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ ١٥ مُحْسِنِينَ ﴿ كَانُواْ قَلِيلًاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِاَلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨]. فالمتقون يقيمون الليل بالتهجد والاستغفار. وقبل الحديث عن قوله تعالى: ﴿ كَانُوا قَلِلاً مِّنَ الَتْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ لابد من الحديث عن معنى إقامة الصلاة وأقوال المفسرين في (٢) إرشاد العقل السليم، ٦/ ٧٠ . ٤٣٢ موسوبر النفسيةِ العضوي القرآن الكريمِ التقوى معنى ﴿وَيُقِعُونَ السَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٣]. قال الراغب في بيان معنى القيام: «يقال: قام يقوم قيامًا فهو قائم، وجمعه: قيام ... والقيام على أضرب: قيامٌ بالشخص إما بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو على العزم على الشيء. فمن القيام بالتسخير: ﴿قَآبِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. ومن القيام الذي هو بالاختيار: ﴿ أَمَّنْهُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَتْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]. ومن المراعاة للشيء قوله: ﴿كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة: ٨]. ومن القيام الذي هو العزم قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]. وقوله ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ [المائدة: ٥٥]. أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها))(١). فمعنى ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾ أي: يداومون على أفعالها ويحافظون عليها. ﴿وَيُقِيمُونَ السَّكَوَةَ وذكر البيضاوي معنى فقال: ((أي: يعدلون أركانها ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها، من أقام العود إذا قومه، أو يواظبون عليها، من قامت السوق: إذا نفقت وأقمتها: إذا جعلتها نافقة .. فإنه إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يرغب فيه، وإذا ضيعت كانت كالكاسد المرغوب (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١٧. عنه. أو يتشمرون لأدائها من غير فتور ولا تواڼٍ، من قولهم: قام بالأمر وأقامه إذا جد فیه وتجلد، وضده قعد عن الأمر وتقاعد. أو يؤديها، عبر عن الأداء بالإقامة؛ لاشتمالها على القيام، كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح. والأول أظهر؛ لأنه أشهر، وإلى الحقيقة أقرب وأفيد؛ لتضمنه التنبيه على أن الحقيقة بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى، لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذكر في سياق المدح المقيمين الصلاة، وفي معرض الذم فويل للمصلين» (٢). ٢. إيتاء الزكاة والإنفاق. وصف الله المتقين بأنهم يؤتون الزكاة، وذكر صفة زكاتهم وإنفاقهم، ومن هذه الصفات هي: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْفِ وَالْيَتَمَى وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِلِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهذه الآية تبين أن المتقين يؤتون المال علی حبه. # إيتاء المال على حبه. فهذه الصفة من صفات المتقين أنهم يؤتون المال على حبه، أي: يدفعون (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٥٧ . www. modoee.com ٤٣٣ حرف التاء للصدقات أفضل ما عندهم من مال، وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. يحتمل أن يكون المقصود به الزكاة المفروضة ویحتمل أن يراد به النوافل، قال البيضاوي: ﴿وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ((يحتمل أن يكون المقصود منه ومن قوله: ﴿وَءَاتَ اُلْمَالَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. الزكاة المفروضة، ولكن الغرض من الأول بيان مصارفها، ومن الثاني أداؤها والحث عليها. ويحتمل أن يكون المراد بالأول نوافل الصدقات أو حقوقًا كانت في المال سوى الزكاة)) (١). وقال الألوسي: ﴿وَءَاتَى الزَّكَوَةَ ﴾ [البقرة: ١٧٧] ((بناءً على أن المراد بما مر من إيتاء المال نوافل الصدقات. وقدمت على الفريضة؛ مبالغة في الحث عليها، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة)»(٢). وعليه فقوله تعالى: ﴿ وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُّبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. يحتمل أن يكون في الزكاة أو في نوافل الصدقات. وأيًا ما كانت فإنها صفة امتدح الله بها المتقين، وهي أنهم يؤتون المال علی حبه. وَعَلَى والضمير المجرور في قوله: (١) المصدر السابق ٣١٣/١. (٢) روح المعاني ٢/ ٤٧ . جَوَسُوع القرآن الكريم [البقرة: ١٧٧]. حَبِّهِ» عائد على المال ((أي: أعطى المال كائنًا على حب المال. والتقييد بقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ لبيان أفضل أنواع الصدقة»(٣). وقال ابن كثير: «أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه» (٤). الإنفاق في السراء والضراء. وهناك آية أخرى وصفت إنفاق المتقين، وهي قوله تبارك وتعالى في وصف المتقين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. قال الراغب في بيان معنى الإنفاق: ((نفق الشيء: مضى ونفذ .. والإنفاق قد يكون في المال وغيره، وقد یکون واجبًا، وقد یکون تطوعًا)) (٥). وقال الألوسي: ((والإنفاق: الإنفاد، يقال: أنفقت الشيء وأنفدته بمعنّى، والهمزة للتعدية، وأصل المادة تدل على الخروج والذهاب)»(٦). وقد حث الله تبارك وتعالى على الإنفاق وبذل المال، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْمِمَّا رَزَقْنَكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. (٣) المصدر السابق ٢ / ٤٧ . (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٩٧. (٥) المفردات ص٥٠٢ . (٦) روح المعاني ١١٨/١. ٤٣٤ التقوى وحث على إخراج الطيبات من الرزق، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ اُلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. بين سبحانه أجر الإنفاق فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِي كُلِّ سُتْبُكَةٍ مِائَةٌ حَبَّةٍّ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال جل شأنه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اَللَّهِ وَتَلَّبِينًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّمٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَاِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيِّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. كما بين الله تعالى أن الصدقة والإنفاق لا یذهبان بالمال، بل على العكس فهما ینمیان المال أکثر. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمَّ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وبهذه الصورة وامتثالًا لأمر الله تبارك وتعالى وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام لبی المتقون نداء ربهم، فجادت نفوسهم بالعطاء، فكان العطاء بالنسبة لهم خيرًا من الأخذ، وقد علموا أن ما أعطوه إنما هو ذخرٌ لهم عند ربهم تبارك وتعالى، وقد أنفقوا أموالهم في سبیله لا يبتغون إلا رضاء وجهه الکریم. ومعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. أي: في اليسر والعسر. قال أبو السعود: ((في حالتي الرخاء والشدة واليسر والعسر، أو في الأحوال كلها؛ إذ الإنسان لا يخلو من مسرة أو مضرة. أي: لا يخلون في حالٍ ما بإنفاق ما قدروا علیه من قلیل أو کثیر)»(١). وقال ابن كثير: ((أي: في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُّونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى، والإنفاق في مراضیه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر)» (٢). وقد عبر عن الإنفاق بالفعل المضارع؛ لأنه يفيد التجدد والاستمرار. قال الألوسي: ((وأما الإنفاق حيث كان أمرًا متجددًا عبر عنه بما يفيد التجدد (١) إرشاد العقل السليم، ٨٤/٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٣٨٢. www. modoee.com ٤٣٥ حرف التاء والحدوث))(١). بينما عبر فى آية أخرى بالجملة الاسمية فقال: ﴿اَلْصَِّينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَدِنِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]. وذلك أن الجملة الاسمية تفيد الثبات والاستقرار، فالجملة الأولى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ تفيد التجدد والاستمرار والتي تبين استمرار إنفاقهم وتصدقهم. والجملة الثانية: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ تفيد المدح؛ لأنها منصوبة على المدح. وقد تم الجمع بين الجملة الفعلية والاسمية. أما قوله تعالى: ﴿مَا رَنَقْهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. فقد عبر هنا عن الشيء الذي ينفقونه بالرزق، والرزق: العطاء ... وقيل: أصل الرزق الحظ. قال الراغب: ((الرزق يقال للعطاء تارة -دنيويًا كان أم أخرویًا- وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ویتغذی به تارة، یقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما))(٢) . وفي الآية ﴿وَمَا رَزَقْهُمْ يُفِقُونَ ﴾ [البقرة: ٣]. ((أسند الرزق إلى نفسه تبارك وتعالى؛ للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن یضاف إلی الله، ویسمی رزقًا منه ... ، وقدم مفعول الفعل دلالة على کونه أهم، و کأنه قال: يخصون بعض المال الحلال بالتصدق به))(٣) ٣. الاستغفار. وصف الله المتقين بأنهم يستغفرون الله تبارك وتعالى، وكانت لهم في ذلك صفات مميزة. قال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]. وقال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْلِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَمَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. فالمتقون يستغفرون بالأسحار ولا يصرون على المعاصي. الاستغفار بالأسحار. الاستغفار هو مغفرة الذنوب. وأصل الغفر: الستر والتغطية. قال ابن منظور في لسان العرب: ((وأصل الغفر: الستر والتغطية. وغفر الله ذنوبه، أي: سترها ... واستغفر الله ذنبه - على حذف الحرف -: طلب منه غفره)) (٤). فأصل كلمة غفر: ستر وغطى، وفي الاصطلاح: ستر الذنوب. (١) روح المعاني ٤ / ٥٨ . (٢) المفردات ص١٩٤. (٣) الكشاف، الزمخشري ٢٣/١ . (٤) لسان العرب، ٢٥/٥. ٤٣٦ القرآن الكريم لتقوى طلوع الفجر. قال الراغب في المفردات: ((السحر والسحرة: اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار))(١). فوقت السحر ينتهي بطلوع الفجر. وهو آخر الليل قبيل الصبح. قال ابن كثير: «وأصح ما ورد في تحديد وقت السحر ما ثبت في الصحيحين وغيرهما ... من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل الله تبارك وتعالى في کل ليلة إلى السماء الدنيا حین یبقی ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)(٣))(٣). وقد اختلف المفسرون في بيان معنى الاستغفار في الآية ﴿وَبِالْأَسْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]. فقال بعضهم: المراد به: الدعاء. قال ابن جرير الطبري: ((اختلف أهل التأويل في القوم الذين هذه صفتهم، فقال بعضهم: هم المصلون بالأسحار .. وقال آخرون: هم (١) المفردات ص٢٢٦ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ﴾، رقم ٧٤٩٤، ١٤٣/٩، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء، رقم ٥٢١/١،١٦٩. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٣/١. والسحر: هو الوقت الذي يكون قبل المستغفرون ... وقال آخرون: هم الذين يشهدون الصبح في جماعة .. وأولى هذه الأقوال قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها بالأسحار، وهي جمع سحر، وأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء. وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرضهم لمغفرته بالعمل والصلاة، غير أن أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء))(٤). وقال القرطبي: ((لا تناقض في ذلك فإنهم يصلون ويستغفرون)) (٥). والحكمة فى تخصيص وقت السحر بالدعاء والاستغفار: أنه أفضل الأوقات للعبادة والدعاء. فقد ورد عن النبي صلى الله علیه وسلم أنه قال: (ینزل الله تبارك وتعالى في کل ليلة إلى السماء الدنيا حین یبقی ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)(٦) . وقال الشيخ محمد رشيد رضا: ((وحكمة تخصيص السحر: أن العبادة تكون حينئذ أشق على أهل البداية؛ لأنه الوقت الذي يطيب فيه النوم ويعزب الرياء، وأروح لأهل النهاية؛ لأن النفس تكون أصفى، والقلب أفرغ من الشواغل))(٧). (٤) جامع البيان، الطبري ٢٠٩/٣ . (٥) الجامع لأحكام القرآن ٣٩/٤. (٦) سبق تخريجه. (٧) المنار، محمد رشيد رضا ٢٥٣/٣. www. modoee.com ٤٣٧ حرف التاء وقال القاسمي في تفسيره: ((والحكمة في تخصيص الأسحار: كونه وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية والألطاف السبحانية. وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالفة، والرغبة وافرة، مع قربه - تعالى وتقدس - من عباده)) (١). وقال الرازي: ((واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي کمال العبودیة من وجوه: الأول: أن وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب. والثاني: أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة وأقبل على العبودية كانت الطاعة أكمل ... ))(٢). وقال النسفي: ((وخص الأسحار؛ لأنه وقت إجابة الدعاء، ولأنه وقت الخلوة))(٣). عدم الإصرار على المعصية. قال الله تعالى في وصف المتقين: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ (١) محاسن التأويل، القاسمي ٤ /٦٥ . (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٢٠٢. (٣) مدارك التنزيل، النسفي ١٤٩/٢ . يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. قال الراغب في بيان معنى الفاحشة: («الفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال» (٤). وقال البيضاوي: ((﴿وَأُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً ﴾ فعلة بالغة في القبح کالزنى ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾ بأن أذنبوا أي ذنب كان. وقيل: الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة»(٥). فكل تجاوز أو كل ذنب يسمى ظلمًا، والذنب سواء کان کبیرًا أم صغیرًا فإنه یسمی ظلمًا، وعليه فمعناه في الآية: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. أي: أذنبوا في حق الله تعالى، وعليه تكون الفاحشة: المعصية البالغة في القبح، والظلم: الذنب مطلقًا، كما ذكر الألوسي سابقًا. والمتقون -إن وقع منهم ذنب سواء كان كبيرًا أو عظيمًا والتي سماها (الفاحشة) أو أذنبوا ذنبًا صغيرًا والتي سماها ﴿ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾، يسارعون ويتذكرون حق الله تعالى ويتذكرون عقابه ويتذكرون عفوه فیستغفرون الله عما وقع منهم. ومعنى ﴿ذگرُوا اللهَ﴾ أي: تذكروا حقه (٤) المفردات ص٣٧٤. (٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤٣/٢ . ٤٣٨ مَوَسُوبَة النفسي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التقوى العظیم ووعيده، أو ذکروا العرض علیه، أو السؤال عن الذنب یوم القيامة أو نهیه أو غفرانه. فَعَلُواْ﴾. قال ابن كثير في معناه: ((أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه))(١). وفي الحديث عن النبي صلی الله علیه وسلم قال: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة)(٢) قال الراغب: ((الإصرار: التعقد في الذنب والتشدد فيه والامتناع من الإقلاع عنه، وأصله من الصر، أي: الشد))(٣). ٤. خشية الله تعالی. من صفات المتقين الإيمانية أنهم ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء: ٤٩]. والخشية: خوف يشوبه تعظيم. قال الراغب: ((الخشية: خوف يشوبه تعظيم. وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٥/١. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، رقم ١٥١٤، ٢/ ٨٤. وحسنه ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٨٥. (٣) المفردات ص٢٧٩ . قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَوُا﴾ [فاطر: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا [ق: ٣٣]. أي: من خاف خوفًا اقتضاه معرفته بذلك من نفسه» (٤). والخشية ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى ولا يكون فيها خشية للناس. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ! [البقرة: ١٥٠]. ولقد نهى رسوله أن يخشى الناس؛ إذ الخشية ينبغي أن تكون لله تعالى: ﴿وَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وبما أن الخشية أكثر ما تكون عن علم بما يخشى منه فإن خشية الله أكثر ما تكون من خلال معرفته عز وجل بصفاته وآياته وأفعاله، فمن كان أعلم بالله تعالى كان أخشى له، لهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَواْ﴾ [فاطر: ٢٨]. قال الألوسي: ((والمراد بالعلماء: العالمون بالله عز وجل وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الحميدة وسائر شئونه الجمیلة، لا العارفون بالنحو والصرف مثلاً، فمدار الخشية ذلك العلم لا هذه المعرفة، فكل من كان أعلم به تعالى كان أخشى ... (٤) المفردات ص١٤٩ . www. modoee.com ٤٣٩ حرف التاء وصح عنه صلی الله علیه وسلم أنه قال: (أنا أخشاكم لله وأتقاكم له)(١). ولكونه المدار ذكرت الخشية بعد ما يدل على كمال القدرة، ولهذه المناسبة فسر ابن عباس -کما أخرج عنه ابن المنذر وابن جرير - (العلماء) في الآية بالذين يعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير))(٢). فمعرفة الله تبارك وتعالى تورث الخشية له، والعلماء العارفون بآيات الله وصفاته أكثر خشية له. ويدخل في إطار العلماء علماء الكون والطبيعة الذين يتوصلون لمعرفة أسرار الله في خلقه. فالكون هو كتاب الله المنظور الذي يدل فيه على أن الله هو خالق هذا الكون والمتصرف فيه، حیث جعل فیه دلائل قدرته وبديع صنعه، فحث على النظر في ملكوت السموات والأرض، والتفكر في شئونهما، لذا كان العلماء الذين يتوصلون لاكتشاف بدائع صنع الله تعالى داخلون في الخشية التي خصهم الله بها، وهذا إن كانت هذه الأمور توصلهم لخشية الله تعالى. ٥. القنوت. وصف الله المتقين بالقنوت، وهو طاعة الله عز وجل مع الخضوع له. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، رقم ٢،١١١٠/ ٧٨١. (٢) روح المعاني ١٩١/٢٢. قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنِّفُكُم پِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمَّ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَتُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَاتٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بَلْعِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَاً ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَِّينَ وَالصََّدِقِينَ وَالْقَّنِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٥ - ١٧]. قال الراغب: ((القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وفسر بكل واحد منهما في قوله: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ لَّهُ، قَنِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. وقیل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساکتون، ولم یعن به کل سكوت، وإنما عنی به ما قال عليه الصلاة والسلام: (إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيءٌ من كلام الآدميين: إنما هي قرآن وتسبيح)، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: (طول القنوت)، أي: الاشتغال بالعبادة ورفض کل ما سواه))(٣). وقال الألوسي: ((﴿قَنْتِينَ﴾ أي: المطيعين، قاله ابن جبير، أو المداومين على الطاعة والعبادة، قاله الزجاج، أو القائمين بالواجبات، قاله القاضي»(٤). (٣) المفردات ص ٤١٣. (٤) روح المعاني ١٠٢/٣ . ٤٤٠ موضوع القرآن الكريم