النص المفهرس
صفحات 61-80
التقليد يقول الله فيها: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ ◌ِلَِّينَ أُسْتَكْبُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ أَفَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ اَلْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَ كُمْ بَلْ كُم وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ تُجْرِمِينَ ) اُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْتَأْمُرُونَنَآ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُهُ أَنْدَادَأْ وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اْلْعَذَابَ وَحَعَلْنَا الْأَغْلَلَ فِىَ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [سبأ: ٣١-٣٣]. ولو رأينا، لرأينا موقفًا يحول دونه الوصف ويعجز عنه التصور، حيث المضللون من المستضعفين والمضللون من المستكبرين، والمحاججة بين الخصمين على أشدها في التلاوم وإرجاع الكلام، إذ يقول التابع المستضعف -وقد أخذته بعض شجاعة -: لولا أنتم لكنا مؤمنين، فقد كنتم شدیدي الحرص علی کفرنا لنقلدکم فیه، ولولاكم أيها الرؤساء في الدنيا لكنا مؤمنين بالله وآياته. فكان رد المستكبرين: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْمُدَى﴾ . والاستفهام استنكاري، إنكارًا للتهمة، وردًا على الأتباع بأنكم كنتم مجرمين، فإجرامكم هو الذي صدكم عن الإيمان. فكانت مجابهة المستضعفين على رد المستكبرين: ﴿بَلَّ مَكْرُ الَِّلِ وَالنَّهَارِ لِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ﴾ بل مكركم الذي لم يفتر ليلًا ولا نهارًا للصد عن الهدى، ولتمكين الباطل، ولتلبيس الحق، ولاستخدام النفوذ والسلطان في التضليل والإغواء. وقول الله سبحانه: ﴿بَلَّ مَكْرُ اَلَيْلِ وَأَلنَّهَارِ﴾ كناية عن دوام الإلحاح عليهم في التمسك بالشرك. عندها خاف الخصمان من الفضيحة في الموقف فأسروا الندامة في قلوبهم وصدورهم كمدًا، وهذا من الذلة بمكان. ومن ثم كانت الأغلال التي تنتظرهم؛ لتغل بها الأيدي إلى الأعناق، ويلقى بهم إلى جهنم جزاءً لأعمالهم الخبيثة التي کثروا بها سواد المستكبرين من القادة والمتبوعين في الدنیا، فما أغنی تقليدهم عنهم شيئًا. وذكرت الآية الليل والنهار، لبيان كثرة المكر وتواصله وعدم يأس أصحابه المجرمين، لنعلم نحن المسلمين في هذا الزمان، مدى ما يمكر بنا، ويحاك ضدنا من مؤامرات، مؤامرات عسكرية وإعلامية واجتماعية وثقافية وفكرية واقتصادية، لکل منها مختصون وأهلون. ونتيجة هذا المكر الخبيث يوم الحسرة: التخاصم والتلاوم والأغلال والعذاب الشديد جزاءً وفاقًا. www. modoee.com ٤٠١ حرف التاء مواجهة التقليد والتبعية الأمم تصح وتمرض، تبتلى وتعافى، ومن أراد السلامة فلا بد له من وقاية نفسه من المرض، ولئن أصابه؛ فإنه یحرص على الاستشفاء. والأمراض التي تصيب الأمم كثيرة، منها - كما أخبر القرآن الکریم- مرض التقليد والتبعية العمياء الذي يوهن العقول، ويذيب الشخصية، ويضعف الإرادة؛ فتتبع سبل سابقيها وكبرائها، وتنحرف عن منهج الله الذي ارتضاه لعباده. ولقد وقع في هذا الأمر كثير من القرون، فأصاب القرون اللاحقة المقلدة، ما أصاب القرون السابقة المقلدة في المعاصي والذنوب، حينما لم يعتبروا ولم يتعظوا بالهالكين قبلهم. وجاء القرآن الكريم يقص علينا أمراض الأمم التي أصيبت بها وعوقبت عليها؛ لتكون آیة وموعظة للمتقين. فکان ذلك دواء من الأدوية التي وصفها لنا القرآن الكريم لنتعافی مما ابتلي به کثیر من الخلق. وحتی يثبت الشفاء ويزداد، كان لا بد من وجه مضاد لوجه أئمة السوء والشر، وهم أئمة الهدى، ولا بد من إظهار الصورة المنفرة للمقلدين أيضًا؛ زجرًا لهم، وردعًا لغيرهم. وكذلك لا بد من بيان المسؤولية الفردية التي يتحملها کل فرد عن عمله. ومن هنا فقد جاء هذا المبحث في أربعة مطالب: أولًا: الاعتبار بمصارع القرون الأولى: قص علينا القرآن الكريم قصصًا الغابرين، أظهر فيها عللهم، التي كانت سببًا في دمارهم واستحقاقهم العقوبة من الله تعالى. وقصصهم هذه، فيها الإرشاد والتوجيه للخلق ألا يقعوا فيما وقع فيه هؤلاء السابقون من العلل؛ حتى لا يصيبهم ما أصابهم. ولقد عذب الله تعالى الأقوام بأنواع مختلفة من العذاب، كل بما يناسب ذنبه حيث يذكر الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَتْبِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَقْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]. فقوم عاد أهلكوا بريح صرصر عاتية، وقوم ثمود أهلكوا بالصيحة، وقوم نوح بالطوفان، وقوم فرعون بالغرق، وجعل دیار قوم لوط عاليها سافلها. وهذه الألوان من العذاب، ليست من الظالمين ببعيد. وسبب هذا العذاب: كفرهم، وعتوهم عن أمر ربهم، وعصيان رسله، وتكذيبهم بآياته، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى يِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١)﴾ [هود: ١١٧]. وكل هذا لم يكن ليقصه الله عبثًا- وحاشاه-، بل كان ذلك للموعظة ولتكون آية، آية للمؤمن ليصبر على ما يلقاه في بَرُ الََّّ جوب القرآن الكريم ٤٠٢ التقليد سبيل الله من أذى، إذ إنه مطمئن لوعد ربه يديه لزجره عن ظلمه، وليت الأمر بقي على أن العاقبة للمتقين، ويقتدي بمن سبقه من ذلك، بل وصل الأمر إلى التزلف والتملق المؤمنین الصابرين، ولیزداد خشية وإيمانًا، وآية لغير المؤمن لعله يزدجر عما يقترف من آثام وسیئات. ومن أسباب الهلاك الظلم والكفر، فقد قال الله سبحانه عن قوم لوط: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا مُسَوَّمَةً حِجَارَةً مِّن سِجِلٍ مَنضُورِ ) عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: ٨٢-٨٣]. ٨٣ يخبر الله تعالى أن الحجارة التي أصابت قوم لوط حاضرة لكل ظالم طغى وتجبر، وهي بانتظار كل من حاكى فعالهم. فالله سبحانه لا یحابي أحدًا من الخلق، وليس بینه وبین أحد نسبًا. والظلم ذنب عظيم يعذب الله تعالى بسببه الظالمين، ويعجل لهم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة: ﴿وَتِلْكَ اَلْقُرَىّ أَمْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ [الكهف: ٥٩]. یقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)(١). واليوم لا نرى ردعًا للظالم، ولا أخذًا على (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، رقم ٤٣٤٠، ٢١٤/٤. وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح، ١١٥/٣. للظلمة، والمداهنة لهم، ورفع قدرهم، واعتبار زيارتهم، والجلوس معهم مفخرة، فکان حري أن یعم العقاب، حیث التشرید والشتات، وأن يحل العذاب، حيث التشرذم والتفرق، والتقاطع والتدابر. ولا يدفع ذلك كله إلا الإنابة إلى العزيز الغفار، وترك التشبه بمن ظلم نفسه من الأمم السابقة. وخاطب الله تعالى المنافقين بأن يعتبروا بما حل بالأمم من قبلهم، حيث قال: ﴿أَلَّـ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوح وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَّوْمٍ إِنْزِهِيْمَ وَأَصْحَابٍ مَذْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِّ أَنَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [التوبة: ٧٠]. فأهل النفاق مطالبون بالاتعاظ مما أصاب الذين ذكرتهم الآية وأتتهم الرسل بالبينات، فردوها كفرًا وظلمًا؛ فكان الغضب الإلهي، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم یظلمون. وسیاق الآية وإن کان يتحدث عن المنافقين، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمنافقون وغيرهم في کل زمان عليهم الاعتبار. ولم يكن الظلم وحده سببًا في الهلاك، بل والتكذيب بآيات الله ورسله أيضًا والذي حذر منه القرآن الكريم. وأمر الله تعالى www. modoee.com ٤٠٣ حرف التاء بالسير في الأرض للاعتبار بمن أصابهم سخط الله وغضبه بسبب تکذیبھم الرسل، فقال سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: ١١]. وکل موضع أمر فيه بالسير في الأرض، فإنه يدل على الاعتبار والحذر، أن يحل بالمخاطبين من أفعال الله مثل ما حل بالسابقين(١) وسمى القرطبي السير في الأرض: ((سفر العبرة))(٢). وسورة الشعراء جاءت آيتها السادسة تهديدًا لمن كذب الرسول صلى الله عليه وسلم قريش، ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوُاْ مَا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [الشعراء: ٦]. ومن ثم ذكرت تكذیب الأقوام لرسلها فيما بعد (٣)، فأهلكهم الله بهذا التكذيب. ویقول الله عز وجل عن عادة آل فرعون والذين من قبلهم في التكذيب بآيات الله كَدَابِ ءَالِ وإهلاكهم بسبب ذلك: فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ ◌ِثَايَتِ رَتِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَّكُلّ كَانُواْ ظَلِمِينَ والذين من قبلهم في التكذيب والكفر، كان (١) انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، ١/ ١٤٧. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٢٥/٥. (٣) انظر: سورة الشعراء: ١٠٥، ١٢٣، ١٤١، ٠١٧٦،١٦٠ تغيير حالهم جميعًا بالعذاب؛ فهم غيروا أوامر الله وشرعه، فغير الله حالهم؛ جزاءً وفاقًا لجنس عملهم. فعلى كل من يريد النجاة مما حصل للقرون السالفة عليه أن يتقي الله تعالى ويكون مع الصادقين، وألا يكون كآل فرعون والذين من قبلهم في التكذيب. ومن أسباب الهلاك التي حذرنا القرآن منها: الترف والبطر، يقول الله سبحانه: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُبْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فِيَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَقَرْنَهَا تَدْمِيرًا ١٦ [الإسراء: ١٦]. أي: أمرنا المترفين بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم، فخرجوا عن طاعة ربهم وعصوا أمره، فوجب عليهم عذاب الاستئصال. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم (٤). وجاءت الآية التي تلي السابقة محذرة مما أصاب القرون الأولى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوْجٌ وَكَفَى بِرَكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبيرً ا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء: ١٧]. [الأنفال: ٥٤]. والله تعالى لا يغير نعمة أنعمها على قوم ولما تشابه حال قريش، بحال آل فرعون حتى يغيروا ما بأنفسهم من عقيدة صحيحة، وعبادة مشروعة، وأخلاق حسنة، إلى ضدها؛ فإن فعلوا عاقبهم الله تعالى، بتغيير حالهم. (٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ١٤١/١٨. جَوَسُولَرَ النَّفَيْ القرآن الكريم ٤٠٤ التقليد يقول المولى عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٥٣]. جاءت هذه الآية بين آيتين تبدأ كل منهما بقول الله سبحانه: ﴿كَدَأپ ءَاِ فِّرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾عاقبهم الله بكفرهم وتكذيبهم بآيات الله، وغيروا أحوالهم من الصلاح إلی الفساد، فغير الله ما بهم من النعم إلى النقم. وجاء الزجر الشديد لأولئك المغترين بأموالهم وأولادهم، بأنه كان من قبلکم من هو أشد منكم قوة، وأكثر أموالًا، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرتموها أنتم، فلما عصوا رسل ربهم، وجحدوا آياته عاقبهم الله تعالی، ولم یکن لهم من دونه ولي ولا واق، ولم تغن عنھم أموالهم ولا قوتهم من الله شيئًا. فطلب الله تعالى من هؤلاء المغترين أن يسيروا في الأرض ويعتبروا بمن سبقهم، ممن هو أكثر منهم أموالا وأشد منهم قوة. *آولم يَسِيُوا فِ فقال الله سبحانه: الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاتَّارًا فِى اُلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّه ◌ِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللّهِ مِن وَاقٍ ﴾ [غافر: ٢١] ولقد أهلك الله تعالى قرى كثيرة تشابهت في جريمة بطر النعمة و كفرانها، فيقول عز من قائل: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُشْكُن مِنْ بَعْدِ هِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ ٥٨ ﴾ [القصص: ٥٨]. وأرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان(١)، فكذبوا به، وجحدوه رغم معرفتهم بصدقه وأمانته، فأبدل الله رغدهم جوعًا، وأمنهم خوفًا. وفي المقابل انقلب حال من اتبعوه من المؤمنين من خوف إلى أمن، ومن ضعف إلى قوة، ومن قلة إلى كثرة، ومن هزيمة إلى نصر: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَنَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ اْلَطِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وختم الآية بالشكر، وهذا الذي يناسب ذكر النعم وزيادتها. ومن المنكرات الخطيرة المعلنة: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولقد قص الله علينا نبأ بني إسرائيل حينما تركوا هذا الواجب، فانتشر الفساد بينهم، فلعنهم الله، وضرب قلوب بعضهم ببعض. فقال الله سبحانه مخبرًا عن ذلك: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِىَ إِسْرَِّيلَ (١) وانظر: سورة النحل: ١١٢. www. modoee.com ٤٠٥ حرف التاء عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَدَّ ذَلِكَ بِمَا يقول سبحانه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٨) كَانُواْ لَا إِلَيْكَ مَاكُنْتَ تَعْلَمُهَآ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَأَصْبِرِّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ ﴾ [هود: ٤٩]. يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: ٧٨-٧٩]. وتعقيبًا على هلاك ثمود، قال الله ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا سبحانه: ظَلَمُواْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وحذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن ببعث علیکم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) (١). فعلى الأمة في هذا الزمان أن تحسب لنقم الله وغضبه الحساب الذي یلیق، ولا تبقى شاردة في غيها وضلالها، وألا تتبع الذين ظلموا أنفسهم، بل تتبع سبيل من أناب إلى الله. وعلى تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اعتقادًا منهم النجاة من أذى الظلمة، أن يعلموا أن الفساد الخلقي سيصيبهم؛ والفساد الخلقي أشد وأخطر من الأذى الجسدي، فالأول يربي على الركون إلى الظلمة، والثاني يربي على التحدي والاستعلاء بالإيمان. والمستقرئ لكتاب الله تعالى، يرى التعقيب على قصص الغابرين يدعوه إلى الصبر وأخذ العبرة. فبعد إغراق قوم نوح، (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم ٤٦٨/٤،٢١٦٩. قال الترمذي: «هذا حديث حسن)). ٤٦٨/٤. ٥٢ ﴾ [النمل: ٥٢]. وكذلك الأمر بعد هلاك فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالأُولَ ا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَوْ (٢﴾ [النازعات: ٢٥-٢٦]. وتعقيبًا على هلاك قوم لوط: ﴿إِنَّفِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّلْمُتَوَسِِّينَ ﴾ [الحجر: ٧٥]. وعن بدر، وبعد هلاك صنادید قریش، قال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِئَّتَيْنِ الْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ أَلْعَيْنَّ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾ [آل عمران: ١٣]. وبعد هزيمة يهود في خيبر: ﴿هُوَالَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مِن دِيَرِجْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَنَظَنُواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَنُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ ◌ُخْرِبُونَ بُيُوتَّهُم بِأَيْدِيِهِمْ وَبِدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَيِرُواْ يَتَأُؤْلِى الْأَبْصَرِ ﴾ [الحشر: ٢]. وطريق الأنبياء عليهم السلام محفوف بالأذى الجسدي، أما الإيمان فمقره القلب، مَوَسُوبَةُ اللَّهِيَة القرآن الكريم ٤٠٦ التقليد ولا سلطان لأحد عليه إلا الله، يقول الله قدوة، جعل الله تعالى لهم صفات، وآتاهم بينات من الهدى، فقال سبحانه مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر ثمانية عشر نبيًا ممن سبقوه (١): ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهٌ فَبِهُدَ لُهُمُ أَقْتَدِةِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. سبحانه: ﴿لَنْ يَضُرُوكُمْ إِلَّ أَذَى﴾ [آل عمران: ١١١]؛ فعلى المؤمن أن يتأسى بطريقهم عليهم السلام؛ فهو الطريق الأسلم والأقرب للنصر في الدنيا، والنجاة في الآخرة. ثانيًا: القدوة الحسنة: السنة أن يكون للناس إمام يؤمهم، يحاكون فعله وقوله، ويتبعون أمره، وينصرون فكره. والإمام هذا أحد نوعين -كما سماهم القرآن الكريم- أئمة يدعون إلى النار، وأئمة يهدون بأمر الله. وأئمة الهدى حتى يستطيعوا تغيير ما أفسده الناس، ويحيلوا طريقهم المعوج إلى استقامة؛ لا بد أن يكون معهم المنهج الواضح البين، الذي يقنع الناس المضللين بأن ما هم فيه ضلال. ويبقى المنهاج جافًا حتى يتحول إلى بشر تمشي على الأرض. فكان هذا الأمر مع أنبياء الله عليهم السلام ومع الذين ربوا على أيديهم من أتباعهم المؤمنين؛ ليكونوا قدوة حسنة للناس من بعدهم في کل جیل. والأنبياء أحسن الناس خلقاً وإيمانًا، وأعلاهم منزلة، والواجب أن يتأسى بهم الناس، وأن يتبعوهم في فعلهم وقولهم، ويتركوا الاقتداء بأئمة الكفر. وحتى يكونوا يقول الطبري: («هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم الله لدينه الحق، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آیات کتابه، والقیام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه والعمل بما فيه ... فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم ﴿اقْتَدِه﴾ یا محمد، أي: فاعمل، وخذ به واسلكه)) (٢). ويبين الإمام الرازي أن صفات الشرف وخصال الكمال هذه كانت مفرقة في الأنبياء بأجمعهم. فأیوب کان من أصحاب الصبر. وداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر. وسيدنا يوسف كان مستجمعًا لهاتين الصفتين -الصبر والشكر -. وموسى كان صاحب الشريعة القاهرة والمعجزات الظاهرة، وزکریا ویحیی وعيسى وإلياس كانوا أصحاب زهد، وإسماعیل کان صاحب الصدق، ويونس كان صاحب التضرع. وبعد (١) انظر: الأنعام: ٨٤ -٨٦. (٢) جامع البيان، الطبري، ٥١٨/١١-٥١٩. وانظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٢٧٢/٨. www. modoee.com ٤٠٧ حرف التاء ذكرهم، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن سواءٌ أكان المعبود بشرًا - كعبادة الزعماء في بعض الدول- أم عبادة المؤسسات- كالتي تشرع من دون الله. وأن تستمر البراءة من ذلك أبدًا حتی یؤمنوا بالله وحده. يقتدي بهم ﴿فَبِهُدَهُمُ آقْنَدِه﴾، أي: اقتد بكل هذه الصفات المفرقة فيهم؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أفضلهم (١). ومن الصفات التي تحلى بها الأنبياء عليهم السلام، وأمرنا أن نتأسى بهم فيها، البراءة من الأعداء، وإظهار العداوة والبغضاء بيننا وبينهم أبداً حتى يؤمنوا بالله وحده. قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَّةٌ فِىَ إِنَزَهِيمَ وَأَلَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَوَا مِنكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُتْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْ ◌ِاَللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة: ٤]. فالمؤمنون عليهم التأسي بإبراهيم والذين معه في عدم الرضا بعبادة الأصنام، وأن يتشبهوا بهم في البراءة من الكفار في كل الأحوال، حتى وإن كانوا ضعفاء، أيًا كان الضعف، سواءٌ أكان ضعف النصرة، كما كان زمن النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية، أم ضعف الإرادة، كما هو حال مسلمي اليوم. وأن يقتدوا بإبراهيم والذين معه في عظمة البراءة، وألا تكون على خجل، كما يصنع بعض الناس اليوم. وأن يقتدوا بإبراهيم والذين معه في الكفر بجميع المعبودات، (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٥٨/١٣. وعلينا أن نقتدي بإبراهيم والذين معه في خصال الخير، في عدم الاستغفار للمشرکین ولو کانوا أولي قربی من بعد ما تبین لهم أنهم أصحاب الجحيم، وفي التبرؤ من حولنا وقوتنا إلى حول الله وقوته، وأن نتشبه بهم في التوكل على ربنا، وفي الإنابة إليه، فالمصير إليه. ونقتدي بهم في مناجاة ربنا ألا يجعلنا فتنة القوم الكافرين، وأن يغفر لنا: ﴿إِلََّّقَوْلَ إِبْهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن شَىٍّْ زَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَاً إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الممتحنة: ٤-٥]. وأول سورة الممتحنة نزل في حاطب بن أبي بلتعة (٢)، الذي والى أهل مكة في محاولة إنبائهم سير النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، فكان التوجيه الرباني في هذه الآية إلى المؤمنين أن يقتدوا بإبراهيم والذين معه في البراءة من المشركين. وكانت الوصية الربانية، في اتخاذ الأنبياء عليهم السلام أسوة حسنة في سورة الممتحنة نفسها، فقال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ (٢) انظر: لباب النقول، السيوطي، ص٢٥٦. ٤٠٨ القرآن الكَرِيْمِ التقليد كَانَ لَكُ فِهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرَّجُواْ اللَّهَ وَأَلْيَوْمَ اْأَخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦]. فالذي يقتدي بأئمة الهدى هؤلاء، هو من آمن بالله واليوم الآخر. ولیس کل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، إنما تسهل على من آمن واحتسب الأجر(١). ولما كان النبي صلی الله عليه وسلم سيد الخلق، وأكرمهم على الله تعالى، ولما كان على خلق عظيم، جاء التوجيه الرباني بتخصيصه أن يكون أسوة حسنة. فقال الله سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ اْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ولكي يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، فقد أهله الله لذلك في کل میدان من میادین الدين والدنيا. ففي مجال الثبات على العقيدة وعدم التنازل عنها، ثبت أمام مغريات المال والجاه والنساء التي عرضت عليه مقابل ثنيه عن (٢) الدعوة، فثبت ولم يساوم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُّدُونَ وَلَّا أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَآ أَعْبُدُ جْ وَلَ أَنْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُّمْ ن وَلَا أَنْتُمْ عَيِّدُونَ مَآ أَعْبُدُ ٥ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلَِ دِينِ . [الكافرون: ١-٦]. (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٥٦. (٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٢/ ١٣٠. وفي مجال الأخلاق، كان النبي صلى الله عليه وسلم الأعلى فيها كلها، ويكفيه شرفًا أن زكى الله خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤]. وحرف الجر يفيد الاستعلاء، فكأنه صلى الله عليه وسلم اعتلى الأخلاق كلها، وكلمة عظيم توحي بشأن هذه الأخلاق العظيمة؛ فهو صلی الله عليه وسلم صاحبها الذي امتلأت حياته بها. وفي مجال التعامل، كان صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة. فكان باشًا مع أصحابه، محترمًا إياهم، محبًا لهم، ملبيًا حاجاتهم. وغير ذلك من مجالات الاقتداء التي يستطيع كل فرد في المجتمع - أيًا كان مرکزه وعمله- أن يقتدي به صلی الله عليه وسلم، سواءٌ أكان زوجًا أم أبًا أم جارًا أم مربيًا أم قائدًا أم مجاهدًا. وختمت صفات عباد الرحمن بدعائهم ربهم أن يجعلهم أئمة يقتدى بهم: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] . قال البخاري: ((أيمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا))(٣). وصفات العباد الذين نسبهم الرحمن لنفسه هي: التواضع، ومخاطبة الجاهلين بالسلام، والدعاء، والاعتدال، في الإنفاق (٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ١٣٩/٨. www. modoee.com ٤٠٩ حرف التاء ولا يشركون ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، وكذلك من صفاتهم التوبة وعمل الصالحات، ولا يشهدون الزور، والإعراض عن اللغو، والإصغاء لآيات الله(١). ﴿وَأَجْعَلْنَا وختم هذه الصفات بدعاء لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الصفات هي جزء من صفات عباد الله الواجب على الناس أن يتبعوهم فيها، والتي تؤهلهم للإمامة وقيادة الناس. واليوم يعيش المسلمون أزمة قدوات فصار جزء منهم یقتدي بمن فسدت عقائده، وساءت أخلاقه، وراج سوؤه. فصار باطن الجيل وظاهره مقلدًا للكفر، ولدعاة على أبواب جهنم. وحتی یحسن حالنا، ويسوء وجه عدونا؛ لا بد من أئمة الهدى يقتدي بهم التائهون، ویؤوب إليهم المرضى بهم يستشفون. وأئمة الاقتداء والهدى هؤلاء، لا بد لهم من صفات يتصفون بها، وسمات تعلو باطنهم وظاهرهم، ومنها: ٢. ألا يخالف فعلهم قولهم، اقتداء بشعيب عليه السلام الذي ذكر الله قيله لقومه: ﴿َمَّ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: ٨٨]. ٣. أن يكونوا على خلق عظيم، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي زکی الله أخلاقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤]. ٤. أن يكون القدوة حرًا طليقًا من القيود المذلة، كالمهنة التي تحجبه عن قول الحق، اقتداءً بالرسل عليهم السلام الذين خاطبوا أقوامهم: ﴿قُل لَّا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] وهذه الآية نفسها التي تبدأ بقوله: ﴿أُوْلَيْكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللَّهَ فَبِهُدَلُهُمُ أَقْتَدِة﴾، والتي تم الحديث عنها سابقًا. ٥. العلم: كما أمر الله تعالى نبيه- وكل من يصلح له الخطاب- بقوله: ﴿فَأَعْلَ أَنَّهُ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [محمد: ١٩] فقدم العلم على التوحيد؛ إذ لا نعرف التوحيد إلا بالعلم؛ لذا كان أول ما نزل: ﴿أَقْرَأْ﴾. وغيرها من الصفات التي تؤهل المسلم ليكون قدوة للمتقين. ١. أن تتحدث عنهم أفعالهم أكثر من ثالثًا: إظهار الصورة المنفرة للمقلدين: أقوالهم. أنعم الله تعالى على الإنسان بنعم كثيرة، فقال سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. وعلى الإنسان أن يقوم بواجب الشكر لله (١) انظر: سورة الفرقان: ٦٣ -٧٤. مَوَسُورُ النَّقِين القرآن الكريم ٤١٠ التقليد على هذه النعم، وشكرها یکون باستعمالها فيما أمر الله، فإن استعملها صاحبها في غير ما أمر الله تعالى فقد كفر هذه النعمة، وحينها يستحق الذم. السمع والبصر والعقل؛ لتكون له عونًا على اتباع الحق، واجتناب الباطل، ومن عطلها عن هذه الوظيفة التي خلقت لأجلها؛ فقد شبهه القرآن الكريم بالبهائم. الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِِّ لَمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْفَفِلُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. فهؤلاء لهم قلوب لا يفقهون بها الخير والهدى، ولهم أعين لا يبصرون بها طريق الحق، ولهم آذان لا يسمعون بها مواعظ القرآن سماع اتعاظ. هؤلاء مثلهم كمثل الأنعام لا تفقه ما يقال لها. بينما الأنعام وهي غير مكلفة، طائعة لربها، وهي مفطورة على ذلك؛ فهي: «تبصر منافعها، وتتبع مالكها، وهم بخلاف ذلك)) (١). ووصفهم الله تعالى بالغفلة الكاملة، فهي خاصة بهم ﴿هُمُ الْفَفِلُونَ﴾(٢). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠٦/٧. وانظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٥٩/٣. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٧٧/٣، نظم الدرر، البقاعي، ١٥٩/٣. إن تفضيل الله تعالى للأنعام على من أنكر حق الله تعالى في الوجود، وفي العبادة متبعًا في ذلك غيره، ومعطلًا ما وهبه الله من حواس، لهو تفضيل في غاية البشاعة ومن النعم التي أنعم الله بها على الإنسان والازدراء، فناسب تعطيلهم الحواس، تصويرهم البشع بأنهم أضل من الأنعام، فلو كان عندهم شيء من الإحساس والأنفة والعزة، لاهتزت مشاعرهم، وانتفضت قلوبهم الصدئة على تبعية عمياء، وجاهلية حمقاء، ولأنصت السمع للحق، ولنطق به اللسان، وعملت به الجوارح. يقول عبيد الله بن المعتمر: ((لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد»(٣). وقريب من آية الأعراف السابقة، آية الفرقان التي يقول تعالى فيها: ﴿أَمْ تَحْسَبُ ١٠٠٠٠١٠٠ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( [الفرقان: ٤٤]. والملاحظ أن كلتا الآيتين جاء فيهما الإضراب لزيادة الذم. أما ارتباط الآيتين بما قبلهما، فقد جاءت آية الأعراف السابقة بعد الحديث عن الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وآتاه الله علمًا لكنه أخلد إلى الأرض متبعًا هواه (٤)؛ فلما كان حاله ترك آيات الله، واتباع هواه، شبهه (٣) أضواء البيان، الشنقيطي، ٧/ ٣١٢. (٤) انظر: سورة الأعراف: ١٧٥-١٧٩. www. modoee.com ٤١١ حرف التاء الله تعالى بالكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. وهذا مثل في غاية السوء، وهذا استنفار لذي الحجر؛ ليقلع عن كل عمل يوصل إلى مثل هذا الحال. أما آية الفرقان فقد سبقتها آیات تخبر عن استهزاء الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم. ووصفهم إياه بالضلال، واتخاذهم الھوی إلهًا من دون الله، فكان الرد الرباني عليهم بأنهم من الجهل بمكان وأنهم أضل من الأنعام سبيلاً. يقول سعيد حوى: ((إن القيام بأمر الله هو وحده الذي يطلق طاقات الإنسان كلها في طريقها الصاعد نحو الكمال، وترك أمر الله يعني إطلاق هذه الطاقات نحو الحيوانية الحرة))(١). ولم يكتف القرآن الكريم بتشبيه الذين يتبعون آباءهم -معرضين عن داعي الله تعالی لھم باتباع ما أنزل الله- بالأنعام، بل شبههم أيضًا بالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً. وهذه الصورة منفرة من التقليد الذي لا يقوم على دليل، قال سبحانه: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَّا لَا يَسْمَعُ إِلَّ دُعَلَهُ وَنِدَآَهُ صُمْ بُكْمُ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٧)﴾ [البقرة: ١٧١]. والآية هذه سبقت بالآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١) الرسول صلى الله عليه وسلم، حوى، ص٩. شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١٧٠]. يقول الرازي: ((ضرب لهم هذا المثل تنبيهًا للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، وقلة الاهتمام بالدين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرًا لقلبه، وتضييقًا لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد))(٢). هؤلاء المقلدون عطلوا حواسهم-التي خلقها الله لهم لينتفعوا بها- واتبعوا آباءهم مقلدين لهم دون وعي وتفكير، ولم يتبعوا الرسل معاندين لهم. فهم صم عن سماع الحق، بكمٍّ عن النطق به والدعوة إليه، عميٌ عن اتباعه؛ لأجل ذلك وصفهم القرآن في سورة الأنفال: بأنهم من الدواب، وأنهم شرها. قال الله سبحانه: ﴿﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِندَ اللَّهِ اُلُّمُّ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ٢٢ [الأنفال: ٢٢]. ويلاحظ أن آيتي البقرة والأنفال وصفتا المقلدين بالصم والبكم وعدم العقل، وهذا الوصف یلیق بهم في الدنیا إذ إنهم کذلك. أما يوم القيامة حينما يرون ما وعدهم ربهم (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٨/٥. ٤١٢ مؤشر النفسية الوضوء القرآن الكريم التقليد من النار، فإنهم يحسنون استعمال سمعهم وعقولهم؛ فيندمون ولات حين مناص. يقول الله تعالى واصفًا حالهم هذه: ﴿ وَقَالُوا لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَا فِ أَصْخَبِ السَّعِيرِ فَأَعْتَّرَقُواْ بِذَئِِّهِمْ﴾ [الملك: ١٠-١١]. ١٠ وفي هذا أكبر الزجر لأولئك المقلدین، کی یتوبوا من غيهم، ويفيقوا من غفلتهم ولا يكونوا إمعات(١) معطلين لأسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم، متبعین کل ناعق. ويخرج عبد الله بن مسعود رضي الله حينما يقول: ((اغد عالمًا أو متعلمًا ولا تكونن إمعة))(٢). ولقد صور الله تعالى الكافرين بصورة مزرية، حينما قال: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾ [محمد: ١٢]. فھم کالبهائم لا هم لهم إلا شهوة البطن والفرج، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا التَّارُ﴾ [هود: ١٦]. ولئن شبه المتبعون غير ما أنزل الله، بالأنعام، فقد كان للحمار دور في التشبيه به أيضًا. فالله تعالى وصف اليهود الذين لا يلتزمون أمره بالحمار في الحقارة والبلادة مَثَلُ الَّذِينَ. والجهل، قال سبحانه: (١) جمع إمعة وهو: الذي لا رأي له ولا عزم، فهو يتبع كل أحد، ولا يثبت على شيء. انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣/٨. (٢) إعلام الموقعين، ابن القيم، ٢٦٨/٢. النَّوْرَنَ ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٥]. فالله تعالى كلف اليهود بالعمل بما في التوراة، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إنهم كتموا، وحرفوا وبدلوا، وظاهروا المشركين على المسلمين فلما كانوا كذلك، شبههم بالحمار يحمل أسفارًا، لا يدري ما يحمل ولا ينتفع بما يحمل، إنزالًا من قدرهم، وحطًا من شأنهم. عنه الإمعة من زمرة العلماء والمتعلمين والحمار يضرب به المثل في الجهل والبلادة والحقارة (٣). والغاية من ذلك تحقير المقلد ليكون ذلك أدعى لدفعه لترك التقليد. وهذا المثل فيه ترهيب للمسلمين من أن يتهاونوا بشيء من أحكام القرآن؛ فيكونوا أكثر سوءًا من اليهود؛ ومن ثم يكونون دون الحمار؛ فرسولهم صلى الله عليه وسلم أعظم، و کتابهم أعلى. وفي الأمة الإسلامية اليوم من يحفظ كتاب الله تعالى ويعلم ما فيه، إلا إنه يخالفه في عمله وأخلاقه وتصرفاته وتصوراته، فشابه اليهود في هذه الصفة المذمومة. وعليه أن يعتبر ويتعظ ويعمل بما علم، کی لا یلحقه من الذم ما لحق اليهود. (٣) انظر: اللباب في العلوم الكتاب، ابن عادل، ٧٦/١٩. www. modoee.com ٤١٣ حرف التاء رابعًا: إعلان المسؤولية الفردية: المسؤولية الفردية تعني تحمل الإنسان تبعة معتقداته وأفعاله وأقواله، في الدنيا والآخرة، ولا يشاركه أحد في ذلك. ومن عدل الله تعالى أن أرسى هذا المبدأ، فلا یحمل أحد وزر أحد. يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. فالآية تحث المقلد على الانتباه، وعدم الانجرار وراء الناعقين دون وعي وإدراك، لأن المتبوع لن يحمل شيئًا من أثقال التابع وآثامه. والمقلد غيره على غير هدى، يتحمل تبعة تقليده، ولا يغني عنه المتبوع شيئًا، فهو أضعف من أن يدفع العذاب عن نفسه، فضلا عن أن يدفعه عن غيره. هذا المبدأ الرباني وردت آيات كثيرة تقره وتعلنه، وضرب الله تعالى أمثلة عدة توضحه، تمثلت في أولي العزم من الأنبياء كإبراهيم عليه السلام مع أبيه، ونوح عليه السلام مع ولده وزوجه، والنبي صلى الله عليه وسلم مع عمه؛ ليكونوا أسوة حسنة لغيرهم من المؤمنين في التبرؤ من المشركين. فإبراهيم عليه السلام خاطب أباه أنه لا يملك له من الله شيئًا، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبَّرْهِيَمَ لِأَبِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلُِ لَكَ مِنَ اللّهِ مِن شَىْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] فهو- على مكانته من الله تعالى- لا يستطيع أن يمنع أدنى شيء عن أبيه ﴿مِن شَىْءٍ﴾، وفي هذا إظهار لمبدأ المسؤولية الفردية عن الأعمال. والتعبير في الآية عن الملك ﴿وَمَآ أَمْلِكُ﴾ ليظهر أن الكل ملك لله تعالى، والمرء لا يملك نفسه التي بین جنبیه، فکیف يملك غيرها ليرد عنها العذاب. وهذا فيه تحذير المغرورين في الدنيا وتبعية أهلها ألا تعملوا إلا وفق ما أراد المالك سبحانه، لأن مخالفته تعني تحمل النتيجة من العذاب. أما بالنسبة لمبدأ المسؤولية على مستوى البنوة، فقد قدم القرآن الكريم صورة نوح عليه السلام مع ولده الكافر الذي ناداه للنجاة من الغرق كما أخبر القرآن الكريم: ﴿َبُنَّ أَرْكَب ◌َّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَفِرِينَ﴾ [هود: ٤٢]. فنوح عليه السلام أمر ولده أن يتبع سبيله، وألا يتبع سبيل الكافرين، إلا أن الابن كان مطيعًا للكافرين لا لأبيه، فكانت النتيجة أن هلك مع الذین کثر سوادهم، واتبع سبيلهم، وأطاع أمرهم من الكافرين، ولم تنفع قرابة الأبوة شيئًا، حتى مجرد المناجاة التي كانت من نوح عليه السلام لربه لم تستجب، والتي ذكرها القرآن العظيم: ﴿وَنَادَى نُوحُ رَّبَّهُ. فَقَالَ رَبٍ إِنَّأَبْنِ مِنْ أَهْلِ وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكُمُ الْحَكِينَ ﴾ قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَلِحْ فَلَا تَتْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ. عِلْمٌ إِّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ ٤٦ ٤١٤ القرآن الكريم التقليد [هود: ٤٥ -٤٦]. فكان التسليم المطلق من النبي الطائع بعدها مباشرة لأمر الله، والإنابة إليه من ندائه هذا، فقال سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيَسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ [هود: وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴾ ٤٧]. نوح هذا الذي هو من أولي العزم لم يستطع أن يرفع العذاب عن ابنه الذي هو من صلبه، ولم يستجب دعاؤه في أکثر الناس قربًا له، فكانت الثمرة أن تحمل الولد وزر نفسه، وثمرة اختياره، وكان والده من الذین رضي الله عنهم، بینما ولده من الذین غضب الله علیھم فأهلكه معهم. وأكد القرآن الكريم هذا النموذج في المسؤولية الفردية بين الابن إبراهيم عليه السلام وأبيه الكافر، وبين الأب نوح عليه السلام وبين ابنه الكافر، حينما جعله مبدأ عامًا بین کل ابن واب، وبین کل أب وابن، فقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]. زوجته الكافرة شيئًا، فقال الله سبحانه عن الزوجتين الكافرتين لنوح ولوط عليهما السلام: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَنَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّا خِلِينَ ﴾ [التحريم: ١٠]. إن الصلة بين الزوجين صلة متينة قوية، والعلاقة بينهما علاقة حميمة، و كلا منهما لباس للآخر، يسترها وتستره، هذه المودة لم تکن لتجدي نفعًا عند الله تعالی حتى في ظل النبوة والرسالة. ورغم أن الزوج نبي مرسل من عند الله تعالى، إلا إنه لم يستطع أن يغني شيئًا من عذاب الله تعالى عمن عاش معها حينًا من الدهر، حينما اختارت الكفر على الإيمان، ورضيت لنفسها طريق الكافرين على طريق المؤمنين، واتبعت خطوات الشيطان، وكفرت بخالقها وعصت زوجها إذا دعاها إلى الإيمان. فالنتيجة لم يحمل من آثامها وأثقالها شيئًا، وحصدت هي وحدها -ووحدها فقط - ثمرة غراسها السيء ﴿وَقِيلَ أُدْخُلًا النَّارَ مَعَ الذَّاِلِينَ﴾. بينما هو النبي كانت له ثمرة غراسه الطيب رضوان الله تعالى والفوز بالجنة لطاعته ربه، ومخالفة الهوى كذلك كانت المسؤولية الفردية على مستوى الزوجية، ولم يغن الزوج النبي عن والكافرين. يقول الله سبحانه: ﴿أَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ لَاُظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧]. ويقول سبحانه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. www. modoee.com ٤١٥ حرف التاء كذلك الأمر كان بالنسبة لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم حينما جمع أهل مكة وحذرهم وبين لهم حقيقة المسؤولية الفردية للأعمال، وأنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، وأن الجميع: ﴿ءَاتِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]. ٣٧ وأن ﴿لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ( [عبس: ٣٧]. فقال صلی الله عليه وسلم مؤكدًا هذا المبدأ: (يا معشر قريش - أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أُغني عنکم من الله شيئا، یا بني عبد مناف لا أغني عنکم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ویا فاطمة بنت محمد صلی الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا)(١). فالنبي صلی الله عليه وسلم على قدر كرامته عند الله تعالى، وهو أحب الخلق إليه؛ إلا إنه لا يغني عن أقرب الناس إليه شيئًا، فکیف بالأباعد عنه نسبًا ممن يدعون أنهم من أمته، ولا يهتدون بهدیه، ويتبعون غيره مستبدلين بشرعه شرع غيره، هؤلاء يؤتى بهم يوم القيامة ولا يردون الحوض، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، رقم ٢٧٥٣، ٣/ ١٩٠-١٩١. لكم فرط على الحوض، فإیاي لا يأتين أحدکم فیذب عني کما یذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا)(٢) ولو أن أحدًا يملك لأحد شيئًا، لكان هذا الأمر من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب الذي دافع عنه في أيام الدعوة الإسلامية الأولى دفاع المستمیت، إلا إنه صلی الله عليه وسلم نهي عن الاستغفار لعمه أبي طالب حينما مات على الكفر وعلى ملة الآباء والأجداد. قال الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٣)﴾ [التوبة: ١١٣]. وسبب النزول أنه: «لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال: أي عم قل معي: لا اله إلا الله، أحاج لك به عند السله. فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبینا وصفاته، رقم ٢٢٩٥، ٠١٧٩٥/٤ صُوْن ◌َبُو بَةُ النَّـ القرآن الكريم ٤١٦ التقليد أنه عنه، فنزلت(١). فالنهى كان للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أن يستغفروا للمشرکین، حتى ولو كانوا أولي قربى. هذا النهى كان قد توجه لنبیین من أولي العزم هما نوح وإبراهيم عليهما السلام، فنوح نهاه ربه أن يدعو لابنه الكافر، وإبراهيم نهاه ربه أن يستغفر لأبيه المشرك، فكان الموقف مماثلًا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك كان النهي للمؤمنين في كل زمان أن يشفعوا للكافر ولو كان ذا قربى، لأنه حاد الله تعالى ورسوله صلی الله علیه وسلم. هذا الأمر وجدنا الصحابة رضوان الله عليهم يطبقونه أفضل تطبيق. ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا فقال الله سبحانه: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَآَةَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله يوم أحد، وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وفي مصعب بن عمیر قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، وفي عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وفي علي وحمزة قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر (٢). (١) أسباب النزول، الواحدي، ص١٧٧. (٢) المصدر السابق، ص٢٧٨. هكذا تكون المفاصلة، وهكذا تكون النتيجة، صفين: صف إيمان لا كفر فيه، وصف كفر لا إيمان فيه، يحمل كل منهما تبعة اختياره، وثمرة زراعته، ولا يحمل أحد وزر أحد ولو كان ذا قربى. ليحذر المرء ولينتبه من غفلته وغروره، وأنه لن يحمل أحد عنه من أوزاره شيئًا؛ کي یبقی طائعًا لله وحده، مخالفًا کل ذي هوی. ولقد ضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون في إيمانها وصبرها أمام أعتى جبابرة الأرض. فقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَبِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَِّ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ [التحريم: ١١]. هذه المرأة الصابرة، رغم ضعفها الجسدي إلا إنها قوية بإيمانها، صبرت على أذى زوجها وتعذيبه، لأنها علمت أن ليس لها إلا ما سعت، وأن زوجها الكافر لن يغني عنها من الله شيئًا، ولن يدفع عنها ضرًا، فكان قرارها الراسخ أن لا عودة إلى الكفر بعد إذ هداها الله إلى الإيمان، وفي هذا عبرة للمؤمنين. هذه النماذج، ما ذكرها القرآن على هذا المستوى -مستوى النبوة- إلا لتؤكد مبدأ المسؤولية الفردية، وأن المرء مهما علت www. modoee.com ٤١٧ حرف التاء مکانته عند ربه، ومهما كان قريبًا من ربه، فإنه لن يستطيع أن يحمل عن أحد وزرًا ولو کان ذا قربى. فإذا کانت الأنبياء مع آبائها وأبنائها وأزواجها على هذا النحو، فكيف بمن هم أبعد من ذلك، كيف بمن اجتمعوا من أنساب شتی علی الکفر والصد عن سبيل الله، والتآمر على دينه ويوم القيامة لا نسب ولا سؤال. الله سبحانه: ﴿فَإِذَا نُّفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ ()﴾ [المؤمنون: ١٠١]. وفي هذا بيان للناس أجمعين -في كل زمان- أن يستشعروا خطورة الموقف، وتبعة المسؤولية الشخصية حينما يتبعون غير أمر الله، ويطيعون العصاة في معصية الله، ويحادون الله ورسوله تبعًا لكبرائهم، أو لأهوائهم ومصالحهم الذاتية، حیث تنقطع الصلات ومصالح الدنيا. فقال الله سبحانه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ ﴾ [البقرة: ١٦٦]. آلْأَسْبَابُ ولقد وجد في البشرية من يتكل على فضائل الآباء، ظنًا منه أنها تنفع الأبناء، ومن هؤلاء اليهود الذين ادعوا نسبتهم إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، ولم يقتدوا بهم، ظانين أن النسب إليهم سينفعهم. فرد الله تعالى عليهم هذا الادعاء: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَّكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (®) ﴾ [البقرة : ١٣٤]. فلكل ما كسب واكتسب، ولن ينفعوكم يوم القيامة. ويزعم النصارى - حسب معتقداتهم - أن المسيح عليه السلام حمل خطايا الآخرين وكفر عنها بدمه، فجاء القرآن العظيم نافيًا هذا الاعتقاد الخاطئ، حيث قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمَا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَ نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّنَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وصناديد الكفر يصدون عن سبيل الله تعالى، ويحرضون الناس على عدم اتباع الأنبياء والدعاة إلى الله، ويحثونهم على اتباع طريقتهم والعمل بمنهجهم، وتكثير سوادهم؛ لتبقى لهم القوة والغلبة، مؤملين أتباعهم بالأماني الفارغة، والوعود الكاذبة وأنهم سيحملون أوزارهم عنهم. حتى إذا حانت لحظة الشدة -في الدنيا والآخرة- تبرءوا من أتباعهم، فكان القرآن العظيم يقص قصتهم هذه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَبَهُم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ا وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ مُؤَسْو ◌َر التفسير الموضوع القرآن الكريم ٤١٨ التقليد وَأَثْقَالَا مَعَ أَنْقَالِهِمٌّ وَلَيُسْتَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١٢ -١٣]. إن الكبار يحملون وزر إضلال الصغار ويتحملون تبعة الافتراء على الله، وسيحاسبون على جريمة إضلال الضعفاء، وللضعفاء تبعة تبعية الضالين المضلين، فكانت النتيجة: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى ( وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُرَى ) ثُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَّآءَ الْأَوْنَى ﴾ [النجم: ٣٩-٤١]. فإعلان مبدأ المسؤولية الفردية على هذا المستوى، هو إعلان فيه التحذير الشديد من التقصير أو التهاون في شأن الطاعات والتزام أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، وألا یتکل أحد على حسنات أحد مهما كان قربه من الله تعالى. موضوعات ذات صلة: الاتباع، القدوة www. modoee.com ٤١٩