النص المفهرس
صفحات 41-46
التغيير قَلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا وقال تعالى: حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلََّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًاٌ وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ أَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ (١٥) وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ اَلْكَبْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىّ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّمَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ () وَأَنَّ هَذَا صِرَِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. (١٥٣ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا وقال تعالى: تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى اَلْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَلِكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦]. فاشتمل القرآن المكي وكذلك المدني على هذه الفضائل في المعاملات، التوحيد الذي هو أساس الشريعة والأخلاق، والدعوة إلى بر الوالدين، فهم السبب في وجودنا، ومهما بذلنا من إحسان، فلن نوفيهما حقوقهما، كما دعا إلى مراعاة حق القرابة والجوار، وحق الضعيف وحق الخادم وملك اليمين وحق اليتيم والمسكين وابن السبيل، ونهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونهى عن الربا وأكل مال اليتيم وأكل أموال الناس بالباطل، وجاء الإسلام بالتشريعات التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامات. ولعل من أصدق التعبيرات عن مجيء الإسلام بالتغيير لما كان عليه العرب من الواقع المرير الذي أثقل كاهل المجتمعات قبل بزوغ فجر الإسلام، وكيف كان منهج التغيير: مقالة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بين يدي النجاشي ملك الحبشة؛ وذلك حينما هاجر المسلمون الأوائل إلى حمى ذلك الملك العادل؛ فرارًا بدينهم، فأبى الظالمون إلا متابعتهم ورصدهم فأرسلوا في طلبهم، فكان ذلك الحوار الذي دار بين يدي النجاشي. وفيه: (فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومکم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا www. modoee.com ٢٧٣ حرف التاء نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علینا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت أم سلمة: فقال له النجاشى: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم ﴿كَهِيعَصّ )﴾ الآيات ... قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبکت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حین سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشى: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا)(١). وهذا ربعي بن عامر رضي الله عنه لما سأله رستم قائد الفرس: فقال ما جاء بكم؟ قال: ((الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه))(٢). (١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٠١/١، رقم ١٦٤٩، عن أم سلمة رضي الله عنها. (٢) تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٤٠١/٢، البداية والنهاية، ابن كثير ٣٩/٧. ٢٧٤ الْقُرآن الكَرِيْمِ التغيير ثمرات التغيير وآثاره للتغيير الإيجابي ثمراته المباركة، وللتغيير السلبي آثاره السلبية على الفرد والمجتمع، كما سنبين في هذا المبحث: أولًا: ثمرة التغيير الممدوح: من أعظم ثمرات التغيير: التمكين للمؤمنين. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ أَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَّمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَيِّلَهُ مِنَّ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَهُكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٥٥]. والتمكين تحول في مسار الأمة من ضعف وفرقة إلى قوة ومنعة وعزة، فللتمكين مقدماته ومؤهلاته، والتي من أهمها الإيمان والعمل الصالح، وله عوامل تحفظه، وهو القيام بواجبات العبودية لله والإصلاح. وللتغيير ثمراته الطيبة فهو سبيل النجاة وطريق الفلاح، وبه تلتمس البركات. وهو متاحٌ لکل من شرع فيه وأخذ بأسبابه مهما كان من فساد حاله وضلاله قبل التغيير. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اُلْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَبَِّاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ ) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّيْهِمْ لَأَكَلُواْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمَّ مِنْهُمْ أُنَّةٌ مُقْتَصِدَةً وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَلَّهُ مَا يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٥- ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٠٣]. وقال عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا وَإِذَا لََّتَيْنَهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ٦٧ ٦٦ ٦٨ وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَّطَا مُسْتَقِيمًا [النساء: ٦٦-٦٨]. وقال عن سائر المكذبين: ﴿وَلَوْأَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَغَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٦]. فالتغيير متاح أمام جميع المخالفين، مهما سلف منهم، ومهما أوغلوا في طريق الضلال، فالفرصة لا تزال سانحة أن يغيروا من أحوالهم، بدءًا من إصلاح العقيدة بالإيمان إلى إصلاح السلوك بالتقوى، والتوبة الصادقة والاستجابة للمواعظ ففي ذلك خير الدنيا والآخرة وتحصيل بركات الدنيا وثواب الآخرة. www. modoee.com ٢٧٥ حرف التاء ثانيًا: آثار التغيير المذموم: أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين هداة ومصلحین، فاستجاب لهم الصادقون و کفر وأعرض الجاحدون المنكرون، فابتلاهم الله تعالى بالشدائد والمحن لعلهم يرجعون ويتضرعون، لكن القلوب قاسية والأعين متحجرة، والعقول في غفلة وذهول، وهنا يبتليهم الله بالنعم والرخاء؛ استدراجًا لهم، فيزدادون بطرًا وعجبًا وغفلةً، ويمهلهم فيتمادون في الغي والطغيان، فتحل عليهم النقم ويغشاهم العذاب الذي لا كاشف له ولا عاصم منه. قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَِّيّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاِ وَالضَّرَِّ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) ثُمَّبَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَّةَ حَّ عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابَآءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّمَرَّاءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ () وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ ١٦° ﴾ [ الأعراف: ٩٤ - ٩٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَلَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَكِ وَالضَّرِِّ لَعَلَّهُمْ بَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ ٤٢ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ فَلَمَا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ. ٤٣ يَعْمَلُونَ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْ نَهُمْ بَغْتَةٌ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٥]. ومن آثار التغيير المذموم: ١. ضيق العيش في الدنيا والعمى في الآخرة. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ. ١٢٣ وَلَا يَشْقَى مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَخْشُرُهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. (١٢٤ فالإعراض عن منهج الله من أسباب الشقاء والنكد والضيق وتبدل الحال. ٢. الغشاوة على القلوب. قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: ١٤]. فمن أسباب التغيير إلى الأسوأ، غشاوة القلوب بإدمان الذنوب والمعاصي مما يحجب عنه نور الهداية. ٣ . هلاك الأمم وخراب الديار. قال تعالى عن الأمم الهالكة بذنوبها: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهٌِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. فتراكم الذنوب من أسباب الهلاك والدمار الذي يحل بالأمم المكذبة، فيتبدل حالها من خفض عيش ورغد وأمن إلى مَوَسُولَةُ النَفيِ الوَصْوِيـ القرآن الكريم ٢٧٦ التغيير هلاكٍ وخراب وتدميرٍ، فلا تبقى لهم باقية. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (إیاکم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه)، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلًا: (كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، فأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها). موضوعات ذات صلة: الإصلاح، التدرج، التربية، الدعوة www. modoee.com ٢٧٧