النص المفهرس

صفحات 21-40

التغيير
والخيلاء والاستكبار، فرحوا بالنعم
وانشغلوا بها عن المنعم، أعلنوا عن فرحهم
بالمعاصي والموبقات ؛ تفاخرًا بما أوتوا
من ظلٍ زائلٍ وعاريةٍ مستردة، وزعموا أن
عن الحكمة في ذلك، ومتجاهلين كونه
امتحانًا لهم فهم في غفلة عن سنن الله
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍمِّن نٍَِّّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا
٩٤
بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ
قَدْ مَسَ ءَابَآَنَا الضَّرَّاءُ وَالسّرَّةُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥].
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ
بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَئِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن
مِنْ بَعْدِ هِمْ إِلَّا قَلِيلًاً وَكُنَا تَحْنُ الْوَِّثِنَ
[القصص: ٥٨].
فكم من قرى كثيرة أهلكها الله حين
تمردتْ على النعمة واغترت بها وضيعت
حقها، وتلك مساكنهم أضحت مدائن
دارسة وأطلالًا خربة ؛ عبرة صامتة وموعظة
ناطقة، يمر عليها المسافر، ويعبرها العابر،
فسبحان من يرث الأرض ومن عليها . قال
ابن عباس: لم یسکنها إلا المسافرون، ومار
الطريق يومًا أو ساعة . معناه: لم تسكن من
بعدهم إلا سكونًا يسيرًا قليلًا، وقيل: لم
يعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب (١).
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
وقال أبو حيان: هذا تخويف لأهل مكة
من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من
إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن
وخفض العيش، فعظموا النعمة، وقابلوها
تبدل الحال وقع اتفاقًا ومصادفة؛ غافلين بالأشر والبطر، فدمرهم الله وخرب
(٢)
ديارهم(٢).
وقال تعالى: ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْيِ
رَيِّهَا وَرُسُلِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا
تُكْرًّا ، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُتْرًاً
٥﴾ [الطلاق: ٨-٩]
وكم من أهل قرية طغوا عن أمر ربهم
وخالفوه، وخرجوا عن أمر رسله وشاقوه،
فتمادوا في طغيانهم وعتوهم، ولجوا في
كفرهم، فبدل الله حالهم من لطف وإنعام
وستر إلى شدة وبؤسٍ وعذابٍ وإرهاقٍ لا
يطاق، فلم تنفعهم قوتهم ولم تغن عنهم
کثر تهم .
قال ابن عباس: ﴿عَنَتْ عَنْ أَمْيِدَيِّهَا﴾ أي:
أعرضت عنه. وقال مقاتل: خالفت أمر ربها،
وخالفت رسله (٣).
ثانيًا: نماذج من التاريخ.
في القرآن الكريم أمثلة واقعية كثيرة لسنة
التغيير، من ذلك ما وقع لقوم سبأ من تبدل
الحال بعد نعمةٍ وخفض عيشٍ إلى شظفٍ
ونقمةٍ حين كفروا بنعمة الله وأعرضوا عن
الحنبلي ٢٧٦/١٥.
(٢) البحر المحيط ٧/ ١٢٧.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٥/٢٣.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف التاء
الحق.
قوم سبا.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ
ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَنِ يَمِينِ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِنْ رِزْقِ
رَيَّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ ))
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَيَدَّلْنَهُم
بِنَّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَقْلٍ وَشَىْءٍ
ذَلِكَ جَزَيْتَهُمْ بِمَا كَفَرُواً
٠٧ /٠٧/
مِن سِدْرٍ قَلِلٍ )
وَهَلْ تُجَرِىّ ◌ِلَّا أَلْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَّيْنَ
الْقُرَى أَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا قُرٌَّ ظَاهِرَةً وَقَذَّرْنَا
فِيَهَا السَّيْرٌّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَإِنِينَ
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا
١٨
أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقِّ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾
[سبأ: ١٥- ١٩].
لم يشكروا ربهم بل أعرضوا عن المنعم
جل وعلا، وقابلوا النعم بالجحود والنكران،
فسلط الله علیهم السيل الجرار الذي خرب
فتبدلت تلك الحقول والبساتين المثمرة،
بأشجارٍ رديئة الثمر، كالطرفاء والسدر
وغيرها من الأشجار التي لا تغني من جوع.
ذلك العقاب بسبب کفرهم و جحودهم، فلا
نعاقب إلا من كفر بالنعم وأصر على ذلك
وتمادی فیه، فیتبدل حاله من رغد العيش
وطيب الحياة ووفرة الثمر إلى القحط
والجدب وتلف الزروع وقلة الثمر.
فتبطروا على هذه النعم وطلبوا زوالها
وتمنوا لو كان السفر طويلًا، وبلغ الترف
ببعضهم والدعة أن اشتکی من بعد الأسفار
جحودًا وإنكارًا لنعم الله تعالى، وظلموا
أنفسهم بجحودهم وغفلتهم، وتمللهم،
فجعلناهم عبرةً يتحدث الناس بها ويتعجبون
من أخبارهم ويؤسهم بعد عيشهم الرغيد،
وتفرقهم بعد اجتماع شملهم وذلهم بعد
عزهم، حتى صار تفريقهم مثلًا سائرًا فقالوا
في الأمثال: ذهبوا أيدي سبا وتفرقوا أيدي
سبا.(١)
قوم فرعون.
لا
﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ®
قال تعالى:
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اَللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ
◌ِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ { ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ لَ يَكُ مُغَيْرً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ
حَّ يُغَيُِّواْ مَا ◌ِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
سدهم وأفسد زرعهم، وأتلف أشجارهم، كَذَّبُواْ بِئَايَتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ
ءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلُ كَانُواْ ظَالِمِينَ
[الأنفال: ٥٢ -٥٤].
حين كذب قوم فرعون وعصوا رسول
ربهم عاقبهم الله بعقوبات شتى عاجلة،
كدرت عليهم صفو حياتهم، وضيقت
معیشتهم فلم یغیروا من حالهم شيئًا، فكانت
العقوبة الکبری حین أهلکهم الله بالغرق.
(١) مجمع الأمثال، الميدانى ١ / ٢٧٥.
٢٥٤
القرآن الكريم

التغيير
أسباب التغيير
للتغيير المحمود أسبابه وكذا للتغيير
المذموم، وهذا دليل على عدل الله وحكمته
ولطف تدبيره، فمن أسباب التغيير الإيجابي
الإيمان وما ينبثق عنه من عمل صالح، وما
يشع من أنوار تذكره بالماضي ليعتبر بمصير
السابقين، وتضيء له حاضره ومستقبله.
أولًا: أسباب التغيير المحمود:
١. الإيمان.
إن الإيمان هو القاعدة لأي إصلاح،
والركيزة لأي منطلق، والسبیل إلی کل خير.
قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
هَاجَرُوا وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ
يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فـ
٢١٨
[البقرة: ٢١٨]. فكل عمل صالح منبعه
الإيمان، لا ينهض به إلا أهل الإيمان،
فهم جديرون بنيل الهداية والرشاد وإحراز
التوفيق والسداد.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللّهِ
وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِّنْهُ
وَفَضَّلٍ وَيَّهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا()﴾
[النساء: ١٧٥].
والخير كله في أهل الإيمان والعمل
الصالح فهم صفوة الخلق وخيارهم،
إیمانھم یرقی بھم ویهذب سلو کھم ويصلح
من حالهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
[البينة: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ
كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُ مِّنُّ بَعْدٍ
خَوْفِهِمْ أَمْنَاً يَعْبُدُونَفِ لَا يُتْرِكُونَ بِىِ شَيْئاً وَمَن
كَفَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ )
[النور: ٥٥] .
فالإيمان مع عمل الصالحات هو الركيزة
الأساسية للاستخلاف والتمكين، والتغيير
للأفضل، التمكين بعد الابتلاء والاستضعاف
والتضييق، والخوف بعد الأمن والعزة بعد
الهوان والقوة بعد الضعف.
والإيمان طريق الفلاح في الدارين.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[المؤمنون: ١].
وذكر الله من صفاتهم وأحوالهم ما نالوا
به الفلاح، واستحقوا به التغيير إلى الأفضل
بإيمانهم ولوازمه.
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَن كَانَ
مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ, ثُورًا يَمْشِی پِهِ،فِى
النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ القُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِچٍ مِّنْهَا
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
[الأنعام: ١٢٢ - ١٢٣].
www. modoee.com
٢٥٥

حرف التاء
بهذا النور نور الله فيرى الحقائق، ويتعامل
فالإيمان أعظم عطاء؛ لأنه سبيل كل
عطاء وأساس كل تغيير، فالإيمان حياة معها، ولا يخبط في طريقه، ولا يتعثر في
القلوب ونور البصائر وجلاء الأذهان، لا
يستوي من عاش بنور الإيمان مع من يتخبط
في ظلمات الكفر، ویتردی في درکاته، لا
یسعی إلی الخروج منها ؛ فلا یتغیر حاله إلى
الخير.
قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالی
للمؤمن الذي كان ميتًا، أي: في الضلالة
هالگا حائرًا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه
بالإيمان، وهداه له ووفقه لإتباع رسله»(١).
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وقال تعالى:
أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٤].
وأي تغيير أعظم وأي تحولٍ أكبر من
الانتقال بالإيمان والاستجابة لداعي الحق
من الموت والعدم إلى الوجود والحياة، حياة
القلوب والأرواح! فالموت والحياة ضدان
لا يجتمعان، والانتقال إلى الحياة والتحول
من الظلام الدامس إلى النور الساطع تغيير
شامل جذري في حياة الإنسان.
إن الإیمان نور؛ نور في القلب، ونور في
الجوارح، ونور في الحواس، نور يكشف
حقائق الأشياء، والقيم والأحداث وما بينها
من ارتباطات ونسب وأبعادٍ، فالمؤمن ينظر
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/١.
خطواته، والإيمان بصرٌ يمضي بصاحبه في
الطريق على نور، وعلى ثقة، وفي اطمئنان.
والإيمان ظلِّ ظليلٌ، تستروحه النفس
ويرتاح له القلب، ظلٌ من هاجرة الشك
والقلق، والحيرة في التيه المظلم بلا دليل.
والإيمان حياة في القلوب والمشاعر، حیاةٌ
في القصد والاتجاه .. كما أنه حرکةٌ بانیةٌ،
مثمرة، لا خمود فیها، ولا همود، ولا عبث
فيها ولا ضياع (٢).
((إنه الإيمان الصادق الذي يقر في القلب
تصديقًا ويقينًا، ويفيض على الجوارح سلوكًا
وعملًا، إنه الإيمان الذي يضيء القلب،
ويحرك الإرادة، ويوجه العقول، ويوظف
الطاقات ليكون صورة عملية واقعية يتجلى
فيها ليثبت وجوده، ویترجم عن حقيقته،
إنه الإيمان الذي يصلح القلوب، ويهيئ
النفوس، ويصنع العجائب وينشئ الإنسان
خلقًا آخر، ویصبه في قالب جدید یغیر هدفه
ويهذب سلوكه وذوقه ونظرته للحياة»(٣).
وبالإيمان حياة القلوب ونور البصائر
وجلاء الأفهام، وبه تسمو الأرواح وتتآلف،
وتتفتق الأذهان وتتوقد القرائح وتنشط
الجوارح، وتعلو الهمم وتنهض الأمم،
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٦٦.
(٣) خصائص المجتمع الإسلامي، محمد
الخطيب ص ١٨ - ١٩.
مَوَسوبر النفسية الوضـ
القرآن الكريم
٢٥٦

التغيير
فكلما ضعفت إرادة العبد، ووهنت قواه ينير القلوب ويرهف الأحاسيس، ويرقق
المشاعر ويهذب النفوس، ويحرك
الوجدان، وينشط الجوارح، ويوجهها
إلى العمل الصالح، الإيمان الذي يصنع
البطولات والأمجاد ويغير النفوس ويقلب
وجه التاريخ في سرعةٍ فائقةٍ وفي تحولٍ
مذهلٍ.
وكل جهده في السعي إلى المعالي، أمده
هذا الإيمان الصادق بالزاد الروحي وأذكى
في فؤاده روح المثابرة وأشعل في قلبه وقود
الانطلاق، و کلما أحاطت به المخاوف کان
هذا الإيمان ملاذًا آمنًا، وحصنًا حصيناً،
يفيء إليه المؤمن، فيطمئن قلبه، وتسكن
نفسه، والإیمان سر التفوق وإکسیر النجاح،
بالإيمان يرقى وينهض، فهو زاد القلوب
وضياء العقول ونور البصائر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية واصفًا أهل
الإيمان: ((ينالون في المدة اليسيرة من حقائق
العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في
القرون والأجيال))(١).
إنه الإيمان الذي يصنع المعجزات،
ويقود إلى التغيير، فترتقي الأمم وتنهض،
وتهبط عليها البركات.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىِّ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْ لَغَنَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[الأعراف: ٩٦].
٩٦
والإيمان الذي تنهض به الأمة ليس
المقصود به مجرد معرفة ذهنية، وحواشٍ
كلامية، أو إضاعة للأعمار في حوارات
ومساجلات عقيمة، وإنما هو الإيمان
الحي العملي الصادق المخلص، الذي
(١) نقض المنطق، ابن تيمية ص ٨.
((إن مفتاح شخصية هذه الأمة ومصدر
طاقاتها هو الإيمان الذي جعل هذه الأمة
من قبل خير أمة أخرجت للناس، وحقق
لها النصر على أعظم الإمبراطوريات في
الأرض على الرغم من قلة عددها وضعف
عدتها، وبهذا الإيمان انتصرت بعد هجمات
التتار الزاحفين من الشرق، والصليبيين
الزاحفين من الغرب، وبه تستطيع اليوم
الانتصار على ورثة هؤلاء وهؤلاء)» (٢).
فما أحوجنا إلى الإيمان بمفهومه
الصحيح الشامل الذي ورد في كتاب الله
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
الإيمان الذي فهمه الصحابة الكرام
والتابعون وتابعوهم بإحسان.
ما أحوجنا إلى إيمانٍ خالصٍ راسخٍ يعيد
لنا مجدنا وعزنا .
(٢) أين الخلل؟ د. يوسف القرضاوى ص٢١.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف التاء
وصدق الشاعر هاشم الرفاعي(١):
ملكنا هذه الدنيا قرونا
إصلاح النفوس واستقامتها وتسامیھا ورقيها
وريادتها، محبة الله للعبد ومحبته لربه
وأثرها في رشاده وثباته وتوازنه في معاملاته
وأخضعها جدودٌ خالدون
ورحمته ولينه لإخوانه وشدته وحزمه مع
أعدائه و قوته في الحق فلا یجبن ولا یداهن .
فما نسی الزمان و ما نسينا
وهكذا كلما تأملنا في القرآن وجدنا أثر
مضى بالمجد قومٌ آخرون الإيمان على سلوك الإنسان، فتوجيهات
القرآن كلها موجهة للمؤمنين، ينادي عليهم
ربهم في کتابه لخیر یأمر به أو لشر يحذر منه،
أو لترهیبٍ أو لترغیپٍ. أو لتذکیرِ أو لتبصيرِ،
وسطرنا صحائف من ضياء
وما فتئ الزمان يدور حتى
وأصبح لا یری بالمجد قومي
وقد عاشوا آئمتهم سنين
وآلمني وآلم كل حرٍ
سؤال الدهر أين المسلمون وتربط آيات القرآن بين الإيمان والعمل
الصالح، وتهيج مشاعر المؤمنين للأعمال
أذوب لذلك الماضي حنينًا الصالحة والأخلاق الطيبة.
ترى هل يرجع الماضي فإني
فهاتوا لي من الإیمان نورًا
وقووا بين جنبي اليقين
فمد یدیك وانتزع الرواسي
لتبني المجد خفاقًا مبينًا
لقد جاء القرآن كله لتوثيق الصلة بين
العقيدة والسلوك.
تأمل في قوله تعالى: ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُمْ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ
◌ُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ يِرٍّ ذَلِكَ
فَضْلُ الَِّ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾
[المائدة : ٥٤].
(١) ديوان هاشم الرفاعي ص١٩٦.
موسوبر البقية الوضوء
القرآن الكريم
تأمل على سبيل المثال في قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ
مِنَ الْرِّبُواْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [البقرة: ٢٧٨].
حيث بدأت الآية بالإيمان وختمتْ به،
بدأت بنداء إیماني وتحذير وأمرٍ رباني، ثم
ختمت بتھییج مشاعر الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )﴾ [آلـ
عمران: ١٣٩].
فأهل الإيمان هم أهل الثبات واليقين
وأهل العزة والتسامي بإيمانهم.
وقوله تعالى: ﴿يَعِطُّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ
ترى كيف يتجلى أثر العقيدة القوية في لِمِثْلِهِ أبدًا﴾ [النور: ١٧].
والآية مما نزل في شأن قصة الإفك
٢٥٨

التغيير
وفيها تحذير لمن وقع في الإفك، وأنه لا يَالشُّوءِ إِلَّمَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
[يوسف: ٥٣].
یلیق بمؤمن أن يخوض في عرض العفائف،
وهكذا نرى أثر الإيمان على النفوس وأنه
مفتاح التغيير.
كذلك يقترن الإيمان بالعمل الصالح
فهما متلازمان لا يفترقان، حيثما ذكر
الإيمان عطف عليه العمل الصالح، فلا
إیمان بدون عمل صالح یعبر عنه ویبرهن
عليه، ولا قيمة للعمل الصالح بدون إيمان
یقوم علیه ویرکن إلیه، فالإیمان بدون عمل
كالشجر بلا ظل ولا ثمر. والعمل الصالح
بدون إيمان كالجسد بلا روح، فلا إيمان
بدون عمل ولا عمل بدون إیمان.
٢. الواقع السيء.
استشعار الداء هو أول الطريق إلى التغيير
أن يدرك الإنسان أنه في حاجة للتغيير، وأن
ينبري العقلاء إلى كشف الخلل وتشخيص
العلل من أجل البحث عن علاج ناجع، وإن
لم يستشعر العقلاء مواطن العلل ومواضع
الخلل فلن يحدث التغيير، ولقد فرق القرآن
الكريم بين نفسین: نفس لوامة تلوم صاحبها
على تقصيره وتسعى لارتقائه، ونفس خبيثة
أمارة بالسوء تبرر الأخطاء وتستعذب
الذنوب.
قال تعالى: ﴿لَآَ أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ وَلَّ
أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: ١- ٢]، وقال
تعالى: ﴿﴿ وَمَا أَبَرِيُ نَفْسِىّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ"
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في
محاسبة النفس عن الحسن ﴿وَلَا أُقْيِمُ بِالنَّفْسِ
الَوَامَةِ﴾ قال: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم
نفسه: ما أردت بكلمتي ما أردت بأكلتي ما
أردت بحديثي نفسي ولا أراه إلا يعاتبها،
وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه(١).
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن
ابن عباس ﴿بِلنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال: التي تلوم
على الخير والشر تقول: لو فعلت كذا وكذا.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس
﴿بَالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال: تندم على ما فات
وتلوم عليه(٢).
قال ابن جزي: ((النفس اللوامة هي التي
تلوم نفسها على فعل الذنوب أو التقصير
في الطاعات فإن النفوس على ثلاثة أنواع؛
فخيرها النفس المطمئنة، وشرها النفس
الأمارة بالسوء، وبينهما النفس اللوامة.
وقيل: اللوامة هي المذمومة الفاجرة.
وهذا بعيدٌ؛ لأن الله لا يقسم إلا بما يعظم
من المخلوقات، ويستقيم إن كان
أَقْيِمُ﴾ نفيًا للقسم))(٣).
قلت: على كونه نفيًا للقسم فهو تنويه
بالمقسم عليه؛ لأن الآيات التي وردت بهذه
(١) الدر المنثور، السيوطي ١٥ / ٩٧.
(٢) المصدر السابق ١٥ / ٩٦ .
(٣) التسهيل، ابن جزي ٣ / ٢٥٥.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف التاء
الصيغ كل ما ورد فيه من محل القسم ذو تكونون غثاء كغثاء السيل، تتْزع المهابة منْ
شأن عظيم .
كذلك لا شأن بالنسبة لأمراض المجتمع
ومواطن الخلل فيه إن لم ينتبه لها العقلاء
أودت بالمجتمع وجرته إلى المهالك،
قال تعالى: ﴿ وَأُثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُوْ مِنكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
العِقَاب
[الأنفال: ٢٥]، وقد جاء في
الحديث عنْ زينب ابنة جحْشٍ رضي الله
عنها: أن النبي صلی الله عليه وسلم دخل
عليْها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويْلٌ لِلْعرب
منْ شرٍ قد اقترب، فتح الْيوْم منْ ردم يأجوج
ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصْبعه الإبهام
والتي تليها، قالتْ زينب ابنة جخْشٍ: فقلت:
يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:
نعمْ، إذا كثر الخبْث.(١)
وروى الإمام أحمد في المسند: عنْ
ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((يوشك أنْ تداعى عليكم
الأمم منْ كل أفقٍ، كما تداعى الأكلة على
قصْعتها)). قال: قُلْنا: يا رسول الله، أمنْ قلةٍ
بنا يومئذٍ؟ قال: ((أنْتُمْ يومئذٍ كثيرٌ، ولكنْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم
٣١٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن
وأشراط الساعة باب اقتراب الفتن وفتح ردم
يأجوج ومأجوج، رقم ٢٨٨٠.
قلوب عدوكمْ، ويجعل في قلوبكم الْوهْن)).
قال: قلنا: وما الْوهْن؟ قال: ((حب الحياة
وكراهية الْموْت))(٢).
٣. الخوف من سوء العاقبة.
لا شك أن الحذر من سوء العاقبة مما
یحمل العبد علی أن یغیر من نفسه ويصلح
من شأنه، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب
الظلمة والعصاة، ولقد حذر الله المؤمنين
من سوء العواقب، ورد ذلك في آيات كثيرة.
تأمل قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ
سُنَنَّ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٧].
فقد نزلت الآية في بداية التعقيب على
غزوة أحد تسلية للقلوب وتسرية عن
النفوس، فالأمور بعواقبها، والأيام دولٌّ،
وأمر الله بالسير في الأرض للنظر في
عواقب المكذبين للعظة والاعتبار والتسلي
والثبات على الحق. سيروا في الأرض كيفما
شئتم ونقبوا في البلاد فلن تجدوا من أفلت
من حكمنا من المكذبين، بل عاقبتهم واحدة
ونهايتهم محتومة مؤلمة.
قال ابن كثير: ((يقول تعالى مخاطبًا عباده
المؤمنين لما أصيبوا يوم أحد وقتل منهمْ
سُبْعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنَّ ﴾ أي: قدْ
جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا منْ
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧/ ٨٢.
٢٦٠
القرآن الكريم

التغيير
قبلکمْ منْ أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لھمْ
والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالی:
﴿فَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اٌلْمَكَذِّبِينَ﴾ (١).
والثاني: لمس قلوب المكذبين
المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم
من المكذبين المستهزئين، وتذكيرهم بهذه
وأمر الله تعالى بالسير في الأرض للنظر
في عاقبة المكذبين نظر اعتبار وادكار، قال
تعالى: ﴿قُلّ سِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
[الأنعام: ١١].
المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في
الاستهزاء والسخرية والتكذيب. وقد أخذ
الله -من قبلهم- قرونًا كانت أشد منهم
قوةً وتمكينًا في الأرض؛ وأكثر منهم ثراء
ورخاء، كما قال لهم في مطلع هذه الموجة؛
والخطاب موجه للمشركين وكانوا
يضربون في الأرض للتجارة، فأمرهم الله التي ترج القلوب رجًا بهذه اللفتات الواقعية
المخيفة» (٢)
بالاتعاظ بغيرهم ممن كذب.
قال سيد قطب: ((إن هذه اللفتة -بعد
ذکر إعراضهم عنادًا وتعنتًا؛ وبعد بيان ما في
اقتراحاتهم من عنت وجهالة؛ وما في عدم
الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من
الله وحلم - لترمي إلى غرضين ظاهرين:
الأول: تسلية رسول الله صلى الله عليه
وسلم والتسرية عنه، مما يلقاه من عناد
المعرضين، وعنت المكذبين؛ وتطمين
قلبه -صلی الله عليه وسلم- إلى سنة الله
سبحانه فى أخذ المكذبين المستهزئين
بالرسل؛ وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض
والتكذيب ليس بدعًا في تاريخ الدعوة إلى
الحق. فقد لقي مثله الرسل قبله؛ وقد لقي
المستهزئون جزاءهم الحق وحاق بهم ما
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٩/٣.
كانوا يستهزئون به من العذاب، ومن غلبة
الحق على الباطل في نهاية المطاف.
وقال تعالى: ﴿قُلّ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [النمل: ٦٩]
والدعوة لمنكري البعث الهازئين به
المشككين فيه، فلينظروا في عواقب من
سبقهم من المجرمين الذين أنكروا الآخرة
فلم يتورعوا عن أي إثم ولم يرعووا عن أي
جرم، فكان عاقبتهم الهلاك والدمار.
وحذر الأنبياء أقوامهم من مصير
الهالكين السابقين.
قال تعالى في قصة شعيب: ﴿وَيَقَوْرِلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ
قَوْمَ نُوَجٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَِحَّ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ
يِّنكُمْ بِبَعِيدٍ ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ
ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ
(٢) في ظلال القرآن ٢/ ٤٨٠.
www. modoee.com
٢٦١

حرف التاء
[هود: ٨٩ - ٩٠].
تبين الآية الكريمة كيف وقع قوم سبأ
وكثر في القرآن الكريم التحذير من في مصائد الشيطان فصدق عليهم ظنه:
مصارع الغابرين وسوء عواقب المكذبين بما لما أعرضوا عن شكر النعم ونسوا المنعم،
وأخلدوا إلى الترف، وتنافسوا في المتع
والملذات، فوقعوا في حبائل الشيطان
وانقادوا لوساوسه، فصدق علیھم قوله كما
أخبر رب العزة: ﴿قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
ا﴾ [ص: ٨٢ -٨٣].
(٨٣
فيه المزدجر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ هُم
مِنَ الْأَثْبَاءِمَا فِيهِ مُرْدَجَرُ حِكْمَةُ
بَلِفَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾﴾ [القمر: ٤-٥].
فالاعتبار بالسابقين والاتعاظ بمصيرهم مما
يزجر النفس عن المعاصي ويصرفها عن
القبيح، ويقيمها على طريق الرشاد.
ثانيًا: أسباب التغيير المذموم:
١. اتباع الشيطان وأعوانه.
الشيطان داعي الهوى، يزين القبيح،
ويقبح الحسن، كم من معصية هونها، وكم
من طاعة سوفها، وكم من بدعة حسنها،
وكم من سنة صرف الناس عنها، وأعوانه
من الشياطين يسعون إلى غواية الناس
وإضلالهم وإفساد دينهم ودنياهم، وكذلك
أعوانه من شياطين الإنس.
قال تعالى عن قوم سبأ وقد تغير حالهم
وتبدل من النعمة إلى النقمة ومن الرخاء
إلى الشدة، بإعراضهم وكفرانهم وتبطرهم:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ، فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا
فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَا كَانَ لَهُ, عَلَيْهِم
مِّن سُلْطَائِلًا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ
مِنْهَا فِى شَكٍُ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ )﴾
[سبأ: ٢٠-٢١]
فترکوا له الزمام وأذعنوا له وساروا في
ركابه، إلا من عصمهم الله من وساوسه
ونجاهم من إغوائه. وما تسلط عليهم بقوة
وقهر بل بمكره وحيله التي تنطلي على أهل
الأهواء والشكوك.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ
عَدُوَّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ
فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتِفُوا
مَاهُمْ مُقْتَرِفُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣].
عن مالك بن دينارٍ رحمه الله أنه قال:
(شياطين الإنس أشد علي من شياطين
الجن؛ وذلك أني إنْ تعوذْت بالله منْ
شياطين الجن ذهبتْ عني، وشياطين الإنس
تجيئني فتجرني إلى المعاصي عيانًا))(١).
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن
(١) معالم التنزيل، البغوي ١٨٠/٣.
٢٦٢
جَوَسُور
القرآن الكريم

التغيير
للجن شياطين يضلونهمْ مثل شياطين الإنس وفجور. وكأني بالآية الكريمة قد نزلت
لهذا العصر الذي أصبح فيه لوسائل الإعلام
يضلونهمْ، قال: فيلقى شيطان الإنْس شيطان
الجن، فیقول هذا لهذا: أضلله بکذا، وأضْلله
بكذا، قال: فهو قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾)).
سلطانٌ کبیر، وتأثیرٌ شديدٌ على الناس، لقد
وجه شياطين الإنس من أعداء الإنسانية
بوحي من شیاطین الجن کثیرًا من وسائل
الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة إلى
الشعوب الإسلامية، ليفتنوا المسلمين عن
دينهم وأخلاقهم، وقد ملؤوها بالبرامج
المزخرفة المموهة التي تستهدف في
حقيقتها تشكيك المسلمين بدينهم، وإشاعة
الفواحش والفجور في مجتمعاتهم)) (٤).
قال ابن الجوزي: ((وأما قوله ﴿زُخْرُفَ
آلقولِ غُرُورًا﴾ فهو ما زين منه، وحسن،
وموه))(١)، ((يزين بعضهم لبعض ما يدعون
إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى
يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء،
وينقادله الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق،
ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ
المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون
الحق باطلا والباطل حقًّا))(٢).
وقال البقاعى: ((والغرور: هو الذي يعتقد
فیه النفع ولیس ینافع)»(٣).
ويقول الشيخ عبد الحميد طهماز: ((ولا
يخفى ما في الآية من تحذيرٍ للمؤمنين
من الوقوع في شراك الضالين المضلين،
فعليهم أن يتجنبوا استماع كلامهم المزوق
المزخرف الذي يخفون في طياته السم
الناقع، فما أكثر ما يخلطون السم بالدسم،
فالاستماع إلى أقوالهم قد يؤدي إلى الرضا
بها، ثم الاستجابة الفعلية لما فيها من إثم
(١) زاد المسير ، ابن الجوزي ٣٩٦/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٦٩.
(٣) نظم الدرر، البقاعي ١١٣/٣.
وقال تعالى ناهيًا ومحذرًا من خطوات
الشيطان التي يستدرج بها الإنسان حتى
يوقعه في الحرام: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى
الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ
ج
إِنَّهُ.
[البقرة: ١٦٨]،
﴾
١٦٨
عَدُوْ مّبِينَ
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَشَّبِعُواْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَنِّ وَمَن يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ
بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ.
مَا زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِ مَن يَشَاءُ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: ٢١]
((قال الضحاك: هي الخطايا التي يأمر
بها، وقال أبو إسحاق: أي: لا تقفوا آثاره؛
لأن ترككم شيئًا من شرائع الإسلام اتباع
الشيطان»(٥).
(٤) بصائر الحق في سورة الأنعام، عبد الحميد
طهماز ص ١٠٦ - ١٠٧.
(٥) معاني القرآن ١٥٤/١.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف التاء
فلا يزال الشيطان بالإنسان حتى يدفعه
إلى تعاطي الحرام، من المآكل والمشارب
والمناكح، فالحذر الحذر من وساوسه
وخطواته، وحبائله وخطراته التي يستدرج
بها أهل الغفلة، فإذا تعاطى الناس الحرام
فشا الظلم وخيم الضلال، وانتشر الخنا
والفجور، وفسدت المجتمعات وتردت إلى
الهاوية.
٢. اتباع الهوى .
واتباع الهوى: ((السير وراء ما تهوى
النفس وتشتهي أو النزول على حكم العاطفة
من غير تحكيم العقل أو الرجوع إلى شرع أو
تقدير لعاقبة))(١).
واتباع الهوی یفضي إلى الانسياق وراء
الملذات والانغماس في الشهوات، والنفور
من الحق، وكراهيته، وما ينبثق عن ذلك من
ظلمٍ وافتراء، وتردي الأخلاق، وانفراط
عقد المجتمع، وفقدان نعمة الأمن وتلاشي
العدالة الاجتماعية، وسقوط المجتمع في
براثن الطغيان والاستبداد، وتسلط الظلمة،
وتصدر الفسقة، وتمكن المنافقين ومرضى
القلوب. ولقد حذرنا المولى عز وجل في
کتابه الکریم من إتباع الهوى، وأنذر الذين
ملك الهوى زمام قلوبهم، ودعا إلى تجنب
أصحاب الأهواء، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ: عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَّكَاتَ أَمْرُهُ.
(١) آفات على الطريق، سيد نوح ٢/ ١٦.
فُرُطًا﴾﴾ [الكهف: ٢٨].
قال ابن عباس: ما ذكر الله عز وجل
الهوی في موضع من کتابه إلا ذمه. وقال
الشعبي: إنما سمى الهوى لأنه يهوي
بصاحبه(٢).
فصاحب الهوى لا يرى إلا الهوى،
والهوى طريق الهلكة والضياع: عن أبي
هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ منْجياتٌ،
وثلاثٌ مهْلكاتٌ: فأما الْمنْجيات: فالْعدْل
في الْغضب والرضا، وخشية الله في السر
والْعلانية، والْقِصْد في الْغنى والْفِقْرِ، وأما
الْمَهْلكات: فشخٌّ مطاعٌ، وهوّى متبعٌّ،
وإعجاب الْمِرْء بنفْسه)(٣).
ولقد أورد ابن الجوزي في كتابه ذم
الهوى آثارًا للسلف في ذلك منها ما رواه
عن مالك بن دينار: أنه قال: بئس العبد عبدٌ
همه هواه وبطنه، وقال ابن السماك: إن شئت
أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك،
داؤك هواك ودواؤك ترك هواك (٤).
واتباع الهوى من الأسباب الرئيسة في
تردي المجتمعات وانتكاسها؛ فإن الإعراض
(٢) ذم الهوى لابن الجوزي ص١٦.
(٣) أخرجه البزار في مسنده عن أنس بن مالك
رضي الله عنه، كما في كشف الأستار عن
زوائد البزار، رقم ٨٠، ١/ ٥٩.
وحسنه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، رقم ٥١٢٢.
(٤) انظر: ذم الهوى، ابن الجوزي ص ١٢.
٢٦٤
مَوَسُو عبر التشيك لعضوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

التغيير
عن الحق والنكوب عن الهدى، والميل
إلى الهوى، مما يعمي القلوب والأبصار،
ويفسد المجتمعات؛ لأنه يفضي إلى الظلم
والفوضى والتخبط حين يترك العنان لكل
نفسٍ وما تهوى.
والأهواء متباينة ومتنازعة، ولذا جاءت
بصيغة الجمع.
من آثار اتباع الهوى على النفس
والمجتمع:
١. التخبط والضلال والجور في الحكم.
فإن من أسباب التخبط والجور في
الأحكام وما يعقبها من مظالم تهدم
المجتمعات، فإما حكم بين الناس بالحق
وإما اتباع للأهواء المضلة.
قال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
فِ اَلْأَرْضِ فَأُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
والمتبع للهوى يحرم نفسه من نعمة
الهداية، إذ لم ينتفع بعلمه وأغلق سمعه
وبصره عن قوارع الحق وشواهده.
قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِيٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِوِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
﴾ [الجاثية: ٢٣].
٢. الانتكاس والسقوط.
ولا شك أن في اتباع أهل الأهواء مع
وضوح الحق وقيام حجته مفسدة عظيمة
سيما ممن نال حظا من العلم، وهو مع ذلك
ینساق للجهال، فیضیع نفسه ويضيع غيره.
﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىَ
قال تعالى:
ءَاتَّيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطُنُ
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ
١٧٥
فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ
بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾
[الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
قال الشيخ رشيد رضا: ((وهذا الرجل
صفته كصفة الْكلب في حالته هذه، وهي
أخس أخواله وأقْبحها، والْمراد -والله
أعلم- أنهكان منْإخلاده إلى الأرض، واتباع
هواه في أسوأ حالٍ، خلافًا لما كان يبْغي منْ
نعْمة الْعِيْش وراحة البال، فهو في همٍ دائمٍ
مما شأنه أنْ يهْتم به، وما شأنه ألا يُهْتمَ به منْ
صغائر الأمور وخسائس الشهوات، كداب
عباد الأهواء وصغار الهمم تراهمْ كاللاهث
من الإعْياء والتعب، وإنْ كان ما يعنون به،
ويحملون همه حقیرًا لا یتعب ولا یغيي، ولا
ترى أحدًا منْهمْ راضيًا بما أصابه منْ شهواته
وأهوائه، بل یزید طمعًا وتعبًا كلما أصاب
سعةً وقضی أربًا:
فما قضی منها أحدٌ لبانته
ولا انتهى أربٌّ إلا إلى أرب(١)
(١) المنار، رشيد رضا ٩/ ٣٤٢.
والبيت من ديوان المتنبي ١٩٦/٢، ومعنى
البيت: لم يقض أحد حاجته من الليالي؛
لأن حاجات الإنسان لا تنقضي، ولا انتهى
أربٌ إلا إلى أرب. واللبانة الحاجة والأرب
www. modoee.com
٢٦٥

حرف التاء
٣. الإفراط.
والإفراط يفضي إلى التقصير والعجز،
وإضاعة الحقوق.
قال تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ.
عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطًا﴾
[الكهف: ٢٨].
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾
تسفيةٌ لهؤلاء المشركين، وما هم فيه من
عناد یسوقهم إلى الهلاك، ويخرجهم من
الدنيا، وقد خسروا الدنيا والآخرة جميعًا(٢).
٤. الإعراض عن الحق مع جلائه.
قال تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ
اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
﴿﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَشَِّعُونَ
أَهْوَآءَ هُمَّ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ آَتَّبَعَ مَوَنُهُ بِغَيْرِمُدِّى
مِنَ اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[القصص: ٤٩ - ٥٠]. فلا أضل ممن
٥٠
ساقه الهوی، وبعد عن الهدى.
٥. الخذلان والحرمان من ولاية الله
الغرض.
(١) البحر المديد، ابن عجيبة ٢٢٣/٤.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٥٠/٢.
ونصرته.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا
عَرَأْ وَلَيْنِ أَتَبَّعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ
اَلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَإِيِّ وَلَا وَاقٍ
[الرعد: ٣٧].
فجزاء اتباع أهل الأهواء الخذلان
أي: «ضياعًا وهلاكًا، وهو من التفريط والضياع. أخرج أبو الشيخ عن الضحاك
رضي الله عنه في قوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن
وَإِيِّ وَلَا وَاقٍ﴾ قال: من أحد يمنعك من
عذاب الله تعالى(٣).
والتضييع، أو من الإفراط والإسراف، فإن
الغفلة عن ذكر الله تعالى تؤدي إلى اتباع
الهوى المؤدي إلى التجاوز والتباعد عن
الحق والصواب))(١).
٦. العمى والصمم عن الحق.
فمتبع الهوى له عين لا يبصر بها وله أذن
لا يسمع بها وله عقل لا يعقل به، فحياته
كالبهائم بل أضل، إذ البهيمة لا تخرج عن
دورها في الحياة، ﴿أَرَدَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَّ إِلَهَهُ.
هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (@)
أَمَّ
تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونْ
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَجِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾
[الفرقان: ٤٣ -٤٤]. وأخرج عبد بن حميد،
وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿أَرَدَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَنَهُ﴾ قال: كلما هوی شيئًا ركبه
و کلما اشتھی شیئا أتاه، لا يحجزه عن ذلك
ورع ولا تقوى (٤).
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَّكَ حَّ
إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا
(٣) الدر المنثور، السيوطي ٨/ ٤٦٥.
(٤) المصدر السابق ١١/ ١٨٢.
٢٦٦
جوسُوبَةَ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

التغيير
قَالَ مَانِقَاً أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعُوا
﴾ [محمد: ١٦]. فقرنت الآية بين
أَهْوَاءَ هُمْ
الطبع على قلوبهم وبين اتباع الأهواء، فداء
القلب وعماه في اتباع الأهواء.
٣. الركون وترك العمل.
لا شك أن الخلود إلى الراحة والدعة
وترك العمل والاشتغال بأسباب الترف أو
الكلام والجدل مما يفسد النفس والمجتمع،
فمن قل عمله كثرت شهواته، والترف
مفسدةٌ عظيمة، ومهلكةٌ خطيرةٌ، قال تعالى:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ
يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ إِلَّا قَلِلًا مِمَّنْ
أَنْجَيْنَا مِنْهُمُ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُثَّرِفُواْ
فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ
لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
(١٧°﴾ [هود: ١١٦-١١٧].
فهلا كان فيمن قبلكم أولو معادن نفيسة،
ونفوس زکیة، وهمم عالية،، ینهون الناس
عن الفساد في البلاد، إلا قليلًا ممن أنجاهم
الله تعالی بصلاحهم ونصحهم، واتبع الذین
ظلموا سبيل الترف، فنافسوا على الرياسة
والسلطان والثراء، لينعموا بالمال والجاه،
وسلكوا لذلك كل سبيل، وكانوا مجرمين
بفجورهم وفسادهم، ونكوبهم عن طريق
الصلاح ومحاربتهم للحق، فاستحقوا
الهلاك، فالترف من أسباب الفسوق
والانحلال الموجب للنقمة والعقوبة التي لا
تکون إلا للمفسدين.
قال صاحب الظلال: ((لم يهتموا بما
هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما اهتموا
بالتنعم والترف والانغماس في الشهوات
والتطلع إلى الرياسة والسعي لها وجمع
الثروة وطلب العيش الهنيء، ورفضوا ما
وراء ذلك مما ينفعهم في الآخرة ونبذوه
وراء ظهورهم. فالترف يغلظ القلوب
ويفقدها الحساسية ويفسد الفطرة ويغشيها
فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى
وتصر على الباطل ولا تتفتح للنور))(١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْبَةً
أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فِبِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا
تَدْمِيرًا (٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ
نُوحُ وَكَفَى بِرَيْكَ بِذُنُبٍ عِبَادِهِ خَيراً بَصِيرًا )﴾
[الإسراء: ١٦- ١٧].
فالمترفون هم الذين يقودون عجلة
الحضارة إلى الدمار بفسقهم ومجونهم،
وقسرهم ضعفاء القلوب على الكفر
والضلال، حتى يكون الهلاك الذي يعمهم
جميعًا، بعد أن أمرهم الله بالطاعة فبادروا
إلى التمرد والعصيان، قرئ (أمرنا)(٢): أي
(١) في ظلال القرآن ٨٥/٦.
(٢) قال أبو حيان في البحر : ((قرأ ابن عباس وأبو
عثمان النهدي والسدي وزيد بن علي وأبو
العالية : أمرْنا بتشديد الميم وروي ذلك عن
علي والحسن والباقر وعاصم وأبي عمر
www. modoee.com
٢٦٧

حرف التاء
أكثرنا فصاروا هم الكثرة الفاسدة، الأغلبية أي طريق وركوب أي حيلة ليعيش حياة
الترف، والترف من دواعي القعود عن عزائم
الأمور والركون للدعة.
الطاغية. والمترف عالة على مجتمع، لا
یعمل ولا ينتج، بل هو ندیم الشهوات قعید
الملذات، لا يفكر إلا في ملء بطنه وإفراغ
شهوته، فالترف داعية السرف المفضي إلى
الفسوق والعصيان والظلم والإجرام، يظهر
هذا في الكبار والموسرين، ثم ينعكس على
الفقراء المعوزين فتسوء حال الأمم وتتدهور
أخلاقها.
قال الألوسي: ((وإنما خص الله تعالى
المترفين بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى
الجمیع، لأنهم أئمة الفسق ورؤساء الضلال،
وما وقع من سواهم إنما وقع باتباعهم
وإغوائهم، فکان توجه الأمر إليهم آكد»(١)،
فالأمم إنما يهلكها بطرها واستكبارها
وغفلتها عن الحق واستغراقها في شهواتها
الدنيوية دون تدبر وترو، وإنما يصلحها
تدبرها وبصيرتها واعتدالها وسلوكها طريق
الحق وتفكيرها في العواقب وعدم إسرافها
في متع الحياة وشهواتها.(٢)
والصلة بين الانغماس في الترف
والتشبث به وبين الإجرام وثيقة، فالمترف
والباحث عن الترف قد لا يتورع عن سلوك
وعدي أمر بالتضعيف، والمعنى أيضًا كثرنا».
البحر المحيط ٦/ ١٢.
(١) روح المعاني، الألوسي ١٥/ ٤٢.
(٢) التفسير الحديث، محمد عزة دروزة
١٨٥٨/١.
وقد مضت سنة الله في المترفين الذين
أبطرتهم النعمة فكذبوا رسل الله وردوا
دعوة الله أن يهلكهم ويذيقهم العذاب في
الدنيا كما يذيقهم العذاب في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ
ظَالِمَةٌ وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ أ
فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأَسَنَآ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَكُونَ ) لَا
تَرْكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تُشْتَلُونَ ﴾ قَالُواْ يَوَِّلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ
ا فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ
١٤
حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥].
تصور الآيات الكريمة مشهد العذاب
الذي حل بالظلمة المترفين، فانطلقوا
يركضون هربًا من ملاحقته، فيقال لهم
على سبيل الاستهزاء: لا تركضوا هاربين
من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه
من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن
الطيبة، ((وازجعوا إلى نعمكم التي كانت
سبب بطركم، ارجعوا إلى ما أترفتم فيه من
العيش والرفاهية والحال الناعمة)) (٣).
وتأمل في حال قوم سبأ حين تبطروا
على هذه النعم وطلبوا زوالها وتمنوا لو كان
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٧٤،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٥/١١،
مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ١٤٦.
مَوَسُولَةُ النَِّيَة
القرآن الكريمِ
٢٦٨

التغيير
السفر طويلًا، وبلغ الترف ببعضهم والدعة
أن اشتكى بعضهم من بعد الأسفار جحودًا
وإنكارًا لنعم الله تعالى، وظلموا أنفسهم
بجحودهم وغفلتهم، وتمللهم، فجعلناهم
عبرةً يتحدث الناس بها ويتعجبون من
أخبارهم ويؤسهم بعد عيشهم الرغيد،
وتفرقهم بعد اجتماع شملهم وذلهم بعد
عزهم، حتى صار تفريقهم مثلًا سائرًا فقالوا
في الأمثال: ذهبوا آيدي سبا وتفرقوا آيدي
سبا(١)، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
الْقُرَى الَّتِي بَرَكْنَا فِيهَا قُرََّ ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا
فِيَهَا السَّيْرٌّ سِيْرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ
فَقَالُواْ رَبيَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا
١٨
أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقيَّ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَنْتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
[سبأ: ١٨- ١٩].
٤. الأمن من مكر الله.
من أسباب التغيير: الأمن من مكر الله
تعالى، فيغتر العبد ويتمادى في الذنوب
والعصيان، ويمسي ويصبح في غفلةٍ لا يلقي
بالا لما قدمته يداه.
قال الراغب رحمه الله: مكر الله: صفة
حقیقة على ما يليق بجلال الله وکماله، ومن
لوازمها إمهال العاصي وتمكينه من أعراض
الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين علي رضي
الله عنه: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنّه
مکر به فهو مخدوع في عقله(٢).
(١) مجمع الأمثال، الميداني ١/ ٢٧٥.
(٢) المفردات، الراغب ص ٤٧١.
والمراد: المسرف على نفسه، العاصي
لربه، وقد يوسع على العبد الصالح تمكينًا
له لصلاحه وإكرامًا.
وقال ابن حجر الهيتمي: ((الأمن من مكر
الله يتحقق بالاسترسال في المعاصي مع
الاتكال على الرحمة))(٣)
قال تعالى: ﴿أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَّهُم
بَأْسُنَابَيَتَّاوَهُمْ نَآَيِمُونَ ) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ
يَأْتِيَهُم بَأْسُنَاضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) أَفَأَ مِنُواْ
مَكْرَ اللَّهِّ فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ
الْخَسِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٧ -٩٩].
أفأمن أولئك الذين يكذبون بآيات الله
ويجحدونها إمهال الله لهم واستدراجهم؛
بإمدادهم بالنعم في دنياهم من صحة البدن
ورخاء العيش فيأخذهم على غرة بعذاب
لا رجعة فيه ولا مھرب منه، وهم في نوم
ورقادٍ، أو في لعبٍ ومرحٍ، أفأمن أولئك
العصاة مکر الله بهم ونقمته علیهم فلا يأمن
مكر الله إلا أهل الخسران.
قال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا
اَلْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾، فما وراء الأمن والغفلة
والاستهتار إلا الخسار. وما يغفل عن مكر
الله هكذا إلا الذين يستحقون هذا الخسار!
أفأمنوا مكر الله؛ وهم يرثون الأرض من
بعد أهلها الذاهبين، الذين هلكوا بذنوبهم،
وجنت عليهم غفلتهم؟ أما كانت مصارع
(٣) انظر: الزواجر، ابن حجر الهيتمي ١/ ٨٧.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف التاء
الغابرين تهديهم وتنير لهم طريقهم؟(١).
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي مع ما هم عليه من إدمان الذنوب، أفأمنوا
صلی الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله
يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب،
فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ﴿فَلُمَّانَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ.
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبُوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ
بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ ﴾
[الأنعام: ٤٤])(٢).
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان
من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن
تحول عافيتك، ومن فجأة نقمتك، ومن
جميع سخطك وغضبك)(٣).
وسياق آيات الأعراف وإن كانت في
المكذبين الكافرين إلا أن الواجب على
المؤمن الحذر من سوء العاقبة بإفراطه
وتفريطه.
وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ
السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَّهُمُ
الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ () أَوْ يَأْخُذَهُمْ
فِى تَقَلِّهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَّهُمْ
عَلَى تَخُوُفِ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّجِدٌ )﴾
[النحل: ٤٥ - ٤٧].
أنكر عليهم كيف يأمنون عقاب الله
أن يخسف الله بهم الأرض فتبتلعهم في
بطنها، أو يأتيهم العذاب وهم في غفلة
من نوم أو لهو، ومن حيث لا يحتسبون
أو يتوقعونه فیعجزون عن دفعه، أو يأتيهم
في أسفارهم وهم يتقلبون من بلد إلى
بلد في البر أو البحر، فلا يستطيعون دفع
العذاب أو التخلص منه، أو يأخذهم وهم
في حذر ويقظةٍ فلا تغني عنھم شيئًا، إذ لا
یخطئهم العذاب، أو يأخذهم بالتدرج دون
أن يشعروا بهذا التنقص يومًا بعد يوم حتى
يفاجئوا، فالتغيير الكبير قد يكون نتيجة
تراكمية للتغييرات الصغيرة التي لا يشعر بها
الإنسان غالبًا.
قال الشنقيطي: ((أنكر الله جل وعلا
على الذين يعملون السيئات من الكفر
والمعاصي، ومع ذلك يأمنون عذاب الله
ولا يخافون أخذه الأليم، وبطشه الشدید،
وهو قادر على أن يخسف بهم الأرض،
ويهلكهم بأنواع العذاب» (٤).
فالآيات وإن كانت عن الكفرة العصاة
لكن على المؤمن أن يحذر من سوء العاقبة
بإدمان المعاصي والتفريط في الطاعات.
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٣/٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨/ ٥٤٧.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء، ٢٠٩٧/٤، رقم ٢٧٣٩.
(٤) أضواء البيان ٢/ ٣٨٠.
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
٢٧٠

التغيير
مجالات التغيير
مجالات التغيير شاملة ومیادینه متشعبة،
فالتغيير منظومة متكاملة وعلاج شامل، لن
يحقق الثمرة المرجوة ما لم يجمع بين التغيير
في العقائد والأفكار والتغيير في الأخلاق
والسلوك، كما سنبين في هذا المبحث:
أولًا: التغيير في العقائد:
جاءت دعوات الأنبياء بالتغيير ولا شك
أن أول خطواته وأركانه إصلاح العقيدة،
والتطهر من أدران الشرك والتحرر من
الخرافات والأوهام، فبدأ كل نبي دعوته إلى
التوحید.
قال تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ
﴾ [الأنبياء: ٢٥].
٢٥
کان النبي صلى الله عليه وسلم في بدء
دعوته یطوف بالأسواق ويذهب إلى منازل
الحجیج یدعوهم لقول لا إله إلا الله.
عن ربيعة بن عباد الديلي، وکان جاهليًا
أسلم، فقال: رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم بصر عيني بسوق ذي المجاز،
يقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله،
تفلحوا)(١).
فكلمة التوحيد هي الكلمة الطيبة التي
ينبثق منها كل خيرٍ، هي النبتة الطيبة بأصولها
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٥/ ٤٠٤.
الثابتة وفروعها المثمرة.
والتغيير في العقائد هو الأساس؛ لا نجاح
لأي تغيير وإصلاح بدون إصلاح العقيدة،
ولقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم
في مكة ثلاث عشرة سنة يربي أصحابه
على العقيدة الصحيحة وأصول الأحكام
ومكارم الأخلاق، وركزت السور المكية
على إصلاح العقيدة وإصلاح المجتمع
من تقاليد الجاهلية وعاداتها السيئة، وإعداد
الفرد المسلم وصياغة شخصیته. وبعد بيعة
العقبة الأولى أرسل مصعب بن عمير رضي
الله عنه لیعلم أهل يثرب، فما من بيت إلا
ودخله الإسلام، فنشأ جيلٌ مباركٌ شارك في
حمل رسالة الإسلام.
وتوحيد الله تعالى ومعرفته هو النور
الذي يمحو كل ظلمة والحق الذي يفند
كل شبهة، والحقيقة التي تبدد الأوهام
والأساطير والخرافات التي تستبد بكثير من
الناس وتستهويهم وتطاردهم، فتنكد عيشهم
وتكدر صفوهم، أما عقيدة التوحيد فإنها
تجمع القلوب وتشرح الصدور، وتؤلف
النفوس وتنير العقول وتشحذ الهمم وتسمو
بالأرواح وتنهض بالمجتمعات.
قال تعالى: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ
الَّذِينَ ءَامَوْ قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ن رَسُولًا
يَثْلُواْ عَلَيْكُوْ ءَايَتِ الَّهِ مُبَّيْنَتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ ﴾
www. modoee.com
٢٧١

حرف التاء
وقال قتادة: ليس من خلق حسن، كان
[الطلاق: ١٠- ١١].
من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، من أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه
ظلمات الجهل والأوهام إلى نور العلم، من إلا أمر الله به وليس من خلق سبيء كانوا
ظلمات الشك والحيرة إلى نور اليقين. فأي يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عز وجل عنه (١).
تغيير أعظم من التغيير في العقائد فهو منبع ثالثًا: التغيير في المعاملات:
کل تغییر.
ثانيًا: التغيير في الأخلاق:
جاء القرآن بمكارم الأخلاق ومحاسن
الآداب وتقويم السلوك؛ فاشتمل القرآن
الکریم علی جمیع محاسن الأخلاق يدعو
إليها ويرغب فيها، ونهى القرآن عن جميع
مساوئ الأخلاق ونفر منها، وجعل لنا في
حياة الأنبياء والصالحين المثل العليا لمكارم
الأخلاق؛ فما من خلق كريم إلا وفي قصص
القرآن نموذج يحتذى منه، وما من خلق
رديء إلا وفي قصص الغابرین مثال له حتى
ننفر منه ونحذره.
بل وجاء القرآن بآيات جامعة لمكارم
الأخلاق من ذلك أجمع آية في كتاب الله.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٩٠].
قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن
لخيرٍ وشرٍ آية في النحل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاْإِحْسَنِ ﴾ الآية.
جاء القرآن الكريم بإصلاح المعاملات
فدعا إلى حسن المعاملة والوفاء بالحقوق،
وفي مقدمتها بر الوالدين وصلة الأرحام
وحسن العشرة الزوجية، والإحسان إلى
الجار والصاحب، وشرع كل معاملة حسنة،
ونھی عن كل معاملة سيئة، فأحل البيع وحرم
الربا، ونهى عن أكل أموال اليتامى ظلمًا،
ودعا لحسن التعامل والصبر على مخالطة
الناس، وتحمل أذاهم والعفو والإحسان.
وقال تعالى: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّتَعْبُدُواْ
إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل ◌َهُمَآ أَنِّي
وَلَا تَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل
زَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبََّنِ صَغِيرًا ( زَّبُّكُمْ أَعْلَمُ
بِمَا فِي نُفُوسِكُنَّ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ
لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا ، وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وَأَلْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٦) إِنَّ
الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا
[الإسراء: ٢٣ - ٢٧].
(١) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٦/ ٤٠٧٣.
مُوسُوبَةُ النَّفِيـ
القرآن الكريم
٢٧٢