النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
تَغْيِيْ
عناصر الموضوع
مفهوم التغيير
٢٣٤
التغيير في الاستعمال القرآني
٢٣٥
الألفاظ ذات الصلة
٢٣٦
التغيير المسند لله تعالى
٢٣٨
أنواع التغيير
٢٤٣
أسباب التغيير
٢٥٥
مجالات التغيير
٢٧١
٢٧٥
ثمرات التغيير وآثاره
المُجَلَدَ التَّاشِعْ

حرف التاء
مفهوم التغيير
المعنى اللغوي والاصطلاحي.
أولًا: المعنى اللغوي: مصدر غير، والمضارع منه يغير، وهو فعل متعدٍ. والتغير مصدر
من تغير، وهو فعلٌ لازمٌ، والمضارع منه يتغير. جاء في اللسان: ((وتغير الشيء عن حاله
تحول، وغيره حوله وبدله كأنه جعله غير ما كان. وفي التنزيل العزيز ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ لَمْ يَكُ
مُغَيِرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا يِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]. قال ثعلب: معناه: حتى يبدلوا ما
أمرهم الله)) .... ((والغير: تغير الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد، والغير: الاسم من
قولك: غيرت الشيء فتغير))(١). وورد في السنة النبوية: عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه قال: سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده،
فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).(٢)
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن نطاق المعنى اللغوي بل يطابقه، قال أبو البقاء:
والتغيير: عبارة عن تبديل صفة إلى صفة أخرى، مثل: تغيير الأحمر إلى الأبيض. والتغيير
إما في ذات الشيء أو جزئه أو الخارج عنه. ومن الأول: تغيير الليل والنهار، ومن الثاني:
تغيير العناصر بتبديل صورها، ومن الثالث: تغيير الأفلاك بتبديل أوضاعها. والتحويل يتعدى
ويلزم، والتغيير لا يكون إلا متعديًا.(٣)
وقال الراغب: ((والتغيير تبديل شيء بما يضاده، فقد يكون تبديل صورة جسم كما يقال:
غيرت داري، ویکون تغيير حال وصفة، ومنه تغيير الشيب، أي: صباغه، وكأنه مشتق من
الغير، وهو المخالف. (٤) وفرق الجرجاني بين التغيير والتغير، فقال: التغيير: هو إحداث
شيء لم يكن قبله، والتغير: هو انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى. (٥)
(١) لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٣٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، ١/ ٥٠، رقم
٤٩.
(٣) الكليات، الكفوي ص ٤٥١.
(٤) المفردات ص٦١٩.
(٥) التعريفات ص ٨٧.
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
٢٣٤

التغيير
التغيير في الاستعمال القرآني
وردت مادة (غير) في القرآن الكريم (٦) مرات فقط (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٥
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا يَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]
اسم فاعل
١٥
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةٌ أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾
[الأنفال: ٥٣]
وجاءت صيغ (غير) - المضعف- في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: التحويل
والتبديل(٢).
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ [الأنفال: ٥٣]. معناه: حتى
يبدلوا ما أمرهم الله.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٥٠٧ - ٥٠٨.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٣٤.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
الإصلاح:
١
الإصلاح لغة:
خلاف الإفساد (١).
الإصلاح اصطلاحًا:
التغيير إلى استقامة الحال (٢).
وقيل: هو ((إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من الفساد))(٣).
الصلة بين التغيير والإصلاح
التغییر قد یکون للحسن وقد یکون للسيء، أما الإصلاح فلا یکون إلا من فسادٍ أو خلل
فهو تغيير للخير وللأحسن. والإصلاح يشمل التغيير للأحسن بوجه عام أو الإصلاح بين
متخاصمين.
التبديل:
٢
التبديل لغة:
تبديل الشيء تغييره وإن لم تأت ببدل. واستبدل الشيء بغيره وتبدله به إذا أخذه مكانه
والمبادلة التبادل (٤).
والتبديل: التغيير والعين قائمةٌ. ويقال: بدلٌ وبدلٌ وبديل. والإبدال: أن تأتي بالبدل(٥).
التبديل اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، وهو: تغییر الشيء عن حاله.
الصلة بين التغيير والتبديل
قال أبو حيان: ((التغيير قد يكون بإزالة الذات، وقد يكون بإزالة الصفات، فقد تكون النعمة
أذهبت رأسًا، وقد تكون قللت وأضعفت»(٦).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤ / ١٤٢.
(٢) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم ص ٥١.
(٣) القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ٢١٥/١.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ١١/ ٤٨.
(٥) المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد ٩/ ٣١٨.
(٦) البحر المحيط، أبو حيان ٣/ ٥٠٧.
٢٣٦
جَوَسُورَةُ النَّطِّ
القرآن الكْرِيْمِ

التغيير
قال الفراء: التبديل تغيير الشيء عن حاله، والإبدال جعل الشيء مكان الشيء (١).
وجاء في لسان العرب: ((والأصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله، والأصل في الإبدال
جعل شيء مكان شيء آخر))(٢)، وقيل: هما بمعنى.
التغيير في الأشياء يقع مع بقاء أصلها، وفي الأحوال تقلبها وتبدلها إلى أحوال أخرى،
ولكن تبدیل الأشياء يستلزم تحويلها إلى غيرها.
٣ الإفساد:
الإفساد لغة:
(٣)
هو ضد الإصلاح
الإفساد اصطلاحًا:
هو جعل الشيء فاسدًا خارجًا عما ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعًا به. وفي الحقيقة
هو إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح (٤).
الصلة بين التغيير والإفساد:
الفساد من أسباب التغيير، فالتغيير قد يكون للأصلح، وقد يكون للفساد أو للأفسد.
(١) الفروق اللغوية، العسكري ١/ ١١٣.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١١ / ٤٨.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢/ ١٣.
(٤) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٥٤.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف التاء
التغيير المسند لله تعالى
التغيير سنة من سنن الله في الكون، وسنة
اجتماعية نلمسها في عالمنا، وكل تغيير يطرأ
على هذا الكون إنما هو بإرادة الله تعالى
وتدبيره .
أولا: التغيير سنة كونية:
التغيير سنة من سنن هذا الكون، كما
أن الثبات من سننه، إذ تدل حركة الأجرام
العلوية على ثبات ودقة وانتظام، فالشمس
لا تتخلف عن موعدها طرفة عين، والقمر
له دورته الثابتة لا يتخلف عنها، ومنازله
فلا يبرح فلكه ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَآ أَنْ
تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا أُلَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِّ وَكُلُّ فِ فَلَكِ
[يس: ٤٠]، والنجوم
یسْبُونَ ﴾﴾
تتراءى في مواقعها وكأنها ثابتة،
فَلَآَ
أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ ﴾ [الواقعة: ٧٥]
سنة مطردة في هذا الكون كما أن الثبات
سنة مطردة، تشرق الشمس في الصباح فتملأ
الدنيا نورًا ودفًا، ثم تغرب في المساء فيحل
الظلام، والليل والنهار يتعاقبان، ﴿وَجَعَلْنَا
اَلَّيْلَ وَاُلَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَاَ ءَايَةَ الَّيْلِ وَحَعَلْنَّاً
ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ
وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ، وَكُلَّ شَىْءٍ
فَصَّلْتَهُ تَفْصِيلًا ﴾ [الإسراء: ١٢]، وفصول
السنة متابعة، لا ينتهي فصلٌ إلا ويسلم
الفصلِ، فهذا فصلٌ باردٌ ممطرٌ وذاك معتدلٌ
تهب فيه الرياح، فتثير الغبار وتلقح الأزهار،
وتذوب الثلوج، وتنحدر من المرتفعات
وتكسو الخضرة البراري والقفار وتجري
الجداول في الحقول والبساتين، وهذا فصل
الصيف حارٌ رطبٌ أو جاف، تورف فيه
الظلال وتنضج الثمار، وذاك فصل الخريف
يابس معتدل، تتساقط فيه الأوراق وتجفف
الفواكه والحبوب، في تنوعٍ رائعٍ، ولولا هذا
التغيير لما استقامت الحياة ولما تحققت
المنافع للإنسان .
قال تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ
اَلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُمٌِّ
مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنََّكَ عَلَ كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ( ٦) تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ
في الَيْلِّ وَتُخْرِجُ الْعَنَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمِيْتَ
مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[آل عمران: ٢٦-٢٧]
قال الشيخ رشيد رضا: ((أيْ: إنك
بحكمتك في تذبیر الأرض وتكويرها وجعل
الشمس بحسبانٍ تزید في أحد الجدیدین ما
يكون سببًا لنقْص الآخر، فلا ينكر على
قدْرتك وحكْمتك أنْ تؤتي النبوة والْملْك
منْ تشاء كمحمدٍ وأمته، وتنْزعهما ممنْ
تشاء کبني إسرائيل، فإنك تتصرف في شئون
الناس كما تتصرف في الليل والنهار (١).
وفي عالم النبات نرى صورًا ومشاهد
(١) المنار، رشيد رضا ٣/ ٢٢٦.
٢٣٨
مُؤْسُوء
القرآن الكريم

التغيير
التغيير التدريجي، تبدأ النبتة ضعيفة لينة، فقد يصير المغلوب غالبًا، ويصير ذلك
الغالب مغلوبًا، فإن النصر يقتضي تغليب
ثم تشتد وتمتد أغصانها، ثم تزهر وتثمر،
ويصفر النبات ويذبل ويجف في دورة
عجيبة، قال تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَلَطَ بِه
نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرَِّخُ وَكَانَ
اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا ﴾ [الكهف: ٤٥] .
أحد الضدين على ضده، وإقحام الجيش في
الجيش الآخر في الملحمة، فضرب له مثلًا
بتغليب مدة النهار على مدة الليل في بعض
السنة، وتغليب مدة الليل على مدة النهار
في بعضها، والحاصل أنه لا عجب في
النصر الموعود به المسلمون على الكافرين
مع قلة المسلمين، فإن القادر على تغليب
النهار على اللیل حینًا بعد أن كان أمرها على
العكس حيناً آخر قادر على تغليب الضعيف
على القوي.
والتغير الكوني يقابله تغيرٌ في حياة البشر
بتقلب الأحوال وتبدل الزمان وتداول الأمم،
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ
تأمل في قوله تعالی
بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ ◌ِ، ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ
ذَلِكَ
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ
يَأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ
التَّهَارَ في الَيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ )
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ
الْكَبِيرُ ( أَمْ تَرَأَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَآِ مَآءٍ فَتُصْبِحُ اْأَرْضُ مُخْضَرَّةُ إِنَّ اللَّهَ
لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحج: ٦٠-٦٣]، فنجد
الترابط بين السنن الاجتماعية الإنسانية: سنة
النصر والتمكين وبين السنن المادية الكونية
سنة تعاقب الليل والنهار وتداخلهما يطول
هذا ويقصر هذا في اختلاف عجيب.
قال صاحب التحرير والتنوير: ((والمناسبة
الرابطة بين نصر الله من بغي عليه فصبر،
وإيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في
الليل، هي الإيماء إلى تقلب أحوال الزمان؛
ويقول سيد قطب - رحمه الله- عن
المناسبة بين الآيتين: والسياق يوجه النظر
إلى تلك الظاهرة الكونية المكررة حتى لا
يمر الناس عليها غافلين، ليفتح بصائرهم
ومشاعرهم على يد القدرة، وهي تطوي
النهار من جانب وتسدل الليل من جانب،
وهي تطوي الليل من جانب وتنشر النهار من
جانب في دقة عجيبة لا تختل، وفي اطراد
عجيب لا يتخلف، وكذلك نصر الله لمن
يقع عليه البغي وهو يدفع عن نفسه العدوان،
إنه سنة مطردة كسنة إيلاج الليل في النهار
وإيلاج النهار في الليل، فكذلك يزوي الله
سلطان المتجبرين وينشر سلطان العادلين،
فهي سنة كونية، تلك السنة يمر عليها الناس
غافلين، كما يمرون على دلائل القدرة في
www. modoee.com
٢٣٩

حرف التاء
صفحة الكون وهم لا يشعرون(١).
إن كل شيء في حياتنا عرضةٌ للتغير
المستمر وعلى الدوام، فكل يوم في
حياتنا هو يوم جديد، وكل لحظة تمثل
حدثًا مستجدًا في العمر، وعلى حد تعبير
الفيلسوف اليوناني - قليطس - فإن المرء
لا یستحم في النهر مرتین، لأن النھر یتغیر
بجريان الماء فيه، مثلما يتغير الشخص
فور إحساسه أو ملامسته لماء النهر، ورغم
دقة هذه الملاحظة وصدقها الواقعي فإننا
نميل في العادة إلى إسباغ طابع الثبات
والديمومة، ولو لفترات محددة على أنفسنا
وعلى ما حولنا، ورغم ما يحدث من وجوه
التغير سواء كانت طفيفة أو كبيرة، فإننا نظل
نعتقد أن للنهر شكلا ثابتًا. وأن للإنسان
ولشخصيته ملامح تبقى على حالها دون
تغيير (٢).
التغير والثبات.
ثانيًا: التغيير سنة اجتماعية:
١. الإنذار بالتغيير.
قال تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَتُ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَقّى يُغَيِّرُواْ مَا يَأَنْفُسِهِمُّ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٤١/٤
(٢) علم الاجتماع، أنطوني جيدنز، ترجمة فايز
الصباغ ص ١٠٥.
سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ
لما ذكر تعالى استعجال كفار قريشٍ
للعذاب وحلول النقم على ما هم عليه
من إمهالٍ ونعمٍ وخفض عيشٍ، بين تعالى
أن من سنته العادلة أن لا يغير ما بقوم من
عیش رغیدٍ وأمنٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم
بالكفر والعصيان والتمرد والجحود، وفي
هذا وعيدٌ لكفار قريش، وقد حل بهم أمر
الله، كما في غزوة بدرٍ حیث قتل صناديدهم
وأسر أكابرهم.
قال الرازي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَأَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِرُواْ مَا يَأَنْفُسِمْ﴾ ((كلام جميع المفسرين
يدل أن المراد: لا يغير ما هم فيه من النعم
بإنزال الانتقام))(٣).
ولكن يستفاد بمفهوم المخالفة أن الله لا
يغير ما بقوم من سوء أو بلاء إلا إذا غيروا ما
وتلك سمة الكون والإنسان: الجمع بين بأنفسهم فاستحقوا رفع البلاء وتبدل الحال
السيئة إلى حالة حسنة .
٢. التغيير حقيقة ماثلة.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمَّ يَكُ مُغَيِّراً
نِّعْمَةً أَنْهَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا يِأَنْفُسِهِمٌّ
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ )﴾
[الأنفال: ٥٣]،
فأسند التغيير لله تعالى بصيغة اسم الفاعل
(مغير). وقد نزلت هذه الآية بعد غزوة بدر،
حيث هزمت قريشٌ، وقتل سبعون أغلبهم
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ٢٣١.
موسوعة النفسية العضو
القرآن الكريم
٢٤٠

التغيير
من رؤوس الكفر، فبدل الله حالهم من عدله، وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا
عزةٍ ومنعةٍ، إلى قتلٍ وأسرٍ وخزي، فكان يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب
شأنهم کشأن آل فرعون الذین عاقبهم الله
تعالى أشد العقاب بكفرهم وتكذيبهم، قال
الطبري: ((إن الله لا يغير ما بقوم من عافية،
ونعمة، فیزیل ذلك عنهم ویهلکهم، حتى
يغيروا ما بأنفسهم من ذلك، بظلم بعضهم
بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل
بهم حينئذ عقوبته وتغييره))(١).
وقد استحقت قريش العقوبة بتبدل
حالهم وهزيمتهم ومقتل صناديدهم في
غزوة بدر لما بدلوا نعمة الله كفرا، حيث
اضطهدوا النبي ومن آمن معه وأخرجوهم
من ديارهم فغير الله حالهم.
وقال أبو حيان: ((وظاهر النعمة أنه يراد
بها ما يكونون فيه من سعة الحال والرفاهية
والعزة والأمن والخصب وكثرة الأولاد،
والتغيير قد يكون بإزالة الذات، وقد يكون
بإزالة الصفات، فقد تكون النعمة أذهبت
رأسًا، وقد تكون قللتْ وأضعفت ...
والظاهر من قوله: ﴿عَلَ قَوْمٍ﴾ العموم في
كل من أنعم الله عليه من مسلم وكافر، وبرٍ
وفاجر، وأنه تعالى متى أنعم على أحدٍ فلم
يشكر، بدله عنها بالنقمة))(٢).
وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن تمام
(١) جامع البيان، الطبري ١٨/١٣.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٣/ ٥٠٧.
ارتكبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَِرُ
مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِمُّ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ
سُوْءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾
كَذَابِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ
[الرعد: ١١]، وقوله
أي: کصنعه بآل فرعون وأمثالهم حین کذبوا
بآیاته، أهلکهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك
النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون،
وزروع و کنوز ومقام کریم، ونعمة كانوا فيها
فاکھین، وما ظلمهم الله في ذلك، بل كانوا
(٣)
هم الظالمين (٣).
مقارنة بين الآيتين:
الآية الأولى من سورة الرعد مكية
نزلت وقريشٌ في عنفوان غرورها
وأوج قوتها، وهي تستعجل العذاب
تهكما وسخريةً وعنادًا واستبعادًا،
فكانت وعيدًا لهم، وإنذارًا مبكرًا لعلهم
يرجعون عن مكابرتهم وجحودهم،
بينما الآية الثانية من سورة الأنفال
مدنية، نزلت إثر غزوة بدرٍ حيث
تمرغت أنوف صناديد الكفر في رمال
بدرٍ، وقصم الله رؤوس الشرك وجبابرة
الطغيان، كأبي جهل وعتبة وشيبة ابني
ربيعة وغيرهم من الجبابرة المکابرین،
وقرن الله حالهم بحال قوم فرعون
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٧٨.
www. modoee.com
٢٤١

حرف التاء
الذين طغوا وبغوا واتبعوا أمر فرعون،
فساقهم إلى الهلاك والبوار . وتلك سنة
الله تعالى في التغيير، تدل على عدله
تعالی وحكمته .
التغيير سنة من سنن الله تعالى، وقد
اقترن في آية الرعد بسنن الله الكونية
والإنسانية وآياته الملموسة، وفي
سورة الأنفال ارتبط بآية إلهية: هزيمة
قريش أمام المسلمين وربطها بهلاك آل
فرعون.
: الآية الأولى مؤكدة بإن، وقد ارتبطت
بآية واقعية هي حفظ الله للعبد في
يقظته ونومه في سائر أحواله وأوقاته،
وحفظ الله لنا أمرٌ مسلمٌ، وکم لله من
ألطافٍ! وهنا ربطٌ بين حفظ الله لنا
تلك الحقيقة المستيقنة، وبين سنة الله
في التغيير، فالذي حفظ الخلق وثبتهم
على حالٍ قادر على تغيير الأحوال
وتبديل الأمور. والآية الثانية أيضًا
جاءت مؤكدة بإن، والإشارة لما وقع
لقریش یوم بدرٍ من عقوبةٍ وتبدل حالٍ،
وأنه بعدل الله تعالى.
في آية الرعد ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ﴾، وفي
الأنفال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرً ﴾
الأولى بالفعل المضارع المنفي،
والثانية باسم الفاعل، ودلت الآيتان
على أن التغيير سنة مطردة متكررة عبر
العصور. الأولى: بيانٌ لكونها ثابتةً
جارية، والثانية: بيان لكونها واقعة
ماضية .
في آية الرعد ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ﴾، وفي الأنفال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَّ
يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ فمفعول
التغيير في الأولى ﴿مَا بِقَوْمٍ﴾ أي: الذي
بهم، حالهم، والثاني النعمة، يعني:
تبديلها لنقمة ومحنة .
التغيير في الآيتين من الله تعالى فالذي
يغير هو الله تعالى.
سبب التغيير في الآيتين هو تغيير ما
بالأنفس، فالتغيير من جهة الله تعالى
مقرون بالتغيير من جهة الأنفس، لا
من جهة خارجة عنها، فلن يحاسب
الإنسان على أخطاء غيره ما لم يرتضها
أو یسکت عنها، والتغيير الإيجابي لا بد
أن ینبع من النفس لا من الغير.
٢٤٢
جوب
القرآن الكريمِ

التغيير
أنواع التغيير
التغيير منه ما هو إيجابي، ومنه ما هو
سلبي، فقد يكون التغيير للأفضل، وقد
یکون للأسوأ، ولکل عوامله ونتائجه، وفي
هذا المبحث يدور الحديث حول أنواع
التغيير المحمود والمذموم .
أولًا: التغيير المحمود:
١ . تغییر الأنفس.
تغيير الأنفس إلى الأحسن إنما يكون
بتزكيتها، أي: تطهيرها والارتقاء بها
وتنميتها، قال تعالى ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنْهَا
٧
فَهُمَهَا لَهُرَهَا وَتَقْوَنِهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَكْتهَا ( ١) ﴾
[الشمس: ٧-٩] .
قال مالك بن دينار: ((رحم الله عبدًا قال
لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة
كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب
الله عز وجل فكان لها قائدًا))(١).
وقال الحسن البصري رحمه الله: ((رحم
الله امرءًا عرض نفسه وعمله على كتاب
الله؛ فإن وافق كتاب الله حمد الله وسأله
المزيد، وإن خالف أعتب نفسه ورجع من
قریب»(٢).
إن شأن من اختار لنفسه طريق التغيير
(١) محاسبة النفس، ابن أبي الدنيا، ص ٢٦، إغاثة
اللهفان، ابن القيم، ص٩٦.
(٢) أخلاق أهل القرآن، الآجري ص٣٩.
للأحسن فسعى لتزكيتها، بتطهيرها من
الآفات وتنميتها بالخيرات، كالفلاح يحرث
الأرض وينقيها من الأعشاب الضارة
بالنبات، ويسويها ويهيئها ثم يدفن البذور
ويغرس الفسائل، ثم يروي الأرض ويتعهد
النباتات فلا يغفل عن رعايتها وحفظها من
الآفات، كذلك النفس البشرية تحتاج لتخلية
ثم تحلية ثم تنقية ثم تنمية.
قال تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ
أَوَلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ
أَنْ يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُعَلَّهِرِينَ
١٠٨
[التوبة: ١٠٨]، فإن حب التطهر نابعٌ من إرادة
التغيير للأحسن والأصلح، وتزكية النفس
طهرٌ ونماءٌ، وتخليةٌ وتحليةٌ وارتقاءٌ .
وتغيير الأنفس هو أساس كل تغيير،
فالفرد لبنةٌ من لبنات المجتمع، بصلاحه
واستقامته صلاح المجتمع ونهوضه،
ولذا جاء التعبير القرآني ﴿حَّى يُغَيِرُواْ مَا
بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فلن يتحقق تغيير المجتمعات
بدون تغيير الأنفس، وتغيير ما بالأنفس
يعني: إصلاحها وتهذيبها وتقويمها، إنها
رحلةٌ في أعماق النفس وغوص في مكنونها
من أجل إصلاحها وتقويم سلوكها، وسبر
أغوارها لتصحيح مسارها؛ كالطبيب الذي
يوغل بمبضعه في جسم الإنسان، فيعالج ما
استعصى من مرضٍ وما عضل من داء .
قال الأستاذ جودت سعيد: ((وكذلك من
www. modoee.com
٢٤٣

حرف التاء
المفارقات أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع
دون أن يخطر في بالنا أن ذلك لن يتم إلا
إذا حدث التغيير قبل ذلك بما في الأنفس،
ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا، ولا نشعر أن
كثيرًا مما فيها هو الذي يعطي حق البقاء لهذا
الواقع الذي نريد أن يزول. ونحن نشعر بثقل
وطأته علينا، ولكن لا نشعر بمقدار ما يساهم
ما في أنفسنا لدوامه واستمراره)) (١) .
قال الشوكاني: «ما بأنفسهم من الأحوال
والأخلاق، بكفران نعم الله وغمط إحسانه
وإهمال أوامره ونواهيه))(٢).
والدعوة لتغيير النفوس بتزكيتها هي
محور دعوات الأنبياء قال تعالى لموسى
عليه السلام ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْهُونَ إِنَّهُ طَغَى ) فَقُلْ
هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّه ◌َ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِكَ فَخْشَى
[النازعات: ١٧ - ١٩]، فدعاه بترفق
١٩
ولينٍ إلى تزكية النفس؛ فهي أساس كل
إصلاح وتغيير، دعاه إلى أن يتطهر من الشرك
ويتخلى عن الرذائل ويتحلى بالفضائل.
طریقة ومسلك تزکی به وتسلم وتطبع»(٣).
وقال السعدي: ((هل لك في خصلة
حمیدة، ومحمدة جميلة، پتنافس فيها أولو
الألباب، وهي أن تزكي نفسك وتطهرها من
(١) حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد
ص١٥.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٣١٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٣١٥ .
دنس الكفر والطغيان، إلى الإيمان والعمل
الصالح؟ (٤).
وجاءت دعوة الإسلام بالتغيير قائمةً
على تزكية الأنفس استجابة لدعوة إبراهيم
﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
عليه السلام
مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَاْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[البقرة: ١٢٩] وتلك نعمةٌ عظيمةٌ
(١٢٩)
تستوجب شكر الله تعالى ومداومة ذكره.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ
قال تعالى:
كَمَا أَرْسَلْنَا
١٥٠)
وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا
وَيُزَكِيْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
فَاذْكُرُونِيّ
وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
١٥٢)
أَذْكُرْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ
[البقرة: ١٥٠- ١٥٢].
ومنة كبرى سيما حين نقارن حال العرب
في الجاهلية بحالهم بعد الإسلام.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
قال ابن كثير: «هل لك أنْ تجيب إلى إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اَلْكِنَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ
مُبِينٍ (٦)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمِنِعِنَ
رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِمْ وَيُعَلِمُهُمُ
اُلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٠٩.
مُوسُوبَةُ النَّسية
القرآن الكريم
٢٤٤

التغيير
٢)﴾ [الجمعة: ٢].
ولقد كان القرآن الكريم هو منهج هذه
التزكية ومصدرها وزادها ونبراسها، وكان
لمدرسة الليل أثرٌ كبيرٌ في التزكية والارتقاء.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ قُّ أَلَّيْلَ إِلَّا
قَلِيلًا ( ٥ نِصْفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلً ا أَوْزِدْ عَلَيْهِ
وَرَقَّلِ اَلْقُرْمَانَ تَّرِلًا ، إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلَا تَقِيلًا
٥ إِنَّنَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْئًا وَأَقْوَمُ قِلًا
[المزمل:١- ٦].
وكان الصحابة رضوان الله عليهم منهجٌ
فريدٌ في التربية بالقرآن إذ کانوا یتعلمون عشر
آيات من القرآن، فلا یجاوزونها إلى غيرها
حتى يتعلموا ما فيها من العمل، ويعملوا بما
فيها، فتعلموا بذلك العلم والعمل جميعًا(١).
وبهذا حدث هذا التغيير العظيم لهذا
الجيل القرآني الفريد الذي صنع الأمجاد
وفتح الفتوحات، وأحدث تغييرًا كبيرًا،
وحمل مشاعل النور إلى العالم .
لقد كان العالم يرزح تحت نير الجهل
والظلم، ويعيش الناس في فوضى، العرب
قبائل متمزقة، والعالم بين طغيان الفرس
وفساد الروم، والجاهلية تضرب بأطنابها في
جزيرة العرب بشتى مظاهرها، من الجهل
والظلم والعادات المرذولة، كيف واجهت
رسالة الإسلام هذا الركام الفاسد فأزالتْه،
(١) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي ٢٧١/٤ من
قول أبي عبد الرحمن السلمي.
وهيئت التربة للإنبات مجددًا، فخرج ذلك
الجيل الراشد، جيل الصحابة، نعم الغرس
﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاهُ
الطيب،
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمَّ تَرَنَّهُمْ زَكِّعًا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ فِ رُجُوهِهِم
مِنْ أَثَرِ السُّجُودِّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَّةِ وَمَثَلُهُمْ
فِ آلْإِلِ كَزَرَعْ أَخْرَجَ سََّهُ، فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ
فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِ يُعْجِبُ الزَُّّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ
لَكَفَا
﴾ [الفتح: ٢٩].
لقد كان لمدرسة القرآن دورٌ عظيمٌ في
صياغة هذا الجيل وإعداده، فالقرآن زادٌ
ومنهاجٌ، شفاءٌ وعلاجٌ، طاقةٌ وسراجٌ.
قال رشيد رضا رحمه الله: ((واعلم
أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا
يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه
مع التدبر بنية الاهتداء به، والعمل بأمره
ونهیه. فالإیمان الإذعاني الصحیح یزداد
ويقوى وينمي وتترتب عليه آثاره من
الأعمال الصالحة وترك المعاصي والفساد
بقدر تدبر القرآن، وينقص ويضعف على
هذه النسبة من ترك تدبره، وما آمن أكثر
العرب إلا بسماعه وفهمه، ولا فتحوا
الأقطار ومصروا الأمصار، واتسع عمرانهم،
وعظم سلطانهم، إلا بتأثير هدايته))(٢).
حين نتأمل ونقارن بين ما كان عليه
الصحابي قبل أن يسلم وما صنعه الإسلام
(٢) المنار ٩/ ٤٦٣.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف التاء
فيه من تغييرٍ ندرك أثر القرآن العظيم في
الإصلاح والتغيير، لقد غير القرآن من
سلوكهم وأفكارهم، غير من نظرتهم للحياة
ومن مفاهیمهم، غیر هممهم وطموحاتهم،
نقلهم من الجهل إلى العلم ومن الظلام إلى
النور. وهل هناك تغييرٌ أعظم من هذا! ﴿اللّهُ
وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِنَ الُلُّمَتِ إِلَى
التُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]
﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى
[إبراهيم: ١].
صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
قال عمر رضي الله عنه: ((والله إنْ كنا في
الْجاهلية ما نعد للنساء أمْرًا حتى أنزل الله
فيهن ما أنْزل، وقسم لهن ما قسم))(١).
جاء القرآن الكريم ونفر مما كان في
الجاهلية من مفاسد وشرور، فنهى عن
الظنون والأوهام والتصورات الفاسدة التي
تعد من أمر الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَطَايِفَةٌ
قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِلِّ غَيْرَ الْحَقِّ
ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن
شَىْ ءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُّونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا
لا يُتدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران:١٥٤] . کما نھی
عن ظلم الجاهلية الذي تمثل في الأحكام
المستبدة والأقضية الجائرة، ﴿أَفَحُكْمَ
اَلْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ (٥)﴾ [المائدة: ٥٠]. ونهى عن تبرج
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَّبَّحْنَ
الجاهلية
تَبُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وعن
حمية الجاهلية وما فيها من طيش وحماقةٍ
واندفاع وعصبية عمياء ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾
[الفتح: ٢٦]. جاء الإسلام بهذه الثورة العارمة
على أوضاع الجاهلية الفاسدة وتقاليدها
الراكدة. وفي حجة الوداع كان من خطبته
صلی الله عليه وسلم إبطال كل ما كان عليه
أهل الجاهلية من عادات وخصال ذميمة،
كالأخذ بالثأر وأكل الربا وظلم النساء،
وفي هذا يعلن نبينا صلى الله عليه وسلم
في خطبته أمام الحجيج: (ألا كل شيْءٍ
منْ أمْر الجاهلية تحت قدمي موضوعٌ،
ودماء الْجاهلية موضوعةٌ، وإن أول دم
أضع منْ دمائنا دم ابْن ربيعة بْن الْحارث،
كان مسْترضعًا في بني سعْدٍ فقتلتْه هذيْلٌ .
وربا الجاهلية موضوعٌ، وأول ربًا أضع ربانا
ربا عباس بْن عَبْد الْمطلب، فإنه موضوعٌ
كله)(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
سورة الطلاق، رقم ٤٦٢٩، ومسلم في
صحيحه، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء،
رقم ١٤٧٩ .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
حجة النبي، رقم ١٢١٨.
٢٤٦
جوبيى
القرآن الكريم

التغيير
٢. تغيير المجتمعات.
أولا: تغيير المجتمعات نابع من تغيير
الأنفس.
تغيير المجتمعات أو التغيير الاجتماعي
يقوم على تغيير الأنفس أولًا ؛ فهي لبنات
المجتمع وعماده، ثم التغيير العام للمجتمع،
بالإصلاح والدعوة والتربية. لقد بدأ النبي
صلى الله عليه وسلم بتربية الرعيل الأول
من الصحابة على القرآن، يثبت إيمانهم
ویرسخ عقيدتهم ويعلمهم مكارم الأخلاق،
ويبصرهم بسنن الله في الكون، ويقص
عليهم قصص السابقين، ويربيهم على
أصول التشريع من العبادات والمعاملات،
حتى أعد هذا الجيل الذي هب لنصرة الحق
وحمل لواء الدعوة ونشرها في الآفاق.
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ
اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ
تَرَّهُمْ رَكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا
سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ
فِي التَّوْرَةِ وَمَتَلُهُمْ فِ اَلْإِنِلِ كَزَوَعْ أَخْرَجَ سَّْكَهُ.
فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ
الزُّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] .
لقد نما هذا الجيل وترعرع، بدأ كالنبتة
الضعيفة أطلت ببرعمها اللدن وأشرفت
على سطح الأرض، تنمو وترتفع، وسرعان
ما کبرت واشتد عودها، وامتدت جذورها
تقوي صلتها بالأرض وتثبتها، وتفرعت
أغصانها بما يبهج الناظرين ويعجب الزراع
لحسنه ونضرته.
عن الضحاك قال: كان أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم قليلًا، ثم كثروا
واستغلظوا (١).
وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم
ابتدءوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد
قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه
الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة،
حتی کثر عددهم، كما يحدث في أصل
الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتى يكثر
(٢)
وینمو (٢).
وللتغيير الاجتماعي أهميته فهو الهدف
المنشود والأثر الفعال في الوجود، ولا
يتحقق إلا بتغیر الأنفس.
ونلاحظ هنا: قوله تعالى ﴿حَتَّى يُغيِّرُوا
مَا يَنْفُسِمْ﴾: حيث إسناد فعل التغيير إلى
واو الجماعة، وجمع النفس لبيان كون
التغيير أقرب إلى العمل الجماعي التعاوني،
وليس لكل فرد حرية التغيير كيفما يشاء،
بل هو منهج عام شامل ومنظومة موحدة،
فالمسئولية وإن كانت فرديةً في أصلها حيث
يحاسب الفرد عن نفسه ويسأل.
قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَخْصَنهُمْ
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢/ ٢٦٩ .
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٢١/٢١، ٣٢٧ .
www. modoee.com
٢٤٧

حرف التاء
وَعَدَّهُمْ عَدَّا (٢٥) وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فَرْدًا ﴾﴾ [مريم: ٩٣-٩٥]، إلا أن ثمة
مسئولية جماعية تقع على الجميع، مصداق
ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَّةٌ لََّ تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: ٢٥].
ولا بد من ملاحظة التغييرات الجزئية،
فهي نذير أو مؤشرٌ للتغيير الكلي، فما التغيير
العظيم إلا نتاج تغييرات صغيرة متعاقبة،
فالنبات ینمو کل یوم، وقد لا نشعر به حتی
نفاجأ باستوائه ونضجه، كذلك التغيير الكبير
مجموعة من التغییرات الیسیرة، فإذا تكاثر
الخبث شيئًا فشيئًا أفضى للهلاك، لذا تأتي
أهمية ملاحظة التغييرات الجزئية؛ لأنها
مؤشر على التغيير الكلي .
عنْ زينب بنت جحشٍ رضي الله عنها (أن
النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا
يقول: لا إله إلا الله، ويْلٌّ للعرب منْ شِرِ قدْ
اقترب، فتح اليوم منْ ردم يأجوج ومأجوج
مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها،
قالتْ زينب بنت جحشٍ: فقلت: يا رسول
الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعمْ، إذا
كثر الْخبث)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب: قصة يأجوج ومأجوج، رقم ٣١٦٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط
الساعة، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج
ومأجوج، رقم ٢٨٨٠.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل
القائم على حدود الله والواقع فيها: كمثل
قوْم اسْتهموا على سفينةٍ فأصاب بعْضهمْ
أَعْلَاها وبعْضهمْ أسْفلها، فكان الذين في
أسْفلها إذا اسْتقوْا منْ الْماء مروا على منْ
فوقھمْ، فقالوا: لوْ أنا خرڤنا في نصيبنا خرقًا،
ولمْ نؤْذ منْ فوْقنا؟ فإنْ يتركوهمْ وما أرادوا
هلكوا جميعًا، وإنْ أخذوا على أيديهمْ نجوْا
ونجوا جميعًا)(٢).
وقوله ﴿مَا يَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من طبائع
وأخلاق ومن أفكار ومفاهيم، ومن ظروف
وأحوال .
وإن تغيير ما بالنفس لا بد وأن يكون عن
علم بطبيعة النفس وسنن التغيير، ولا سبيل
لمعرفة كافية إلا بالاسترشاد بنور الوحي،
فالله تعالى أعلم بنا.
قال تعالى: ﴿رَّبِّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ [الإسراء:
٥٤] ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِىِ نُفُوسِكُمْ ﴾ [الإسراء:
٢٥].
فتغییر ما بالأنفس يبدأ بمعرفتها والوقوف
على علل وأدوائها، والتبصر بالمنهج الأمثل
للتغيير .
يقول الأستاذ جودت سعيد: ((فما لم
نسيطر على خارطة تغيير ما بالأنفس وما
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة
باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، رقم
٢٣٦١
٢٤٨
القرآن الكريم

التغيير
لم نتمكن بوضوح من سنة التغيير، وما لأن الخير والرزق كله في المطر))(٣).
ينبغي أن نغيره سنظل نسير في طريقنا بعفوية
لا قصد فيها، ونحافظ على أفكار تعوق
تقدمنا، وننبذ أفكارًا ونعادیها بينما لا غنى
لنا عنها، مثال ذلك عدم مبالاتنا بعلم تغيير
ما بالأنفس، هذا فضلًا عن إعراضنا عن عبر
التاريخ التي توضح لنا ما ينبغي أن نغيره،
فهنا نحتاج لعلمین، علم تغییر ما بالأنفس،
وعلم آخر وهو ما نميز به ما ينبغي أن نغيره
وما ينبغي أن نبقیه»(١).
ثانيًا: من عوامل التغيير.
أ - الاستقامة على المنهج، من عوامل والرضا .. وكم من أمة غنية قوية، ولكنها
التغيير الاستقامة على الطريق، كالمسافر
حتى ينتقل من بلد إلى بلد لا بد أن يوجه
شطره نحو البلد التي يريدها، ويأخذ
طريقه إليها ؛ كذلك لن يتحقق التغيير بدون
الاستقامة على الطريق الذي حدد القرآن
معالمه، وبین حدوده ومراسمه، ودعا إليه،
وحذر من النكوب عنه .
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الَّرِيقَةِ
لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا ﴾ [الجن: ١٦].
((قيل: المراد: الخلق كلهم، أي: لو
استقاموا علی طریقة الحق والإيمان والهدى
وكانوا مؤمنين مطیعین» لأسقيناهم ماءً غدقًا
«آي: کثیرًا))(٢). ((وضرب الماء الغدق مثلاً
(١) حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد ص
٠١٠٢
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ / ١٨.
ب - الإيمان والتقوى وإقامة ما أنزل الله
لا تغيير بدون إيمانٍ خالصٍ وتقوى
صادقةٍ وإقامةٍ لما أنزل الله بتبينه والامتثال
له والدعوة إليه، هنا يحدث التغيير للأفضل،
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن
كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٩٦
[الأعراف: ٩٦]
((فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن
الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن
تعيش في شقوة، مهددة في أمنها، مقطعة
الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق
وينتظرها الانحلال . فهي قوة بلا أمن . وهو
متاع بلا رضى . وهي وفرة بلا صلاح . وهو
حاضر زاهٍ يترقبه مستقبل نكد . وهو الابتلاء
الذي يعقبه النكال ..
إن البركات الحاصلة مع الإيمان
والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في
النفوس، وبركات في المشاعر، وبركات في
طيبات الحياة .. بركات تنمي الحياة وترفعها
في آن. وليست مجرد وفرة مع الشقوة
والتردي والانحلال» (٤).
وقال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْكِتَبِ
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٥ / ١٦١.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣ / ٢٦٢.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف التاء
ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَِنَاتِمْ
وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ ) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ
التَّوْرَةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن زَّيَّهِمْ
لَأَكَلُواْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْكُلِهِمَّ مِنْهُمْ
أُنَّهُ مُقْتَصِدَةً وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءُ مَا يَعْمَلُونَ (١١)
[المائدة: ٦٥- ٦٦].
قال ابن عباس رضى الله عنهما: لأنزلت
عليهم القطر، وأخرجت لهم من نبات
الأرض(١).
وهذه دعوة لأهل الكتاب مع ما سلف
منهم، دعوة لإصلاح ما فسد ووصل ما
انقطع، والتخلي عن الجحود والنكران،
والتحلي بالإيمان، والتزود بالتقوى، ليفتح
الله لهم باب التوبة والرجاء، لو آمنوا حق
الإيمان بجمیع الرسل وسائر الكتب واتقوا
محارم الله لغير الله من حالهم، وتلك بداية
رحلة الإيمان، من أنقاض تلك الكتب وما
بقي فيها من حقائق تسرج المشاعل التي
تنیر درب الحق، ففي تلك الكتب المرشد
والدليل، ولو أقاموا التوراة والإنجيل وما
أنزل إليهم من ربهم من سائر الكتب التي
بين أيديهم لو أقاموها نصب أعينهم حتى
ينظروا ما انطوت عليه من بشاراتٍ تدل
على النبي صلى الله عليه وسلم ، لآمنوا
بخاتم النبيين. والآية تحمل لهم روح
العتاب على أعمارٍ طويت وسنواتٍ تولت
(١) معالم التنزيل، البغوي ٦٨/٢.
بعیدا عن الحق، فاليهود لم يؤمنوا بعیسی،
بل جحدوا ما بأيديهم من بشارات تشهد
بنبوته، ثم زاد نكوبهم عن الصراط ونكولهم
عن الحق بجحودهم نبوة خاتم النبيين،
وتخاذلهم عن نصرته، بل ونقضهم العهود
والمواثيق، والنصارى نكبوا عن الحق الذي
جاء به عيسى عليه السلام. فلو أقاموا التوراة
والإنجيل وسائر الكتب المنزلة لعمهم
الخیر وأقبل من كل مكان.
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن
تَنَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ
﴾ [الأنفال: ٢٩]
قال مجاهد: مخرجًا في الدنيا والآخرة.
وقال مقاتل بن حيان: مخرجًا في الدین من
الشبهات، وقال عكرمة: نجاة، أي: يفرق
بينكم وبين ما تخافون. وقال الضحاك:
بيانًا. وقال ابن إسحاق: فصلًا بين الحق
والباطل يظهر الله به حقكم، ويطفئ باطل
من خالفکم(٢).
ولا شك أن حصول هذه الأمور تغييرٌ
جذريٌّ في حياة الإنسان؛ أن يمتلك الرؤية
الثاقبة، والنظرة الواعية؛ فيستطيع التفريق
بين الحق والباطل والخير والشر سيما عند
التباس الأمور وتشابك المصالح.
ت - عبادة الله وحده وكثرة الاستغفار
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٨٦/٢.
مَشَارَةُ التَّقُدُ
القرآن الكريم
٢٥٠

التغيير
والتوبة الخالصة من الذنوب.
نھی القرآن عن عبادة غیر الله ؛ ودعا إلى
كثرة الاستغفار والتوبة النصوح ووعد بطيب
العيش والعافية وطول العمر في طاعته
ومرضاته، والارتقاء والتفوق على سائر
الأمم، في القوة والعلم والمنعة والفضل.
قال تعالى ﴿أَلََّ تَعْبُّدُوْ إِلَّ اللَّهُّ إِنَِّ لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ
وَ بَشِيرٌ ن وَأَنْ أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُم
مَّنَعًا حَسَنَا إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ
فَضْلَهُ﴾ [هود:٢-٣].
وقد سجل القرآن الكريم دعوات الأنبياء
لأقوامهم كيف بدأت بإخلاص العبادة لله
جل وعلا فهي الركيزة الأساسية لأي إصلاح
وتغيير، فالعبادة محور حياة المؤمن. قال
تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ
أَعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[الأعراف: ٥٩]
﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُمْ أَفَلَا نَتَّقُونَ ﴾
[الأعراف: ٦٥]
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَأْ قَالَ بَقَوْمِ
أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[الأعراف: ٧٣]
﴿ وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ يَنقَّوْمِ
أُعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[الأعراف: ٨٥]
﴿وَإِزَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَنَّقُوَةٌ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(١٦)﴾ [العنكبوت: ١٦]
وأخبر الله تعالى عن عيسى قوله لبني
إسرائيل ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ هَذَا
صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ [آل عمران: ٥١].
وهكذا جميع الأنبياء استهلوا دعوتهم
بالدعوة إلى عبادة الله وحده، وانطلقوا من
خلاله إلى إصلاح النفس والمجتمع.
ثانيًا: التغيير المذموم:
١. تغيير في الأنفس.
خلق الله النفس البشرية وسواها على
الفطرة وبين لها طريق الغواية وطريق
الرشاد، وأوكل الاختيار إليها، إما أن تسلك
طریق الفلاح بتهذیب النفس والنهوض بها،
وإما طريق الخيبة والضياع بإهمالها ودفنها
في حفرة الأهواء والملذات.
قال تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَأَهَمَهَا
◌ُؤْرَهَا وَتَقْوَنَهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ) وَقَدْ
خَابَ مَن دَسَّتِهَا ﴾ [الشمس:٧ -١٠].
طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من
العيوب، ونماها وأعلاها بالباقيات
الصالحات، وقد خاب من دساها: أهلكها
وأضلها وأغواها(١).
٢. تغيير في المجتمعات.
(١) الأنوار الساطعات لآيات جامعات، عبد العزيز
السلمان ٣ / ٤٥٧.
www. modoee.com
٢٥١

حرف التاء
قد يتغير المجتمع إلى الأسوأ وفي القرآن فرح المغرور المفتون، فيحق عليهم العذاب
وتحل بهم النقم ويتبدل الحال إلى شقاءٍ لا
نعيم بعده، فإذا هم نادمون آيسون .
الكريم نماذج عديدة لهذا التغير ومظاهره
وأسبابه، وحديث القرآن في هذا السياق
تارة یکون عامًا لا یشمل مجتمعا بعينه بل
يبين عموم هذه السنة واطرادها، وتارة يأتي
الحديث عن قرى بعينها كمثالٍ واقعي.
أولًا: التغيير سنة عامة ومطردة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَاْ إِلَى أُمَمِ مِّن
قَبْلِكَ فَلَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَكِ وَالشَّرِِّ لَعَلَّهُمْ بَنَّعُونَ
فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن
٤٢
قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا كَانُواْ
فَلَمَا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِه
يَعْمَلُونَ ل
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ
بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾
[الأنعام: ٤٢ -٤٤].
يخبر تعالى عن سنته الجارية في الأمم
الماضية الذين واجهوا دعوات الأنبياء
بالتكذيب والإعراض، كيف حول الله
حالهم من سعةٍ وخصبٍ إلی شدةٍ وبؤس،
ومن منح وعطاء إلى محن وحرمان، وذلك
امتحانٌ لهم هل يتضرعون لربهم ويلوذون
ببابه، فيكشف عنهم البلاء ويغير من شدتهم
وكربهم إلى فرجٍ ورخاء؟ لكن قسوة قلوبهم
حرمتهم من التضرع لربهم ليغير مابهم، وزين
لهم الشيطان سوء عملهم فلم يسعوا للتغيير
ولم يفكروا فيه، وهنا يبتليهم الله بالسراء
ويفتح لهم أبواب الرخاء فيفرحون بما أوتوا
قال السدي: ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ ((معناه:
هالکون قد انقطعت حجتهم، نادمون على
ما سلف منهم، متغير حالهم)) (١).
وقال ابن زيد: المبلس: الذي قد نزل به
الشر الذي لا يدفعه(٢).
فالابتلاء الجماعي للأمم والشعوب
بالحروب والمجاعات والأوبئة والأزمات؛
إنما يقع تمحيصًا لها وتصحيحًا لمسارها،
وإصلاحًا لفسادها، وإزالةً لتراكمات السنين
من آثار المعاصي والذنوب، وتجريدًا
للقلوب وترقيقًا للمشاعر، وتوجها إلى
الله تعالى، لترى الأكف ضارعةً والأعين
دامعةً والقلوب خاشعةً، لكن أهل الجحود
والهوى لا تزيدهم الشدائد إلا قسوةً وعنادًا،
وصدودًا وإعراضًا، فتصب أنهار المحن في
بحار الذنوب، فلا يخرجون من هذا الابتلاء
إلا بالخيبة والخسران. ثم يستأنف الاختبار
من جديدٍ، لكنه هذه المرة يكون أشد صعوبةً
لأنه ابتلاء بالنعمة، إنها فتنة الاستدراج، وقد
أقبلت الدنيا عليهم وفتحت لهم أبوابها
ففرحوا بما أوتوا فرح العجب والاغترار
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦١/١١،
الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٢٠٢٣/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٦١/١١.
٢٥٢
صَوْنُوبَةُ النَّفـ
القرآن الكريم