النص المفهرس
صفحات 21-35
التمكين لا يأخذه إلا من أقتل أهله علمًا، وأنحرهم دراية، وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل))(١). وإتقان المهارات يؤدي إلى حصول التمكين. خامسًا: القوة: جرت سنة الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لمن أراد التمكين لهم الوسائل التي يستطيعون من خلالها الحصول على التمکین، وذلك يعني أنه لابد للذي یسعی للحصول على التمكين في الأرض أن يكون صاحب بضاعة تعينه على تحقيق ما يسعى للحصول عليه، وإن أهم ما تحويه تلك البضاعة هو عنصر القوة، وأهمية هذا العنصر تكمن في أنه الوسيلة التي تتم من خلالها عمليتي الحصول، والمحافظة على التمكين، وتنقسم هذه القوة إلى قسمين هما: القوة المادية: فهي تتمثل في قوة الجسد، وكثرة العدد والعدد. القوة المعنوية: فهي تتمثل في رجاحة العقل، وشجاعة القلب. الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يهب التمكين لأحد أعطاه القوة. قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِ الْعِلْمِ (١) الكشاف، الزمخشري ٦٠٦/١. وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ, مَنْ يَشَاءُ" وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. والملاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى قد جمع لطالوت بين القوة المادية الجسدية، والقوة المعنوية العلمية، بحيث أنه فاق بما آتاه الله سبحانه وتعالى من القوة أهل زمانه، فكان أهلًا لاختياره ملكًا(٢). وقد قدم الله سبحانه وتعالى قوة العلم على قوة الجسم لبيان أنه لابد من تقديم القوى العقلية على القوى المادية عند استخدام القوة؛ وذلك لتوجيه الطاقات في الاتجاه الصحيح، وعدم تدبيرها وإحسان استثمارها، وفي قصة ملكة سبأ التي أرسل الله إليها سليمان عليه السلام رسالة يدعوها فيها وقومها للإسلام، فاستشارت رؤوس دولتها، فردوا عليها ما مفاده أنهم جاهزون قَالُواْ نَحْنُ للمواجهة العسكرية ـة أَوْ لَوا وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِِّ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ [النمل: ٣٣]. فردت عليهم ردًا يبين رجاحة عقلها، قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (١) وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ» بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤ - ٣٥]. وهذا الرد من الملكة يبرز أن تغليب العقل على امتلاك القوة المادية من شأنه أن (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٣/٥. www. modoee.com ٤٩٧ حرف التاء يحقن الدماء، ويحفظ الممتلكات، ويبقي سادسًا: الأمانة: على السيادة. وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالسعي بكل جهد للحصول على أسباب القوة؛ بغية الحصول على التمكين. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِه عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُؤَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقد دل الله سبحانه وتعالى عباده على أهم الأسباب التي يؤتي الله سبحانه وتعالى عباده من خلاله وهو الاستغفار. قال تعالى: ﴿وَيَنَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَلَّةَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلََّأْ مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. وفي مقابل ذلك حذر من الوقوع في الآثام والمخالفات التي من شأنها تدمير القوة مهما بلغت، وإزالة التمكين. قال تعالى مخاطبًا الكفرة الفجرة: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا اُلْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا وَحَدَتْهُ رُسُلُّهُم بِالْبَيْنَتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُّوَاْأَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩]. جعل الله سبحانه وتعالى الحصول على التمكين أمانة في أعناق المؤمنين، والشواهد على ذلك في القرآن عديدة، منها: قوله تعالى: ﴿بَيَحْيِىَ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقٌ وَءَاتَّيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]. في هذه الآية يأمر ربنا سبحانه یحیی عليه السلام بأن یعرف أحکام الله، وأن یحکم بها وهو صغير(١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِمَآ أَرَنِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. في هذه الآية يكلف الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين الناس بما علمه من أحكام الدين (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُُّوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍّ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. وفي هذه الآية يأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين أن يقاتلوا المشركين الناكثين عهودهم مع المسلمين وحبسهم ومحاصرتهم ومطاردتهم، وعدم التسامح معهم إلا في حال توبتهم، وإيمانهم بالله (١) انظر: المصدر السابق ص ٤٩٠. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ١٧٥. ٤٩٨ مُؤْسوبر التَسيِ الوضوي لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ التمكين سبحانه وتعالى، وأدائهم حقوق الله سبحانه ولكنه لا يعي منها شيئًا (٢). وتعالی علیهم(١). و حتی یتجنب أتباع محمد صلى الله عليه ومما سبق يمكن القول بأن الله سبحانه وسلم تلك المذمة لابد لهم من المحافظة وتعالى استأمن يحيى عليه السلام على على أعظم أمانة استحفظ الله سبحانه وتعالى عليها الإنسان، وهي أمانة الدين. الحکم بالكتاب الذي أنزله لیکون ھدی للناس، واستأمن محمدًا صلى الله عليه وسلم للقضاء بين الناس بموجب أحكام القرآن، واستأمن المسلمين على المحافظة على بلاد المسلمين وتطهيرها من الفجار، وذلك كله يعني أن الله سبحانه وتعالى استأمن عباده على المحافظة على الإسلام، وتطبيق أحكامه في الأرض من خلال بسط المسلمين سيطرتهم على الأرض وتمكنهم منها. وقد ذم الله سبحانه وتعالى الذين فرطوا في المحافظة على أمانة التمكين. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. والمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد استأمن اليهود والنصارى على حمل التوراة والعمل بموجب أحكامها، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم خانوا هذه الأمانة فهم بذلك كالحمار الذي يحمل الكتب التي تحتوي على العلوم الكثيرة، (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٣٧/٢. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِنَّهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ومسئولية الحفاظ على هذه الأمانة العظيمة وإن كانت تقع على عاتق المسلمين جميعًا، إلا أن الجزء الأكبر من هذه المسئولية إنما تقع على العلماء وأولي الأمر من المسلمين، وقد أعانهم الله سبحانه وتعالى على تحمل هذه المسئولية من خلال توجيه الأمر لعامة المسلمين بطاعة أولي أمرهم وعلمائهم. قال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَلَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنَّبِعُطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. والمقصود بالذين يستنبطونه هم: (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٧/٢٣. www. modoee.com ٤٩٩ حرف التاء العلماء النحارير(١)، وقد أعانهم أيضًا من والتطبيق لأحكام الدين، وعلى العامة خلال الحث على طلب العلم الشرعي؛ بغية الطاعة في غير معصية الله سبحانه وتعالى. نشره بین الناس. قال تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَيِقَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. ومما يدل على أن المسئولية الكبرى في حفظ أمانة الدين تقع على عاتق العلماء والقادة قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَنَّهُمُ الرَِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُوْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]. العلماء(٢). ومما يدل على مشاركة عامة الناس للقادة والعلماء في مسئولية حفظ أمانة الدين: ذمه سبحانه وتعالى اليهود والنصارى طاعة علمائهم في معصية الله سبحانه وتعالى والإيغال في ذلك. ﴿ أَتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ قال تعالى: وَرُهْبَنَّهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدَاً لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَكِنَهُ، عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. فعلى العلماء والقادة تقع أمانة التبليغ (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٠٣/١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٥٤٣. ولا يعني التخصيص لأمانة حفظ الدين بالذكر أن المحافظة على باقي الأمانات أمر ثانوي لحصول التمكين، وإنما كان الاختيار لأمانة حفظ الدين لأمرين مهمين: الأول: أن الحفاظ على هذه الأمانة هو الأساس لحصول التمكين، يفهم ذلك من تركيز القرآن على الدعوة لحفظ هذه الأمانة العظيمة. الثاني: أن المحافظة على هذه الأمانة والربانيون هم الولاة والأحبار هم باعث للحفاظ على باقي الأمانات التي هي فرع، ولا انفصال بين الأصل والفرع كما هو معلوم، وبهذا الفهم الدقيق مكن الله سبحانه وتعالى للصالحين في الأرض، ومن الأمثلة علی ذلك: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَابٌ ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَاتُ لِيَادُ ﴿ فَقَالَ إِنْ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّ حَّى تَوَارَتْ بِاَلِجَابِ رُدُّوَهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْتَخَا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص: ٣٠ -٣٣]. هذا نبي الله سليمان عليه السلام يشغله حب الخيل وبهاء منظرها عن الصلاة، فيغضب لذلك، ويدرك خطورة الانشغال بمتاع الدنيا عن حفظ أمانة الدين، فيقوم ٥٠٠ مَوَسُوبَة النفسية القرآن الكريم التمكين بعقر تلك الخيل(١). وهذا هو الأساس الذي مكن الله سبحانه وتعالى به لسلیمان علیه السلام. ولما ارتد أناس عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بتركهم للزكاة أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتحريك الجيوش وقتال المرتدين؛ وذلك ليقينه بضرورة حفظ أمانة الدين من أجل بقاء التمكين للمسلمين(٢). وقد سار المسلمون الأوائل على هذا النهج القويم، وحافظوا على الأمانات التي استحفظ الله سبحانه وتعالى عباده عليها، متأولين بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَا يَعِظُكُمْ يِّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. فأمكن الله سبحانه وتعالی لهم حتى وصلت فتوحات المسلمین الصین شرقًا، والمحيط الأطلسي غربًا (٣). سابعًا: العدل: يمثل العدل أحد أهم الركائز التي يستند إليها للحصول على التمكين مع ضمان بقائه واستمراره، وإن من أهم الدلالات على (١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٧/ ١٧٧. (٢) انظر: حياة محمد صلى الله عليه وسلم، محمد حسین هیکل ص٣٣٢. (٣) انظر: مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم ص ٢٨٠. ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر بالعدل وجعله من جوامع الخير. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغِيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. کما أنه سبحانه وتعالی نھی عن الجور، وذلك كما جاء في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فیما روي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا ... )(٤). والعدل مما أوصى به ربنا جل وعلا في كتابه العزيز. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُنُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءُ بِاَلْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِ لُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. والعدل كما هو مفهوم من هذه الآية لابد له من أن يكون بعيدًا عن حظوظ النفس، فلا تؤدي العداوة لقوم إلى عدم إنصافهم(٥). ومما يعلل كون صفة العدل أحد أهم سبل الوصول إلى حالة التمكين أنه لا أحد (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤ / ١٩٩٤، رقم ٢٥٧٧. (٥) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ٦٠٢. www. modoee.com ٠ ١ حرف التاء من الخلق يقبل وقوع الهضم والحيف عليه، والتقوى هو اجتناب ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه (٢). ومن ثم فإن النفوس تكره کل ظالم وبالذات إذا كان في موقع النفوذ والسلطان؛ لأن ظلمه یکون أشد وفرص معاقبته تكون محدودة إن لم تکن معدومة، والعكس صحيح، وهذا يعني أنه لابد لمن أراد التمكين في الأرض أن يتصف بالعدل؛ حتى ينال محبة الناس وثقتهم، فيحصل بذلك على ما أراد. وقد أيقن المسلمون الأوائل أهمية العدل في حصول التمكين فحافظوا عليه، فحفظ الله سبحانه وتعالی علیھم ملکھم، ويسر لهم فتح البلاد، وحبب منهم العباد، ومن الشواهد على عدل الخلفاء الراشدين ما كان يوصي به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً: ((إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أموالهم، ولكني بعثتکم تقیموا بهم الصلاة، وتحکموا بينهم بالعدل»(١)، وغير ذلك من الشواهد کثیر. ثامنًا: التعاون: العباد مأمورون من الله سبحانه وتعالى بأن يكونوا متعاونين متآزرين في الحق، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اُلِ وَالنَّقْوَىٌّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. والبر هو ما أمر الله سبحانه وتعالى به، (١) شعب الإيمان، البيهقي، ٤٩٣/٩، رقم ٧٠٠٩. ومن أبرز ما دعا الإسلام للتعاون من أجل تحقيقه هو الحصول على التمكين، أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. وهذه دعوة من الله سبحانه وتعالى للمسلمين بالتضامن مع بعضهم البعض لنصرة دين الله سبحانه وتعالى وإعلاء كلمته(٣). ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى هو الطريق إلى تمكين المسلمين في الأرض يؤيد دعوة التناسب بين دعوة المسلمين إلى رص صفوف المجاهدين في سبيل الله سبحانه وتعالى وبين نهي المسلمين عن موالاة الكافرين قبل تلك الدعوة. فقد قال سبحانه وتعالى في آخر آية من سورة الممتحنة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ اْلَآَخِرَةِ كُمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]. ثم قال تعالى في أول سورة الصف التي تلي سورة الممتحنة مباشرة: ﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُم (٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي ٤٢٣/٣، لطائف الإشارات، القشيري ٣٩٨/١. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٥٢/٦. ٥٠٢ القرآن الكريم التمكين بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. يقول المراغي عن مطلع سورة الصف: ((ومناسبتها لما قبلها أنها اشتملت على الحث على الجهاد والترغيب فيه، وفي ذلك تأكيد المنهي الذي تضمنته السورة السابقة من اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين))(١). وطلب المعونة من الغير ممن تجوز الاستعانة بهم في سبيل تحقيق التمكين للمسلمين في الأرض أمر مطلوب، وأولى من يستعان به لذلك هو الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبَ هُمْ وَنَسْتَسِ نِسَآءَ هُمْ ١١) قَالَ مُوسَى وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَِهِرُونَ لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٧ - ١٢٨]. كما أنه يستعان بأسباب القوة المختلفة من أجل تحقيق التمكين. قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَّيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْبُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ تَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبْنَهُ سَنَّا قَالَ مَامَكَّنِى فِيهِ رَبِّ خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوٍَّ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥]. فذي القرنين طلب المعونة من أجل بناء (١) تفسير المراغي ٧٩/٢٨. السد على الرغم من أنه صاحب قوة. وتاريخ المسلمين يشهد بأنهم طلبوا العون في سبیل تحقیق التمکین، ومن ذلك ما حصل في غزوة الأحزاب حيث استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابي الجليل نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه من أجل تفريق كلمة الأحزاب(٢). وغير ذلك من الشواهد كثير. (٢) انظر: معارج القبول، حافظ الحكمي ٥٦٥/٢. www. modoee.com ٥٠٣ حرف التاء أهداف التمكين تحدث القرآن الكريم عن أهداف التمكين وسوف نبينها فيما يأتي: أولًا : إقامة شعائر الدين: خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وأو كل إليه مهمة الاستخلاف، وهذه المهمة تشمل أمرین أساسیین، هما: ١. عبادة الله سبحانه وتعالى على الوجه الذي يرضیه جل وعلا. ٢. الإصلاح والتعمير في الأرض. دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ اُلْدِمَآءَ وَتَحْنُ نُسَمْحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فرد الملائكة لما أخبرها ربها جل وعلا أنه سيجعل في الأرض خليفة بقولهم: ﴿قَالُواْ أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ ﴾، دل على أن الاستخلاف يلزم منه الإصلاح والتعمير، وقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، دل على أن الاستخلاف يلزم منه العبودية لله سبحانه وتعالى (١). مما سبق يتبين أن مهمة الخلافة هي (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧٩/١، التفسير البسيط، الواحدي ١/ ١٩٤. مهمة حساسة؛ لكونها شديدة التأثر بما يحيطها من العوامل، وأبرز تلك العوامل هو عامل التمكين، فليس لأحد أن يقوم بمهام الاستخلاف في الأرض إلا إذا كان ممكنًا فيها، ويجب على المؤمنین بمجرد أن یمکن الله سبحانه وتعالى لهم في الأرض أن يسعوا بكل جهد إلى تحقيق مهام الاستخلاف التي أسندها الله سبحانه وتعالى إليهم، وأولى هذه المهام هي مهمة العبادة لله سبحانه وتعالى وحده، وإقامة شعائر دينه. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِن مُكَّنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ اَلْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وفي مقدمة المؤمنين الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم (٢)، ومما يشهد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة المنورة قام ببناء المسجد الذي يعتبر المقر الرئيس لإقامة شعائر الدین. كما حرص الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم على السير على ذات الدرب الذي سار عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان في عهدهم أن جمع القرآن ونقط وشكل، وحورب المرتدون، وفتح (٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٤٤/٢. مَوَس ◌َدُ النَّسيد القرآن الكريم ٥٠٤ التمكين بيت المقدس، وعلادين الله سبحانه وتعالى الدين تدعو إلى توظيف الإمكانات للبناء على ما سواه(١). ثانيًا: عمارة الأرض: الإسلام هو دين التعمير والبناء والإصلاح في الأرض، وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أن يعمروا في الأرض، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ اْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. والعمارة هنا نوعان: الأول: معنوية بالصلاة والاعتكاف والذكر في هذه المساجد. الثاني: مادية بالبناء والتشييد والتوسيع بهذه المساجد (٢). ودل على وجوب الإصلاح والتعمير في الأرض قوله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)(٣). والمقصود بالعلم هو كل علم نافع سواءً أكان علمًا دينيًا أو دنيويًا، وكما أن علوم (١) انظر: ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وسلم، حسن حسين ص١٢٩ . (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٤٧/٢. (٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، ١٠١/١، رقم ٢٢٤. والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٣٩١٣. والتعمير، فإن علوم الدنيا تشرف مباشرة على ذلك البناء والتعمير. www. modoee.com ٥٠٥ حرف التاء أسباب زوال التمكين وضح القرآن الكريم أسباب زوال التمكين، وسوف نتناولها بالبيان فيما يلي: أولًا: الكفر: الكفر بأقسامه وأنواعه یؤدي إلى زوال التمكين، يؤيد ذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَهُمْ رَسُولُ كَرِيمُ ٢ أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ اللَّهِ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ( ١٨ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنِّ ءَاتِيَكُ بِسُلْطَانِ تُبِينٍ ١٩ وَإِّى عُذْتُ بِرَتِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَّرِجُونِ ، وَإِن ◌َّوْ نُؤْمِنُواْ لِ فَأَ عْنَرُونِ ( فَدَهَا رَبَّهُ أَنَّ مَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ ٢٣ فَأَسْرٍ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَآَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوَاْ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ ، كَمْ تَرَّكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ، وَزُدُوِعٌ وَمَقَّامٍ كَرِيمٍ (٦) وَنَعْمَوْ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ﴾ [الدخان: ١٧ - ٢٧]. فهذه الآيات تتحدث عن فرعون وملئه، وعن عاقبة إفسادهم في الأرض، حيث أغرقهم في البحر بعد أن كانوا أهل سيادة في الأرض(١). ثانيًا: الظلم: الظلم بأنواعه سبب من أسباب زوال التمكين، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ تُبِينٍ (٦ إِلَى (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١١٨/٤. فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِ، فَأنَّعُواْ أَقْرَ فِرْعَوْنٌ وَمَا أَقْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) وَأُتْبِعُواْ فِى هَذِهِ، لَقْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ اَلْرِّقْدُ اَلْمَرْفُودُ ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكٌ مِنْهَا قَآبِدٌ وَحَصِيدٌ ) وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمَّ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَيْكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ﴾ [هود: ٩٦-١٠١]. فهذه الآيات تتحدث عن إهلاك الله سبحانه وتعالى لقوم موسى عليه السلام بسبب ظلمهم أنفسهم بالكفر والمعاصي (٢). ثالثًا: كفران النعمة: مما لا شك فيه أن إنكار ونسيان النعم التي من الله سبحانه وتعالى بها على عباده من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى زوال تلك النعم، ولما كانت نعمة التمكين من أعظم ما يمن به الله سبحانه وتعالى على عباده كان إهمالها ونكرانها أحد أعظم الأسباب التي تؤدي إلى زوال تلك النعمة والحرمان منها. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا (٢) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٥٤٦/١١. ٥٠٦ مُوسُوبَةُ التَّقِين القرآن الكريم التمكين كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. وهذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لمن یکون في رغد من العیش وسعة، ثم یکفر بما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه لتكون عاقبته الحرمان من تلك النعم(١). ونظرًا لخطورة كفران النعمة فقد حذر الله سبحانه وتعالى عباده من الانجرار وراء رغبات نفوسهم التي تأمرهم بالجحود والنكران. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ، لَكَنُورٌ﴾ [العاديات: ٦]. ﴿لَكَنُودٌ﴾ هو الكفور (٢) الذي یذکر المصائب، وینسی النعم(٣). وقد أكد الحق جل وعلا بالمؤكدات الثلاث: القسم، وإن، واللام؛ للمبالغة في تحذير الإنسان من كفران النعمة الذي ينجم عن الانصياع للنفس التي تنسى ما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليها، وتذكر ما ابتلاها به فقط، ومن ثم يكون من الواجب على العبد أن يؤدب نفسه، ويذكرها بوافر نعم الله سبحانه وتعالى كلما حرضته على جحود تلك النعم العظيمة، والتي في مقدمتها نعمة التمکین. (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٨/ ٤٢٨٤. (٢) انظر: تفسير التستري، ٢٠٣/١. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٨٥. رابعًا: ارتكاب الذنوب: وعد الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين الصالحين المداومين على فعل الطاعات بالغلبة والتمكين في الأرض، فقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِىِ آرْتَضَى لَهُمْ وَلَيَّبَدِلَهُم مِّنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَقْنَأَ يَعْبُدُ ونَبِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾[النور: ٥٥]. ويفهم من هذا الوعد الإلهي بالمخالفة أن الكفر بالله وإتيان الذنوب يؤديان إلى زوال التمكين. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلاَیْنِمِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْيِ رَيِّهَا وَرُسُلِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا تَكْرًا ، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨- ٩]. والعتو عن أمر الله سبحانه وتعالى إنما يكون بمعصيته وارتكاب الذنوب (٤). لذلك فإنه من الواجب على العباد أن يحذروا من الوقوع في الذنوب؛ لئلا تزول عنهم نعمة التمکین. موضوعات ذات صلة: الخلافة، النجاة، النصر (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٩/٢٣. www. modoee.com ٥٠٧ فهرس المحتويات التزكية . ٧ مفهوم التزكية ٨ ٩ التزكية في الاستعمال القرآني ١٠ الألفاظ ذات الصلة ١٣ من له تزكية النفوس؟ أنواع الثناء على النفس. ١٧ ٢٢ التزكية وظيفة الأنبياء وأتباعهم. ٢٥ وسائل التزكية في القرآن ٢٩ جزاء التزكية. ٤٧ التسبيح ٥٣ مفهوم التسبيح. ٥٤ التسبيح في الاستعمال القرآني . ٥٥ ٥٦ الألفاظ ذات الصلة ١٨٠ تسبيح الله عز وجل نفسه ٥٧ المسبحون لله عز وجل من المخلوقات ٦٤ ٨٨ من صيغ التسبيح مواطن التسبيح ٩٤ أزمنة التسبيح ١٠٢ فوائد التسبيح ١٠٩ ٠ التسخير ١١١ مفهوم التسخير . ١١٢ التسخير في الاستعمال القرآني ١١٣ الألفاظ ذات الصلة ١١٤ دلالات التسخير العقدية ١١٦ مظاهر التسخير . ١٢٢ آثار التسخير الإيمانية على العبد ١٣١ آثار التسخير في عمارة الأرض .. ١٣٦ التشاؤم ١٤٣ مفهوم التشاؤم ١٤٤ الألفاظ ذات الصلة ١٤٥ التشاؤم عادة جاهلية ١٤٧ أسباب التشاؤم ١٥٣ ١٦٣ صور التشاؤم نسبة المصائب إلى أشخاص ١٧٧ ١٧٨ آثار التشاؤم علاج التشاؤم التطوع ١٩٣ مفهوم التطوع ١٩٤ التطوع في الاستعمال القرآني. ١٩٧ الألفاظ ذات الصلة ١٩٨ أنواع التطوع ١٩٩ الحث على التطوع ٢٠٣ www. modoee.com ٥٠٩ أنواع التزكية. دوافع التطوع في القرآن الكريم ٢٠٨ ٢١٢ أسس التطوع ٣٤٦ أسباب التقليد مجالات التقليد ٣٦٤ آثار التقليد والتبعية ٣٩٠ مواجهة التقليد والتبعية ٤٠٢ التقوى ٢٣٤ ..... مفهوم التقوى ٤٢٢ التقوى في الاستعمال القرآني ٤٢٣ الألفاظ ذات الصلة ٤٢٤ أصناف المخاطبين بالتقوى ٤٢٦ أساليب الأمر بالتقوى ٤٢٨ صفات المتقين . ٤٣٠ مكانة التقوى . ٤٤٩ فضائل التقوى ٤٥٣ عاقبة التقوى وآثارها ٤٧١ التمكين . ٤٧٧ مفهوم التمکین ٤٧٨ ٢٨٧ الحث على التفكر ٤٧٩ التمكين في الاستعمال القرآني ٣٠٢ مجالات التفکر ٣٢١ نتائج التفكر وثمراته التقليد ٣٤١ مفهوم التقليد ٣٤٢ ٣٤٤ الألفاظ ذات الصلة ٢١٤ عقبات التطوع مجالات التطوع الاجتماعي في القرآن ٢١٦ نماذج قرآنية للتطوع الاجتماعي ..... ٢٢٦ ٢٣٣ التغيير ٠ ٤٢١ مفهوم التغيير ٢٣٥ التغيير في الاستعمال القرآني ٢٣٦ الألفاظ ذات الصلة التغيير المسند لله تعالى ٢٤٣ ٢٣٨ أنواع التغيير . أسباب التغيير ٢٥٥ ٢٧١ مجالات التغيير. ٢٧٥ ثمرات التغيير وآثاره ٠ التفكر ٢٧٩ مفهوم التفكر ٢٨٠ ٢٨٢ التفكر في الاستعمال القرآني ٢٨٣ الألفاظ ذات الصلة الألفاظ ذات الصلة ٤٨٠ التمكين مشيئة إلهية ٤٨٢ أنواع التمكين ٤٨٥ ٥١٠ القرآن الكريم مقومات التمكين ٤٨٩ أهداف التمکین ٥٠٤ أسباب زوال التمكين ٥٠٦ فهرس المحتويات ٥٠٩ www. modoee.com ٥١١