النص المفهرس
صفحات 21-40
التشاؤم ٢٤]. ((فعند هذا لم يبق لهم عذر ولا علة، ثم بين تعالى أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِيمٌ أَوْ بَحْنُنُ ( أَتَوَاصَوْاْبِ. بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ ( ﴾ [الذاريات: ٥٢ -٥٣]. ٥٣ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن وهكذا قال هاهنا: قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاً ءَابَنَا عَلَى أَمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَائَِهِم مُقْتَدُونَ (٣)﴾[الزخرف: ٢٣](١). فكان جزاؤهم أن حلت عليهم النقمة من الله تعالى؛ وذلك لتقليدهم الأعمى في العقائد الضالة، وتكذيبهم للرسل عليهم الصلاة والسلام، فقال الله تعالى عنهم: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمٌّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ [الزخرف: ٢٥]. ٥٠٢٥ الْمُكَذّبِينَ ! (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٢٤/٧. صور التشاؤم اشتهرت العرب في الجاهلية بالتشاؤم كما مر، ولا شك أن التشاؤم يظهر بصور متعددة متنوعة بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والناس، وسنذكر في هذا المبحث بعض صور التشاؤم، والتي منها: أولًا: التشاؤم بالصور: ويشمل هذا النوع من التشاؤم أنواعا متعددة منها ما يأتي: ١. التشاؤم بالبشر. وهذا النوع من التشاؤم قد حصل مع بعض أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام من قبل أقوامهم، كما أخبر الله تبارك وتعالى عن ذلك في قصصهم. قال الله تعالى عن تشاؤم فرعون وقومه من موسى عليه السلام: ﴿فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَنْ مَّعَهُ: أَلَا إِنَّمَا طَيِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٣١]. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ ((أي: الخصب والسعة ﴿ قَالُوا لَنَا هذِهِ﴾، أي: هذا ما كنا نعرفه أبدًا وما جرینا على اعتياده، أو أن يقولوا: لنا هذه بفرعون وبعبادتنا له، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، قيل: www. modoee.com ١٦٣ حرف التاء الضيق والقحط، ﴿يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى﴾، وقالوا بشئمه)»(١). وهذا كما قال العرب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْهَذِهِ، مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]. ويتضح من هذه الآيات وغيرها أن التشاؤم بالبشر عادة قديمة كانت عند بعض الأقوام کفرعون وقومه، حيث كانوا يتشاءمون ویتطیرون من موسی وأتباعه، معتقدين أنهم هم سبب ما أصابهم من الجدب والضيق والقحط، وتبعهم في ذلك قوم صالح وأصحاب القرية وغيرهم، فبين الله تعالى لهم أن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله وقدره، ولا دخل للرسل عليهم الصلاة والسلام في ذلك. و کذلك منهم من يتشاءم بملاقاة الأعور أو الأعرج أو المهزول أو الشيخ الهرم أو العجوز الشمطاء، وكثير من الناس إذا لقيه وهو ذاهب لحاجة صده ذلك عنها ورجع معتقدًا عدم نجاحها، وكثير من أهل البيع لا یمیع ممن هذه صفته إذا جاءه أول النهار، حتى يبيع من غيره تشاؤمًا به وکراهة له، وكثير منهم يعتقد أنه لا ينال في ذلك اليوم خيرًا قط(٢). (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤ /٥٤٥. (٢) انظر: معارج القبول، الحكمي، ٩٩٠/٣. مَوَسُولَةُ النَِّيَّة القرآن الكَرِيْمِ ٢. التشاؤم بالطيور. ورد لفظ الطير في القرآن الكريم بغير معناه الحقيقي بل ببعض اشتقاقاته التى تدل على معنى التشاؤم كما مر ذكره في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيِّرْنَا بِكُمْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهُواْ لَّجُمنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ أَلِيم قَالُواْ طَرَّكُمْ مَعَكُمْ أَيِن ذُكِرْلُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ شْرِقُونَ (١)﴾ [يس: ١٨-١٩]. قال الأزهري: «وقيل للشئم: طائر وطير وطيرة، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطير ببارحها وبنعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسموا الشؤم طيّرًا وطائرًا وطيرة لتشاؤمهم بها وبأفعالها)»(٣). قال الشافعي رحمه الله: ((وكان العربي إذا لم ير طائرًا سانحًا، فرأى طائرًا في وكره حركه من وكره ليطير، فينظر أيسلك طريق الأشائم، أو طريق الأیامن، فيشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أقروا الطير على مکتاتھا)(٤)، أي: لا تحر کوها، فإن تحریکھا (٣) تهذيب اللغة، الأزهري، ١٤/ ١٢. (٤) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٢٧١٣٩، ٤٥/ ١١٣، أبو داود في سننه، كتاب الضحايا، باب في العقيقة، رقم ٢٨٣٥، ٤/ ٤٥٥، وابن حبان في صحيحه، رقم ٦١٢٦، ٤٩٥/١٣، والحاكم في المستدرك، رقم ٧٥٩١، ٤ /٢٦٥. قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخر جاه)). ١٦٤ التشاؤم وما تعملونه، من الطيرة لا يصنع شيئًا، إنما بذلك؛ إذ كان أصح الطير بصرًا، ويقال: یصنع فیما توجهون به قضاء الله تعالى))(١). وعلى هذا فإن أصل التشاؤم يعتمد على حركة الطيور وأصواتها، كما قال الإمام البيهقي: ((وذلك بزجر الطائر وإزعاجها عن أوكارها عند إرادة الخروج للحاجة، حتى إذا مرت على اليمين تفاءل به ومضى على وجهه، وإن مرت على الشمال تشاءم به وقعد، فهذا من فعل أهل الجاهلية الذين کانوا یوجبون ذلك، ولا یضیفون التدبیر إلی الله عز وجل))(٢). ومن أبرز الطيور التي كانت العرب تتشائم منها قديمًا وحديثًا ما يأتي: ١. الغراب. وهو أعظم ما يتطيرون به، ويسمونه غراب البين؛ لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في موضع بیوتھم یلتمس ویتقمم، فتشاءموا به وتطيروا إذا كان يعتري منازلهم إذا بانوا، وليس شيء مما يزجرونه من الطير والظباء وغيرها أنکد منه، ولست تراه محمودًا في شيء من الأحوال، ويشتقون من اسمه الغربة (٣). ويسمونه أيضًا حاتمًا؛ لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير (١) السنن المأثورة للشافعي، المزني ٣٤٢/١. (٢) شعب الإيمان، ٢/ ٣٩٦. (٣) انظر: المعاني الكبير، ابن قتيبة الدينوري، ٢٦٤/١. سمي أعور لقولهم: (( عورات الرجل عن حاجته )) إذا رددته عنها (٤). وعلى هذا فالغراب أكثر ما يتطير به في الشؤم، کلما ذکروا مما يتطیرون منه شيئا ذكروا الغراب معه. ٢. الهامة. اسم طائر، كان أهل الجاهلية يتشاءمون بها، وهي من طیر الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثاره طارت، وقيل: کانوا یزعمون أن عظام المیت، و قیل روحه، تصير هامة فتطير، ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه(٥). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((قال القزاز: الهامة طائر من طير الليل كأنه يعني البومة، وقال ابن الأعرابي كانوا يتشاءمون بها إِذا وقعت علی بیت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي، أو أحدًا من أهل داري))(٦). وعلى هذا فالهامة هي نوع من أنواع الطيور، وربما تكون البومة حيث كانت العرب تتشاءم منها، فجاء في الحديث (٤) انظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق، ٢/ ٢٦١. (٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الاثير، ٢٨٣/٥. (٦) فتح الباري، ابن حجر، ٢٤١/١٠. www. modoee.com ١٦٥ حرف التاء الشريف النهي عن التطير بالهامة، بما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر)(١). ٣. البارح والسانح. ((البارح من الظباء والطير، لكن خص البارح بما ينحرف عن الرامي إلى جهة لا یمکنه فيها الرمي فیتشاءم به، وجمعه بوارح، وخص السانح بالمقبل من جهة یمکن رمیه، ویتیمن به))(٢) قال ابن الأثير: ((فالسائح: ما مر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به لأنه أمكن للرمي والصيد، والبارح ما مر من يمينك إلى يسارك، والعرب تتطير به لأنه لا يمكنك أن ترمیە حتى تنحرف»(٣). ويتضح مما تقدم أن التشاؤم بالطيور كالغراب والبومة ونحوهما عادة كانت منتشرة عند أهل الجاهلية والأمم السالفة، يتشاءمون منها ومن حركاتها وأصواتها وأفعالها، وهي من مخلوقات الله لا أثر لها في حکم الله وقضائه، فجاء الإسلام ونھی عن کل ذلك. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب لا هامة، رقم ٥٧٥٧، ١٣٥/٧. (٢) المفردات، الراغب ص١١٦. (٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، ١/ ١١٤. القرآن الكريم ٣. التشاؤم بالحيوانات. لا يختلف التشاؤم بالحيوانات عن التشاؤم بالطيور الذي مضى ذكره؛ لذا نجد أن كثيرًا من أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون ببعض الحيوانات وأصواتها، منها: ١. التطيح والناطح. «الظبي والطائر الذي يستقبلك بوجهه، كأنه ينطحك، ويتشاءم به، والقعيد من الوحش)» (٤). ٢. الفرس النطيح. إذا طالت غرته حتى تسيل تحت إحدى أذنيه، وهو يتشاءم به (٥). ٣. الكلب الأسود. وهناك من يتشاءم بالأسود من الكلاب، وربما يعود هذا التشاؤم لما ورد في الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: (الكلب الأسود شيطان)(٦) والمراد بالحديث ليس التشاؤم منه، بل الإخبار بأن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، وعلى ذلك فلا يصح التشاؤم به. ٤. الظباء. وذلك بتنفيرها، فإن تيامنت ذهبوا لحاجتهم، وإن تياسرت تركوها. (٤) المفردات، الراغب ص ٦٧٩،٨١١. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٢١/٢. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، رقم ٥١٠، ٣٦٥/١. ١٦٦ التشاؤم وكثير مما شاكل هذا كان الناس في الجاهلية قبل النبوة يتشاءمون به، فجاء الإسلام فنھی عن کل ذلك وأبطله. ثانيًا: التشاؤم بالأصوات: يتشاءم كثير من أهل الجاهلية وغيرهم من بعض ما يصدر من الإنسان والحيوان من أصوات، منها ما يأتي: ١. أصوات الطيور. ومنه: التشاؤم بنعیق الغراب، أو صوت البومة إذا صاحت، قالوا: إنها ناعبة أو مخبرة بشر، ونحو ذلك. «قال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خیر، فقال له ابن عباس: لا خير ولا شر، مبادرة بالإنكار علیه لئلا يعتقد له تأثير في الخير أو الشر، وخرج طاووس مع صاحب له في سفر فصاح غراب، فقال الرجل: خیر، فقال طاووس: وأي خير عنده؟! والله لا تصحبني))(١). ٢. الثعلب. وذلك بالتشاؤم من صوته. ٣. صوت العطاس. وهو من العادات الجاهلية فإذا سمع المتشائم صوت العاطس تشاءم منه، وكذلك التثاؤب لأنه من الشيطان، وأما العطاس فقد (١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم، ٢٣٥/٢. كان أثره في إيجاد الشؤم شديدًا. وقيل: إن العرب كانت تتطير منه، فإذا عطس العاطس، قالوا: قد ألجمه، کأنها قد تلجمه عن حاجته (٢). قال ابن القيم رحمه الله: ((وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا له: عمرًا وشبابًا، وإذا عطس من یبغضونه، قالوا له: وريًا وقحابًا، والوري كالرمي: داء يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب: كالسعال وزنًا ومعنى، فكان الرجل إذا سمع عطاسًا یتشاءم به، يقول: بكلابي إني أسال الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لأبي)»(٣). وقال أيضًا: ((وكان تشاؤمهم بالعطسة الشديدة أشد، كما حكي عن بعض الملوك أن سامرًا له عطس عطسة شديدة راعته، فغضب الملك فقال سميره: والله ما تعمدت ذلك، ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لئن لم تأتني بمن يشهد لك بذلك لأقتلنك، فقال: أخرجني إلى الناس، لعلي أجد من يشهد لي، فأخرجه، وقد وكل به الأعوان، فوجد رجلا فقال: يا سيدي، نشدتك بالله إن كنت سمعت عطاسي يومًا، فلعلك تشهد لي به عند الملك. فقال: نعم، أنا أشهد لك، فنهض معه وقال: يا أيها الملك، أنا أشهد أن هذا الرجل عطس يومًا فطار ضرس من (٢) المعاني الكبير، ابن قتيبة الدينوري، ١١٨٥/٣. (٣) مفتاح دار السعادة، ٢/ ٢٦٢. www. modoee.com ١٦٧ حرف التاء أضراسه، فقال له الملك: عد إلى حديثك («تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني»(٣). ومجلسك. فلما جاء الله سبحانه بالإسلام وأبطل برسوله ما كان عليه الجاهلية من الضلالة)) (١). وهذا خلاف ما جاء في السنة النبوية الشريفة التي بينت أن العطاس أمر يحبه الله تعالی، وذلك بما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته ... الحديث)(٢). ثالثًا: التشاؤم بالأزمنة: لا شك أن التشاؤم ببعض الأزمنة، مثل شهر شوال وصفر ومحرم، أو بیوم من أيامه هو من باب التشاؤم المنهي عنه، فعلى سبيل المثال كان أهل الجاهلية وغيرهم يتشاءمون من الزواج في شهر شوال. قال ابن رجب: ((كذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة، وقد قيل: إن أصله أن طاعونًا وقع في شوال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس، فتشاءم بذلك أهل الجاهلية، وقد ورد الشرع بإبطاله، قالت عائشة رضي الله عنها: (١) المصدر السابق، ٢/ ٢٦٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، رقم ٤٩/٨،٦٢٢٣. قال ابن كثير رحمه الله: ((وفي دخوله صلی الله عليه وسلم بها -أي: بعائشة رضي الله عنها- في شوال رد لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين؛ خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء))(٤). ((وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة في شوال أيضًا))(٥). ووقع زواج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من السيدة فاطمة رضي الله عنها في شهر صفر، كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وأما فاطمة رضي الله عنها فتزوجها ابن عمها علي بن أبى طالب رضي الله عنه في صفر سنة اثنتين، فولدت له الحسن والحسین، ویقال: ومحسن، وولدت له أم كلثوم وزينب)) (٦). فلم يتشاءم النبي صلی الله عليه وسلم بشهر شوال ويمتنع عن الزواج به من عائشة رضي الله عنها، ولم يؤخر زواج علي بن أبي طالب من فاطمة رضي الله عنهما في شهر (٣) لطائف المعارف، ابن رجب ١/ ٧٤، ٧٥. (٤) البداية والنهاية، ابن كثير، ٢٣١/٣. (٥) لطائف المعارف، ابن رجب ١/ ٧٥،٧٤. (٦) البداية والنهاية، ابن كثير ٣٠٩/٥. مَوَسُولَةُ التَّفِي القرآن الكريم ١٦٨ التشاؤم صفر، وهذا خلاف ما تفعله الشيعة، الذين يرد نص شرعي يمنع الزواج في أي وقت يزعمون أنهم أتباع آل البيت وهم يتشاءمون من الأوقات إلا للحاج أو المعتمر حال إحرامهما. من شهر صفر ومحرم، ولا يتزوجون فيهما أبدًا. وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر) (١). وقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا صفر): أي كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها: الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وإنها تعدي، فأبطل الإسلام ذلك، وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الإسلام(٢). وكل هذه الأقوال غير صحيحة، أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث المتقدم ذكره، فشهر صفر كبقية الشهور لا أثر له في حكم الله تعالى وقضائه، ولا أصل للتشاؤم فيه ولا بغيره في الإسلام، حیث إن الزواج مطلب شرعي، ومن يتزوج فقد أحرز شطر دينه، فكيف يحرمه الله تعالى ورسوله صلی الله عليه وسلم في شهر من الشهور، أو يوم من الأيام؛ وهي كلها لله تعالى، ولم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب لا هامة، رقم ٥٧٥٧، ٧ /١٣٥. (٢) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، العيني، ٢٤٧/٢١. ومن صور التشاؤم عند العرب بالأزمنة أيضًا: أنهم كانوا يتشاءمون ببعض الأيام أو ببعض الساعات، كالحادي والعشرين من الشهر، وآخر أربعاء فیه، ونحو ذلك، فلا يسافر فيها كثيرٌ من الناس، ولا يعقد فيها نكاحًا، ولا يعمل فيها عملًا مهمًا ابتداءً، يظن أو يعتقد أن تلك الساعة نحس، وكذا التشاؤم ببعض الجهات في بعض الساعات، فلا يستقبلها في سفرٍ ولا أمرٍ حتى تنقضي تلك الساعة أو الساعات، وهي من أكاذيب المنجمين الملاعين؛ يزعمون أن هناك فلكًا دوارًا يكون كل يوم أو ليلة في جهة من الجهات، فمن استقبل تلك الجهة في الوقت الذي يكون فيها هذا الفلك لا ينال خیرًا، ولا یأمن شرًا، وهم في ذلك كاذبون مفترون قبحهم الله(٣). ومنهم من يترك أكل اللبن والسمك في يومي السبت والأربعاء، ويحرمون الخياطة يوم الجمعة ويوم عرفات، ويمنعون الإبرة والمنخل ليلا تشاؤمًا، ويعتقدون أن کنس البيت بالليل يجلب الفقر (٤). وغير ذلك، كثير من الأمور التي (٣) انظر: معارج القبول، حافظ حكمي ٩٩١/٣. (٤) انظر: السنن والمبتدعات، الشقيري، ص٣٣٤. www. modoee.com ١٦٩ حرف التاء يتشاءمون منها ولا أصل لها سوى سوء يعتقد أن ذلك كان منها، ولا يمتنع ذم محل المكروه وإن كان ليس منه شرعًا، كما يذم الظن بالله تعالى وضعف التوكل عليه. رابعًا: التشاؤم بالأماكن: العاصي على معصيته وإن كان ذلك بقضاء الله تعالى))(٢). وهو إظهار التشاؤم من عدة أماكن بحسب ما يتوقع المتشائم حصول الشر منها، كالدار التي يسكنها أو يريد أن يشتريها، فيخطر بباله الشؤم منها لأي سبب كان. روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل یا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، كثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذروها ذميمة)(١). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((وإنما أمرهم بالخروج منها لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنوا، لكن الخالق جل وعلا جعل ذلك وفقًا لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء فيستمر اعتقادهم، قال ابن العربي: وأفاد وصفها بكونها ذميمة جواز ذلك، وأن ذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ من غير أن (١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٩١٨، باب الشؤم في الفرس، ٣١٦/١، وأبو داود في سننه، كتاب الطب، باب في الطيرة، رقم ٣٩٢٤، ٦٧/٦. قال الحافظ ابن حجر: «له شاهد من حديث عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين وله رواية باسناد صحيح إليه عند عبد الرزاق))، فتح الباري ٦/ ٦٢. وقال الخطابي: ((هو استثناء من غير الجنس، ومعناه: إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار یکره سكناها، أو امرأة یکره صحبتها، أو فرس يكره سيره؛ فليفارقها، قال: وقيل: إن شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها))(٣). وورد في السنة النبوية روايات تؤكد الشؤم في بعض الأمور، منها: الدار، مما يوهم التعارض مع النصوص التي ورد فيها النهي عن التشاؤم، حيث جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار)(٤)، وفي رواية أخرى: عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: ذكروا الشؤم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كان الشؤم في شيء ففي الدار، والمرأة، والفرس) (٥). (٢) فتح الباري، ابن حجر، ٦/ ٦٢. (٣) المصدر السابق. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب لا عدوى، رقم ٥٧٧٢، ١٣٨/٧. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب ما يتقي من شؤم المرأة، رقم ٥٠٩٤، ٠٨/٧ جَوَسُو ◌َر النفسي القرآن الكريم ١٧٠ التشاؤم لو کان له وجود في شيء لکان في هذه الأشياء؛ فإنها أقبل الأشياء له، لكن لا وجود له فيها أصلًا، وعلى هذا فالشؤم في الحديث السابق وغيره محمول على الإرشاد منه صلى الله عليه وسلم، يعني: إن كانت له دار یکره سکناها، أو امرأة یکره صحبتها، أو فرس لا تعجبه، فلیفارق بالانتقال من الدار، ويطلق المرأة، ويبيع الفرس، حتى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة (١). قال الطبري: ((وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس»، فإنه لم يثبت بذلك صحة الطيرة، بل إنما أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك إن كان في شيء ففي هذه الثلاث، وذلك إلى النفي أقرب منه إلى الإيجاب، لأن قول القائل: إن كان في هذه الدار أحد فزید، غیر إثبات منه أن فيها زيدًا، بل ذلك من النفي أن یکون فيها زید، أقرب منه إلى الإثبات أن فيها زيدًا))(٢). قال ابن القيم: «فإخباره بالشئم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانًا مشؤمة على من قاربها وسكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم (١) إرشاد الساري، القسطلانى، ٨/ ٢٥. (٢) تهذيب الآثار، الطبري، ٣٢/٣. والأمر ليس كذلك، بل يعني: أن الشؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مبارگا یریان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا مشؤمًا نذلًا يريان الشر على وجهه، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون، والطيرة الشركية لون آخر))(٣). وعلى هذا فلا يوجد تعارض بين هذه الأحاديث وغيرها التي جاء النهي فيها عن التشاؤم بالأماکن کالدار ونحو ذلك. خامسًا: التشاؤم بالألقاب: ومن صور التشاؤم عند العرب ما ذكره ابن القيم رحمه الله حيث قال: ((وقد كانت العرب تقلب الأسماء تطيرًا وتفاؤلًا، فیسمون اللدیغ سليمًا باسم السلامة، وتطیرًا من اسم السقم، ويسمون العطشان ناهلًا، أي: سینهل -والنهل: الشرب- تفاؤلًا باسم الري، ويسمون الفلاة مفازةً، - أي: منجاةً - تفاؤلًا بالفوز والنجاة، ولم يسموها مهلكة لأجل الطيرة)» (٤) وقال أيضًا: ((وكانت لهم مذاهب في تسمية أولادهم، فمنهم: من سموه بأسماء تفاؤلًا بالظفر على أعدائهم، نحو غالبٍ وغلابٍ، ومالكِ، وظالم، وعارمٍ، ومنازلٍ، ومقاتلٍ، ومعاركٍ، ومسهرٍ، ومؤرقٍ، ومصبحٍ، وطارقٍ، ومنهم: من تفاءل بالسلام کتسمیتهم بسالم، وثابت، ونحوه، ومنهم: (٣) مفتاح دار السعادة، ٢٥٧/٢. (٤) المصدر السابق، ٢٤٥/٢، ٢٤٦. www. modoee.com ١٧١ حرف التاء من تفاءل بنيل الحظوظ والسعادة کسعدٍ، وسعيد، وأسعد، ومسعود، وسعدى، وغانم، ونحو ذلك، ومنهم: من قصد التسمية بأسماء السباع ترهيبًا لأعدائهم نحو أسد، ولیث، وذئب، وضرغام، وشبل، ونحوها، ومنهم: من قصد التسمية بما غلظ وخشن من الأجسام تفاؤلًا بالقوة کحجر، وصخر، وفهرٍ، وجندلٍ، ومنهم: من كان يخرج من منزله وامرأته تمخض فيسمي ما تلده باسم اول ما یلقاہ کائنا من كان من سبع أو ثعلب أو ضب أو كلب أو ظبي أو حشيش أو غيره))(١). ومنعا للتشاؤم سمت العرب المنهوش بالسليم، والبرية بالمفازة؛ تفاؤلًا في تجاوزها والفوز، لئلا يهلكوا فيها عند قطعها، و کنوا الأعمى أبا بصير، والأسود أبا البيضاء، وسموا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزجر به على الأمور (٢). وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسمية المولود بما يتطير به، وذلك بما صح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسم غلامك رباحًا، ولا یسارًا، ولا أفلح، ولا نافعًا)(٣). (١) المصدر السابق، ٢٤٦/٢. (٢) الحيوان، الجاحظ، ٢٠٩/٣. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع وفي رواية أخرى: (ولا تسمين غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا یکون، فيقول: لا. إنما هن أربع فلا تزيدن علي)(٤). و کذلك عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: (أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن پنھی عن أن یسمی بیعلی، وببر كة، وبأفلح، وبیسار، وبنافع، وبنحو ذلك، ثم رأیته سكت بعد عنها، فلم يقل شيئًا، ثم قبض رسول الله صلی الله عليه وسلم ولم یته عن ذلك) ثم أراد عمر أن ینھی عن ذلك، ثم تركه(٥). ومعنى هذه الأحاديث: ((أن الناس يقصدون بهذه الأسماء التفاؤل بحسن ألفاظها أو معانيها، وربما ينقلب عليهم ما قصدوه إلى الضد إذا سألوا فقالوا: أثم يسار أو نجیح؟ فقيل: لا، فتطيروا بنفیه وأضمروا اليأس من اليسر وغيره، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي يجلب سوء الظن والإياس من الخير))(٦). «وقول جابر رضي الله عنه: ((ثم سكت عنها)»: دليل أنه ترك النهي، وأن نهيه أولًا ونحوه، رقم ١٦٨٥/٣،٢١٣٦. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه، رقم ١٦٨٥/٣،٢١٣٧. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه، رقم ١٦٨٦/٣،٢١٣٨. (٦) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٢٩٩٧/٧. صَوَو ◌َرُ البقية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٧٢ التشاؤم إنما كان نهي تنزيه وترغيب؛ مخافة سوء بعض الأرقام، وأشهر رقم يتشاءمون به هو الرقم - ١٣ - ولذلك حذفته بعض شركات الفال، وما يقع في النفس مما ذكره، وعكس ما قصده المسمی بهذه الأسماء من حسن الفأل، وقد کان للنبي صلی الله عليه وسلم غلام اسمه رباح، ومولی اسمه يسار، وسمی ابن عمر غلامه نافعًا، وكراهته صلى الله عليه وسلم اسم حزن وسماه سهلًا، واسم حرب ومرة لقبح معانيها، وكراهة النفوس لها، وكذلك غير اسم غراب لتشاؤم العرب به، ولما في اسمه من الغربة، ولخبثه وفسقه، وقد غیر اسم شيطان وحباب، وقيل أيضًا: لأنه اسم الحية، وغير اسم أصرم؛ لما فيه من ذكر الصرم وهو القطيعة، واسم شهاب؛ لأنه شعلة من نار))(١). الطيران من ترقيم المقاعد، وحذفته بعض العمارات من أرقام الطوابق والشقق؛ لأن الناس يتشاءمون من ذلك الرقم، ويقال: إن قصة ذلك سببها خرافة نصرانية تزعم أن حواربي عيسى عليه السلام عددهم اثنا عشر حواريًا، فانضم إليه يهوذا الأسخريوطي فصاروا ثلاثة عشر، وهذا الأخير هو الذي وشى بعيسى عليه السلام وتسبب في صلبه - كما يزعمون -؛ فلذلك كرهوا هذا الرقم وتشاءموا منه، وهذه خرافة ظاهر بطلانها؛ ذلك أن الأرقام لا تقدم ولا تؤخر، وأن عيسى عليه السلام لم يصلب ولم يقتل، بل رفعه الله إليه(٢). سادسًا: التشاؤم بالأرقام: التشاؤم بالأرقام عادة لم تكن موجودة عند العرب، ولم يكن هذا الأمر معروفًا إلا عند الغربیین، ومعناه أنهم يتوقعون ما سوف يحصل لهم من أحداث سيئة بسبب رؤيتهم بعض الأرقام التي يحسبون أنها تجلب الشؤم والحظ السيء، وهذا بعيد عن مبادئ الإسلام الحنيف الذي یفوض كل ما يصيب الإنسان إلى قضاء الله وقدره الجاري على كل الكون. حيث يتشاءم النصارى وغيرهم من (١) إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض، ٧/ ٠١٣ وقد نفى الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيّهَ لَمُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلٍّ إِلَّا أَنْبَاعَ الثَِّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا﴾ [النساء: ١٥٧]. ولا دخل للرقم(١٣) في ذلك. وسار على منهج هؤلاء في التشاؤم من الأرقام الشيعة كما أشار إليه ابن تيمية رحمه الله بقوله عنهم: «وأما سائر حماقاتهم فكثيرة جدًا، منها: كونهم يكرهون التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة، حتى في (٢) انظر: الطيرة، محمد بن إبراهيم الحمد، ص ٤٠. www. modoee.com ١٧٣ حرف التاء البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع، ونحو ذلك، لکونھم یبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زید بن عمرو بن نفیل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، ويبغضون هؤلاء إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويبغضون سائر المهاجرين، والأنصار من السابقين الأولين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم -تحت الشجرة- وكانوا ألفًا وأربعمائة، وقد أخبر الله أنه قد رضي عنهم، ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس لم يجب هجر هذا الاسم (يعني الرقم عشرة) لذلك، كما أنه سبحانه وتعالى لما قال: ﴿وگان فی الْمَدِينَةِ نِشْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ [النمل: ٤٨] اَلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ()﴾ لم يجب هجر اسم التسعة مطلقًا، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع، كقوله تعالى في متعة الحج: ﴿فَ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ فِ اَلْتَجِ وَسَبْعَتِإِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةٌ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَلْفَجْرِ ) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢﴾ [الفجر: ١- ٢]. وقد ثبت في الصحيح (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله تعالی)(١)، وقال في ليلة القدر: (التمسوها في العشر الأواخر) ومن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة، فإنهم يبغضونهم إلا عليًا (٢). ويتضح مما تقدم: أن التشاؤم بالأرقام عادة مستحدثة لم یکن لها وجود إلا عند الغربيين، ثم انتقلت إلى المسلمين، فصار بعضهم يتشاءم من بعض الأرقام، وهو اعتقاد باطل لا صحة له؛ لأنه لا دخل للأرقام فيما يصيب الإنسان من خير أو شر، بل الأمر متعلق بقضاء الله تعالى وقدره. سابعًا: التشاؤم بالأحداث: هو التشاؤم بالمصائب والبلايا التي تصيب الإنسان، أو الحروب، أو الزلازل، أو المجاعات، فيذيع خبرها بين الناس، فيصيب بعضهم الجزع واليأس والشؤم، ومنهم من إذا أصيب بمصيبة أو بلية من مرض، أو خسارة، أو موت ونحو ذلك نسب كل ما أصابه إلى سوء الحظ، وذلك (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر في المسجد كلها، رقم ٢٠٢٦، ٣/ ٤٧. (٢) انظر: منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، ١/ ٤٠. ١٧٤ مَوَسُو ◌َر النفسية للمضوي لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ التشاف لسوء ظنه بالله تعالى، وعدم الرضا والتسليم الله عليه وسلم يومًا، فقال: (يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، لقضاء الله تعالی وقدره، وهذا كله منافٍ لإيمان المسلم؛ لأنه لا يجتمع الإيمان مع التشاؤم، فالأمر كله لله تعالى؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُإِلَّهُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍقَدِيرٌ • [الأنعام: ١٧]. احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)(٣). ((فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضر والخير إنما يصيب به، ثم الضر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد به سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة وظلم يكون من العباد، لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى الله تعالى علی أن لله فیه فعلًا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، وإصابة الخیر، لا يملك ذلك غيره»(١). قال الزمخشري: ((﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه، فلا قادر على كشفه إلا هو ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ من غنى أو صحة ﴿فَهُوَ عَلَ كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ﴾ فكان قادرًا على ادامته أو إزالته)) (٢). وجاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كنت خلف رسول الله صلى (١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٣٨/٤. (٢) الكشاف، الزمخشري، ٢/ ١٠. ولا يجوز للعبد التشاؤم من الزمان وحوادثه؛ لما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقولن أحدكم: یا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر)(٤). ودلالة الحديث: أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها، من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون: يا خيبة الدهر، ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر، أي: لا تسبوا فاعل النوازل؛ فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع (٣) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٢٦٦٩، ١٩٥/٣، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، باب رقم ٥٩، رقم ٤،٢٥١٦ /٦٦٧. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح)). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر، رقم ٤،٢٢٤٦/ ٠١٧٦٣ www. modoee.com ١٧٥ حرف التاء السب على الله تعالى؛ لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له، بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى، ومعنى: (فإن الله هو الدهر)، أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات (١). ولا يصح التشاؤم من البلايا والمصائب كالمرض مثلًا؛ لأن فيه تهذيبًا للنفس وتكفيرًا للخطايا، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم السائب - أو أم المسیب-، فقال: (ما لك؟ يا أم السائب -أو يا أم المسيب- تزفزفين(٢)؟) قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، کما یذهب الکیر خبث الحديد)(٣). وقال النبي صلی الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره کله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له) (٤) (١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ٠٣/١٥ (٢) الزفزفة: أي الارتعاد من البرد. انظر: لسان العرب، ٩/ ١٣٧. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة یشاکھا، رقم ٢٥٧٥، ٤/ ١٩٩٣ (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، رقم ٢٢٩٥/٤،٢٩٩٩. وهکذا یکون المسلم دائمًا مع الأحداث، ويترك دواعي الشؤم التي تعتريه وتبعث في نفسه الخوف وتوقع حدوث الشر، ویرجعها إلى خالقها، ويسأله من خيرها، وأن يدفع عنه شرها، وأن يؤمن أن الله تعالی قد يبتلي العبد بشتى البلایا والمصائب ومکاره الدنیا، من القحط والجدب والمرض ونحو ذلك، مثلما ینعم علیه من النعم التي لا تحصى. وليعلم أن ما أصابه من الأحداث مما یکره إنما هو بتقدیر الله تعالی، وربما تتسلط عليه بسبب ذنوبه كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ اٌلْقَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَّقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ (١٥) أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِنْ زَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: ١٥٥-١٥٧]. ولا شك أن الله عز وجل یرید بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر؛ لذلك قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فالأمر كله راجع إلى الله تعالى، والواجب على المسلم حسن الظن به والتوکل علیه، وأن ما أصابه مما یکره إنما هو بسبب ذنوبه، فيلقي باللوم على نفسه لا على ما تجري به الأقدار. مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة القرآن الكريم ١٧٦ التشاؤم نسبة المصائب إلى أشخاص يعتقد المتشاءمون قديمًا وحديثًا بنسبة المصائب و البلايا التي تصيبهم إلى أشخاص معينين، حيث يظنون أن ما يصيبهم من بلاء وشر إنما هو بسببهم، كما أخبر الله تعالى عن تشاؤم آل فرعون وقومه بموسی علیه السلام في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَعَلَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَعَهُ، أَلَا إِنَّمَا طَبِّرُهُمْ عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣١]. أي: «يتشاءمون بهم، ويقولون: هذا من أجل اتباعنا لك وطاعتنا إياك، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَآَ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾، يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق))(١). وكذلك تشاؤم قوم ثمود، حيث نسبوا ما أصابهم من بلاء إلى نبيهم صالح عليه السلام في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَطََّّرْنَا بِكَ وَيِمَن مَّعَكَّ قَالَ طَيِرُّكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل: ٤٧]. أي: قالت ثمود لرسولها صالح عليه الصلاة السلام: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره والمصائب، فأجابهم صالح فقال (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٨٧/٥. لهم: ﴿طَبِرُّكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾، أي: ما زجرتم من الطیر علمه عند الله، ولا یدری أیکون ما تظنون من المصائب أو المكاره، أم ما ترجونه من العافية والمحاب(٢). ولحقهم في ذلك أصحاب القرية التي جاءها المرسلون: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمّ لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهُواْ لَّجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسِّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالُواْ طَيْرَّكُمْ مَعَكُمْ أَينِ ذُكِرْلُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِقُونَ ﴾ [يس: ١٨-١٩]. ومن ثم قوله تعالى فيما أخبر عن كفار قريش بأنهم يضيفون ما يصيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]. ولا يقتصر التشاؤم على العرب فقط، بل تشائمت اليهود أيضًا من قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقالوا: ((غلت أسعارنا، وقلت أمطارنا مذْ أتانا))(٣). (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٩/ ٤٧٦. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٤٤/١٤. www. modoee.com ١٧٧ حرف التاء آثار التشاؤم لا شك أن للتشاؤم آثارا سيئة تنعكس على المتشائم، وتسبب له خللا في عقيدته، وتورث في نفسه أمورًا كثيرة، كضعف الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره، والتسخط على كل ما يصيبه في حياته من أقدار، وعدم التوكل على الله تعالى، مع اعتقاده أن التشاؤم يضره. وقلما يخلو من التشاؤم أحد لا سيما من عارضته المقادير في إرادته، وصده القضاء عن طلبته، فهو يرجو واليأس عليه أغلب، ويأمل والخوف إليه أقرب، فإذا عاقه القضاء، وخانه الرجاء، جعل الطيرة عذر خيبته، وغفل عن قضاء الله عز وجل ومشيئته، فإذا تطير أحجم عن الإقدام، ويئس من الظفر، وظن أن القياس فيه مطرد، وأن العبرة فيه مستمرة، ثم يصير ذلك له عادة، فلا ینجح له سعي، ولا یتم له قصد(١). وقد ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)(٢). (١) انظر: أدب الدنيا والدين، الماوردي، ٣١٥/١. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطب، باب ((ومعنى هذا: أن من تشاءم تشاؤمًا منهيًا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه أو يراه مما يتطير به، حتى يمنعه مما يريد من حاجته؛ فإنه قد يصيبه ما يكرهه، فأما من توكل على الله ووثق به، بحيث علق قلبه بالله خوفًا ورجاءً وقطعه عن الالتفات إلى هذه الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات -أي ما ذكر في الحديث المذكور آنفا-ومضى، فإنه لا يضره ذلك))(٣). قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((لا تضر الطيرة إلا من تطير)) (٤). قال ابن القيم: ((والتشاؤم إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم ییال به ولم يعبأ به شيئًا لم یضره البتة، ولا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه: ((اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)»(٥). ولا يخلو المتشائم بتشاؤمه من الوقوع في الشرك ووساوس الشيطان. ويقول أيضًا: ((فالطيرة باب من الشرك وإلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، یکبر ويعظم شأنها على من اتبعها نفسه واشتغل في الطيرة، رقم ٦٢/٦،٣٩١٩. (٣) لطائف المعارف، ابن رجب ١/ ٧٢. (٤) روح البيان، إسماعيل حقي، ٢١٨/٣. (٥) انظر: مفتاح دار السعادة، ٢٣٠/٢. ١٧٨ مُوسُوبَة التَّقِ القرآن الكريم التشاؤم بها وأكثر العناية بها، وتذهب وتضمحل شغل بها نفسه وفکره. واعلم أن من كان معتنيًا بها قائلًا بها كانت إليه أسرع من السيل إلی منحدر، فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عیشه، فإذا سمع سفر جلا أو أهدي إليه تطير به، وقال: سفر وجلاء. وإذا رأی یاسمینًا أو سمع اسمه تطير به، وقال: يأس ومين. وإذا رأی سوسنة أو سمعها قال: سوء یبقی سنة. وإذا خرج من داره فاستقبله أعور أو أشل أو أعمى أو صاحب آفة تطير به، وتشاءم بيومه))(١). ((والمتطير متعب القلب، منكد الصدر، کاسف البال، سيئ الخلق، یتخیل من کل ما يراه أو يسمعه، أشد الناس خوفًا، وأنكدهم عیشًا، وأضيق الناس صدرًا، وأحزنهم قلبًا، كثير الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ینفعه، و کم قد حرم نفسه بذلك من حظ، ومنعها من رزق، وقطع عليها من فائدة))(٢). وقد يصل المتشائم عند شعوره بالیاس وضعف الإيمان بالله تعالی إلی الکفر، كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا (١) المصدر السابق ٢٣١/٢. (٢) المصدر السابق. تَأْثَسُواْ مِن رَّوْجِ الَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيْتَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ عمن لم يلتفت إليها ولا ألقى إليها باله ولا إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. قال ابن عباس: ((إن المؤمن من الله على خير، يرجوه فى الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، وإن الكافر ليس كذلك))(٣). وعلى هذا: فإن الیأس لا يحصل إلا لمن کان کافرًا، والمؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال، فلا يجتمع إيمانه بالله عز وجل مع اليأس وكراهيته ما قدره الله تعالی له. وتتلخص آثار التشاؤم في عدة أمور منها (٤): ١ - ينافي الإيمان، ويضاد التوكل. ٢. لا يدفع مکروها ولا يجلب محبوبًا. ٣. دليل قلة العقل وذهاب الحلم. ٤. اضطراب النفس وبلبلة الفكر. ٥. الفشل في الحياة. ٦. دعوة إلى تعطيل المصالح وترك السعي. ٧. صفة من صفات الجاهلية، وعادة مذمومة من عاداتهم. ٨. دعوة صريحة للكفر بالقضاء والقدر. ٩. فيها مخالفة صريحة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم. (٣) الوسيط، الواحدي، ٢/ ٦٢٩. (٤) انظر: نضرة النعيم، ٤١٩٩/٩. www. modoee.com ١٧٩ حرف التاء علاج التشاؤم أولًا: الإيمان بالقضاء والقدر: لا شك أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان العقيدة الصحيحة، وأصل من أصول الإيمان لا یصح إیمان إلا به، ومعلوم أن التشاؤم ينافيه؛ لأن فيه اعتراضًا وتسخطًا على أقدار الله تعالى الجارية على خلقه، وأنه لا يقع شيء إلا بقدر الله وقضائه ومشيئته، فالمؤمن يجب أن يؤمن بذلك، ويتوكل على الله تعالى، ولا يرده شعوره بالتشاؤم عن شيء فإنه لا يضره بشيء، فالأقدار سارية عليه بما قدرها الله تعالى له من الخير والشر. قال تعالى: ﴿إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: ٤٩]. أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، وإن كل كائن في هذه الحياة، فهو بتقدير الله وتكوينه على مقتضى الحكمة البالغة والنظام الشامل، وبحسب السنن التي وضعها في الخليقة، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها و کتابته لها قبل برئها(١). وَخَلَقَ ونحو الآية الكريمة قوله تعالى: (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٨٢/٧، تفسير المراغي، ١٠١/٢٧. كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ نَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. ﴿وَسَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وقوله تعالى: الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّی ن) وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى: ١- ٣]. وبما إن التشاؤم من الأقدار عادة من عادات أهل الجاهليةً لذلك نرى أن كفار قریش کانوا یخاصمون رسول الله صلی الله عليه وسلم في القدر، كما صح في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشرکو قریش یخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: ﴿إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: ٤٩](٢). ومعنى الحديث: أن المشركين وأهل الفسق يتعلقون بالأقدار، طالبين بذلك النكول عن الأعمال، فيريدون بخوضهم في ذلك الفتنة، لا التماس الحق، وقد أنزل الله عز وجل في ذلك الكافي المقنع في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾، ومعناه إنا خلقنا كل شيء، خلقناه بقدر، فيستنبط من هذا أن الله سبحانه خالق كل شيء من خير وشر، وأن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلقه بقدر سبق، ومقدار لا يزيد عنه شيء من ذلك ولا ينقص(٣). قال الماوردي رحمه الله: ((اعلم أنه (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر، رقم ٢٦٥٦، ٢٠٤٦/٤. (٣) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح، ابن هبيرة، ١٩٢/٨. ١٨٠ مُوسُوالَهُ النَفسِير جوبيى القرآن الكريم التشاؤم ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله من اعتقاد الطيرة -التشاؤم-، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيب غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل))(١). قلبه، وعوضه عما فاته من الدنیا هدی في قلبه، ویقینًا صادقًا، وقد یخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه)) (٤) وقال تعالى: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍإِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهُ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ, وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]. وَمَن أي: ((بقضاء الله وقدره وإرادته يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ أي يصدق أنه لا يصيبه مصيبة من موت أو مرض أو ذهاب مال ونحو ذلك إلا بقضاء الله وقدره وإذنه، ﴿يهدِ قلبَهُ﴾، أي: يوفقه لليقين، حتى يعلم أن ما أصابه لم یکن ليخطئه، وما أخطأه لم یکن ليصيبه، فیسلم لقضاء الله تعالی وقدره، وقیل یهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء ﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾))(٢). ويحتمل أن يريد بالمصيبة الرزايا، وخصها بالذكر لأنها أهم على الناس، أو یرید جمیع الحوادث من خير أو شر، ویإذن الله عبارة عن قضائه وإرادته تعالى ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ,﴾ قيل: معناه من يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهد الله قلبه للتسليم العموم أحسن منه(٣). (٢) لباب التأويل، الخازن، ٣٠٣/٤. (٣) التسهيل، ابن جزي، ٢/ ٣٨١. فمن لا يتشاءم ولا يستجيب لدواعي التشاؤم، ويتوكل على الله تعالى؛ فإنه ينال أفضل الدرجات وأكملها وأرفعها عند الله تعالى، وهي الجنة. وقد بين الله تعالى أثر الإيمان بالقضاء والقدر في تخليص العبد من القلق، والحزن، والخوف من حصول المكروه والمصائب والبلايا الناتج من التشاؤم وغيره، بقوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبِ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيْرٌ لِكَتْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَّنكُمْ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته كيف يتخلصون مما يجدونه في نفوسهم من تشاؤم، وذلك بما صح عن معاوية بن والرضا بقضاء الله، وهذا أحسن، إلا أن الحكم رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: (فلا تأتوا الكهان). قال: قلت: قال ابن كثير رحمه الله: ((ومن أصابته كنا نتطير. قال: (ذاك شيء يجده أحدكم في (١) أدب الدنيا والدين، ص٣١٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٣٧/٨. www. modoee.com ١٨١ حرف التاء نفسه، فلا يصدنكم)(١). «فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ویصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح لأمته الأمر، وبین لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه؛ لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالی)»(٢). وبشرهم عليه الصلاة والسلام بدخول الجنة ما لم يتشاءموا بما صح عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)(٣). ((فأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء فهو قليل الطيرة لإقدامه؛ ثقة بإقباله، وتعویلا علی سعادته، فلا یصده خوف ولا يكفه حزن، ولا يئوب إلا ظافرًا، ولا يعود إلا منجحًا؛ لأن الغنم بالإقدام، والخيبة مع الإحجام، فصارت الطيرة من سمات (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، بالب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، رقم ٠١٧٤٨/٤،٥٣٧ (٢) مفتاح دار السعادة، ٢٣٤/٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب ومن يتوكل على الله فهو حسبه، رقم ٦٤٧٢، ٠١٠٠/٨ الإدبار، واطراحها من أمارات الإقبال، فينبغي لمن مني بها وبلي أن يصرف عن نفسه وساوس النوكى (٤)، ودواعي الخيبة، وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشيطان سلطانًا في نقض عزائمه ومعارضة خالقه، ويعلم أن قضاء الله تعالی علیه غالب، وأن رزقه له طالب، إلا أن الحركة سبب فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقًا ولا يدفع مقدورًا، وليمض في عزائمه واثقًا بالله تعالى إن أعطي، وراضيًا به إن منع»(٥). ويتضح مما تقدم: أن من آمن بالقضاء والقدر، وأن ما أصابه لم یکن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب له، وأن ما يجري من المصائب والبلايا والمحاب والمكروهات كله بقضاء الله وقدره، فقد سلم نفسه من الوقوع في آفة التشاؤم. ثانيًا: حسن الظن بالله والتوكل عليه: لا شك أن حسن الظن بالله تعالی له أثر کبیر في حياة المؤمن وبعد مماته، فالمؤمن حين يحسن الظن بالله تعالى لا يزال قلبه مطمئنًا، و نفسه راضية بقضاء الله وقدره وما يصيبه في السراء والضراء، بخلاف التشاؤم (٤) والأنوك: أي الأحمق، وجمعه النوكى. انظر: لسان العرب، ٥٠١/١٠. (٥) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ٣١٥، ٣١٦. موسوبر التفسير الموضوع القرآن الكريم ١٨٢