النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
التشاؤم!
عناصر الموضوع
مفهوم التشاؤم
١٤٤
الألفاظ ذات الصلة
١٤٥
التشاؤم عادة جاهلية
١٤٧
أسباب التشاؤم
١٥٣
صور التشاؤم
١٦٣
نسبة المصائب إلى أشخاص
١٧٧
آثار التشاؤم
١٧٨
علاج التشاؤم
١٨٠
المُجَلَدَ التَّاشِعْ

حرف التاء
مفهوم التشاؤم
لم يرد لفظ التشاؤم في القرآن الكريم، بل جاء ما يدل عليه في بعض الآيات الكريمة
بالمعنى نفسه وبسياقات متنوعة، لذا لا بد أن نبين معنى التشاؤم في اللغة والاصطلاح.
أولًا: المعنى اللغوي:
التشاؤم في اللغة: مصدر شئم، والشؤم: خلاف اليمن، يقال: رجل مشؤوم على قومه،
أي: غير مبارك، والجمع مشائيم، وتشاءم القوم به مثل تطيروا به، ويقال: شؤم الدار: ضيقها
وسوء جارها، نذير شؤم: علامة وقوع مكروه، ما ينبئ بشر ويبعث على الخوف، والتشاؤم:
توقع الشر (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي.
عرفه الحليمي: بأنه سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق (٢).
أو هو توقع حدوث الشر أو المكروه من شيء ما تراه أو تسمعه وتتوهم وقوع المكروه
به(٣)، ويكون وجوده سببًا في وجود ما يحزن ويضر (٤).
((ويأتي بمعنى تشاؤم الإنسان بشيء يقع تحت المناظر والمسامع مما تنفر منه النفس
مما ليس بطبيعي، فأما نفارها مما هو طبيعي في الإنسان كنفاره من صرير الحديد وصوت
الحمار فلا یعد من هذا، وأصله في زجر الطير، وما سواه ملحق به، ثم کثر في غيره حتى قال
تعالى حكاية عمن أخبر عنه: ﴿قَالُوا أَّبَّرْنَا بِكَ وَيِمَن مَّعَكَّ قَالَ طَبِرُكُمْ عِندَ اللّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ
﴾ [النمل: ٤٧]. أي: السبب الذي يسعدكم ويشقيكم عند الله))(٥).
ويتضح من المعنى اللغوي والاصطلاحي أن التشاؤم: حالة نفسية تلازم بعض الناس،
وتبعث في نفوسهم اليأس وعدم الرضا بقدر الله عز وجل.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري، ١٩٥٧/٥، لسان العرب، ابن منظور، ٣١٤/١٢، المصباح المنير،
الفيومي، ٣٢٨/١، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ١١٥٤/٢.
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ٢١٥/١٠.
(٣) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي، ٤٨٢/١.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٩/ ٦٦.
(٥) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني، ص ١٤٨.
مَوسُوبَةُ الْبَسيد
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٤٤

التشاؤم
الألفاظ ذات الصلة
التطير:
١
التطير في اللغة:
وهو مأخوذ من مادة (ط ي ر)، والطاء والياء والراء أصل واحد يدل على خفة الشيء
في الهواء، ثم يستعار ذلك في غيره وفي كل سرعة، فأما قولهم: تطير من الشيء، فاشتقاقه
من الطير، كالغراب وما أشبهه(١)، والاسم (الطيرة) وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء، قال
تعالى: ﴿قَالُواْ أَطََّّرْنَا بِكَ﴾ [النمل: ٤٧] أصله: تطيرنا، فأدغم (٢).
التطير في الاصطلاح:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن اللغوي.
قال ابن القيم رحمه الله: ((التطير: هو التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع))(٣).
قال الشيخ ابن عاشور رحمه الله: ((وإنما غلب لفظ الطيرة على التشاؤم لأن للأثر
الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم دلالةً أشد على النفس، لأن توقع الضر أدخل في
النفوس من رجاء النفع)»(٤).
الصلة بين التطير والتشاؤم:
يتضح من المعنى اللغوي والاصطلاحي أن التطير مأخوذ من الطير في الأصل، ويأتي
بمعنى التشاؤم أو التيمن بحركات الطير وأصواتها، ثم صار لفظًا عامًا لكل ما تشاءمت به
من طائر أو إنسان أو حيوان أو جماد، وغير ذلك، وعلى هذا فالتطير هو التشاؤم بما يرى من
مرور الطير ونحو ذلك ناحية الشمال أو بما يسمع من صوت طائر، كائنًا ما كان، وعلى أية
حال كان، ثم أطلق على كل ما يتوهم أنه سبب في حصول الشر.
التفاؤل:
٢
التفاؤل في اللغة:
وأصله الفأل (الفاء والألف واللام)، أي: ما يتفاءل به، وضد الطيرة، والجمع: فؤول، قال
الجوهري: الجمع أفؤل، وتفاءلت به وتفأل به؛ قال ابن الأثير: يقال تفاءلت بكذا وتفألت،
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٣٦/٣
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ١/ ١٩٤.
(٣) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ٢٤٦/٢.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ٦٦/٩.
www. modoee.com
١٤٥

حرف التاء
على التخفيف والقلب، والفأل: أن يكون الرجل مريضًا فيسمع آخر يقول يا سالم، أو يكون
طالب ضالة فيسمع آخر يقول يا واجد، فيقول: تفاءلت بكذا، ويتوجه له في ظنه كما سمع
أنه يبرأ من مرضه أو يجد ضالته، والطيرة: ضد الفأل، وهي فيما يكره كالفأل فيما يستحب،
والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، والفأل يكون فيما يحسن وفيما يسوء، والاسم الفأل مهموز،
يقال: لا فأل عليك، بمعنى لا ضير عليك، ولا طير عليك، ولا شر عليك(١).
التفاؤل في الاصطلاح:
وهو حسن ظن بالله عز وجل (٢).
الصلة بين التفاؤل والتشاؤم:
العلاقة بين التفاؤل والتشاؤم هو: أن الفأل يأتي من طريق حسن الظن بالله تعالى والتوكل
عليه، بينما التشاؤم لا يكون إلا في السوء والمكروه.
التوكل :
٣
التوكل في اللغة:
مصدر توكل يتوكل، وهو مأخوذ من مادة (وك ل) التي تدل على اعتماد على الغير في أمر
ما، ومن ذلك التوكل، وهو: إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك(٣).
التوكل في الاصطلاح:
صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار(٤).
الصلة بين التوكل والتشاؤم:
التوكل هو ثقة العبد بالله تعالى والاعتماد عليه في كل الأمور، والرضا بقضائه وقدره،
بخلاف التشاؤم الذي يظهر فيه سوء الظن بقضاء الله تعالى وقدره.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ /٤٦٨، لسان العرب، ابن منظور، ٥١٣/١١.
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ٢١٥/١٠.
(٣) لسان العرب، ابن منظور، ٧٣٦/١١، المصباح المنير، الفيومي ٦٧٠/٢.
(٤) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص ٤٠٩، التعريفات، الجرجاني ص ٧٠.
١٤٦
القرآن الكريم

التشاؤم
التشاؤم عادة جاهلية
لا شك أن التشاؤم هو من عادات أهل
الجاهلية والأمم الوثنية السابقة حيث كانوا
يتشاءمون من أمور كثيرة، لذا جاء الإسلام
فأبطلها؛ لأنها تخل بعقيدة المسلم الصحيحة
القائمة على الإيمان بالقضاء والقدر خيره
وشره، وفي هذا المبحث سنبين بعض
الأقوام الذين كانت أبرز صفاتهم التشاؤم
وذلك من خلال النماذج الآتية:
أولًا: تشاؤم قوم صالح عليه السلام:
كان دأب الكفار من قبل أنهم يتطيرون
بالأنبياء والرسل عليهم السلام، كما أخبر
الله تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع
نبيها صالح عليه السلام في قوله تعالى:
﴿ قَالُواْ أَّيَّرْنَا بِكَ وَيِمَن مَّعَكَّ قَالَ طََِرُّكُمْ عِندَ
اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ ﴾ [النمل: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَطَّيَزْنَا بِكَ وَيِمَن
مَعَكَ﴾ أي: تشاءمنا بك وبمن معك من
أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك
وبهم المكاره والمصائب، أو ما رأينا على
وجهك ووجوه من اتبعك خيرًا، وذلك أنهم
لشقائهم كان لا يصيب أحدًا منهم سوء إلا
قال: هذا من قبل صالح وأصحابه (١).
وأجاب صالح عليه السلام فقال لهم:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٧٦/١٩،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٩٨/٦.
((﴿طَيِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾، بأنه ومن معه ليسوا
سبب شؤم، ولكن سبب شؤمهم وحلول
المضار بهم هو قدرة الله، واستعير لما حل
بهم اسم الطائر مشاكلة لقولهم ﴿أَطََّّرْنَا بِكَ
وَبِمَن مَّعَكَ﴾، ومخاطبة لهم بما يفهمون
لإصلاح اعتقادهم، بقرينة قولهم اطيرنا
بك)»(٢).
ثم بين أن هذا جهل منهم بقوله: ﴿بَلِّ أَنْتُمْ
قَوْمُ تُفْتَنُونَ﴾، أي: تختبرون بتعاقب السراء
والضراء، والإضراب من بيان طائرهم الذي
هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي
إليه، ويحتمل أن غيرهم دعاهم إلى هذا
القول، ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان
یفتنکم بوسوسته(٣).
ثم ذکر مآل أمرهم وشدید عقابه بهم
فقال تعالى عنهم: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ
٦٧
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَاْ أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا
بُعْدُ الْشَمُودَ ﴾ [هود: ٦٧ -٦٨].
ويتضح مما تقدم: أن ثمود -وهم قوم
صالح عليه السلام- كانوا يتشاءمون من
نبيهم ومن معه من المؤمنين، كأنهم يقولون
لهم: أنتم نحس علينا، بمعنى أنك يا صالح
كنت أنت ومن معك سببًا لتشاؤمنا، فرد
عليهم صالح عليه السلام: طائركم الذي
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨١/١٩.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٤/ ٥٦٠،
أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/ ١٦٢.
www. modoee.com
١٤٧

حرف التاء
تدعونه لأنفسكم عند الله وحده، وإنكم أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه،
وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا
عنه و کرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا:
ببركة هذا، وبشؤم هذا))(٢).
تمتحنون بتلك الأوهام من التشاؤم،
وتظنون أنه يسعدكم أو يشقيكم، وأن علم
الغيب الذي تتعرفونه بالطير هو عند الله
تعالى علام الغيوب، ونتيجة تشاؤمهم
وكفرهم بنبيهم ومن معه أهلكهم الله تعالى
بالصيحة، فصعقوا بها جميعًا، فانكبوا على
وجوههم ولم ينج منهم أحد.
ثانيًا: تشاؤم أصحاب القرية:
قال تعالى مخبرًا عن أهل القرية إذ
جاءها المرسلون: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ
لَيْنِ لَّ تَنْتَهُواْ لَتَّجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ
أَنِيمٌ أَهُ قَالُواْ طَّكُمْ مَعَكُمْ أَيِن ذُكِرْلُ
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِقُونَ (١)﴾ [يس: ١٨-١٩].
وقولهم: ﴿إِنَّا تَطَيِّنَا پِكُمْ﴾ أي: لم نر
على وجوهکم خيرًا في عيشنا.
وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما
هو من أجلکم.
وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم
إلی قریة إلا عذب أهلها، وقوله تعالى: ﴿لین
أَوْ تَنْتَهُواْ لَّجُمَنَّكُمْ﴾، قال قتادة: بالحجارة،
وقال مجاهد: بالشتم، ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: عقوبة شديدة(١).
قال الزمخشري: ((وذلك أنهم كرهوا
دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٦ / ٥٧٠،٥٦٩.
قال ابن عاشور: ((لما غلبتهم الحجة من
كل جانب وبلغ قول الرسل ﴿ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا
البلغُ المُپِینُ ﴾ [یس: ١٧] من نفوس
أصحاب القرية مبلغ الخجل، والاستكانة
من إخفاق الحجة، والاتسام بميسم
المكابرة والمنابذة للذين يبتغون نفعهم؛
انصرفوا إلى ستر خجلهم وانفحامهم
بتلفيف السبب لرفض دعوتهم بما حسبوه
مقنعا للرسل بترك دعوتهم؛ ظنًا منهم أن
ما يدعونه شيء خفي لا قبل لغير مخترعه
بالمنازعة فيه، وذلك بأن زعموا أنهم تطيروا
بهم ولحقهم منهم شؤم، ولا بد للمغلوب
من بارد العذر))(٣).
وقول أصحاب القرية: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا
پگم﴾ أي: «إنا تشاءمنا بكم، ومعنى ((بكم))
بدعوتكم، وليسوا یریدون أن القرية حل بها
حادث سوء یعم الناس كلهم، من قحط أو
وباء أو نحو ذلك من الضر العام، مقارن
لحلول الرسل أو لدعوتهم، -وقد جوزه
بعض المفسرين - وإنما معنى ذلك: أن أحدًا
لا يخلو في هذه الحياة من أن يناله مكروه،
(٢) الكشاف، ٩/٤.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢/ ٣٦٢.
١٤٨
جَوْسُور
القرآن الكريم

التشاؤم
ومن عادة أصحاب الأوهام السخيفة
والعقول المأفونة أن يسندوا الأحداث
إلى مقارناتها دون معرفة أسبابها، ثم ان
يتخيروا في تعيين مقارنات الشؤم أمورًا لا
تلائم شهواتهم وما ينفرون منه، وأن یعینوا
من المقارنات للتيمن ما يرغبون فيه وتقبله
طباعهم، يغالطون بذلك أنفسهم، شأن أهل
العقول الضعيفة، فمرجع العلل كلها لديهم
إلى أحوال نفوسهم ورغائبهم» (١).
((ويجوز أن يكونوا أرادوا بالشؤم أن
دعوتهم أحدثت مشاجرات واختلافًا بين
أهل القرية، فلما تمالأت نفوس أهل القرية
على أن تعليل كل حدث مكروه يصيب
أحدهم بأنه من جراء هؤلاء الرسل، اتفقت
كلمتهم على ذلك فقالوا: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا
پم﴾، أي: يقولها الواحد منهم أو الجمع،
فیوافقهم على ذلك جمیع أهل القرية»(٢).
حينئذ أجابهم الرسل بقولهم: ﴿ قَالُواْ
طَپرُكُم مَعَكُمْ﴾، أي قالوا لهم: سبب
شؤمكم من أفعالكم لا من قبلنا كما
تزعمون، فأنتم أشر كتم بالله سواه، وأولعتم
بالمعاصي واجترحتم السيئات، أما نحن فلا
شؤم من قبلنا، فإنا لا ندعو إلا إلى توحيد
الله، وإخلاص العبادة له والإنابة إليه، وفي
ذلك منتهى اليمن والبركة (٣)
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق، ٢٢/ ٣٦٣.
(٣) تفسير المراغي، ٢٢/ ١٥٢.
قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى:
﴿قَالُواْ طَيِرَّكُمْ تَعَكُمْ﴾، أي: أعمالكم
(٤)
معکم (٤).
ثم قالوا: ﴿أَبِن ذُكِرْلُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
مُسْرِفُونَ﴾، أي: ((أمن جراء أنا ذكرناكم
وأمرناكم بعبادة الله مخلصين له الدين
تقابلوننا بمثل هذا الوعيد؟ بل أنتم قوم
ديدنكم الإسراف ومجاوزة الحد في
الطغيان، ومن ثم جاءکم الشؤم، ولا دخل
لرسل الله في ذلك»(٥).
ويتضح مما تقدم أن أصحاب القرية قد
تشاءموا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى
لهم وتوقعوا الشر منهم ومن دعوتهم،
لذلك كذبوهم وهددوهم بالتعذيب أو
القتل أو الرجم، إلا أن الله تعالى نجاهم
من أصحاب تلك القرية، ولم يذكر القرآن
من هم أصحاب القرية، ولا ما هي القرية،
ولعل عدم الإفصاح عنها دليل على أن
تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئًا في
دلالة القصة، بل ذكرت على سبيل الاتعاظ
والاعتبار.
ثالثًا: تشاؤم آل فرعون:
﴿فَإِذَا
قال تعالى عن قوم فرعون:
جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ
سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَدُ، أَلَا إِنَّمَا
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٥٠٣.
(٥) انظر: تفسير المراغي، ٢٢،١٥٢.
www. modoee.com
١٤٩

حرف التاء
طَيْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
﴾ [الأعراف: ١٣١].
١٣٦
والمعنى: (فإذا جاءت آل فرعون العافية
والخصب والرخاء وكثرة الثمار، ورأوا
ما يحبون في دنياهم ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾،
نحن أولى بها ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِئَةٌ﴾، يعني
جذوب وقحوط وبلاء ﴿يَطََّّرُواْ بِمُوسَى وَمَنْ
مَّعَهُر﴾، يقول: يتشاءموا ويقولوا: ذهبت
حظوظنا وأنصباؤنا من الرخاء والخصب
والعافية، مذ جاءنا موسى عليه السلام))(١).
قال ابن عاشور رحمه الله: ((والمراد به
في الآية: أنهم يتشاءمون بموسی ومن معه،
فاستعمل التطير في التشاؤم بدون دلالة
من الطير، لأن قوم فرعون لم يكونوا ممن
يزجر الطير فيما علمنا من أحوال تاريخهم،
ولكنهم زعموا أن دعوة موسی فیھم کانت
سبب مصائب حلت بهم، فعبر عن ذلك
بالتطير على طريقة التعبير العربي)) (٢).
((فمعنى ﴿يَطََّّرُواْ بِمُوسَى﴾ يحسبون
حلول ذلك بهم مسببًا عن وجود موسى
ومن آمن به؛ وذلك أن آل فرعون كانوا
متعلقين بضلال دينهم، وكانوا يحسبون
أنهم إذا حافظوا على اتباعه كانوا في سعادة
عيش، فحسبوا وجود من يخالف دينهم
بينهم سببًا في حلول المصائب والإضرار
(١) جامع البيان، الطبري، ١٣/ ٤٧.
(٢) التحرير والتنوير، ٩/ ٦٦.
بهم، فتشاءموا بهم، ولم يعلموا أن سبب
المصائب هو كفرهم وإعراضهم، لأن
حلول المصائب بهم يلزم أن يكون مسببًا
عن أسباب فيهم لا في غيرهم)»(٣).
لذلك رد الله تعالى عليهم بقوله:
﴿أَلَّ إِنَّمَا طَيْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١].
ومقصود الآية الرد علیھم فیما نسبوا إلى
موسى عليه السلام من الشؤم.
قال ابن عباس: ﴿أَلََّ إِنَّمَا طَيِرُهُمْ عِندَ
اللَّهِ﴾، أي: ((مصائبهم عند الله)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾، أي: ((لا يعلمون ذلك فيقولون
ما يقولون، وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم
للإشعار بأن بعضهم يعلم ولكن لا يعمل
بمقتضى علمه. وقالوا شروع في بيان بعض
آخر مما أخذوا به من فنون العذاب التي هي
في أنفسها آيات بينات وعدم ارعوائهم عما
هم عليه من الكفر والعناد)) (٥).
وبعد أن ذكر أن هذه الحسنات والسيئات
التي لم تردعهم عما هم فيه من الطغيان ذکر
أنه أصابهم بضروب أخرى من العذاب،
وهي في أنفسها آيات بينات، كما أخبر
الله عنهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ
فِرْعَوْنَ بِلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٨/١٣.
(٥) روح المعاني، الألوسي، ٣٣/٥.
١٥٠
فَضْو
القرآن الكريم

التشاؤم
يَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣٠].
وهم مع ذلك لم يرعووا عن كفرهم
وعنادهم وتشاؤمهم بموسى عليه السلام
ومن معه، ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِدِ، مِنْ ءَايَةٍ
١٣٢٣
لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
[الأعراف: ١٣٢].
فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله تعالى
بالغرق، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله:
فَأَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ فِ أَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ
كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ()
[الأعراف: ١٣٦].
رابعًا: تشاؤم كفار قريش:
سار كفار قريش على ما سار عليه
الأقوام والأمم السالفة في تشاؤمهم برسلهم
وأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، وقد فعلوا
ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتطيروا
به، وردوا کل مصائبهم إليه وإلى ما يدعو
إليه، فقال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ
حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ
سَيِّئَةٌ يَقُولُوَأَهَذِهِ مِنْ عِندِلَكْ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللّهِ فَالِ
هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾﴾ [النساء:
٧٨].
((أي: إن تصبهم حال حسنة تحسن
عندهم، من رخاء أو خصب أو ظفر أو
غنيمة أو سعة في الرزق، يقولوا: هذه الحال
من عند الله تعالى، فإن كان النصر قالوا: من
عند الله، وإن یصبهم أمر یسیئهم، كالهزيمة،
قالوا: ذلك من محمد، كأنهم ينسبونه
إلى سوء تدبيره عليه الصلاة والسلام، أو
يتشاءمون به، ويهبطون بذلك هبوطًا شديدًا
فالحسنة ما يحسن عندهم، والسيئة ما
يسوؤهم، وذلك التفكير الذي يفكرونه ناشئ
من ضعفهم النفسي، وضعفهم الإيماني،
وسوء ظنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم،
وذلك شأن أهل النفاق ومن يستمعون إليهم
من ضعفاء أهل الإسلام)» (١).
وجيء في حكاية قولهم: ﴿يَقُولُواْ هَذِهِ،
مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، ﴿يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ﴾،
بكلمة (عند) للدلالة على قوة نسبة الحسنة
إلى الله ونسبة السيئة للنبي عليه الصلاة
والسلام، أي: قالوا ما يفيد جزمهم بذلك
الانتساب، ولما أمر الله رسوله أن يجيبهم
قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ مشاكلة لقولهم،
وإعرابًا عن التقدير الأزلي عند الله(٢).
((والقول المراد في قوله: ﴿يَقُولُوا هَذِهِم
مِنْ عِندِ اللّهِ﴾، ﴿يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ﴾، هو
قول نفسي، لأنهم لم يكونوا يجترئون على
أن يقولوا ذلك علنًا لرسول الله صلى الله
علیه وسلم وهم يظهرون الإيمان به، أو هو
قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين،
يقولون: هذه من عند محمد، فیکون الإتيان
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٤ /١٧٧٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٤/٥.
www. modoee.com
١٥١

حرف التاء
بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم
بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي
والمحكي له، وهو وجه مطروق في حكاية
كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه
لذلك المخاطب)) (١)
.
فأخبر الله تعالى رسوله عليه الصلاة
والسلام، وأمره أن يقول لهم: ﴿قُلْ كُلُّمِنْ عِندِ
الله﴾، أي: «الجميع بقضاء الله وقدره، وهو
نافذ في البر والفاجر، والمؤمن والكافر))(٢).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((الحسنة
والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها
عليك، وأما السيئة فابتلاك بها))(٣).
ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين
هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة
فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿قَالِ هَؤُلاءِ
الْقَوْمِ لَایَكَادُونَيَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، أي: لا يكادون
يعلمون حقيقة ما تخبرهم به، من أن کل ما
أصابهم من خير أو شر، أو ضر وشدة ورخاء
فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا
یصیب أحدًا سيئة إلا بتقدیره، ولا ينال رخاءً
ونعمة إلا بمشيئته، وهذا إعلام من الله عباده
أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئًا
منها أحد غيره (٤).
وقال ابن القيم رحمه الله: «ولو فقهوا أو
فهموا لما تطيروا بما جئت به؛ لأنه ليس فيما
جاء به الرسول ما يقتضي الطيرة، فإنه كله
خیر محض لا شر فیه، وصلاح لا فساد فیه،
وحکمه لا عبث فيها، ورحمة لا جور فیھا،
فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول
السليمة لم يتطيروا من هذا؛ فإن الطيرة إنما
تكون بالشر لا بالخير المحض والمصلحة
والحكمة والرحمة، وليس فيما أتيتهم به
لو فهموا ما يوجب تطيرهم، بل طائرهم
معهم بسبب کفرهم وشرکھم وبغیھم، وهو
عند الله كسائر حظوظهم وأنصبائهم التي
يتناولوها منه بأعمالهم وكسبهم، ويحتمل
أن یکون المعنی: طائر کم معکم، أي: راجع
عليكم، فالطير الذي حصل لكم إنما يعود
عليكم)»(٥).
(١) المصدر السابق، ١٣٠/٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٦٢/٢.
(٣) جامع البيان، الطبري، ٨/ ٥٥٧.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٨/ ٥٥٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٦٢/٢.
(٥) مفتاح دار السعادة، ابن القيم، ٢٣٣/٢.
مُوسُوبَةُ النفسية
القرآن الكريم
١٥٢

التشاؤم
أسباب التشاؤم
للتشاؤم أسباب عديدة ومتنوعة، من
أهمها:
أولًا: الكفر:
إن التشاؤم شرك بالله تعالى، خصوصًا
إذا اعتقد المتشائم أن ما يتشاءم به مؤثر بذاته،
فهو شرك أكبر، وذلك لأنه اعتقد مع الله عز
وجل موجدًا وخالقًا آخر، وأما إذا اعتقد أن
المؤثر هو الله تعالی ولکن هذه سبب، فیعد
هذا شركًا أصغر، لأنه جعل التشاؤم سببًا في
التأثير، والشرع لم يجعله سببًا.
ولا شك أن التشاؤم قد يصل بالإنسان
إلى الكفر لما فيه من شرك وادعاء علم الغيب
واعتقاد جلب النفع ودفع الضر، والیاس مما
عند الله تعالى من خير؛ مما يؤدي إلى انتفاء
الإيمان من المتشائم تدريجيًا وصولًا إلى
الكفر؛ لذلك ذم الله تعالى اليائسين منه
بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْيِّئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِإِلَّا الْقَوْمُ
الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
أي: ((أنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم
الكافرون؛ لأن من آمن يعلم أنه متقلب في
رحمة الله ونعمته فلا ییأس من رحمته، وأما
الكافر فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في
رحمته؛ فييأس من رحمته)) (١).
قال الإمام الرازي رحمه الله: ((واعلم
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٢٧٩/٦.
أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل
إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على
الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات،
أو لیس بکریم بل هو بخیل، و کل واحد من
هذه الثلاثة یوجب الکفر، فإذا کان الیاس لا
يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة،
وكل واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا
یحصل إلا لمن کان کافرًا، والله أعلم»(٢).
وقد يصل العبد بتشاؤمه أيضًا إلى القنوط
والوقوع في الكبائر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا
أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِنِ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الروم:
٣٦].
أي: ((﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ أي:
نعمة من مطر أو سعة أو صحة ﴿فَرِحُواْ بِهَاْ وَإِنِ
تُصِبْهُمْ سِنهُ﴾ أي: بلاء من جدب أو ضيق
أو مرض، والسبب فيها شؤم معاصيهم،
قنطوا من الرحمة))(٣).
وذم الله تعالی أقوامًا کما مضى سابقًا في
تشاؤم قوم موسى عليه السلام وأصحاب
القرية من رسلهم عليهم السلام، فقد كان
تشاؤمهم سببًا في كفرهم بالله تعالى، ومن
ثم بأنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة
والسلام، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله:
﴿أَلَّ إِنَّمَا طَبْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٥٠١/١٨.
(٣) الكشاف، الزمخشري، ٣/ ٤٨٠.
www. modoee.com
١٥٣

حرف التاء
يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١].
وإنهم مسرفون في قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ
طَرَّكُم مَّعَكُمْ أَيْنِ ذُكِرْلُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌّ
مُسْرِقُونَ (١﴾ [يس: ١٩].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((الشؤم
الذي أتاکم من عند الله بكفركم»(١).
وجاء في الحديث عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (الطيرة شرك)(٢).
وإنما جعل التشاؤم شركًا لاعتقادهم أن
ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا، فاعتمدوا
عليها، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى،
وذلك مثل أن یرید الرجل سفرًا، فيسمع: یا
راشد، أو يا غانم، أو يا سالم؛ فيمضي في
سفره اعتمادًا على ما سمع، أو یرید سفرًا
فيسمع صياح الغراب، أو البومة فيرجع عن
سفره تشاؤمًا منه، كل ذلك شرك؛ لكونه لم
يخلص توكله على الله عز وجل.
لذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن
ذلك وبين كفارته، فقد روي عن عبد الله
بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه
(١) لباب التأويل، الخازن، ٣٤٩/٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٣٦٨٧،
٥٤٦/٣، وأبو داود في سننه، كتاب الطب،
باب في الطيرة، رقم ٣٩١٠، ١٧/٤،
والترمذي في سننه، أبواب السير، باب ما جاء
في الطيرة، رقم ١٦١٤، ١٦٠/٤، وابن ماجه
في سننه، كتاب الطب، باب من كان يعجبه
الفأل، رقم ٣٥٣٨، ٢ /٠١١٧٠
قال الترمذي: ((وهذا حديث حسن صحيح)).
وسلم، قال: (من ردته الطيرة عن حاجته
فقد أشرك)، قالوا: يا رسول الله، فما كفارة
ذلك؟ قال: (يقول: اللهم لا طير إلا طيرك،
ولا خير إلا خيرك، ولا إله إلا أنت)(٣)، أو
يقول: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت،
ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة
إلا بك)(٤).
وقال عليه الصلاة والسلام: (لا طيرة،
وخيرها الفأل) قالوا: وما الفأل؟ قال:
(الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)(٥).
قال الإمام النووي: ((معنى قوله صلى
الله عليه وسلم: (لا طيرة) أي: اعتقاد أنها
تنفع أو تضر إذا عملوا بمقتضاها معتقدين
تأثيرها فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرًا في
الفعل والإيجاد، وأما الفأل وقد فسره النبي
صلى الله عليه وسلم بالكلمة الصالحة
والحسنة والطيبة، قال العلماء: يكون الفأل
فيما يسر وفيما يسوء، والغالب في السرور،
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٧٠٤٥،
٦/ ٤٧١، والطبراني في المعجم الكبير، رقم
١٣/٢٢، ٣٨.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ((رواه أحمد
والطبراني، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن،
وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات)).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطب، باب
في الطيرة، رقم ٦١/٦،٣٩١٩.
وصححه النووي في رياض الصالحين ص
٤٧٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب،
باب الطيرة، رقم ٥٧٥٤، ١٣٥/٧.
مُوسُوبَةُ النَّقِيَـ
القرآن الكريم
١٥٤

التشاؤم
والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء)) (١).
قال ابن القيم رحمه الله: ((إن التطير هو:
التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع، فإذا
استعملها الإنسان فرجع بها من سفره وامتنع
بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك، بل
ولجه، ويرىء من التوكل على الله، وفتح
على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله،
والتطير مما يراه أو يسمعه، وذلك قاطع
له عن مقام ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِنَاكَ نَسْتَمِينٌ﴾
[الفاتحة: ٥] و﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[هود: ١٢٣] و﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ
[الشورى: ١٠] فيصير قلبه متعلقًا بغير الله
عبادة وتو کلا، فيفسد عليه قلبه وإيمانه»(٢).
ويتضح مما تقدم: أن التشاؤم قد يكون
من الشرك الأصغر المنافي لعبادة الله تعالى
وتوحيده، لما فيه من سوء الظن بالله تعالى
کما مر سابقًا، وقد يتحول إلى شرك أكبر، إذا
اعتقد المتشائم أن ما يتشاءم به کان مؤثرًا في
حصول المکروہ، أو جلب النفع ودفع الضر
وأنها فاعلة بذاتها، إذ لا فاعل إلا الله تعالى،
ولا مؤثر في الكون سواه، وقد يصل إلى
الكفر بالله تعالى الذي يوجب الوعيد.
ثانيًا: سوء الظن بالله تعالى:
لا يخلو التشاؤم من سوء الظن بالله
تعالى وبأقداره الجارية، وتوقع الشر
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم ٢١٩/١٤.
(٢) مفتاح دار السعادة، ابن القيم، ٢٤٧/٢.
والبلاء مع اعتقاد حصول الضر والنفع من
غير الله تعالى، وإن من أعظم الذنوب عند
الله: إساءة الظن به جل وعلا، وقد ذم الله
تعالى في آياته الكريمة الذين يظنون بالله
تعالى ظن السوء بقوله تعالى: ﴿وَطَآئِفَةٌ
قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِلِّ غَيْرَ الْحَقِّ
ظَنَّ الْجَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَثْرِ مِن
شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُّونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا
لَا يُبْدُونَ لَكَّ يَقُولُونَ لَوْكَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ
مَّا قُتِلْنَا هَنْهُنَّأُ قُل لَّوْ كُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ مَا
فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران:
١٥٤].
(ومعنى ﴿أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي:
حدثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهم،
وذلك بعدم رضاهم بقدر الله تعالى، وبشدة
تلهفهم على ما أصابهم، وتحسرهم على
ما فاتهم مما يظنونه منجيًا لهم لو عملوه:
أي من الندم على ما فات، وإذا كانوا كذلك
كانت نفوسهم في اضطراب وتحرق يمنعهم
من الاطمئنان))(٣).
ومعنى قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَالْحَقِّ﴾،
أي: أنهم ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا
بالله ظنونا باطلة من أوهام الجاهلية، وفي
هذا تعريض بأنهم لم يزالوا على جاهليتهم
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤/ ١٣٤.
www. modoee.com
١٥٥

حرف التاء
ولم یخلصوا الدین لله تعالی.
وقد بين الإمام ابن القيم أن الظن الوارد
وقد بين لهم المراد بالظن بقوله: في الآية: ظنٌّ لا يليق بالله تعالى؛ بأنه سبحانه
﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ﴾، لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأن
و﴿هَل﴾ للاستفهام الإنكاري بمعنى
النفي، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا
ما أصابهم لم یکن بقدر الله وحكمته؛ ففسر
بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم
سببًا في مقابلة العدو .... ويظنون أن محمدًا أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله،
صلی الله علیه وسلم لیس برسول؛ إذ لو
کان لکان مؤيدًا بالنصر.
ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾، ثم فسر
ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْكَانَ
لَنَا مِنَ الأمْرِ شىءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ أي: یسرون
هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم(١).
والشاهد في الآية الكريمة أن التشاؤم هو
صفة من صفات بعض أهل الجاهلية، وهو
سوء ظن بالله تعالی وبرسوله صلی الله علیه
وسلم، واعتراض على أقدار الله تعالى.
وهذا كله من صفات المنافقين
والمشركين الذين توعدهم الله تعالى
بالوعيد الشديد بقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ
الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ
اُلَّائِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءُّ عَلَيْهِمْ دَآيِرَةُ السَّوْءِ
وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَهَنَّةٌ
وَسَآَمَتْ مَصِيرًا ﴾ [الفتح: ٦].
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
١٤٥/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور
١٣٥/٤.
وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون
والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا
ظن السوء؛ لأنه ظن لا يليق به سبحانه ولا
بحکمته وحمده ووعده الصادق؛ فمن ظن
أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة
يضمحل معها الحق، أو أنكر أن یکون ما
جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره
لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم
أن ذلك لمشيئة مجردة؛ فذلك ظن الذين
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [ص:
کفروا؛
٢٧]، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء
فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا
يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه
وصفاته وموجب حكمته وحمده، فليعتن
اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله،
وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء(٢).
وقال أيضًا في وصفه لحال هذا الصنف
من الناس: ((فأكثر الخلق بل كلهم إلا ما
شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء،
فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق،
(٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٢٠٦/٣.
١٥٦
جَوُورُ
القرآن الكريم

التشاؤم
ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الحد(٣)، ويأتي أيضًا بمعنى مجاوزة الحد
الله، ولسان حاله يقول: ((ظلمني ربي في العصيان، كما حصل مع قصة أصحاب
القرية التي مر ذكرها، حيث إن المعاصي
والذنوب كانت سببًا في الشؤم الذي أصابهم
نتيجة کفرهم برسلهم.
ومنعني ما أستحق» ونفسه تشهد عليه وإن
كان لسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح
به، ومن فتش نفسه وتغلغل فى معرفة دفائنها
وقد وصف الله تعالى أصحاب القرية
بالمسرفين في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ طَرَّكُمْ
مَّعَكُمْ أَبِن ذُكِرْتُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِقُونَ
﴾ [يس: ١٩].
وطواياها رأى ذلك فيها، ولو فتشت من
فتشته لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامة
له، وأنه ينبغي أن یکون كذا وكذا، فمستقل
ومستكثر))(١).
لذلك يقول ابن عاشور: ((الشؤم يقع
على من يتشاءم، جعل الله ذلك عقوبة له في
الدنیا لسوء ظنه بالله تعالى(٢)).
وتوعد الله تعالى الظانين به ظن السوء
بما لم يتوعد به غيرهم، وذلك بقوله تعالى:
﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٌ وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنْهُمْ
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنٌَّ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦].
فكان جزاؤهم بأن أرداهم الله تعالى
فقال تعالى عنهم: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُ الَّذِى
ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَ تَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ
٢٣
﴾ [فصلت: ٢٣].
ثالثًا: الإسراف في المعاصي والآثام:
لا شك أن الإسراف في المعاصي
هو أساس كل شر وضلالة، فالإسراف:
هو الإكثار من الشيء، والمجاوزة عن
(١) المصدر السابق، ٢١١/٣.
(٢) التحرير والتنوير، ٩/ ٦٦.
أي: قوم عادتكم الإسراف في العصيان،
فمن ثم جاءکم الشؤم، أو في الضلال،
ولذلك توعدتم وتشاءمتم بمن يجب أن
یکرم ویتبرك به (٤).
قال قتادة رحمه الله: ((مسرفون في
تطيركم»(٥).
قال الشيخ ابن عاشور: ((﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
مُسْرِقُونَ﴾ أي: لا طيرة فيما زعمتم،
ولكنكم قوم كافرون، غشيت عقولكم
الأوهام، فظننتم ما فيه نفعکم ضرًا لكم،
ونطتم الأشياء بغير أسبابها من إغراقكم
في الجهالة والكفر وفساد الاعتقاد، ومن
إسرافكم اعتقادكم بالشؤم والبخت»(٦).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «فلا
شؤم إلا المعاصي والذنوب؛ فإنها تسخط
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤ /٤٨٨.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤ /٢٦٥.
(٥) فتح القدير، الشوكاني، ٤١٩/٤.
(٦) التحرير والتنوير، ٣٦٤/٢٢.
www. modoee.com
١٥٧

حرف التاء
الله عز وجل، فإذا سخط على عبده شقي في رابعًا: الجهل والضلال:
الدنيا والآخرة، كما إنه إذا رضي عن عبده
سعد في الدنيا والآخرة))(١).
وقال أيضًا: ((فالعاصي مشؤوم على
نفسه وعلى غيره، فإنه لا يؤمن أن ينزل
عليه عذاب فيعم الناس، خصوصًا من لم
ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، فإذا
كثر الخبث هلك الناس عمومًا، وكذلك
أماكن المعاصي وعقوباتها يتعين البعد عنها
والهرب منها خشية نزول العذاب)) (٢)، كما
قال النبي صلی الله عليه وسلم لأصحابه لما
مر على ديار ثمود بالحجر: (لا تدخلوا على
هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باکین، فإن لم
تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم
ما أصابهم) (٣).
ويتضح مما تقدم ومن خلال الآية
الكريمة: أن الإسراف في المعاصي والآثام
سبب من أسباب التشاؤم الذي لحق
أصحاب القرية، فكان جزاؤهم أن أهلكهم
الله تعالی بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم،
كما قال تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةٌ فَإِذَا
هُمْ خَمِدُونَ (٦﴾ [يس: ٢٩].
(١) لطائف المعارف، ابن رجب، ١/ ٧٦.
(٢) المصدر السابق، ١/ ٧٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب،
رقم ١،٤٣٣ / ٩٤.
لا شك أن الجهل من أسباب التشاؤم؛
لذا وصف الله تعالی آل فرعون وغیرهم بأن
أكثرهم لا يعلمون، وذلك في قوله تعالى:
﴿أَلَّ إِنَّمَا طَبْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١].
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾،
أي: «فلجھلهم بذلك کانوا یطیرون بموسی
عليه السلام ومن معه)»(٤).
قال الزمخشري: ((ويجوز أن يكون
معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو
عملهم المکتوب عنده الذي يجري علیھم
ما یسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم،
بما وعدهم الله في قوله تعالى: ﴿النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
[غافر: ٤٦]. ولا طائر أشأم من هذا))(٥).
قال الخازن رحمه الله: ((وإنما قال:
﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن أكثر الخلق
يضيفون الحوادث إلى الأسباب ولا
يضيفونها إلى القضاء والقدر)»(٦).
ويتضح من الآية الكريمة: أن الله تعالى
ذم آل فرعون، ووصفهم بأنهم لا يعلمون
بسبب جهلهم؛ حيث أسندوا حوادث هذا
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٨/١٣.
(٥) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١٤٥/٢.
(٦) لباب التأويل، الخازن، ٢٣٩/٢.
جَوَسُولَةُ النَّهِبـ
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ
١٥٨

التشاؤم
العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، بل إلى ٦]))(٢).
شؤمهم.
وعلى هذا فالجهل: هو اعتقاد الشيء
على خلاف ما هو عليه، واعترضوا عليه
بأن الجھل قد یکون بالمعدوم، وهو لیس
بشيء، والجواب عنه: أنه شيء في الذهن،
ویکون بسيطًا، أو مركبًا، والجهل البسيط هو
عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالمًا، أما
الجهل المركب فهو عبارة عن اعتقاد جازم
غير مطابق للواقع(١).
وقد جعل الراغب الأصفهاني الجهل
على ثلاثة أضراب:
((الأول: هو خلو النفس من العلم
وهذا هو الأصل، وقد جعل ذلك بعض
المتكلمين معنى مقتضيًا للأفعال الخارجة
عن النظام كما جعل العلم معنى مقتضيًا
للأفعال الجارية على النظام.
والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو
عليه.
والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه
أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا
أم فاسدًا، کتارك الصلاة عمدًا، وعلى ذلك
قوله تعالى: ﴿اَلَنَّخِذُنَا هُزُوَا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ
أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].
فجعل فعل الهزؤ جهلًا، وقوله تعالى:
﴿فَتَبَيَنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًّا يَجَهَلَتٍ﴾ [الحجرات:
(١) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص ٨٠.
والمتأمل في القرآن الكريم يجد آيات
کثیرة ذم الله تعالی الجهل وأهله؛ لأنه هو
سبب الشر والذنوب والمعاصي، ومنه:
ما حصل من تشاؤم آل فرعون وقومه من
موسی علیه السلام، وثمود مع صالح عليه
السلام، وأصحاب القرية مع رسلهم،
ومشركو قريش مع النبي صلى الله عليه
وسلم، فسبب اعتقادهم هذا الشيء على
خلاف ما هو عليه، فالأنبياء والرسل عليهم
السلام لا دخل لهم بما نسبوه إليهم من
الشؤم.
وجاء في السنة النبوية ذم الجهل، فمن
ذلك ما ورد في الحديث الصحيح عن
عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول
الله صلی الله عليه وسلم، قال ذات يوم
في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما
جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته
عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء
كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم
عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت
لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به
سلطانًا ... ) الحديث(٣).
(٢) المفردات ص٢٠٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة
نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها
في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم ٢٨٦٥،
٤ / ٢١٩٧.
www. modoee.com
١٥٩

حرف التاء
وقوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء
كلهم)، أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من
المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول
الهداية، (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم
عن دينهم)، أي: استخفوهم فذهبوا بهم
وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في
الباطل (١).
ودلالة الحديث واضحة في بيان أن
الجهل سبب الضلال؛ لذلك حذر الله
تعالى منه عباده المؤمنين، كما في قوله
تعالى: ﴿قَالَ يَنُوعُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ, عَمَلُ
غَيْرُ صَلِحٍ فَلَا تَتْخَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ أَعِظُكَ أَن
تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴾ [هود: ٤٦].
واستعاذ نبي الله موسى عليه السلام من
الجهل في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ
أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].
وكذلك استعاذ النبي صلى الله عليه
وسلم منه، بما صح عن الشعبي عن أم سلمة
رضي الله عنها قالت: «ما خرج النبي صلى
الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه
إلى السماء فقال: (اللهم إني أعوذ بك أن
أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو
أظلم، أو أجهل أو يجهل علي) (٢).
(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٩٧/١٧.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب باب ما
يقول إذا خرج من بيته، رقم ٥٠٩٤، ٤٢٤/٧،
والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب رقم
٣٥، رقم ٤٩٠/٥،٣٤٢٧، والنسائي في سننه
والجهل لا يزول إلا بالعلم؛ لذا فعلى
المسلم إذا جهل أمرًا ما فعليه الرجوع إلى
العلماء قال تعالى: ﴿فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنِ
كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ
أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ.
مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَ تَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: ٨٣].
ويتضح مما تقدم أن الجهل والضلال
واقع في أكثر الناس، لذا لا بد للمؤمن
أن يتبين من الأمور ما كان جاهلاً بها،
وخصوصًا من كان لديه اعتقاد الشؤم،
فالأولى به أن يعالج نفسه بالعلم النافع،
ويبذل قصارى جهده فيه، لكي ينقذ نفسه
من ضلالة الجهل الذي وقع فيه.
خامسًا: وساوس الشيطان:
حذر الله تعالى في القرآن الكريم عباده
من اتباع وساوس الشيطان؛ فهو عدو
للإنسان، كما أخبر الله تعالى بذلك في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ (
[فاطر: ٦].
الكبرى، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من
أن يظلم، رقم ٧٨٧٠، ٢٢٢/٧، وابن ماجه
في سننه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل
إذا خرج من بيته، رقم ٣٨٨٤، ١٢٧٨/٢.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح)).
١٦٠
جَوَسُوع
القرآن الكريم

التشاؤم
أي: إن الشيطان معلن عداوته لكم
بوسوسته، فعادوه أنتم أشد العداوة،
وخالفوه و کذبوه فیما یغركم به، ثم ذكر
أعماله ودعوته أتباعه إلى الغواية والضلالة
فقال: ﴿إِنََّا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ
السّعِيرِ ﴾، أي ما غرضه من دعوة شيعته إلى
اتباع الهوى والركون إلى لذات الدنيا إلا
إضلالهم وإلقاؤهم في العذاب الدائم من
.
حيث لا يشعرون (١).
ولا شك أن وساوس الشيطان هي سبب
من أسباب التشاؤم؛ لذلك وصف الله تعالى
قوم صالح عليه السلام بأنهم قوم فتنوا
بتشاؤمهم من نبيهم صالح عليه السلام ومن
معه من المؤمنين، وذلك في قوله تعالى:
﴿قَالُواْ أَّيَّرْنَا بِكَ وَيِمَن مَّعَكَ قَالَ طََبِرُّكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ ﴾ [النمل: ٤٧].
ومعنى قوله تعالى: ﴿بَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تُفْتَنُونَ ﴾، أي: تختبرون، أو تعذبون، أو
يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة،
وقوله: ﴿ُفْتَنُونَ﴾ أي: تستدرجون فيما
أنتم فيه من الضلال (٢).
قال قتادة رحمه الله: ((تبتلون بالطاعة
والمعصية)) (٣).
(١) انظر: تفسير المراغي، ١٠٨/٢٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٤/ ٥٦٠،
البحر المحيط، أبو حيان، ٢٤٩/٨، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ١٩٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٩٨/٦.
وعلى أية حال، فإن القصد بیان أن سبب
نزول الشر بهم هو عصيانهم وكثرة ذنوبهم،
و کلها تعود إلى وساوس الشيطان لهم.
وكل هذه الوساوس التي يلقيها الشيطان
من باب الفتنة، لذلك قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ
مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ
بَعِيدٍ ﴾ [الحج: ٥٣].
ونهى الله تعالى عن اتباع خطوات
الشيطان وحذر منها بقوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَنَّبِعُواْ خُعُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَنْ
يَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِّ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَا زَّكَ مِنْكُم مِّنْ
أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٤﴾ [النور: ٢١].
وشرع لنا الاستعاذة منه ومن وسوسته
فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ
نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِلَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ))
[الأعراف: ٢٠٠].
وعلى هذا فالأحرى بالمسلم الذي تنتابه
دواعي الشؤم وتنقدح في قلبه أن يستعيذ
بالله تعالى مما ألقى الشيطان في نفسه من
تلك الوساوس والعوارض، ويلجأ إلى الله
تعالى بكثرة الدعاء، مع حسن الظن بالله
والتوكل عليه في كل الأحوال.
www. modoee.com
١٦١

حرف التاء
سادسًا: التقليد:
لا شك أن التقليد سبب من أسباب
التشاؤم، فهو عادة سارت عليها الأمم الوثنية
القديمة، وتبعها بعد ذلك أهل الجاهلية،
وبقيت مستمرة إلى وقتنا الحاضر، ويأتي
التقليد بأشكال متعددة، منها: ما كان في
الاعتقاد أو الأفعال أو الأقوال، والسير
على ما سار عليه الآباء والأجداد، وذلك
بتقليدهم في الباطل دون استناد إلى
دليل في ذلك، وهذا ما حصل مع الأقوام
التي ذكرناها سابقًا، مثل قوم صالح عليه
السلام، وأصحاب القرية، وغيرهم حيث
كان التشاؤم عندهم من باب تقليد الآباء
والأجداد.
لذلك ذم الله تعالى المقلدين لآبائهم في
كل أنواع الضلالة والباطل بما فيها التشاؤم؛
فقال تعالى عنهم: ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَاً
ءَابَآءَنَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَزِهِم مُّهْتَدُونَ
٢﴾ [الزخرف: ٢٢].
فكان هذا الكلام مسوقا مساق الذم لهم؛ إذ
تلقوه من آبائهم، فإن شأن العاقل أن يميز ما
يلقى إليه من الاختلاف ويعرضه على معيار
الحق، و﴿أَمَةٍ﴾ هنا بمعنى الملة والدين،
وقوله: ﴿عَلَىْ ءَاثَزِهِم﴾، أي: أنهم لا حجة
لهم في عبادتهم الأصنام إلا تقلید آبائهم،
وذلك ما يقولونه عند المحاجة إذ لا حجة
لهم غیر ذلك، وجعلوا اتباعهم إیاهم اهتداء
لشدة غرورهم بأحوال آبائهم، بحيث لا
يتأملون في مصادفة أحوالهم للحق(١).
((والمقصود أنه تعالى لما بين أنه لا
دليل لهم على صحة ذلك القول البتة بين
أنه ليس لهم حامل يحملهم عليه إلا التقليد
المحض، ثم بين أن تمسك الجهال بطريقة
التقليد أمر كان حاصلًا من قديم الدهر،
فقال: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْبَةِمِّن
تَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمٍَّ
وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف:
٢٣]»(٢).
ورد الله تعالى على المقلدين لآبائهم
وأجدادهم في العقائد الضالة وأبطل شبههم
وتمسكهم بالتقليد الباطل، حيث قال تعالى:
﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا
وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
((أي أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في
أي: ليس لهم علم فيما قالوه ولا نقل، كل حال وفي كل شيء، ولو كان آباؤهم لا
يعقلون شيئًا من عقائد الدين وعباداته: أي
عقائدهم وعباداتهم»(٣).
لم يقارنوا بين ما جاءهم به الرسول وبين ما حتى لو تجردوا من دليل عقلي أو نقلي في
وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِنْتُكُ
بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ مَابَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١٨٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٧/ ٦٢٧.
(٣) تفسير المراغي، ٢/ ٤٤.
١٦٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ