النص المفهرس
صفحات 21-40
التطوع بتطوعه وهو يظن أنه يوفر لهم شيئًا ضروريًا والمتيقنة على المظنونة، والجوهرية على الشكلية - على التفصيل الذي قرره الفقهاء والأصولیون في بابه(١). به قوام معاشهم، ولکن لجهله بعاداتهم وأعرافهم، تذهب ثمرة تطوعه سدی، ولا ينتفعون به؛ ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك: ما ذكره الشيخ عبدالرحمن السميط رحمه الله من أن أهل الصومال لا يأكلون الدجاج، وينظرون إلى من يأكل الدجاج منهم نظرة استصغار، بل إن بعضهم لا یزوجه ولا یتزوج منه، وأن أحد أهل الخير قد أخبر الشیخ أنه يريد التبرع بملیون دجاجة لمسلمي الصومال؛ فأخبره الشيخ بعادتهم تلك؛ وطلب منه أن يتبرع بشيء آخر. رابعًا: الترجيح بين الأعمال التطوعية إذا تزاحمت. وذلك الترجيح يتسق تمام الاتساق مع فقه الأولويات، أو الموازنة بين المصالح والمفاسد الذي أشار إليه القرآن الكريم في بعض آياته الكريمة، منها: قوله تعالى حكاية عن الرجل الصالح ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩]. فكما أن المفاسد تتفاوت، وبعضها أفسد من بعض؛ فكذلك المصالح بعضها أهم من بعض؛ فيوازن ويرجح بينها بتقديم الأهم على المهم؛ والمصلحة العامة على الخاصة، والدائمة على المنقطعة، وعليه: فإن العمل التطوعي الذي يستهدف تحقيق الضروريات، يقدم بلا شك على غيره من الأعمال التطوعية التي تستهدف الحاجیات أو التحسینیات، وعمل تطوعي نفعه عام يقدم بلا شك على تطوع نفعه خاص؛ لاسيما وقد قرر الفقهاء(( أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة)»(٢). (١) انظر: الأشباه والنظائر، السيوطي ٨٨، فقه الأولويات،يوسف القرضاوي، ص١١. (٢) انظر تفصيل ذلك في: أثر القواعد الأصولية في تأصيل العمل الخيري، عبد الجليل ضمرة، بحث مقدم إلى مؤتمر العمل الخيري الخليجي الثالث، دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، بدبي، ٢٠٠٨م، ص ٣٠، وما بعدها. www. modoee.com ٢١٣ حرف التاء عقبات التطوع ثمة عقبات كثيرة قد تقف في طريق التطوع، كغياب ثقافة العمل التطوعي الذي يشجع الفرد على القيام به، أو سوء التنظيم والتنسيق بين الجهات ذات العلاقة في العمل التطوعي الواحد، أو شح الموارد المالية الذي يحول بين تنفيذ برامج العمل التطوعي أو التوسع فيها، وغيرها من العقبات التي يمكن مراجعتها فيما كتبه المتخصصون في هذا المجال (١). غير أنه لما كان بحثنا لموضوع ((التطوع)) في ضوء القرآن الكريم،كان من المهم أن نلفت النظر هنا إلى أمرين رئيسين أشار إليهما القرآن الكريم قد يكونا عقبتين رئيستين في طريق التطوع، أولهما: نفسي أو داخلي وهو الشح والبخل، والثاني: يمكننا أن نعده عقبة خارجية، وهو لمز المطوعين، وبيان ذلك فيما يلي: أولًا: الشح والبخل وهو عقبة نفسية تحول دون التطوع. لقد ذم الله تعالى البخل في غير آية من كتابه الكريم، وبين أنه قد يحمل صاحبه على الإمساك عن إخراج الواجب؛ فضلًا (١) انظر: العمل التطوعي أهميته، معوقاته، عوامل نجاحه، حميد الشايخي، مقالة منشورة إلكترونيًا على موقع أسبار للبحوث والدراسات والإعلام بتاريخ سبتمبر ٢٠٠٧ م. عن المستحب. كما بينت لنا آيات أخرى: أن نفس الإنسان مجبولة على الشح الذي هو: ((عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له))(٢)، وذلك في نحو قوله تعالى ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشَّخَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. كما أنها مجبولة على حب المال والحرص عليه؛ وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبََّ جَمَّا ﴾ [الفجر: ٢٠]. يعني حبًا كثيرًا. غير أنه مما ينبغي الإشارة إليه هنا: أنه إذا كان حب المال، والحرص عليه أمرًا فطريًا؛ فإن القرآن الكريم قد حرص على اقتلاع هذا الحرص -إن تحول عن طوره الإيجابي الدافع لعمارة الأرض بالجد المثمر والعمل النافع إلى حرص (مرضي)-من نفوس المؤمنين، فذكرهم المرة بعد المرة لاسيما في ختام الآيات الآمرة بالبذل والإنفاق: أن: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَذُّ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل: ٩٦]. وأن: ﴿وَللَّهِ مِيْرَُّّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]. وأن: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِِِ. وَاَللّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ [محمد: ٣٨]. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٨٧. مَوَسُو ◌َرُ النَّسيد القرآن الكريم ٢١٤ التطوع وأن مثل الحياة الدنيا ﴿كَعَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ اُلصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ اُلْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ لَا يَجِدُونَ إِلََّ جُهْدَهْ ... ﴾(٢)، فكما سخر خُطَمًا﴾ [الحديد: ٢٠]. ليربي النفس المؤمنة على البذل والعطاء، ويقتلع منها داء الحرص والشح؛ «فمن سلم من الشح أفلح وأنجح»(١). وقد صدق الله العظيم حين قال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ. فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. ثانيًا: السخرية من المتطوعين. لقد قص الله تعالی علینا لونًا من خبث المنافقين؛ ومحاولاتهم الخبيثة لتثبيط همم المؤمنين عن البذل والعطاء، وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُعَطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧٩]. فكما لم يسلم من تطوع بماله من أذاهم وعیبهم، لم يسلم من سخريتهم-كذلك-من تطوع بجهده وعمله؛ ففي سبب نزول الآية کما هو عندمسلم عن أبي مسعود قال: «أمرنا بالصدقة؛ قال: فكنا نحامل، قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه؛ فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا؛ وما فعل هذا الآخر إلا رياء؛ فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَلَّوْعِينَ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٨٦/٤. المنافقون ممن تطوع بالمال، سخروا كذلك من أولئك الذين لا يجدون سبيلًا إلى إيجاد ما یتصدقون به إلا طاقتهم وجهد أبدانهم، فلم يسلم من عيبهم ولمزهم أحد في جميع الأحوال. والذي نود التنبيه إليه هنا: ونحن في معرض الحديث عن الاستهزاء كعقبة خارجية في طريق التطوع، هو أنه إذا كان لمز المنافقفين وعيبهم لم يفت في عضد أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم، ولم يكن حائلاً بينهم وبين التطوع بالخير؛ فإن الشيطان قد يجد في ذلك سبيلا ومدخلا إلى بعض ضعاف الإيمان؛ فيصرفهم عن فعل الخير، أو التطوع به؛ لئلا يكونوا وسيلة الاستهزاء المستهزئين، أو سخرية المنافقين. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحمل أجرة يتصدق بها والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق، رقم ١٧٦٦. www. modoee.com ٢١٥ حرف التاء مجالات التطوع الاجتماعي في القرآن إن ميدان التطوع الاجتماعي في القرآن الكريم يتسع ليشمل كل خير يفعله المسلم ابتغاء فضل ربه سبحانه ورضوانه؛ بل إنه يتسع أكثر ليشمل ما لم يفعله الإنسان؛ وإنما یتر که ابتغاء الثواب من الله عز وجل. وعليه: سيكون حديثنا عن مجالات التطوع الاجتماعي في القرآن الكريم، في ضوء التقسيم الرئيس التالي: (التطوع بالفعل، والتطوع بالترك). وباستقراء آيات القرآن الكريم وقفنا على بعض مجالات للتطوع الاجتماعي التي رغب القرآن الكريم فيها وحث عليها، والتي سنلخصها في السطور التالية تحت النوعين المشار إليهما أعلاه: أولًا: التطوع بالفعل. و له صور، منها: ١ . الكفالة. وهي لغة: بمعنى الالتزام؛ أو الضم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة .. )(١) . أي: ضام اليتيم إلى نفسه، ونعني بها هنا: معناها اللغوي الأعم من المعنى الذي (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيمًا، ٥٦٨٢، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه. اصطلح عليه الفقهاء (٢)؛ ليدخل فيها: كفالة ورعاية اليتيم والمعوز والمحتاج. ودليلها من القرآن الكريم قوله تعالى: قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ اَلْمَلِكِ وَلِمَنْ جََّ بِ [يوسف: ◌ِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ ﴾ ٧٢]. قال ابن عباس: الزعيم الكفيل (٣)، وقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ [القلم: ٤٠]. يعني: سل يا محمد هؤلاء المكابرين تهكمًا بهم، أيهم كفيل وضامن لهذا الذي يزعمون(٤). ثم ساق لنا القرآن الكريم نموذجًا للتسابق في هذا النوع من العمل التطوعي؛ فقال تعالى حكاية عن بني إسرائيل: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. فبينت الآية: اختصامهم وتنافسهم على كفالة مريم عليها السلام، حتى أنهم (٢) الذي هو: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة. انظر: الذخيرة، لشهاب الدين القرافي، ١٨٩/٩. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ١٣٠. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٢٨/٤، السراج المنير، الخطيب الشربيني ٣٩٦/٤، صفوة التفاسير، الصابوني ٤٢٣/٣. مَ نُوالَهُ النَِّيَة القرآن الكريم ٢١٦ التطوع استهموا لأجل ذلك (١)، كما سيأتي مفصلاً السلام في شأن قوم لوط حيث قال سبحانه: في موضعه من المبحث التالي بمشيئة الله ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ اَلْبُشْرَى تعالی يُحَدِّثَنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿ إِنَّ إِتَزْهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ ﴾ [هود: ٧٤ -٧٥]. وعليه: فالكفالة تعد من مجالات التطوع الاجتماعي التي أشار إليها القرآن الكريم. ٢. الشفاعة الحسنة للضعفاء وأرباب الحاجات عند أصحاب الجاه والغنى. دليلها: قوله تعالى: ﴿ مَّنْ يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةٌ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سَيِّئَةٌ يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقِيثًا ﴾ [النساء: ٨٥]. والشفاعة: هي الوساطة في إيصال خير أو دفع شر، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا، وجملة ﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾ تذييل لجملة ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً﴾ لإفادة أن الله يجازي على كل عمل بما يناسبه من حسن أو سوء، و (( المقيت)» هو: الحافظ، والرقيب، والشاهد، والمقتدر(٢). وعليه فيكون المقصود من الآية: الترغيب في التوسط في الخير والترهيب من ضده. ويدخل في هذا النوع من الشفاعة: ما حكاه الله تعالى من مجادلة إبراهيم عليه (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨/٢، روح المعاني، الآلوسي ١٥٨/٣. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٣/٥، ٠١٤٤ فإبراهيم عليه السلام جادل ربه سبحانه ﴿فِ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ أي: في عقابهم، على تقدير مضاف. ومجادلته عليه السلام قيل إنها: كانت دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم ربه العفو عن قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين (٣) منهم(٣). وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا النوع من الشفاعة: فقال فيما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (اشفعوا فلتؤجروا، ولیقض الله على لسان نبيه ما شاء) (٤). ولكن يستثنى من ذلك الحدود إذا رفعت للسلطان فلا شفاعة فيها (٥)؛ لمعاتبته صلی الله عليه وسلم أسامة بن زيد عندما شفع للمخزومية قائلًا: ( .. أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة)(٦). (٣) المصدر السابق ١٢ / ١٢٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا، رقم ٦٠٢٦، ٦٠٢٧، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم ٢٥٨٥. (٥) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ٦٦/١٢. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع للسلطان، رقم ٦٤٣٥. www. modoee.com ٢١٧ حرف التاء ٣. حفظ الوديعة. والوديعة: ما یودع من مال وغيره لدی من يحفظه، وهي من أبواب التعاون على البر والتقوى، إن علم المستأمن من نفسه قدرة على حفظها وعدم إفسادها. دليلها: قوله تعالى: ﴿﴿ وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَنُ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُوَّةِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. وإنه: وإن كانت الآية الأولى قد نزلت في شأن الدين خاصة، فالخطاب في الآية الثانية يعم كل أحد وكل أمانة (١). وعليه: فامتثال المسلم للأمر الوارد في هذه الآية الكريمة؛ وحفظه للمال، وتسليمه لصاحبه عند الطلب، دون أن یأخذ أجرًا على الحفظ؛ يعد من جملة الأعمال التطوعية. ٤. القرض الحسن. أطلق هذا المصطلح في القرآن الكريم وأريد به معنیان: الأول: ما يدفع للفقراء والمحتاجين، وفي سائر وجوه الخير، دون نية استرجاع، طلبًا لثواب الآخرة. (١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤٠٥/١. الثاني: إقراض مال ونحوه بنية إرجاع مثله. ومن جملة الآيات القرآنية التي ورد فيها هذا المصطلح قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَِفَهُ لَهُ, وَلَّهُ، أَجْرٌّ كَرِيمٌ ١١ ﴾ [الحديد: ١١]. فـ(ايقرض)) في هذه الآية يحتمل كلا المعنیین السابقین، إلا أنه یکون مجازًا على المعنى الأول: ((على تقدير مضاف، أي: يقرض عباد الله المحاويج)»(٢). لتعاليه تعالى عن ذلك، وعليه: يكون التعبير بـلايقرض)) هنا (علی سبیل التأنیس والتقریب للناس بما يفهمونه، فالله تعالى هو الغني الحميد؛ لكنه تعالی شبه إنفاق المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض)»(٣)، يعني: كما أن قضاء القرض واجب على المقترض؛ فكذلك الثواب الموعود للمنفق في سبيل الله تعالى واصل إليه لا محالة. أو كما هي عبارة الجصاص رحمه الله: ((إنما هو استدعاء إلى أعمال البر والإنفاق في سبيل الخير بألطف الكلام وأبلغه؛ وسماه قرضًا تأکیدًا لاستحقاق الثواب به؛ إذ لا يكون قرضًا إلا والعوض مستحق به)) (٤). (٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤/ ٢٥٧، (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٢/٣. (٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١/ ٥٤٧. ٢١٨ مُوسُوبَةُ النَّفِي القرآن الكريم التطوع ويكون حقيقة على المعنى الثاني: وإنما علق باسم الجلالة؛ لأن الذي یسلف الناس طمعًا في الثواب، یکون کأنه أقرض الله تعالى؛ أو لأن القرض من الإحسان الذي أمر الله تعالى به، لما فيه من توسعة على المسلم وتفريج عنه(١). ولقد رغب القرآن الكريم في هذا النوع من القروض الذي ما وصف بأنه ((حسن)) إلا لأنه لا تشوبه شائبة حرام، ولا منٍ ولا أذىّ أو نفع دنيوي مشروط يعود على المقرض، وإنما ينفقه صاحبه محتسبا طيبة به نفسه، وهذا لا يقوى عليه إلا من كمل إيمانه فآثر ما يبقى على ما يفنى. وإنما كان ذلك من التطوع الاجتماعي: لأن المنفق تطوع بإنفاق ماله طمعًا في ثواب الآخرة، هذا لو استعملنا القرض في معناه المجازي، أما لو استعملناه في معناه الحقيقي الذي هو (إقراض مال ونحوه بنية إرجاع مثله)؛ فدخوله في باب التطوع لا يحتاج إلى مزيد إيضاح؛ لأن قضاء القرض وإن كان واجبًا على المقترض؛ إلا أن المقرض بإقراضه إياه يكون قد أعانه في وقت ضيق، وفرج عنه كربة من ناحية، ویکون کالمتطوع والمتبرع بفائدة ونتاج هذا المال في مدة القرض من ناحية أخرى. (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨١/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٢/٣. ٥. الإصلاح بين المتخاصمين. وهذا المجال من أهم مجالات العمل التطوع الاجتماعي؛ فبذل الوقت والجهد والمال في سبيل الإصلاح بين المتخاصمين قربة عظيمة يحبها الله تعالى ووعد فاعلها بالأجر العظيم؛ فقال تعالى: لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحٍ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْلِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ١١٤]. فأفادت الآية: أن من يفعل ما أمر به من البر والمعروف والإصلاح بين الناس طلبًا لرضا الله تعالى لا لشيء من أغراض الدنيا؛ فإن الله تعالى سوف يعطيه ثوابًا جزيلاً وهو الجنة(٢). وبين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا العمل من أعظم القربات والطاعات؛ فقال صلى الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة)(٣). (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ /٣٦٤، صفوة التفاسير، الصابوني ١٨٨/١. (٣) أخرجه أحمد في المسند، رقم ٢٧٥٤٨، ٦/ ٤٤٤، وأبوداود في سننه، كتاب الأدب، باب إصلاح ذات البين، رقم ٤٩١٩، والترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة، رقم ٢٥٤٦. www. modoee.com ٢١٩ حرف التاء ٦. إطعام الطعام. وهو من الصفات الطيبة التي حرص الإسلام على تأصيلها في نفوس المسلمين، وترغيبهم فيها بما وعد عليها من الثواب العظيم، وبما حكاه لنا القرآن الكريم من مشاهد كرم أنبياء الله ورسله، والصالحين من عباده وإطعامهم للطعام، لا يريدون بذلك سوى الأجر العظيم من ربهم الغني الکریم. فقال تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: ﴿هَلْ أَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَيِبِنَ @) إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَّةَ بِعِجْلِ سَمِينٍ ( ٢٥ فَقَرَّبَهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٧]. والآيتان الأخيرتان هما شاهدنا في تلك القصة: ﴿فَرَاغَ إِلَ أَهْلِهِ﴾ أي: مضى إليهم في سرعة وخفية عن ضيفه؛ لأن من أدب المضيف أن يبادر بإحضار الضيافة دون أن يشعر به الضيف لئلا يمنعه﴿فَجَآء بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي: فجاءهم بعجل سمين مشوي، واختاره لهم سمينًا زيادة في إكرامهم ﴿فَقَرَُّهُ إِلَيْهِمْ﴾ وهذا أيضًا من أدب الضيافة؛ فهو لم يضعه بعيدًا ويطلب منهم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٢٥٩٥. الاقتراب، وإنما وضعه قريبًا منهم، ثم قال لهم بتلطف ولين ﴿أَلَا تَأْكُونَ﴾ على سبيل العرض والتلطف کما یقول القائل : إن أردت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل(١). كما حكى القرآن الكريم نموذجًا آخر لهذا النوع من الأعمال التطوعية الاجتماعية؛ فقال سبحانه: في شأن بعض خواص عباده الصالحين - الذين وصفهم في الآية السابقة على موضع الشاهد بأنهم ((عباد الله)) -: ﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا ٥ إِنَّ تْمِّئُكُمْ لِوَجْدِ اللَّهِلَا نُرِدُّ مِنْكُرْ جَزْلَهُ وَلَا شُكُورًا [الإنسان: ٨-٩]. أي: إنما نفعل ذلك ابتغاء مرضات ربنا سبحانه وطلب ثوابه، فلا نبغى مكافأة الناس ولا حمدهم و ثناءهم. ثم أكد النبي صلی الله عليه وسلم هذا المعنى المستفاد من الآية الكريمة؛ فقال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) (٢). ٧. التطوع بالنصيحة. وهذا باب من الدعم المعنوي للمنصوح، سواء أكان نصحه لإيصال خير إليه، أو (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /١٥٦، صفوة التفاسير، الصابوني ٢٤٤/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، رقم ١٢، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. ٢٢٠ العَرَآن الكَرِيْمِ التطوع لتحذیره من شر سینزل به، لاسيما إذا سكت باب أولى. المجموع؛ فالمتكلم حينئذ يكون كالمتطوع بالكلام، ولهذا النوع من التطوع الاجتماعي شواهده من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىّ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ لا ﴾ [القصص: ٢٠]. ٢٠ فهذا الرجل أشفق على موسى عليه السلام؛ فجاء من أبعد أطراف المدينة يشتد ويسرع في مشيه حتى انتهى إلى موسى عليه السلام؛ فبذل له النصح بالخروج لئلا يقتله فرعون وجنوده؛ وهو لم يبتغ بتلك النصيحة سوى الأجر من الله تعالى (١). ومن ذلك: ما قصه لنا القرآن الكريم من خبر النملة التي نصحت رفيقاتها بدخول بيوتهم ليسلموا من إيذاء سليمان عليه السلام وجنوده لهم بدون علم. قال تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّعْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَعْلِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَحُنُودُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ() [النمل: ١٨]. وكأن هذه الآية وهي تقص علينا تطوع هذه النملة بالنصيحة لرفيقاتها تحذرهم من شر محتمل، ترشدنا إلى أن هذا الأمر ينبغي أن یکون متأصلا في نفس بني الإنسان من (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٦٩/٥. ومما ينبغى الإشارة له هنا: أن للنصيحة جملة من الآداب، أهمها فيما يتعلق بالناصح: (الإخلاص) فينبغي على الناصح أن لا یبغي من نصحه إظهار رجاحة عقله، أو فضح المنصوح والتشهير به، وإنما يكون غرضه من النصح حب الخير للمنصوح له، وابتغاء مرضاة الله تعالى. ٨. التطوع بالإيثار. لما كان الإيثار يعني: (( تقديم الغير على النفس في النفع له، والدفع عنه))(٢) كان درجة سامية لا يقوى عليها إلا من عظمت هممهم وخلصت سرائرهم، وهانت الدنيا في أعينهم؛ فباعوها بجنة عرضها السموات والأرض. ولقد مدح الله تعالى الأنصار الذين اتخذوا المدينة منزلًا قبل المهاجرين بحبهم لإخوانهم المهاجرين ومواساتهم لهم بأموالهم؛ حيث أنزلوهم منازلهم وأشركوهم في أموالهم، وهم مع ذلك لم يجدوا في قلوبهم غيظًا ولا حسدًا، عندما قسم النبي صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير للمهاجرين دونهم؛ وإنما طابت أنفسهم بتلك القسمة. فأثنى عليهم ربهم سبحانه بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص ٥٩. www. modoee.com ٢٢١ حرف التاء مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً فالمسلم الذي لا يستطيع أن يقدم عملًا نافعًا مِّمَّا أُوتُواْ﴾ [الحشر: ٩]. بل إنهم قد بلغوا منزلة فوق تلك المنزلة؛ وهي أنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَامَةٌ﴾ [الحشر: ٩] إنهم يؤثرون إخوانهم بالمال على أنفسهم، حتى ولو کانوا في غاية الفقر؛ فإيثارهم لیس عن غنی وإنما عن حاجة وفقر، وذلك غاية الإيثار(١). التطوع بالدعاء: أعني دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب؛ وهو نوع من التطوع التلقائي؛ حين يذكر المسلم أن أخاه في ضيق أو كرب، فيلهج بالدعاء له أن يفرج الله کربه وييسر أمره؛ فيكون بذلك داعمًا لأخيه بدعائه. ولقد مدح الله تعالى من جاء بعد المهاجرين والأنصار من المؤمنين التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين بدعائهم لإخوانهم بظهر الغيب قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِلْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِىِ قُلُوُ بِنَاغِلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ زَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ثانيًا: التطوع بالترك. إن هذا النوع من التطوع ((التطوع بالترك)» يدل على سعة مفهوم التطوع في القرآن؛ (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١٢٩/٨، صفوة التفاسير، الصابوني ٣٤٥/٣. للآخرین؛ یمکنه أن يسهم بحظ ونصيب في نفعهم حين يكف شره عنهم؛ فهذا الكف يعد صدقة منه على نفسه وعلى الناس. وإنما سمينا هذا النوع من التطوع ((تطوعًا بالترك))؛ لأن المتطوع هنا لم يفعل شيئًا، وإنما ترك ما كان سيفعله من الشر؛ فصار متطوعًا بترك فعل هذا الشر. ومثال ذلك: لو أن مجموعة من الشباب تطوعوا بالمساعدة في إزالة ما يتأذى منه الناس في الطريق؛ فهذا عمل تطوعي؛ فمن لم يساهم في هذا العمل بالفعل، ولكنه امتنع عن إلقاء المهملات والقاذورات في غير الأماكن المخصصة لها، فامتناعه هذا يعد عملا تطوعيًا بالترك، لأن المجتمع أفاد من تركه لفعل هذا الشر. ويستأنس لذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه لما قال صلى الله عليه وسلم: (إرشادك ابن السبيل صدقة، وإماطتك الأذى صدقة، قالوا: يا رسول الله فمن لم يستطع ذلك؟ قال: يكف شره عن الناس؛ فإنها صدقة یتصدق بها على نفسه)(٢). ومن صور التطوع بالترك في القرآن الكريم: ١. كف الأذى عن المسلمين. (٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، ١٢٦٩٦، وقال: غريب من حديث الأعمش فلم يروه عنه إلا أبوبكر و أبو عوانة. جَوَسُولَهُ النَّهِبـ القرآن الكريم ٢٢٢ التطوع لقد توعد الله تعالى في كتابه الکریم كل من يؤذي المؤمنين والمؤمنات- ظلمًا بغير حق- فقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِنْمَا تُبِينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٨]. هذا الإيذاء الذي اختلف في كيفيته تبعًا للاختلاف في سبب نزول الآية؛ حيث قيل: نزلت في منافقین کانوا یؤذون علیًا کرم الله تعالی و جهه ویسمعونه مالا خیر فیه، وقيل: نزلت في رماة عائشة رضي الله عنها، و قيل: نزلت في زناة كانوا يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن(١). قلت: وتعدد الأقوال في سبب نزول الآية یفهم منه أن الوعيد الوارد فيها يلحق كل من يؤذي المؤمنين بأي نوع من الإيذاء. ويستأنس لذلك بقول الألوسي رحمه الله: ((والظاهر عموم الآية لكل ما ذكر ولكل ما سيأتي من أراجيف المرجفين» (٢). فإذا كانت: الآية السابقة قد توعدت كل من يؤذي المؤمنين- ظلمًا بغير حق- فيكون: كف الأذى عنهم يتضمن نفعهم بوجه من الوجوه، ويكون فاعله أهلًا لنيل رضا الله سبحانه وتعالى وثوابه العظيم؛ (١) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٨٨/٢٢. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٨٨/٢٢، التفسير الواضح، محمود حجازي، ٢٠٦٧/١. لكف أذاه عن المسلمين ولتصدقه على نفسه بهذا الترك؛ لحديثه صلى الله عليه وسلم المشار إليه آنفا (يكف شره عن الناس؛ فإنها صدقة يتصدق بها على نفسه) (١)، وفي ٣) رواية البخاري: (فيمسك عن الشر فإنه له صدقة) (٤). وإذا كان: من يؤذي المؤمنين والمؤمنات یوجب لنفسه العذاب الأليم بما احتمله من الذنب العظيم المعبر عنه بالبهتان في قوله تعالى ﴿أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا﴾ أي: ذنبًا شنيعًا، وكذبًا فظيعًا﴿وَإِنْمَّا قُّبِينًا﴾ أي: ظاهرًا بينًا واضحًا بسبب إيذائهم للمؤمنين. فيكون: من يكف الأذى عن المسلمين أهلًا للثواب والأجر العظيم؛ ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس)(٥). (٣) سبق تخريجه . (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة، رقم ٥٦٩٩. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب فضلّ إزالة الأذى عن الطريق، رقم ٤٨٧٤، عن أبي هريرة رضي الله عنه. www. modoee.com ٢٢٣ حرف التاء الواجبة. مثل: دية القتل الخطأ، ونصف المهر للمطلقة قبل الدخول، والتجاوز عن المدين المعسر، ونحو ذلك: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ: إِلَّ أَن يَصَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢]. يعني: إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل فيعفون عنه بلا دية؛ فالعفو عن الدية هنا: يعد تطوعًا بالترك؛ لأن صاحب الحق أسقط حقًا کان واجبًا له. مع ملاحظة: أن الدية حق موروث لجميع ورثة المقتول كسائر الأموال، فيجري عليها ما يجري على الترکة؛ وعليه: فلا يجوز لولي الصغير العفو عن الدية؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه (١). وفي العفو عن نصف المهر الواجب للمطلقة قبل الدخول يقول تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ ◌َنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ أُلِنِّكَاحُ وَأَنْ تَعْفُّواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُُّ )﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فالمخاطب بـ ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ ﴾ هي (١) المغني، ابن قدامة ٩/ ٤٧٦. ٢. التنازل عن الحقوق المالية المطلقة، أو وليها، يعني: يعفون عن نصف المهر فيتركونه للزوج. ﴿أَوْ يَعْقُوْلَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني: الزوج يعفو فيكمل لها الصداق ويعطيها المهر كله؛ كما روي أن جبير بن مطعم رضي الله عنه تزوج وطلق قبل الدخول؛ فأكمل الصداق، وقال: أنا أحق بالعفو(٢). ٣. العفو عن المسيء. وهو خلق كريم يحتاج إلى همة عالية، ومزيد من مجاهدة الإنسان لنفسه؛ وإنما كان (تطوعًا بالترك) لأن صاحب الحق لما ترك حقه والانتصار لنفسه ابتغاء الأجر من الله تعالى، كان كالمتطوع بهذا الترك. وعندما نستقرئ آيات القرآن الكريم نجده قد رغب في هذا الخلق الكريم في غير آیة من آیاته الكريمة، منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُّواْ أُوْلِي اَلْقُرْبَ وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوَأْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣)﴾ [النور: ٢٢]. فهذه الآية: نزلت في الصديق رضي الله عنه حین حلف ألا ینفع ابن خالته مسطح بن أثاثة بنفع، بعدما خاض مع أهل الإفك في شأن عائشة رضي الله عنها؛ فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، شرع تبارك وتعالى (٢) البحر المحيط، أبو حيان، ٢٤٥/٢ مُوسوبر البقية القرآن الكريم ٢٢٤ التطوع يعطف الصديق على قريبه مسطح؛ فلما نزلت هذه الآية وفيها ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال الصديق: بلى، والله إنا نحب - يا ربنا - أن تغفر لنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة (١). * وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ وقوله تعالى: مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ١) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السََّآءِ ١٣٣ أعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ [آل النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ()﴾ عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. فِ﴿ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْظَ﴾ هم الذين إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم؛ فلا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، وإنما يكظمون غيظهم، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم بإساءته ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ تشمل: العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع مسامحة المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بمكارم الأخلاق، وتاجر مع الخلاق سبحانه، فعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، لیعفو الله عنه، ویکون أجره على ربه، لا على العبد الفقير، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠](٢). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣١/٦. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص وقوله تعالى في وصف عباده المؤمنين ﴿وَ إِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. يعني: أن خلقهم وطبعهم يقتضي الصفح والعفو عن الناس؛ فإذا غضبوا على أحد ممن اعتدی علیھم عفوا وصفحوا(٣). بل رغب القرآن الكريم في العفو عن الجاني الذي استوجب الحد فقال ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِهَا أَنَّ النَّفْسَ تعالى: بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَأَلْسِنَّ بِلْسِنِّ وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهَّ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَيْكَ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] يعني: من هـ تصدق من أصحاب الحق وعفا فهو كفارة له أي: للمتصدق؛ لعفوه وإسقاطه حقه (٤). له سبحانه: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيْئَّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ التََّالِمِينَ ﴾ [الشورى: ٤٠]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو ﴿فَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ﴾ أي فإن الله يأجره على ذلك(٥). ١٤٨. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢١٠، صفوة التفاسير، الصابوني، ١٢٩/٣. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٦٩/١٠، صفوة التفاسير، الصابوني، ٢٤٤/١. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤١/١٦. www. modoee.com ٢٢٥ حرف التاء وقال السعدي: ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم؛ فمرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، ومرتبة الفضل: العفو عن المسيء، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ﴾﴾ يجزيه أجرًا عظيمًا، وثوابًا كثيرًا، وأما مرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ أَلَّكِلِمِينَ﴾ الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنایته، فالزیادة ظلم(١). وقد زاد النبي صلی الله عليه وسلم هذا الخلق تأصيلاً في نفوس المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)(٢). فـ(عزّا) في قوله: (ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزّا) تحتمل عز الدنيا وعز الآخرة. أما عز الدنيا: فبأن يعظم شأنه في قلوب الناس ويزيد عزه، وأما عز الآخرة: فبأن يكون أجره على عفوه في الآخرة وعزته هناك (٣). (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٦٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، رقم ٤٨١٧. (٣) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض، ٨/ ٥٩. نماذج قرآنية للتطوع الاجتماعي عندما نستقرئ آيات القصص القرآني نجدها تقدم لنا نماذج واضحة لبعض الأعمال التطوعية ما بين أعمال تطوعية جماعية، وأخرى فردية، والتي سنلخص الحديث عنها في النقاط الآتية: أولًا: التطوع الفردي: ويعرف كذلك بـ((التطوع التلقائي))؛ لأنه غالباً ما يكون: فردي الأداء، عفوي التوجه، تلقائيًا -أي: وليد ساعته- يأتي استجابة لظرف طارئ، ويصدر بنازع النخوة والشهامة، والفطرة السليمة، كإنقاذ غريق، أو نحو ذلك (٤). ومن نماذج هذا النوع من التطوع في القرآن الكريم: ١. كفالة زكريا لمريم عليهما السلام. سبق وأن بينا أننا نعني بالكفالة هنا المعنى اللغوي الأعم من معناها الذي اصطلح عليه الفقهاء(٥)؛ ليدخل فيها: كفالة ورعاية اليتيم والمعوز والمحتاج. (٤) انظر: مشكلة العمل التطوعي بين الانتهازية والوجاهة الاجتماعية، فايز الشهري، ص٣. (٥) الذي هو: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة. انظر: الذخيرة، لشهاب الدين القرافي، ١٨٩/٩. مَوَسُو ◌َة النفسي القرآن الكريم ٢٢٦ التطوع وقد ساق لنا القرآن الكريم نموذجًا وَأُخَرَ يَاِسَتِ يَأَتُهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُّیَنِىَ إِن للتسابق في هذا النوع من التطوع كُنتُمْ لِلْزُّهِيَا تَعْبُرُونَ ﴾ قَالُواْ أَضْغَاتُ أَعْلَمٍ وَمَا تَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِى الاجتماعي؛ فقال تعالى حكاية عن زکریا وقومه في شأن كفالة مريم وأيهم أولى بذلك؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. ◌َا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِثُكُم بِتَأْوِيلِ. فَأَرْسِلُونِ ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُتْبُّكَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتِ لَعَلَّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَآبَا فَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا نَأَكُونَ ، ثُمَ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَاءٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُمْصِنُونَ ) ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامُّ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٥)﴾ [يوسف: ٤٣ -٤٩]. يعني: أنك لم تکن حاضرًا یا محمد حین اجتمع زکریا وقومه واقترعوا في شأن مريم؛ لينظروا أيهم يكفلها ويضمها إليه، واختصموا في أمرها؛ فالآية الكريمة وإن كانت قد سيقت - في المقام الأول: شاهدًا وبرهانًا على صدق ما جاء به رسول الله صلی الله عليه وسلم، إلا أنها بينت كذلك: اختصامهم وتنافسهم على كفالة مريم عليها السلام، حتى أنهم استهموا لأجل ذلك، غير أن الله تعالى قد خص زكريا عليه السلام بتلك المهمة العظيمة؛ فجعله كافلًا لمريم، وقائمًا على شؤونها (١)، كما قال ربنا عز وجل: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًّا حَسَنَّا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ٢. تطوع يوسف عليه السلام بتفسير رؤیا الملك دون أن یشترط لنفسه شيئًا. . ﴿وَقَالَ اَلْمَلِكُ إِنَّأَرَى سَبْعَ بَقَرَتِ سِمَاٍ يَأْكُلُهُنَّسَبْعُ عِجَانٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَتٍ خُضْرِ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨/٢، روح المعاني، الألوسي، ١٥٨/٣. وسأكتفي هنا ببيان شاهد موضوعنا في الآيات السابقة(٢)؛ فأقول مستعيناً بالله تعالى: إن الإجابة السريعة من يوسف عليه السلام تشهد لكرم نفسه ونبل أخلاقه؛ فتأويله لرؤيا الملك دون أن يفكر في استغلال الموقف لصالحه، أو يعاتب الساقي على نسيانه ذكر قصته وصفته وأمانته عند الملك عسى أن يخلصه مما يعانيه؛ حيث قال له من قبل ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. أقول: لم يشتغل يوسف عليه السلام بهذا ولا بذاك؛ لما علم من الرؤيا أن البلاد (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ١٩٩٢ - ٠١٩٩٥ www. modoee.com ٢٢٧ حرف التاء مقبلة على خطر عظيم ومجاعة محققة؛ إن لم يستعدوا لذلك بالعمل في الرخاء لأيام البلاء، ويستعينوا بسعتهم على ضيقهم، ولكن من ذا الذي سیفهمهم ذلك ويدلهم عليه، إنه الصديق الذي علمه ربه تأويل الأحاديث؛ فبادر بتأويل الرؤيا؛ تلك المبادرة التي تفهم من نظم الآيات وسياقها .. أَعَلِّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (١٦) قَالَ تَزْرَعُونَ ... ﴾ هكذا دون أن يفكر في جني منفعة لنفسه، وإنما فكر في الصالح العام؛ فلم يشترط الخروج أو مقابلة الملك لكي يعبر الرؤيا؛ بل إنه لكرم نفسه ومروءته ونخوته قرن لهم تعبير الرؤيا بفوائد ونصائح تفيدهم في محنتهم القادمة؛ وأرشدهم إلى كيفية التصرف السليم حيالها. نعم: إنها أخلاق الأنبياء بشهامتهم ومروءتهم وكرم أنفسهم؛ فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ٣. تطوع موسى عليه السلام بمساعدة الضعيف ونصرة المظلوم. قال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَ حِينٍ فَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوٍِّ فَاسْتَغَنَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهٌ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَُّ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) قَالَ رَبٍّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُمَّ إِنَهُ. هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [القصص: ١٥- ١٦]. تقص علينا الآيات قصة دخول موسى عليه السلام مصر في وقت لم يعتد أهلها دخوله فيه؛ فوجد فيها رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته (بني إسرائيل) والآخر من قبط مصر المخالفين له في الدين؛ فاستغاث الإسرائيلي بموسى عليه السلام وطلب منه أن يعينه على القبطي؛ الذي يظلمه؟-(( فقد روي أنه كان خبازًا وأراد أن يجبر الإسرائيلي على حمل حطب له؛ فأبى الإسرائيلي فضربه))(١)-فضرب موسى القبطي بكفه فقتله؛ فقال موسى عليه السلام: هذا من عمل الشيطان؛ ((لأنه أغضبه فبالغ في شدة الوكز، أو لأن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان كلها))(٢)، وسماه ظلمًا، واستغفر منه جريًا على سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم ولو كان من محقرات الصغائر(٣). ٤. تطوع موسى عليه السلام بالسقيا للفتاتين. قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَاتٍ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَّ يُصْدِرَ الرِّعَلَةُ وَأَبُوْنَا شَمْحُ كَبِيرٌ ) (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٩/ ٥٩. (٢) المصدر السابق، ٩/ ٥٩. (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ٦. ٢٢٨ جَوَسُولَهُ النَّفْسِدِ القرآن الكريم التطوع فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الْظِلِ فَقَالَ رَبٍّ إِ لِمَّآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص: ٢٣- ٢٤]. لقد خرج موسى عليه السلام من مصر، فانتهى به السفر الشاق الطويل إلى ماء لمدین، وصل إليه وهو مجهود مكدود؛ فبينا هو على تلك الحالة إذا به يطلع على مشهد لم تسترح إليه نفسه ذات المروءة والفطرة السليمة؛ فماذا رأى؟ رأى جماعة من الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء، ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء، فأنكرت فطرته السليمة هذا الأمر؛ فالأولى عند ذوي المروءة أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولًا، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما.؛ فلم يقعد موسى ليستريح من تعبه وهو يشاهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف. وتقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب قائلًا: ﴿مَاخَطُكُمَا﴾ فأطلعتاه على سبب انزوائهما وذودهما لغنمهما عن ورود الماء وأجابتا قائلتين ﴿لَا نَسْقِى حَقَّ يُصْدِرَ الزِّهَاءُ وَأَبُونَاشَيْخُ كَبِيرٌ﴾. إنه الضعف، فهما امرأتان وهؤلاء الرعاة رجال، وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال!، فثارت نخوة موسى- عليه السلام- وفطرته السليمة، وتقدم ليسقي للمرأتین - وهو غريب في أرض لا يعرف فيها أحدًا، ولا يعرفه أحد ﴿ فَسَقَىلَهُمَا﴾ مما يشهد بشهامته ومروءته ونبل نفسه التي صنعت على عين الله. ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الْظِّلِ﴾ مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظ وحر ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِ لِمَا أَنزَلْتَ إِلَّ مِنْ خیرِفَقِيرٌ﴾ أي: یا رب إني فقیر إلی فضلك وإحسانك (١). وشاهدنا في هذه القصة: هو أنه عليه السلام تطوع فسقى للفتاتين بدون أجر، وهو الذي کان في أمس الحاجة إلى الأجر في ذلك الوقت؛ لما روي أنه مكث سبعة أيام لا يأكل إلا بقل الأرض (٢). ولما دعاه الرجل الصالح ليطعمه جزاء سقايته لابنتيه(٣)، دخل موسى عليه السلام عليه فإذا هو بالعشاء؛ فقال له الرجل الصالح: كل؛ فقال موسى عليه السلام: أعوذ بالله! قال: ولم؟ ! ألست بجائع؟ قال: بلی، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضًا لما سقيت لهما؛ وأنا من أهل بيت لا نبتغي شيئًا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبًا؛ فقال: (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٦٨٥/٥ - ٠٢٦٨٨ (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، ٩/ ٢٩٦١، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٤/ ٢٤٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٦٩/١. (٣) ورد ذلك في رواية لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، ٩/ ٢٩٦٥ الرواية رقم ١٦٨٣٥. www. modoee.com ٢٢٩ حرف التاء لا والله ولكن عادتي وعادة آبائي أن نقري الضيف ونطعم الطعام؛ فجلس موسى عليه السلام فأكل(١). نعم، إنهم صفوة خلق الله، صنعهم الله تعالى على عينه؛ فكانوا القدوة والمثل لمن يريد لنفسه المثل الأعلى في الشهامة والنخوة والمروءة، وكل الخصال الكريمة، والشمائل الحميدة. ثانيًا: التطوع الجماعي: ويعرف كذلك بالتطوع ((المنظم))؛ لأنه لا يأتي استجابة لظرف طارئ؛ بل يأتي نتيجة الإيمان بفكرة أو قضية ما؛ ومن ثم الدعوة لهذه الفكرة وتلك القضية (٢). ومن أهم خصائص هذا النوع من التطوع: التنظيم، والقناعة، والإيمان المسبق برسالة أو فكرة أو قضية (٣). ومن أمثلته في القرآن الكريم: ١. تطوع الخضر ببناء الجدار. قال تعالى حكاية عن موسى والخضر عليهما السلام: ﴿فَأَنْطَلَقًا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ قَالَ لَوْ (١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٦/ ٤٠٧. (٢) انظر: مشكلة العمل التطوعي بين الانتهازية والوجاهة الاجتماعية، فايز الشهري، ص٤. (٣) التطوع، يوسف العثيمين، ص ٥، ورشة عمل: إدارة التطوع، مركز دراسات وبرامج التنمية البديلة، ص ١٠. شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ [الكهف: ٧٧]. فهذه الآية: تحكي طرفًا من قصة موسى مع الخضر عليهما السلام؛ حيث كان الجوع قد بلغ منهما مبلغًا؛ فطلبا طعامًا من أهل قرية دخلوها؛ فلم يطعموهما؛ فقد كانوا بخلاء، لا يطعمون جائعًا، ولا يستضيفون ضيفًا، وبينا هما كذلك وجدا جدارًا مائلاً يكاد ينهدم؛ فاشتغل الخضر بإقامة الجدار دون مقابل !!! وهنا تعجب موسى من موقف الرجل؛ ما الذي يدفعه لإقامة جدار یھم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان؛ أفلا أقل من أن يصب عليه أجرًا يأكلان منه؟ فقال له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٤). وهذا الموضع من الآية الكريمة هو شاهدنا في هذه القصة: فالجدار الذي أقامه الخضر كان يغيب وراءه مالًا لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة؛ فلو ترك الجدار ينقض لظهر من تحته المال ولم يستطع الصغيران أن يدفعا عنه؛ فحفظ لهما بذلك مالهما، وهو في ذلك: لم يأخذ أجرًا على إقامته للجدار، ولم ينتظره؛ وإنما حسبه رضا ربه سبحانه؛ فهو وحده الذي ينتظر منه الأجر. وإنما أدرجنا هذا النموذج تحت (العمل (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٢٨٠،٢٢٨١/٤. جَوَسُولَة النَّ القرآن الكريم ٢٣٠ التطوع التطوعي الجماعي) مع أن الآية تسند بناء لهم سدًا يقيهم شر يأجوج ومأجوج الذين يغيرون عليهم من ذلك الممر، وذلك في مقابل جزء من المال يجمعونه له من بينهم كخراج أو ضريبة؛ فقالوا له: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُ سَنَّا﴾))(١). الجدار للخضر وحده؛ لأنه يبعد أن يشتغل الخضر بإقامة الجدار ویتر که موسی بلا عون أو مساعدة؛ فإن هذا أبعدما يكون عن أخلاق ذوي المروءة والنخوة من عامة الناس فضلًا عن أنبياء الله ورسله؛ وإنما أسند الفعل إلى الخضر وحده في الآية؛ لأنه البادئ بالفعل أو الآمر به. ٢. تطوع ذي القرنين ببناء السد. قال تعالى حكاية عن ذي القرنين: وحَقَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلً ﴾ قَالُواْ يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ سَدَّا قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِى خَيْرٌ فَأَعِيِنُونِيِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَيَتْنَهُمْ رَدْمًا ءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفِّينِ ٩٥ قَالَ أَنفُخُواْ حَقََّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونيّ أُفْرِعُ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا ﴾ [الكهف: ٩٣ -٩٧]. أَسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا وسأقصد هنا أيضًا إلى موضع الشاهد في القصة قصدًا: فأقول مستعيناً بالله تعالى: ((إن كل ما يؤخذ من النص أن ذا القرنين وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين أو صناعيين، يفصلهما ممر؛ فوجد هنالك قومًا ﴿لََّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾؛ لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم، فلما وجدوه فاتحًا قويًا، وتوسموا فيه الصلاح؛ عرضوا عليه أن يبني ولكن تبعًا لمنهج أهل الصلاح الذين تخلقوا بأخلاق الأنبياء، رد عليهم الملك الصالح الفاتح عرضهم الذي عرضوه من المال، وتطوع لهم بإقامة السد بلا مقابل؛ لأنه يعلم علم الیقین أن خراج ربه سبحانه خير من خراجهم؛ فربه وخالقه ومليكه خير الرازقين، بل قد رأى بعين اليقين أن ما آتاه الله في الدنيا خير مما آتاهم؛ فكان قوله كقول سليمان عليه السلام: ﴿أَثُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِهَ اَللَّهُ خَيْرٌ مِّمَآ ءَاتَنَّكُمْ﴾ [النمل: ٣٦]. ثم شرع في تنظيم العمل وتوزيع الأدوار: ((فرأى أن أيسر طريقة لإقامة السد هي ردم الممر الذي بين الحاجزين؛ فطلب منهم أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية ﴿فَأَعِينُونى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٥ ◌َاتُونِ زُبَرٌ اٌلْحَدِيدِ﴾ فجمعوا له قطع الحديد، وكومها في الفتحة بين الحاجزين، فأصبحا كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما ﴿حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ وأصبح الركام بمساواة القمتين ﴿قَالَ أَنفُخُواْ﴾ على النار لتسخين (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٤٤/٥، في ظلال القرآن، سيد قطب، ٠٢٢٩٢/٤ www. modoee.com ٢٣١ حرف التاء الحديد ﴿حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارً﴾ كله لشدة حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاص فيء بني النضير توهجه واحمراره ﴿قَالَ ءَانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي نحاسًا مذابًا يتخلل الحديد، ويختلط به فيزيده صلابة.، وبذلك التحم الحاجزان، وأغلق الطريق على يأجوج ﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ ومأجوج فيتسوروه ﴿وَمَا أُسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا﴾ فينفذوا منه))(١). بالمهاجرين وحدهم؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قسمه على المهاجرين؛ إذ لم يكن لهم أموال، ولم يعط منه الأنصار إلا ثلاثة نفر لشدة حاجتهم، وهم: أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة-وكل ذلك تصرف باجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وإنما أدرجنا هذا النموذج تحت (العمل الجماعي)؛ لما فيه من تنظيم وتوزيع للأدوار على فريق العمل، وتلك سمة من أهم سمات العمل الجماعي المنظم، كما أشرنا من قبل. لأن الله جعل تلك الأموال له - ولم یکن في نفوس الأنصار شيء من حسد أو غيظ لإخوانهم المهاجرين بسبب اختصاصهم بذلك الفيء؛ وليس ذلك فحسب؛ بل إنهم ضربوا أعظم الأمثلة للتضحية والإيثار، حین ٣. تطوع الأنصار للمهاجرين بالمال والسكن، وإيثارهم لهم على أنفسهم. آثروا إخوانهم المهاجرين وقدموهم على أنفسهم وأبنائهم في كل شيء من أسباب المعاش (٢). ذلك النموذج المشرق الذي سطره لنا القرآن الكريم بحروف من نور في معرض مدحه سبحانه للأنصار بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩]. فالآية مستأنفة؛ لمدح الأنصار بخصال (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٢٩٣/٤ - ٢٢٩٤. موضوعات ذات صلة: الإحسان، البر، الخير، العطاء (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٢٨/٨، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٨ / ٦٢. ٢٣٢ صَوَسُورُ النَّقِ القرآن الكريم