النص المفهرس

صفحات 21-40

التسبح
[الأنبياء: ٧٩].
٢. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا دعاءه، وبشره بالولد على لسان الملائكة،
وحينها طلب زكريا من ربه أن يجعل له
فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ، وَالطَّيْرٌ وَأَلَنَّا لَهُ
اْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠].
علامة يستدل بها على حصول الولد، فجعل
الله عز وجل له علامة ذلك أن ينحبس لسانه
٣. وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَبْدِّ
إِنَّهُ، أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَدُ, يُسَبِّحْنَ
بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ) وَاُلَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُو
عن الكلام مع الناس من غير آفة أو مرض،
فلا يستطيع النطق إلا رمزًا وإشارة.
١٩﴾ [ص: ١٧ - ١٩].
أَوَابُ {
فهذه الآيات الثلاث بينت تسبيح نبي الله
سبح الله تعالى وأثنی علیه، سبحت بتسبيحه
الجبال والطير، وجاوبته بالذكر والثناء على
الله تبارك وتعالى (١).
وقد ذكر المفسرون أن الله عز وجل منح
نبيه داود عليه السلام من الصوت الحسن
العظیم، الذي کان إذا سبح به تسبح معه
الجبال الراسيات الصم الشامخات، وتقف
له الطيور السارحات والغاديات والرائحات،
وتجاوبه بأنواع اللغات، تسبيحًا معه لله رب
العالمين(٢).
رابعًا: تسبيح زكريا عليه السلام.
ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه زكريا
عليه السلام، وجاء ذلك في سياق ذکر قصته
عليه السلام حينما طلب من الله عز وجل أن
(١) انظر: تفسير السمرقندي ٤٣٤/٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٩/١١.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٦١/١١.
يهب له ذرية طيبة، فاستجاب الله عز وجل
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل لَّيَ ءَايَةٌ
قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ
داود عليه السلام، حيث كان عليه السلام إذا إِلََّّ رَمْزًا وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَيْحْ بِالْعَشِّ
وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١].
ولقد أمره الله عز وجل بكثرة التسبيح
والذكر في هذه الحال، فرغم أن لسانه في
هذه الحال ممنوع من كلام الناس؛ إلا أنه
لم يكن ممنوعًا من التسبيح والتهليل وذكر
الله عز وجل، فعكف زكريا عليه السلام
في محرابه وقد اطمأن قلبه، واستبشر
بهذه البشارة العظيمة، وامتثل أمر الله عز
وجل له بكثرة الذكر، والتسبيح، والصلاة
والعبادة(٣).
ولم يكتف زكريا بأن يسبح وحده لله
عز وجل؛ بل خرج على قومه وأمرهم
- بالإشارة- بتسبيح الله عز وجل؛ مزيدًا من
شكر الله عز وجل على ما بشر به من نعمة
الولد (٤)، قال تعالى عن نبيه زكريا: ﴿ قَالَ
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٩٠.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٠/٩.
www. modoee.com
٧٣

حرف التاء
رَبِّ أَجْعَل ◌ِّيَ ءَايَةٌ قَالَ ءَابَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ
النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّاَ لَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ.
مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً
وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١٠ - ١١].
وفي هذا بیان لعظم تسبيح نبي الله زكريا
عليه السلام لربه عز وجل، وفيه بيان أن
التسبيح من أجل العبادات التي يشكر بها به (٢).
العبد ربه عز وجل على ما أولاه من نعم.
خامسًا: تسبيح عيسى عليه السلام.
ورد في القرآن الكريم تسبيح عبد الله
ورسوله عیسی علیه السلام لربه عز وجل،
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى
أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَبْنِ
مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَّكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ
مَا لَيْسَ لِ بِحَقٍ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ
مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ
اٌلْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦].
ویکون هذا يوم القيامة، یوم یجمع الله
الرسل ويسألهم ماذا أجبتم؟ ويسأل عيسى
بمفرده توبيخًا للنصارى -الذين اتخذوه
إلهًا - على شركهم، فيقول الله عز وجل هذا
لعيسى عليه السلام، فيتبرأ عليه السلام من
شركهم ومن مقولتهم الكفرية، وينزه الله عز
وجل عن ذلك بالتسبيح له سبحانه(١).
لقد بدأ عیسی علیه السلام كلامه مع رب
العزة سبحانه بالتسبيح -قبل أن يبرأ نفسه-
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٣٢.
تنزيها له سبحانه عما افتراه المفترون،
وتعظيمًا له وإجلالا، وثناءً عليه، وخضوعًا
له وخوفًا منه، وهذا التسبيح من عيسى
عز وجل متضمن لبراءته من أن يكون قال
للناس شيئًا من ذلك؛ لأنه إذا كان قد نزه الله
عز وجل عن ذلك فلاجرم أنه لم يأمر أحدًا
سادسًا: تسبيح النبي محمد صلى
الله عليه وسلم.
محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء
والمرسلين وسيدهم، وهو أعظم من نزه الله
وسبحه من الخلائق، ولقد ورد في کتاب
الله عز وجل کثیر من الآيات التي جاء فيها
ذکر تسبيح النبي صلى الله عليه وسلم (٣).
والملاحظ أنه في كل هذه الآيات كان
الأمر موجهًا للنبي صلى الله عليه وسلم
بتسبيح ربه عز وجل، ويتأمل هذه الآيات
نقف على بعض الحقائق المستفادة من
تسبيح النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك
فيما يأتي:
١. جميع الآيات التي ورد فيها أمر النبي
صلى الله عليه وسلم بالتسبيح هي آيات
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٣/٧.
(٣) من هذه الآيات: الحجر: ٩٨، طه: ١٣٠،
الفرقان: ٥٨، غافر: ٥٥، ق: ٣٩ -٤٠،
الواقعة: ٩٦، الإنسان: ٢٦، الأعلى: ١،
النصر: ٦.
٧٤
القرآن الكريم

التسبح
مكية، ما عدا آية سورة الإنسان (١)،
وآية سور النصر.
٢. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمداومة
التسبيح؛ في الليل والنهار. قال تعالى:
﴿وَسَبِحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوجِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ
النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]. وقال
سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ
وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [غافر: ٥٥]. وقـ
وجل: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) وَمِنَ أَلَّيْلِ
فَسَبِّحَهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠].
وفي ذلك بيان لعظيم عبادة التسبيح
عند الله عز وجل، وحثٌ للمؤمنين
بمداومة التسبيح لربهم سبحانه.
٣. كثيرًا ما يقرن الأمر بالتسبيح مع الأمر
بالصبر، كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا
يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ
فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠].
وقوله: ﴿وَأَصِْرْ لِحُكْمِ رَئِكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُِّنَا
وَسَبِّعْ بِحَمْدٍ رَيِّكَ حِينَ نَقُومُ (٨) وَمِنَ الَّلِ
فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩].
ويفهم من ذلك أن التسبيح معینٌ على
(١) سورة الإنسان مدنية عند جمهور المفسرين،
ومکیة عند بعضهم.
انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤٢٧/٨،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٨/١٩.
الصبر، وأن في ملازمة التسبيح كشفًا
للضيق، وتسلية عند الشدائد، ولعل
ذلك مفسرٌ لكثرة ورود الأمر بالتسبيح
في القرآن المكي، حيث كان النبي
صلى الله عليه وسلم يتعرض في
مكة لأذي المشركين، وقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم (إذا حزبه أمر
صلى)(٢). والصلاة فيها تسبيح لله
تعالى بالقول والفعل.
٤. قرن الله عز وجل الأمر بالتسبيح
مع الأمر بالتوكل عليه سبحانه. قال
تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ
وَسَبِّحْ بِحَمْدِيٍ وَكَفَى ◌ِهِ، بِذُنُبِ عِبَادِهِ.
خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]. وفي ذلك بيان
أن التسبيح فيه العون الكبير للعبد على
الثبات والصبر(٣).
٥. التسبيح شكر لله عز وجل على نعمه
العظيمة. قال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ
اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ وَرَأَيْنَ النَّاسَ
يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اَللَّهِ أَفْوَابًا فَسَيِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاُسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ
تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]. فلقد أمر
(٢) ورد ذلك في حديث حذيفة رضي الله عنه
الذي أخرجه أبو داود في سننه، كتاب التطوع،
باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من
الليل، رقم ١،١٣٢١ /٥٠٧.
والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي
داود ١/ ٢٤٥، رقم ١١٧١.
(٣) انظر: الوسيط، طنطاوي ٢١٣/١٠.
www. modoee.com
٧٥

حرف التاء
الله عز وجل نبيه صلی الله عليه وسلم
بمداومة التسبيح والتحميد لله عز وجل
مع مداومة الاستغفار؛ شكرًا له سبحانه
على نعمة النصر والفتح المبين، قال
الدكتور وهبة الزحيلي: ((أمر الله
تعالى بالتسبيح أولًا: ثم بالحمد ثم
بالاستغفار؛ لأنه قدم الاشتغال بما يلزم
للخالق وهو التسبيح والتحميد على
الاشتغال بالنفس، والسورة تدل على
فضل التسبيح والتحميد، حیث جعل
كافيًا في أداء ما وجب على النبي صلى
الله عليه وسلم وأمته من شكر نعمة
النصر والفتح)»(١).
ثالثًا: تسبيح المؤمنين:
تسبيح الله عز وجل من هدي أصفياء
الله المرسلين، ودأب عباد الله المؤمنين،
وشغل أوليائه المتقين، وقد ذكر الله عز
وجل في كتابه تسبيح عباده المؤمنين له
سبحانه، وذلك في عدد من الآيات التي
مدحت المسبحين، والتي أمرت المؤمنين
بالمداومة على التسبيح.
أولًا: مدح المسبحين من المؤمنين:
جاءت عدة آیات في کتاب الله عز وجل
تمدح المؤمنين الذين يسبحون الله عز
وجل.
وأول هذه الآيات -من حيث ترتیب
المصحف الشريف- قول الله عز وجل:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
ففي هاتين الآيتين أخبر الله عز وجل
عن آياته العظيمة، ودلائل قدرته الباهرة؛
من خلق السماوات والأرض، واختلاف
الليل والنهار، وما في ذلك كله من آيات
عجيبة، تبهر الناظرين، وتقنع المتفكرين،
وتجذب أفئدة الصادقين، ففي هذا الكون
من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة،
ويديع الصنع، ولطائف الفعل، والمنافع
للخلق، ما يدل على عظمة خالقه، وعظمة
سلطانه، وشمول قدرته، وعظیم حکمته،
وسعة رحمته، وعموم فضله، وشمول بره،
(٢).
ووجوب شكره(١
هذه الآيات التي بثها الله عز وجل
في السماوات والأرض إنما يعقلها أولوا
الألباب والنهى، الذين استنارت قلوبهم
بنور الإيمان، فأبصرت حقيقة الأشياء،
إنهم المؤمنون الموقنون، الذين يتفكرون
(١) التفسير المنير ٣٠/ ٤٥٢.
مُوسُو ◌َر النفسية الوضوي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٦١.
٧٦

التسبح
في خلق الله عز وجل، ويقفون على آياته؛ وسلم أن يقول للكفار المكذبين بالقرآن
الكريم: ﴿مَامِنُواْ بِدِ: أَوْلَا تُؤْمِنُواْ﴾، وهذا على
وجه التبكيت لهم والتهديد، لا على وجه
التخيير.
فيزيدهم ذلك إيمانًا على إيمانهم، فتخشع
قلوبهم، وتنشط ألسنتهم بذكر ربهم
وتسبيحه في كل أحوالهم، ويديمون التفكر
والمعنى: سواء آمنتم بالقرآن أم لم
تؤمنوا، فهو حق في نفسه، أنزله الله
عز وجل، وإن إيمانكم لا يزيده كمالًا،
وتكذییکم به لا يلحق به نقصًا.
والنظر في عظيم خلق الله عز وجل، ولسان
حالهم ومقالهم يقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا
بَطِلًا سُبْحَلَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، أي: لم
تخلق يا ربنا هذا الخلق عبئًا ولا لعبًا، ولم
تخلقه إلا لأمر عظيم؛ من ثواب وعقاب
ومحاسبة ومجازاة، فأنت سبحانك منزه
عن اللعب والعبث، ومنزه عن کل نقص أو
عیب، لا يكون خلقك إلا لحكم عظيمةٍ (١).
لقد مدح الله عز وجل المؤمنين
المتفكرين في آياته، المسبحين له على
الدوام، الذين دفعهم تفكرهم وتسبيحهم
إلى الرغبة في ثواب ربهم عز وجل، والنجاة
من عذابه ﴿سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَالنَّارِ﴾.
والموضع الثاني الذي مدح فيه الله عز
وجل عباده المؤمنين المسبحين هو قوله
تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بَِّ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ، إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ
أَوَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا
(١٠٧
سُجَّدًا
لَمَفْعُولًا ﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨].
ففي هاتين الآيتين يخبر الله عز وجل
عن تسبيح مؤمني أهل الكتاب، وابتدأ الله
عز وجل في فيهما بأمر النبي صلى الله عليه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧٦/٧.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾، أي: إن العلماء الذين
أوتوا الكتب السابقة من قبل القرآن، وعرفوا
حقيقة الوحي من مؤمني أهل الكتاب
إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون سجدًا
تعظیمًا له وتکریمًا، وعلمًا منهم بأنه من عند
الله عز وجل(٢).
ثم ذكر الله عز وجل تسبيحهم له مادحًا
لهم فقال: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ
رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾، أي أنهم عندما يخرون
سجدًا لسماع القرآن، يسبحون ربهم عز
وجل في سجودهم؛ تسبيح تنزيه لله تعالى
عن تكذيب المكذبين بالقرآن، وتعظيم
وتبجيل لله عز وجل على قدرته التامة، وأنه
لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة
الأنبياء السابقين المتقدمين عن بعثة محمد
صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالوا: ﴿إِن كَانَ
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥٧٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٩ / ٩١.
www. modoee.com
٧٧

حرف التاء
وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾(١).
ومن الآيات التي ورد فيها مدح الله
عز وجل لعباده المؤمنين المسبحين له
سبحانه قوله تعالى: ﴿فِ يُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ
تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَيْحُ لَهُ فِيَهَا ◌ِلْغُدُوِّ
وَاْأَصَالِ ٦ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ) لِيَجْزِيهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِهُ وَاللهُ يَزْزُقُ
مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
ففي هذه الآية مدح لأولئك المسبحين
لربهم عز وجل، الذين لم تلههم الدنيا وما
فيها من تجارة وبيع ومتاع عن عبادة ربهم،
وعن صلاتهم، وزکاتهم، وتسبيحهم، وقد
وعدهم الله عز وجل بحسن الجزاء وعظيم
الثواب، مع الزيادة بغير حساب؛ لأنهم
قدموا طاعته ورضاه على كل ما سواه.
وفي قول الله عز وجل: ﴿رَجَالٌ﴾ مدح
لهم، وإشعار بهمتهم العالية، وعزيمتهم
الصادقة، التى بها صاروا عمارًا للمساجد
التي هي بيوت الله في أرضه(٢).
وفي سورة السجدة مدخٌ آخر للمؤمنين
الساجدین لله، المسبحين له سبحانه، قال
تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ
◌ِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّعُواْ بِحَيْدٍ رَيِّهِمْ وَهُمْ لَا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩/ ٩١.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٨/ ٢٥٠.
يَسْتَكْبُونَ﴾ [السجدة
فلقد أثنى الله عز وجل على هؤلاء
المؤمنين الذين يؤمنون بآياته، ووصفهم
بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير
والوعظ بآياته، وبتسبيحهم لربهم، وعدم
استكبارهم، بخلاف ما يصنع الكفار من
الإعراض عند التذكير، وإظهار التكبر(٣).
ولقد وعد الله عز وجل أولئك المؤمنين
المسبحين ربهم عز وجل، والذين ﴿ نَتَجَافَى
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا
وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:
١٦].
وعدهم بعظيم المثوبة والجزاء، فقال
سبحانه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]
وبمدح الله عز وجل لعباده المؤمنين
المسبحين نعلم علم اليقين مدى عظم
التسبيح، ومدى محبة الله عز وجل لعباده
المسبحين له على الدوام، ونعلم أن التسبيح
عبادة جليلة، ترفع مقامات العبد عند ربه عز
وجل، وهذا كله يدفع العباد الصادقين إلى
الحرص الشديد على ملازمة تسبيح الله عز
وجل في كل الأوقات، وعلى كل الأحوال.
ثانيًا: أمر المؤمنين بالمداومة على
تسبيح الله عز وجل:
لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦١/٤.
٧٨
مُوسُو ◌َ النَِّد
جوسين
القرآن الكَرِيْمِ

التسبح
ومن الآيات التي ورد فيها أمر المؤمنين
یسبحوه بکرةً وأصيلا، في الصباح والمساء،
في الشدة والرخاء، في كل أوقاتهم، وعلى بالتسبيح في كل الأوقات قول الله تعالى:
كل أحوالهم.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (
لِيُؤْمِنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُّوَقِّرُوهُ
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ
اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿ وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةُ وَأَصِيلًا﴾
[الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩].
ففي الآية الأولى من هاتين الآيتين بين
الله عز وجل الوظيفة التي كلف بها رسول
یأمرهم سبحانه أن یذکروه ذکرًا کثیرًا؛
من تهلیل، وتحمید، وتسبيح، وتكبير، وغیر
ذلك من کل قول فيه قربةً إلى الله سبحانه
وتعالى، وينبغي مداومة ذلك في جميع
الأوقات، وعلى جميع الأحوال؛ فإن ذکر
الله صلی الله عليه وسلم، وهي أن یکون
صلى الله عليه وسلم شاهدًا على الناس؛
شاهدًا بالإيمان لمن آمن منهم، وشاهدًا
بالكفر لمن كفر منهم، بعد أن بلغهم رسالة
الله عبادة عظيمة، يفوز بها العبد برضوان ربه تبليغًا تامًا كاملًا، ومن مهمته أيضًا
تبشير المؤمنين برضا الله عز وجل، وبما
ربه عز وجل، وينال محبته، ويفوز بأعلى
الدرجات في جنته، وذكر يعين العبد على
الخير، ويعينه على كف لسانه عن الكلام
القبيح(١).
أعد الله لهم من النعيم المقيم، ومن مهمته
أيضًا: أن يكون نذيرًا للكافرين وللعصاة
بسوء المصير، إذا ما استمروا على كفرهم
وعصیانھم.
ولقد أردف الله عز وجل الأمر بالإكثار
من ذكره بالأمر بتسبيحه، مع أن التسبيح
داخل في الذكر، وفي ذلك بيان لشرف
التسبيح وعظمه عند الله عز وجل.
قال الزمخشري: (( والتسبيح من جملة
الذكر؛ وإنما اختصه من بين أنواعه ليبين
فضله على سائر الأذكار؛ لأن معناه تنزيه
الله عز وجل عما لا يجوز عليه من الصفات
والأفعال)»(٢).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٦٦٧.
(٢) الكشاف ٥/ ٧٧.
ثم بين الله عز وجل الحكمة من
إرسال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
﴿لْتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةٌ وَأَصِيلًا﴾، أي: لتؤمنوا
بالله سبحانه وبرسوله صلى الله عليه وسلم،
وتعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم
وتوقروه، أي: تعظموه، وتفخموه، وتجلوه،
وتقوموا بحقوقه صلى الله عليه وسلم،
ولتسبحوا الله عز وجل بكرة وأصيلاً، أي
تنزهوه سبحانه وتصلوا له، وتديموا ذكره
www. modoee.com
٧٩

حرف التاء
وتسبيحه، في أول النهار وآخره(١).
قال السعدي: «ذكر الله عز وجل في هذه
الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله،
وهو الإيمان بهما، وذكر الحق المختص
بالرسول صلی الله عليه وسلم وهو التعزير
والتوقير، وذكر الحق المختص بالله عز
وجل، وهو التسبيح له والتقديس بالصلاة
وغيرها)) (٢)
وهناك آيتان في كتاب الله عز وجل
أمر الله سبحانه فيهما عباده المؤمنين بأن
يسبحوه في حالات مخصوصة -زيادة على
التسبيح العام في كل حال-، والآيتان هما:
الآية الأولى: قوله تعالى في سياق
الحديث عن حادثة الإفك: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ
سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَكَ
هَذَا بُهْتَنُّ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين في
هذه الآية بأن يحسنوا الظن بإخوانهم عند
سماع شيء يطعن في أعراضهم، وأن لا
يخوضوا في حديث ينتهك أعراض إخوانهم
من غير بينة أو دليل، وبين لهم سبحانه أنه
كان الواجب عليهم عند سماع خبر الإفك
في عرض رسول الله صلی الله عليه وسلم
أن یکذبوه ویکذبوا قائله، وأن يبادروا إلى
تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه من
(١) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٣/ ٢٦٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٩٢.
هذا البهتان العظيم (٣).
قال القرطبي: ((الآية عتاب لجميع
المؤمنین، أي: کان ینبغي علیکم أن تنکروه،
ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة
الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى عن
أن يقع هذا من زوج نبيه صلى الله عليه
وسلم، وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها
بهتان»(٤)
وفي الآية: إرشاد حكيم من رب العزة
سبحانه لعباده المؤمنين؛ بأن يسبحوه عند
سماع مثل هذه الأخبار المكذوبة التي تطعن
في عرض النبي صلى الله عليه وسلم،
أو عرض المؤمنين الصالحين، ومناسبة
التسبيح في مثل هذه الحالة: تنزيه الله عز
وجل من أن يقال مثل هذا الكلام في نساء
رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في
نساء صالحي المؤمنین، ولبيان التعجب من
تجرؤ الخائضين في مثل هذا الإفك والبهتان
العظيم(٥).
الآية الثانية: قول الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِى
خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلُّهَا وَجَعَلَ لَكُ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ
مَا تَرَّكَبُونَ لِتَسْتَوُاْ عَى ظُهُورِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا
نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيُّمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ
الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
(٣) انظر: المصدر السابق ص٥٦٣.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٢٠٥/١٢.
(٥) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٦/ ٢٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٥/١٠.
٨٠
مَوَسُوبَةُ النَفسِير
القرآن الكريم

التسبح
[الزخرف: ١٢ - ١٣].
ففي هاتين الآيتين: یذکر الله عز وجل
عباده ببعض نعمه عليهم؛ من تسخير الفلك
التي تحملهم في البحار بما ينفعهم، وتسخير
الدواب والأنعام ليأكلوا منها ويركبوا على
ظهورها، وأمرهم سبحانه بأن يذكروا هذه
النعم العظيمة عليهم، ويسبحوا ربهم عز
وجل؛ شكرًا على هذه النعم، وذلك حين
التلبس بمنافعها والاستواء على ظهورها (١).
فقوله عز وجل: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾
توطئة وتمهيد إلى ذكر نعمة الله عز وجل
في قوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتٌ
عَلَيْهِ ﴾ أي حينئذ؛ فإن ذكر النعمة في حال
التلبس بمنافعها أوقع في النفس وأدعى
للشكر عليها، وأجدر بعدم الذهول عنها،
أي جعل لكم ذلك نعمة منه سبحانه لتشعروا
بها فتشكروه عليها، فالذكر هنا: هو التذكر
بالفكر، لا الذكر باللسان فقط.
وقوله سبحانه: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِى
سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، ليكون
إعلانًا للشكر باللسان بعد الشكر في النفس
والقلب، فلقننا الله عز وجل صيغة شكره
سبحانه، كما لقننا صيغة الحمد في سورة
الفاتحة (٢).
قال ابن عاشور: ((وافتتح هذا الشكر
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٣٠١/١٢.
اللساني بالتسبيح لأنه جامع للثناء؛ إذ
التسبيح تنزيه الله عما لا يليق، فهو يدل على
التنزیہ عن النقائص بالصریح، ويدل ضمنًا
على إثبات الكمالات لله عز وجل))(٣).
ويفهم من هذه الآية أن التسبيح من أعظم
ألفاظ الشكر لله عز وجل؛ فإذا ما تلبس عبد
بنعمة من نعم الله عز وجل فشعر بها في
قلبه، فلينطلق لسانه بتسبيح ربه تنزيها له
وتعظيمًا، شكرًا على آلائه ونعمه التي لا تعد
ولا تحصى.
ولعظم تسبيح الله عز وجل فإنه سيكون
دعاء أهل الجنة وهم منعمون فيها، فتسبيح
المؤمنين لربهم عز وجل لا ينتهي بانتهاء
الدنيا؛ بل يبقى معهم في دار الخلد والنعيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْوَ عَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَنِهِمْ تَجْرِى مِن
تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ اٌلْتَّعِيِمِ ن دَعْوَنُهُمْ
فِيهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَتَهِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمٌ وَءَاخِرُ
دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[يونس: ٩ - ١٠].
قال السعدي: «عبادتھم فیھا لله، أولها
تسبيح لله وتنزيه له عن النقائص، وآخرها
تحميد لله، فالتكاليف سقطت عنهم في دار
الجزاء، وإنما بقي لهم أكمل اللذات، الذي
هو ألذ عليهم من المآكل اللذيذة، ألا وهو
ذکر الله الذي تطمئن به القلوب، وتفرح به
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٤/٢٥. (٣) المصدر السابق ١٧٤/٢٥.
www. modoee.com
٨١

حرف التاء
الأرواح، وهو لهم بمنزلة النفس، من دون
كلفة ومشقة))(١).
رابعًا: تسبيح المخلوقات كلها لله عز
وجل:
لقد أسند الله عز وجل في كتابه العزيز
التسبيح إلى أصناف مخلوقاته جميعًا؛
من الحيوانات، والنباتات، والجمادات،
العاقلة منها وغير العاقلة، والناطقة وغير
الناطقة، وكل شيء مما خلق الله عز وجل
في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما
من المخلوقات التي لا يحيط بعلمها، ولا
يعلم عددها إلا الله عز وجل الذي خلقها،
والذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل
شيء عددًا.
ففي كتاب الله عز وجل نحو إحدى
عشرة آية من عشر سورٍ (٢) أسند فيها التسبيح
إلى مخلوقات الله عز وجل؛ من هذه الآيات
ما أسند فيها التسبيح إلى المخلوقات
مجملة، ومنها ما أسند فيها التسبيح إلى
مخلوقات معينة.
أولًا: الآيات التي أسند فيها التسبيح
لجميع المخلوقات:
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٥٨.
(٢) هذه السور هي: الرعد: ١٣، والإسراء:
٤٤، والأنبياء: ٧٩، والنور: ٤١، وص: ١٨،
والحديد: ١، والحشر: ٢٤،١، والصف: ١،
والجمعة: ١، والتغابن: ١.
الآيات التي أسند فيها التسبيح إلى جميع
المخلوقات هي ثماني آیات:
أولها: قول الله تعالى: ﴿ُسَيِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ
السَّبْعُ وَاْأَرْضُ وَمَنْ فِيِنَّ وَإِنِ مِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَمِعُ
◌ِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا
غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
ففي هذه الآية يخبر سبحانه بأن
السماوات والأرض وجميع مخلوقاته
تنزهه سبحانه، وتمجده، وتسبحه بلسان
الحال والمقال؛ فما من شيء من خلق
الله عز وجل إلا ويسبح بحمده؛ ولكن لا
تفقهون تسبيحهم، إلا ما کان تسبيحه بمثل
ألسنتكم(٣).
يقول محمد طنطاوي في تفسير هذه
الآية: ((بين الله سبحانه أن جميع الكائنات
تسبح بحمده، فقال تعالى: ﴿تُسَيِّحُ لَهُ اُلْتَّمَوَتُ
السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبَعُ
◌ِّدِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي تنزه الله
تعالى وتمجده السموات السبع، والأرض،
ومن فيهن من الإنس والجن والملائكة
وغير ذلك، وما من شيء من مخلوقاته التي
لا تحصى إلا ويسبح بحمد خالقه سبحانه؛
ولكن أنتم يا بني آدم لا تفقهون تسبيحهم؛
لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم، وفوق مستوى
فهمكم، وإنما الذي يعلم تسبيحهم هو
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٥٦، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٤٥٨.
٨٢
مُوسوبر التفسير
بوبيَ
القرآن الكريم

التسيح
خالقهم عز وجل.
والمتدبر في هذه الآية الكريمة يراها
تبعث في النفوس الخشية والرهبة من عائدًا على قوله: ﴿كَلَ﴾ فيكون المعنى: قد
علم كل مصل ومسبح منهم صلاة نفسه
وتسبيحه، الذي كلفه الله به وألزمه إياه(٣).
الخالق عز وجل؛ لأنها تصرح تصريحًا بليغًا
بأن کل جماد و کل حيوان و کل طير وكل
حشرة .. بل كل كائن في هذا الوجود يسبح
بحمد الله عز وجل، وهذا التصريح يحمل
كل إنسان عاقل على طاعة الله، وإخلاص
العبادة له، ومداومة ذكره؛ حتى لا يكون
-وهو الذي كرمه ربه وفضله- أقل من غيره
طاعة لله تعالى))(١).
أما الآية الثانية التي أخبر فيها ربنا عز
وجل عن تسبيح جميع المخلوقات له
سبحانه فهي قول الله تعالى: ﴿أَلْتَرَ أَنَّ
اللَّهَ يُسَمِّحُ لَهُ، مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ
صَّغَّتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ، وَتَسْبِحَةٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ ﴾ [النور: ٤١].
قال ابن كثير: (( يخبر تعالى أن جميع
ما في السماوات وما في الأرض من شيء
يسبح له، ويمجده، ويقدسه، ويصلي له،
ویوحده سبحانه)»(٢).
ومعنى قول الله عز وجل: ﴿كُلُ قَدْ عَلِمَ
صَلَانَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ يحتمل توجيهين: الأول:
أن یکون الضمير في قوله: ﴿قَدْعَلِمَ﴾ عائد
على الله عز وجل، فيكون معنى الكلام:
(١) الوسيط ٣٥٩/٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٥٣٩/١٣.
کل مصل ومسبح منهم قد علم الله صلاته
وتسبيحه، والتوجيه الآخر: أن يكون الضمير
أما الآيات الأخرى التي يخبر فیھا ربنا
عز وجل عن تسبيح جميع المخلوقات له
سبحانه، فهي فواتح كل من السور التالية:
الحديد، والحشر، والصف، والجمعة،
والتغابن، ففي سورة الحديد والحشر
والصف جاء الإخبار بصيغة الفعل الماضي.
قال تعالى: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِمَا فِ السَّمَتِ وَالْأَرْضِّ
وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١].
وقال سبحانه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِ اْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ١].
وقال عز وجل: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الصف: ١].
أما في سورتي الجمعة والتغابن فقد جاء
الإخبار بصيغة الفعل المضارع.
قال تعالى: ﴿يُسَمِّحُ للَّهِ مَافِى السَّمَوتِ وَمَافِى
الْأَرْضِ الْمَلِكِ اَلْقُدُّوسِ الْعَزِ الْحَكِ﴾ [الجمعة:
١].
وقال عز وجل: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَّتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
[التغابن: ١].
قَـ
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٠٠، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٠.
www. modoee.com
٨٣

حرف التاء
وقد وجه المفسرون الحكمة من إخبار
الله عز وجل عن تسبيح مخلوقاته بالفعل
الماضي تارة، وبالفعل المضارع تارة أخرى؛
بأن الفعل الماضي فيه دلالة على أن تنزيه
المخلوقات وتسبيحهم لله عز وجل أمرٌ
مقرر، أمر الله عز وجل به خلقه وعباده من
قبل، وأمر به الناس، فالمخلوقات مسبحة
لله عز وجل أبدًا في الماضي، وستظل
مسبحة له سبحانه في المستقبل (١).
أما الفعل المضارع فيدل - كما هو معلوم
عند أهل اللغة- على الدوام والاستمرار
والتجدد، وفي ذلك بيان بأن أهل السماوات
والأرض والمخلوقات كلها يجددون
تسبيحهم لله عز وجل، وهم مستمرون فيه،
لا يفترون عنه أبدًا(٢).
قال الشوكاني: ((وجاء هذا الفعل في
بعض الفواتح ماضيًا، وفي بعضها مضارعًا،
وفي بعضها أمرًا؛ للإشارة إلى أن هذه
الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص
تسبیحها بوقت دون وقت؛ بل هي مسبحة
أبدًا في الماضي، وستكون مسبحة أبدًا في
المستقبل))(٣).
ویبقی آية أخيرة أخبر الله عز وجل فيها
عن تسبيح جميع خلقه له سبحانه، وهي
الآية التي ختمت بها سورة الحشر، وهي
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣،٤/٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٧/٢٧.
(٣) فتح القدير ٢٣٣/٥.
هَوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ
قول الله عز وجل:
اُلْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِىِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:
٢٤].
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة علی ذکر
بعض أسماء الله الحسنى وأوصافه العلى،
فأخبر سبحانه بأنه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ اَلْبَارِئُ﴾
لجميع المخلوقات، المنشئ لها من العدم،
﴿اَلْمُصَوِّرُ﴾ أي مصور المخلوقات ومركبها
على هيئات مختلفة، وهذه الأسماء متعلقة
بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ذلك کله قد
انفرد الله به، لم يشاركه فيه مشارك،
الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ أي: له سبحانه الأسماء
الكثيرة العظيمة، التي لا يحصيها ولا يعلمها
أحدٌ إلا هو سبحانه، وكلها حسنى تدل على
أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء
منها بوجه من الوجوه، ومن حسنها: أن
الله يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من
عباده أن يدعوه ويسألوه بها، ومن كماله
سبحانه وكمال أسمائه وصفاته أن جميع
من في السماوات والأرض مفتقرون إليه
على الدوام، يسبحون بحمده، ويسألونه
حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه
ما تقتضيه رحمته وحكمته، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ
الحکمُ﴾ الذي لا یرید شيئًا إلا ويكون، ولا
یکون شيء إلا لحكمة عظيمة (٤).
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
مَوَسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
٨٤

التسبح
ثانيًا: الآيات التي أسند فيها التسبيح
لمخلوقات معينة:
أخبر الله عز وجل عن تسبيح مخلوقات
معینة له سبحانه، والآيات التي أُخبر فيها ربنا
عز وجل عن ذلك ثلاث آيات:
الآية الأولى: قول الله عز وجل:
﴿وَيُسَمِحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ
خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن
يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اَللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ
اَلْحَالِ﴾ [الرعد: ١٣].
وللمفسرين قولان في المقصود بالرعد
في هذه الآية:
أحدهما: أنه اسم الملك الذي يزجر
السحاب، وصوته: تسبيحه.
والثانى: أنه الصوت المعهود، المسموع
عند حدوث البرق.
والآية تحتمل المعنيين، وإنما خص
الرعد بالتسبيح؛ لأنه من أعظم الأصوات(١).
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا
مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرُ وَكُنَّا
فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
ففي هذه الآية الكريمة أخبر سبحانه
عن تسبيح مخلوقات معينة له سبحانه،
حيث أخبر عن تسبيح الجبال والطير لله عز
ص٨٥٤، أيسر التفاسير، الجزائري ٣١٧/٥.
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣١٤/٤،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٣٠٣.
وجل مع نبي الله داود عليه السلام؛ وذلك
أن داود عليه السلام كان من أعبد الناس،
وأكثرهم لله ذکرًا وتسبيحًا وتمجيدًا، وكان
قد أعطاه الله عز وجل من حسن الصوت
ورقته ورخامته ما لم يؤته أحدًا من الخلق،
فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاويته
الجبال الصم، والطيور البهم، وهذا فضل
الله عليه وإحسانه، فلهذا قال:
فَعِلِينَ﴾(٢).
قال القرطبي: ((قال وهب: كان داود
عليه السلام يمر بالجبال مسبحًا والجبال
تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل:
كان داود عليه السلام إذا وجد فترة أمر
الجبال فسبحت حتى يشتاق؛ ولهذا قال:
﴿وَسَخَّرْنَا﴾ أي جعلناها بحيث تطيعه إذا
أمرها بالتسبيح. وقال قتادة: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾
يصلين معه إذا صلى، والتسبيح: الصلاة،
وكلٌ محتمل، وذلك فعل الله تعالى بها))(٣).
والآية الثالثة: يخبر فيها ربنا عز وجل
أيضًا عن تسبيح الجبال والطير مع نبيه داود
عليه السلام.
قال سبحانه: ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذَّكُرُ
عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِّ إِنَّهُ أَوَابٌ ) إِنَّا سَخَرْنَا الْجِبَالَ
٠٠١١٠٠
مَعَدُ يُسَبْحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ) وَالَّيْرَ مَحْشُورَةً
كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٩].
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٥٢٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٣١٩/١١.
www. modoee.com
٨٥

حرف التاء
فهذه الآيات مثل آية الأنبياء؛ إلا أنه
سبحانه ذكر هنا أن التسبيح كان ﴿بِالْعَشِّ
وَالْإِشْرَاقِ﴾، والعشي: من وقت العصر
إلى الليل، والإشراق: شروق الشمس إلى
الضحى، وهذا يدل على كثرة تسبيح نبي
الله داود عليه السلام، وكثرة تسبيح الجبال
والطير معه(١).
خامسًا: تسبيح من عبدوا من دون الله
عز وجل:
لقد عبد بعض الضلال من الناس
مخلوقات لله عز وجل، بهتانًا وزورًا وافتراءً
على الله، فمنهم من عبد نبي الله عيسى عليه
السلام، ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من
عبد غير ذلك، وكل ذلك شرك وكفر يستحق
من فعله الخلود في عذاب الله عز وجل.
ولقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز
أن عيسى عليه السلام والملائكة الذين
عبدوا من دون الله سيتبرؤون يوم القيامة
مما فعله المبطلون، ومن شرك المشركين،
وسيسبحون الله عز وجل وينزهونه عما
افتراه المفترون، فعيسى عليه السلام ما دعا
أحدًا إلى عبادته؛ وإنما دعا الناس لعبادة الله
عز وجل.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ
مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ المُخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦٨/٢١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٨١٥/١٢.
مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ
أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَتَّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدٍ عَلِّمْتَهُ،
تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ
عَلَّمُ الْغُيُوبِ ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهَ
أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا
دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦ -
١١٧].
لقد بدأ عيسى عليه السلام كلامه مع
رب العزة - سبحانه بالتسبيح -قبل أن
يبرأ نفسه- تنزيهًا له سبحانه عما افتراه
المفترون، وتعظيمًا له وإجلالًا، وثناءً عليه،
وخضوعًا له وخوفًا منه، وهذا التسبيح من
عیسی عز وجل متضمن لبراءته من أن یکون
قال للناس شيئًا من ذلك؛ لأنه إذا كان قد نزه
الله عز وجل عن ذلك فلاجرم أنه لم يأمر
أحدًا به (٢)
أما الملائكة الذين عبدهم الضلال
من دون الله عز وجل، فقد أخبر الله عز
وجل بأنهم سيتبرؤون يوم القيامة من عبادة
أولئك المشرکین لهم، وسیيسبحون الله عز
وجل تنزيهًا له عن شرك المشركين وافتراء
الكافرين.
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا
قال تعالى:
يَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ
عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ، قَالُواْ
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٣/٧.
مَنُوالَرُ الْتَفْسِيْ
القرآن الكريم
٨٦

التسبح
سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَلْبَغِى لَنَّا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ
مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ
الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ٨
وفي هذا تقريع للكفار الذين عبدوا
الملائکة من دون الله عز وجل.
وفي سورة سبأ آیات مماثلة لهذه الآيات،
إذ يقول الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جميعً ثُمَّ
يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ أَهَؤُلَاءٍ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (
٤٠
قَالُواْ سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمٌّ بَلْ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:
٤٠ - ٤١ ].
فالملائكة تقر لله عز وجل بأنه ليس
للخلائق کلهم أن يعبدوا أحدًا سواه سبحانه،
لا هم ولا غيرهم؛ وتسبح الملائكة ربها عز
وجل يوم القيامة قائلين: ما دعونا هؤلاء
الكفار إلى عبادتنا؛ فما یکون لنا ذلك؛ بل
هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا
ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم؛
فما ينبغي لأحد أن يعبدنا؛ فإنا عبيد لك،
فقراء إليك، وكذلك الخلق كلهم (١).
وبعد هذا الاستعراض لتسبيح الخلائق
كلها لله عز وجل -من الملائكة، والنبيين،
والمؤمنين، وسائر المخلوقات- نستشعر
عظمة من سبح له الخلق كله؛ فما استكبر
مخلوق عن تسبيح خالقه، وما استنكف عبد
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٨/١٩، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩١/١٠.
علم قدر ربه عن عبادة مولاه؛ فالكون كله
خلق الله، والخلق كله قد سبح لله، سبحانه
وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة
عرشه، ومداد كلماته، سبحان الله وبحمده،
سبحان الله العظيم.
www. modoee.com
٨٧

حرف التاء
من صيغ التسبيح
من خلال تتبع الآيات التي ورد فيها
التسبيح في كتاب الله عز وجل، نجد أن
التسبيح فيها ورد بعدة صيغ؛ وذلك كما
يأتي:
أولًا: التسبيح بصيغة: (سبحان)
مضافًا إليها هاء الضمير العائد إلى الله
عز وجل (سبحانه).
وهذه الصيغة هي أكثر صيغ التسبيح
ورودًا في كتاب الله عز وجل؛ حيث إنها
وردت في أربع عشرة آية (١).
وبتتبع هذه الآيات التي ورد فيها التسبيح
بهذه الصيغة نجد أنها كلها جاءت في سياق
تسبيح الله عز وجل لنفسه العلية؛ فمن هذه
الآيات -على سبيل المثال قوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأْ سُبْحَنَةٌ بَل لَّهُ، مَا
فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلِّ لَّهُ قَدِئُونَ﴾ [البقرة:
١١٦].
وقوله عز وجل: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّوِ شُرَّكَآءَ
اَلِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلََّّ
سُبْحَكِنَّهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام:
١٠٠].
(١) وردت هذه الصيغة من صيغ التسبيح في
المواضع التالية من كتاب الله عز وجل:
البقرة: ١١٦، والنساء: ١٧١، والأنعام: ١٠٠،
والتوبة: ٣١، ويونس: ١٨، ٦٨، والنحل: ١،
٥٧، والإسراء: ٤٣، ومريم: ٣٥، والأنبياء:
٢٦، والروم: ٤٠، والزمر: ٤، ٦٧.
وقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأَ
سُبْحَنَةٌ هُوَ الْفَنِىُّ لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا
ج
فِ الْأَرْضِِّ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ يَهْدَآَ
أَتَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَالَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس:
٦٨].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ
اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ،
سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]
والملاحظ أيضًا أن كل هذه الآيات قد
وردت: إما في سياق تنزيه الله عز وجل
نفسه عما افتراه المفترون من اتخاذ الولد،
أو في سياق تنزيهه سبحانه لنفسه عما نسبه
المشركون إليه سبحانه من اتخاذ الشريك،
وإما في سياق تعظيم الله عز وجل لنفسه،
وبيان بعض مظاهر آيات قدرته وملكه،
وامتنانه سبحانه على عباده بما يوجب
الشكر والثناء له سبحانه، بتنزيهه وتسبيحه
وتمجيده.
ثانيًا: التسبيح بصيغة (سبحان)
مضافًا إليها كاف المخاطب
(سبحانك).
التسبيح بصيغة (سبحانك) ورد في کتاب
الله عز وجل في تسع آيات(٢).
(٢) هذه الآيات هي: البقرة: ٣٢، آل عمران:
١٩١، المائدة: ١١٦، الأعراف: ١٤٣،
يونس: ١٠، الأنبياء: ٨٧، النور: ١٦، الفرقان:
١٨، سبأ: ٤١.
٨٨
مَنْشَوَالَرُ الْبَّفْسِدُهُ
جوسى عبر
القرآن الكريم

التسبح
وبتتبع هذه الآيات نجد أن التسبيح
بهذه الصيغة قد ورد على لسان الملائكة
المكرمون في ثلاث آيات منها، وورد على
لسان ثلاثة أنبياء من أنبياء الله عز وجل
-وهم يونس عليه السلام وموسى عليه
السلام وعيسى عليه السلام - في ثلاث
آيات أخرى، والآيات الثلاث المتبقية
ورد فيها التسبيح بهذه الصيغة على لسان
المؤمنين.
ثالثًا: التسبيح بصيغة (سبحان الله).
وهذه الصيغة هي أشهر صيغ التسبيح،
وتكثر هذه الصيغة أيضًا في سياق الآيات
التي يسبح الله عز وجل فيها نفسه العلية عن
شرك المشركين وافتراء المفترين؛ من نسبة
الولد أو الشريك لله عز وجل، كقوله تعالى:
﴿مَا أَتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ، مِنْ إِلَهٍ
إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِّ
سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ فَسَبَأْ وَلَقَدْ
عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٦) سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا
يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨ -١٥٩].
وقوله أيضًا: ﴿أَمْ لَهُمْ إَِهَّ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَنَ اَللَّهِ
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣].
ووردت هذه الصيغة أيضًا في سياق
أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم
بأن يخبر عن دعوته التي يدعو هو وأتباعه
الناس إليها، ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُوّا إِلَى اللّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْمِنَ
المُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: ١٠٨].
فقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَنَّ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾، أمر للنبي صلى الله عليه
وسلم بأن يعلن تسبيحه وتنزيهه لربه عز
وجل كما أمر أن يعلن عن دعوته (١).
ووردت هذه الصيغة کذلك في سیاق أمر
الله عز وجل عباده المؤمنين بتسبيحه في
أوقات مخصوصة، قال تعالى: ﴿ فَسُبْحَنَ
اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ
اَلْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ
تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
قال الإمام الطبري: ((يقول تعالى ذكره:
فسبحوا الله أيها الناس: أي صلوا له، ﴿حِينَ
تُمْسُونَ﴾، وذلك صلاة المغرب، ﴿وَحِينَ
تُصْبِحُونَ ﴾، وذلك صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾
يقول: وسبحوه أيضًا عشيًا، وذلك صلاة
العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ يقول: وحين
تدخلون في وقت الظهر)»(٢).
ففي هذه الآية: إخبار عن تنزه الله
عز وجل عن السوء والنقص، وعن أن
يماثله أحد من الخلق، وفيها أيضًا: أمر
للعباد أن يسبحوا ربهم عز وجل حين
يمسون وحين يصبحون، ووقت العشي
ووقت الظهيرة؛ فهذه الأوقات هي أوقات
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٨٤/٤،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣ /٦٦.
(٢) جامع البيان ٢٠/ ٨٣.
www. modoee.com
٨٩

حرف التاء
الصلوات الخمس، أمر الله عباده بالتسبيح
فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب
منه، کالمشتملة عليه الصلوات الخمس،
الصلوات، وما يقترن بها من النوافل(١).
والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار - ٨٣].
رابعًا: التسبيح بصيغة: (سبحان
الذي) (الاسم الموصول العائد على
الله عز وجل).
ورد التسبيح بهذه الصیغة في أربع آیات
من كتاب الله عز وجل؛ وكل هذه الآيات قد
وردت في سياق بيان بعض مظاهر قدرة الله
عز وجل وعظمته سبحانه، وبيان بعض نعمه
على عباده؛ وهذه الآيات هي: قوله تعالى:
﴿ُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا
حَوْلَهُ لِغُرِيَهُ مِنْ ءَايِنَاْ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الإسراء: ١].
﴿سُبْحَنَ اَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ
و قوله:
كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَا
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
وقوله: ﴿ وَأَلَّذِى خَلَقَ اْأَزْوَجَ كُلُّهَا وَجَعَلَ
لَكُ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ لِتَسْتَوُوأُ
عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ
عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا
كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣].
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٦٣٨.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا
أَنْ يَقُولَ لَّهُ,كُنْ فَيَكُونُ ﴿ فَسُبْحَنَ الَّذِى
بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢
خامسًا: التسبيح بصيغة: (سبحان
و(سبحان ربك)، و(سبحان
ربی)،
ربنا).
ورد التسبيح مضافًا إلى الرب -جل
وعلا- في خمسة مواضع من کتاب الله عز
وجل، في موضعين من هذه المواضع ورد
بصيغة الخطاب للنبي صلی الله عليه وسلم،
في قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (٥
١٧٨)
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (٣) سُبْحَانَ رَيْكَ رَبِّ
اَلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ () وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
(١٨١
﴿ وَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[الصافات:
١٧٨ - ١٨٢].
وفي قوله سبحانه: ﴿ وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ
لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعً أَوْ
تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن ◌َّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَنُفَجْرَ
اَلْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيرًا ، أَوْ تُشْقِطَ
السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ
وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلًا ( ١) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن
زُخْرُفٍ أَوْ تَّرْقَى فِ السَّمَآءِ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ
حَتَّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِنَبَّا نَّقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحَانَ رَبِّ
هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ٩٠
- ٩٣].
ففي هذه الآيات الأخيرة أمر الله عز
مَوَسُولَةُ النَّقِين
القرآن الكريمِ
٩٠

التسبح
عز وجل عما طلبه أولئك الكفار السفهاء
من مطالب فيها سوء أدب مع الرسول
صلى الله عليه وسلم، طلبوها على سبيل
التعنت والتعجیز له صلی الله عليه وسلم؛
حيث طلبوا منه أمورًا لا يقدر عليها إلا الله
عز وجل، وليست في مقدور أحد سواه،
فأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم
أن ينزهه عن أقوالهم الباطلة، ومطالبهم
السفيهة، فتنزه الله سبحانه عن أن تكون
أحكامه وآياته تابعة لأهوائهم الفاسدة،
وآرائهم الضالة (١).
وورد التسبيح مضافًا إلى رب السماوات
والأرض في موضع واحد، وهو قول الله عز
وجل: ﴿قُلٌّ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ
٨١
سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ
عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨١ - ٨٢].
وهذه الآية من الآيات التي نزه الله عز
وجل فيها نفسه عما افتراه عليه المفترون
من اتخاذ الولد، تعالى الله عما يقولون علوا
کبیرًا.
وفي ذكره عز وجل في هذا الموضع
بصفته رب السماوات والأرض ورب
العرش العظيم -وهذه المخلوقات أعظم
ما خلق الله سبحانه- يفيد انتفاء أن يكون
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤٦٦.
وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزه ربه له سبحانه ولد؛ فهو سبحانه مستغنٍ عن
الولد؛ وهو سبحانه رب كل شيء، قال ابن
عاشور: ((ووصفه -في هذه الآية- بربوبية
أقوى الموجودات وأعظمها؛ يفيد انتفاء أن
يكون له ولد؛ لانتفاء فائدة الولادة، فقد تم
خلق العوالم ونظام نمائها ودوامها، وعلم
من كونه خالقها أنه غير مسبوق بعدم، وإلا
لاحتاج إلى خالق يخلقه، واقتضى عدم
السبق بعدم أنه لا يلحقه فناء؛ فوجود الولد
له یکون عبثًا»(٢).
وورد التسبيح بصيغة: (سبحان ربنا) في
موضعین من کتاب الله عز وجل.
الموضع الأول: على لسان مؤمني أهل
الكتاب، وذلك في قول الله تعالى: ﴿قُلٌ
ءَامِنُواْ بِهَ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ:
إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًّا (١٠) وَيَقُولُونَ
سُبْحَنَ رَبِنَآَ إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:
١٠٧ - ١٠٨].
لقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله
عليه وسلم بأن يقول للكافرين الذين كفروا
بالقرآن الذي أنزل: ﴿مَامِنُواْ بِهَ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ﴾،
أي سواء آمنتم به أم لا فهو حق في نفسه،
أنزله الله، ونوه بذكره في سالف الأزمان
في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِ ﴾ أي من صالحي أهل
الكتاب، الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه
(٢) التحرير والتنوير ٢٦٦/٢٥.
www. modoee.com
٩١

حرف التاء
ولم يبدلوه ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ
سُجَّدًا﴾ أي لله عز وجل شكرًا على ما أنعم
به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا
هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب،
ولهذا يقولون: ﴿سُبْحَنَ رَيْنَآَ إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا
لَمَفْعُولًا﴾ أي تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته
التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم
على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد
صلى الله عليه وسلم(١).
والموضع الثاني: هو قول الله عز وجل
إخبارًا عن أصحاب الجنة: ﴿قَالُوا سُبْحَنَ رَيِّناً
إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩].
فبعد أن ذكرهم أوسطهم، وعادوا إلى
رشدهم، سارعوا إلی تنزيه ربهم عز وجل
وتسبيحه، نزهوه سبحانه عن أن يكون ظالمًا
فیما فعل بهم؛ بل هم الذين ظلموا أنفسهم
بترکھم قول: إن شاء الله، وبما قصدوا من
حرمان المحتاجين(٢).
سادسًا: التسبيح المقرون بالحمد
(سبحان الله وبحمده).
ورد الأمر بقرن التسبيح لله عز وجل
بحمده سبحانه في سبع آيات من كتاب الله
عز وجل؛ حیث قال تعالی في أربع آیات
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩/ ٩١.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٤٤/١٨، أيسر التفاسير، الجزائري
٤١٢/٥.
منها: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَيْكَ﴾(٣)، وفي آيتين:
﴿فَسَيِّحْ بَحَيْدٍ رَّكَ﴾ (٤)، وفي آية واحدة قال
سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ
وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨].
كما جاء فى كتاب الله عز وجل الخبر عن
قرن التسبيح بالتحميد في مواضع متعددة،
مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَمْحُ بِهِ
وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِئَايَتِنَا
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدٍ
رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
وقوله تعالى عن ملائكته: ﴿وَالْمَلَبِكَةُ
◌ُسَبُِّونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ﴾
[الشورى: ٥] وغير
ذلك من الآيات.
وتسبيح الله عز وجل بهذه الصيغة يكون
بأن یجمع بین التسبيح والتحميد، وذلك بأن
يقول القائل: سبحان الله وبحمده، وهذا ما
دل عليه فعل النبي صلی الله عليه وسلم،
حيث إنه جاء في الحديث أنه صلى الله عليه
وسلم ما صلى صلاة بعد أن نزلت عليه:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ إلا يقول
فيها: (سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر
لي)(٥).
(٣) ورد ذلك في أربع آيات من كتاب الله عز
وجل، وهذه الآيات هي: طه: ١٣٠، غافر:
٥٥، ق: ٣٩، الطور: ٤٨.
(٤) الآيتان هما: الحجر: ٩٨، النصر: ٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
٩٢
جوسى
القرآن الكريم