النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
التَسيِّجْ
عناصر الموضوع
مفهوم التسبيح
٥٤
التسبيح في الاستعمال القرآني
٥٥
الألفاظ ذات الصلة
٥٦
٥٧
تسبيح الله عز وجل نفسه
٦٤
المسبحون لله عز وجل من المخلوقات
٨٨
من صيغ التسبيح
٩٤
مواطن التسبيح
١٠٢
أزمنة التسبيح
١٠٩
فوائد التسبيح
المُجَلَدَ التَّاشِعْ

حرف التاء
مفهوم التسبيح
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (س ب ح) تدل على معنيني: أحدهما: جنس من العبادة، ومنه التسبيح، وهو
تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء. والمعنى الآخر: جنسٍّ من السعي، وهو السبح والسباحة،
وهو العوم في الماء (١).
يتبين مما سبق أن للتسبيح في اللغة معنيين: أحدهما: التنزيه والتبرئة من السوء، والآخر:
قول: (سبحان الله)، والمعنى الثاني راجع إلى المعنى الأول (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يعد التسبيح من الألفاظ الشرعية التي اشتهرت في الشرع أكثر من اشتهارها في اللغة،
والمعنى الاصطلاحي (الشرعي) للتسبيح هو نفس المعنى اللغوي، لا يختلف عنه، أي:
بمعنی تنزيه الله عن السوء، وقد ورد هذا المعنى للتسبيح عن النبي صلى الله عليه وسلم(٣)،
وعن ابن عباس رضي الله عنه، وعن كثير من أئمة السلف والخلف (٤).
وقال أبو السعود: ((والتسبيح تنزيه الله تعالى وتبعيده اعتقادًا وقولًا وعملًا، عما لا يليق
بجنابه سبحانه )»(٥).
وقال ابن القيم: ((ومعنى هذه الكلمة - يعني (سبحان الله) - تنزيه الرب وتعظيمه وإجلاله
عما لا يليق به))(٦).
وبهذا يمكن أن نخرج بتعريف اصطلاحي للتسبيح بأنه: تنزيه الله عز وجل في الاعتقاد
والقول والعمل، عما لا يليق به سبحانه.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٥/٣.
(٢) انظر: التسبيح في الكتاب والسنة، محمد كندو ٢٣/١.
(٣) جاء ذلك في حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
عن تفسير سبحان الله قال: هو تنزيه الله عن كل سوء، أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء،
٥٠٢/١ ح ١٨٠٢، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(٤) جمع كثيرًا من تلك الأقوال الدكتور محمد كندو في كتابه التسبيح في الكتاب والسنة ١/ ٧٢-٧٥.
(٥) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٨٣/١.
(٦) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ٤٥٢.
٥٤
مَوَسُوعَدُ النَّشيد
القرآن الكريم

التسبح
التسبيح في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سبح) في القرآن (٩٢) مرة، يخص التسبيح منها (٨٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤
﴿َسَبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ اُلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِزُ اَلْحَكِيمُ
[الحديد: ١]
١
الفعل المضارع
٢٠
﴿وَنَحْنُ نُسَمْحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَّكَ﴾ [البقرة: ٣٠]
فعل الأمر
٢
﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ ﴾ [ق: ٤٠]
المصدر
٢
﴿وَكِنْ لََّ نَفْقَهُونَ تَسَبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]
اسم المصدر
٤١
﴿وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]
اسم الفاعل
٢
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْسُبِّحُونَ ﴾ [الصافات: ١٦٦]
وجاء (التسبيح) في القرآن بمعناه اللغوي، وهو تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء(٢). ولم
يخرج عن هذا المعنى.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلعوم، ص٦٣٨ -٦٤٤.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٢٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٨٥/٢.
www. modoee.com

حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
التقديس:
١
التقديس لغة:
مشتق من الفعل (قدس) بمعنى: طهر، والتقديس هو التطهير والتبريك، وتقدس أي
تطهر، من ذلك قيل للسطل: القدس؛ لأنه يتقدس منه، أي: يتطهر، وسمي بيت المقدس
بذلك لأنه البيت المطهر، والمكان الذي يتطهر به من الذنوب، والتقديس: تنزيه الله عز
وجل(١).
التقديس اصطلاحًا:
التقديس: التطهير الإلهي، والتعظيم لله عز وجل، والتطهير هنا غير التطهير الذي هو إزالة
النجاسة المحسوسة (٢).
الصلة بين التقديس والتسبيح:
اللفظان يحملان نفس المعنى من تبعيد الله عن السوء؛ إلا أن التقديس أعم من التسبيح؛
إذ كل مقدس مسبح، وليس العكس؛ فالتسبيح يختص بالله عز وجل دون سواه، أما التقديس
فلا يختص به سبحانه؛ بل يستعمل في حق الآدميين وغيرهم من المخلوقات، فيقال: فلان
رجل مقدس: إذا أريد تبعيده عن مسقطات العدالة ووصفه بالخير، ولا يقال: رجل مسبح،
ويقال: قدس الله روح فلان، ولا يقال: سبحه، ويقال: الأرض المقدسة، ولا يقال: الأرض
المسبحة(٣).
وذكر بعض المفسرين: أن التسبيح يكون بتنزيه الله عز وجل بالقول والعمل، والتقديس
تنزيه الله عز وجل باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية (٤).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٣٥٥٠.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٩٦.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص١٢٤.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠٦/١.
٥٦
مَوَسُولَةُ الَّسية
القرآن الكريم

التسبح
تسبيح الله عز وجل نفسه
كل ما في القرآن الكريم من تمجيد الله
عز وجل لنفسه العلية؛ وذكر أسمائه الحسنى
وصفاته العلى، وبيان قدرته وعظمته،
والحديث عن آياته وآلائه، وقوته وجبروته
سبحانه وتعالى، كل ذلك يدخل في تسبيح
الله عز وجل لنفسه، وهذا كثير في كتاب
الله عز وجل لا يمكن حصره؛ ومن أمثلته
آية الكرسي، وسورة الإخلاص، وأواخر
سورة الحشر، وغير ذلك كثير في كتاب الله
عز وجل.
والذي نريد بيانه في هذا المبحث هو ما
ورد من تسبيح الله عز وجل لنفسه في كتابه
العزيز بلفظ التسبيح الصريح، ولقد سبح
الله عز وجل نفسه العلية في كتابه العزيز
-بلفظ التسبيح- في مواضع كثيرة، بلغت
سبعة وعشرين موضعًا.
وباستقراء الآيات التي سبح الله عز
وجل فيها نفسه نجد أن الله عز وجل قد نزه
نفسه فيها عن الولد، وعن الشريك، وعن أن
يلحقه نقص أو ضعف.
أولًا: تنزيه الله عز وجل نفسه عن اتخاذ
الولد:
لقد ورد في کتاب الله عز وجل آیات
تسع نزه الله عز وجل فيها نفسه المقدسة
-بلفظ التسبيح- عما وصفه به المشركون
المفترون من نسبة الولد له سبحانه، ففي
سورة البقرة يقول سبحانه: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَّ
اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ بَل لَّهُ، مَا فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَدِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
بین سبحانه في هذه الآية أن جميع ما
في السماوات والأرض مملوك له، وعبيد
له سبحانه، وفي هذا بيان للمانع عقلًا من
اتخاذ الولد(١).
وفي سورة النساء قال سبحانه:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوِعٌ مِّنْهُ
فَثَامِنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةٌ أَنْتَهُواْ
خَيْرً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ
أَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِى اُلسَّمَوَتِ وَمَا فِى
الْأَرْضِ وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١].
فبين سبحانه فى هذه الآية أيضًا أن
مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾، فلا شريك
له سبحانه، فكل الخلق -في السماوات
والأرض- له، وعيسى عليه السلام وأمه
مريم من جملة ما في السموات وما في
الأرض؛ فكيف يكون عيسى إلهًا أو ولدًا لله
وهو مخلوق لله عز وجل؟!(٢).
قَالُوا
وفي سورة يونس قال سبحانه:
أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَذَا سُبْحَنَةٌ، هُوَ الْغَنِىٌّ لَهُمَا
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٨٨/١،
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢/ ٤٢٢.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٦/ ٢٥.
www. modoee.com
٥٧

حرف التاء
فِيِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُمْ
مِّن سُلْطَانٍ بِهَدَأْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَالَا
تَعْلَمُونَ
[يونس: ٦٨].
فأخبر سبحانه أنه ﴿هُوَ اَلْفَنِىٌّ لَهُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ فأقام الحجة على
بطلان قول المشرکین؛ حیث بین أنه سبحانه
هو الغني الذي لا يفتقر إلى غيره، فكيف
إذًا يحتاج إلى ولد أو بنت فيستغني به وهو
الغني الحمید؟! وبرهان آخر علی غناه أن له
ما في السموات وما في الأرض، فالجميع
خلقه وملكه، فهل يعقل أن يتخذ السيد
المالك عبدًا من عبيده ولدًا له (١).
وفي سورة النحل سبح الله عز وجل
نفسه عما نسبه إليه المشركون من أن له
البنات، فقال عز وجل: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ أَلْبَنَتِ
سُبْحَنَهُ، وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧].
وفي التسبيح في هذه الآية تعجب
من قول أولئك المشركين، حيث جعلوا
لأنفسهم ما یشتهون من البنین، ونسبوا ما
يكرهون من البنات لله عز وجل، ففضحهم
الله عز وجل، وقال في الآية التالية لتلك
الآية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأَنَ ظَلَّ وَجْهُهُ.
مُسْوَدًّا وَهُوَكَظِيمٌ ) يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا
بُشِرَ بِّ أَيُّمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِ التَّابِ أَلَا
سَآءُ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩].
وفي سورة مريم والأنبياء والمؤمنون نزه
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٤٩١.
الله عز وجل نفسه عن اتخاذ الولد، ﴿ مَا
أَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهَّ﴾
[المؤمنون: ٩١].
فهو سبحانه بيده كل شيء ﴿مَا كَانَللَّهِأَنْ
يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهٍُإِذَا قَضَىَ أَمْرَّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥].
وكل المخلوقات ملكه وطوع أمره، حتى
الملائكة العظام - الذين قال عنهم المشركون
أنهم بنات الله- ما هم إلا عباد لله، مكرمون
عنده في منازل عالية، ومقامات سامية، وهم
له في غاية الطاعة قولا وفعلا، لا يتقدمون
بین یدیه بأمر، ولا يخالفونه فيما أمرهم به؛
بل يبادرون إلى فعله، وهو سبحانه محيط
بهم، علیم خبير، فلا يخفى عليه منهم خافية
﴿بَلْ عِبَادٌّ مُكْرَمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ.
بِالْقَوْلِ وَهُمْ يَأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٢) يَعْلَمُ
مَا بَيْنَ أَيْدِيرِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا
لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ ))
[الأنبياء: ٢٦ - ٢٨](٢).
وفي سورة الزمر بين الله عز وجل بطلان
ما نسبه إليه المبطلون من اتخاذ الولد؛ بأن
بين أنه سبحانه له ملك كل شيء، وهو
سبحانه الذي يعبده كل شيء، ﴿لَوْأَرَادَ اللهُ
أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ
سُبْحَنَّهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَّهَارُ﴾ [الزمر:
٤].
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٨/٩.
٥٨
مَوَبُوابَرُ الْبَّقِين
القرآن الكريم

التسبح
ولو كان له ولد لم يكن له عبدًا، فأنى وقال السدي أيضًا: المعنى لو كان له ولد
كنت أول من عبده على أن له ولدًا؛ ولكن
لا ينبغي له ذلك سبحانه»(٢).
يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك
له في ملكه وسلطانه، والقهار لخلقه بقدرته،
فكل شيء له متذلل، ومن سطوته خاشع،
فتعالی وتنزه وتقدس عن أن یکون له ولد؛
فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل
شيء فقير إليه، وهو الغني عما سواه، قهر
الأشياء فدانت له وذلت وخضعت، تبارك
وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون
علوًا كبيرًا(١).
وفي آيتي الزخرف يسبح الله عز وجل
نفسه عن اتخاذ الولد بقوله سبحانه:
وقُلْ
إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَيِدِينَ (١) سُبْحَنَ
رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[الزخرف: ٨١ - ٨٢].
قال القرطبي: «المعنی: قل یا محمد: إن
ثبت لله ولد فأنا أول من یعبد ولده؛ ولکن
يستحيل أن يكون له ولد؛ وهو كما تقول
لمن تناظره: إن ثبت بالدليل فأنا أول من
يعتقده؛ وهذا مبالغة في الاستبعاد؛ أي لا
سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام،
والمعنى على هذا: فأنا أول العابدين لذلك
الولد؛ لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد. وقال
مجاهد: المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا
أول من عبده وحده، على أنه لا ولد له.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٥٣/٢١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٢/ ١١٢.
وفي سورة الصافات نزه الله عز وجل
نفسه عما نسبه المبطلون ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ
اِْنَّةِ تَسَبَأْ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (٥)
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨ -
١٥٩].
لقد افترى المشركون بهتانًا عظيمًا،
وقالوا زورًا کبیرًا؛ إذ زعموا أن بین الله وبین
الجن نسبًا؛ حيث زعموا أن الملائكة بنات
الله، وأن أمهاتهم من الجن، تعالى الله عما
يقولون علوًا كبيرًا، ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ
لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: والحال أن الجنة قد علمت
أنهم محضرون بين يدي الله ليجازيهم عبادًا
أذلاء، فلو کان بينهم وبينه نسب، لم يكونوا
كذلك، ﴿سُبْحَنَ اُلَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، الملك
العظيم، الكامل الحليم، سبحانه عما يصفه
به المشركون(٣).
وفي الآية الأخرى من السورة ﴿سُبْحَانَ
[الصافات:
رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
١٨٠].
((ينزه تبارك وتعالى نفسه ويقدسها
ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون
المعتدون، تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١١٩/١٦.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٠٨.
www. modoee.com
٥٩

حرف التاء
علوًا كبيرًا، ولهذا قال تبارك وتعالى:
﴿ سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي ذي العزة التي
لا ترام ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي عن قول هؤلاء
المعتدين المفترين))(١).
ثانيًا: تنزيه الله عز وجل نفسه عن
الشريك:
ورد في كتاب الله عز وجل عشر آيات
نزه الله عز وجل فيها نفسه - بلفظ التسبيح-
عن أن يكون له شريك يشاركه في الخلق أو
الملك أو الحكم(٢).
وقد ساق الله عز وجل -في هذه
الآيات- لعباده الأدلة الساطعة والبراهين
القاطعة المقنعة على بطلان القول باتخاذ
الشريك؛ فالله سبحانه غني عن الشركاء،
فهو خالق جميع المخلوقات، فكيف
لمخلوق أن يشارك الخالق؟!
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ
وَخَلَقَهُمَّ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍّ
سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام:
١٠٠].
ومن أعظم الأدلة التي ساقها الله عز
وجل على نفي الشريك: قوله سبحانه في
آية الإسراء: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُ: مَالِهَةٌ كُمَا يَقُولُونَ إِذَا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢/ ٨٠٣.
(٢) هذه الآيات هي: الأنعام: ١٠٠، التوبة: ٣١،
يونس: ١٨، النحل: ١، الإسراء: ٤٢-٤٣،
الأنبياء: ٣١-٣٣، المؤمنون: ٩١، القصص:
٦٨، الروم: ٤٠، الطور: ٤٣.
لَّأَ بْنَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا ) سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
يَقُولُونَ عُلُؤَّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣].
فلو كان هناك آلهة أخرى لتسابقوا
وتنافسوا إلى ذي العرش لإزالة ملكه
والتغلب عليه، أو المعنى لو كان آلهة
أخرى لسعوا إلى ذي العرش يبتغون رضاه
لأنهم دونه، وفي ذلك كله ردٌ على أولئك
المشركين الذين نسبوا لله الشريك، تعالى
الله عما يقولون علوا كبيرًا(٣).
وكذلك آية الأنبياء ﴿لَوْكَانَ فِيهِمَآ
ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ((فلو كان في
السموات والأرض آلهة أخرى سوى الله
عز وجل تدبر أمرهما، لفسدتا، ولخرجتا
عن نظامهما البديع، الذي لا خلل فيه ولا
اضطراب؛ وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه
التنازع والتغالب بينهم، فيختل نظام الكون،
ويضطرب الأمر، ويعم الفساد في العالم،
ولما كان المشاهد غير ذلك؛ إذ كل شيء
في هذا الکون یسیر بنظام محکم دقیق، دل
الأمر على أن لهذا الكون كله إلهًا واحدًا
قادرًا حکیمًا لا شريك له»(٤).
أما في آية المؤمنون فقد نزه الله عز وجل
نفسه عن اتخاذ الشريك، مبينًا دليلًا قطعيًا
آخر على وحدانيته واستغنائه عن الشركاء
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٨/٥.
(٤) الوسيط، طنطاوي ٩ / ١٩٧.
مُؤَسُولَرُ النَِّد
القرآن الكريم
٦٠

التسبح
مَا أَتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍّ
إِذَا لَّذَهَبَ كُلَّ إِلَمْ بِمَا خَلَقَ وَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِّ
سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
قال ابن القيم: ((فتأمل هذا البرهان الباهر
بهذا اللفظ الوجيز البين؛ فإن الإله الحق
لا بد أن یکون خالقًا فاعلًا، یوصل إلی عابده
النفع، ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه
إله لکان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى
بشرکة الإله الآخر معه؛ بل إن قدر على قهره
وتفرده بالإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على
ذلك انفرد بخلقه وذهب به، كما ينفرد ملوك
الدنيا عن بعضهم بعضًا بممالكهم، إذا لم
يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه،
فلابد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب کل
إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم
على بعض، وإما أن یکون كلهم تحت قهر
إله واحد، وملك واحد، يتصرف فيهم ولا
يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم عليه
ولا يمتنعون من حكمه عليهم، فيكون
وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون
المقهورون)) (١).
وفي آية القصص ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ
وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اَللَّهِ
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [القصص: ٦٨].
(يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق
والاختیار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا
(١) التفسير القيم ص ٣٣٨.
معقب، فما شاء کان، وما لم يشأ لم يكن،
فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها
إليه، وقوله: ﴿مَاكَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ بيان
انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار،
وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَنَ
اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّ ◌ُشْرِكُونَ ﴾ أي من الأصنام
والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا))(٢).
أما في آية الروم فقد نزه سبحانه نفسه
مبينًا بعض أفعاله التي لا يقدر عليها إلا هو
سبحانه، ﴿اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ
يُسِتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ هَلْ مِن شُرَّكَآَيُكُم مَّن
يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَىْءٍ سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]. فهل يقدر الشركاء
على شيء من ذلك؟ (٣).
ثالثًا: تنزيه الله عز وجل نفسه عن
النقائص من خلال بيان عظمته وقدرته:
سبح الله عز وجل نفسه في كتابه العزيز
عن كل ما نسبه إليه الكافرون المفترون،
وعن كل ما قد يظنه المبطلون من نقص أو
عجز أو سوء، ومجد سبحانه نفسه ببيان
بعض مظاهر قدرته وعظمته، وبيان بعض
أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وورد
ذلك في كتاب الله عز وجل بلفظ التسبيح
الصريح في تسعة مواضع (٤) في سبع سور،
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٩/١٠.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/ ٥٨١.
(٤) هذه المواضع هي: الإسراء: ١، النمل:
www. modoee.com
٦١

حرف التاء
وهذه المواضع هي:
قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ
الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ، لِتُرِيَهُ مِنْ
ءَايَِّنَّأْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
حيث ((ينزه تعالى نفسه المقدسة
ويعظمها؛ لأن له الأفعال العظيمة، والمنن
الجسيمة، التي من جملتها أنه أسرى بعبده
ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من
المسجد الحرام - الذي هو أجل المساجد
على الإطلاق- إلى المسجد الأقصى
- الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل
الأنبياء-؛ فأسري به في ليلة واحدة، إلى
مسافة بعيدة جدا، ورجع في ليلته، وأراه
الله من آياته ما ازداد بها هدى وبصيرة وثباتًا
وفرقانًا، وهذا من اعتنائه ولطفه به صلى
الله عليه وسلم؛ حيث يسره لليسرى في
جميع أموره، وخوله نعمًا فاق بها الأولين
والآخرين))(١).
وفي سورة النمل يقص علينا ربنا عز
وجل قصة موسى عليه السلام عندما قال
لأهله -في طريق عودته إلى مصر -: ﴿إنّ
مَانَسْتُ نَارًا سَنَاتِكُمِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَاپٍ قَبْسٍ
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) فَلَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ
٦-٧، الروم: ١٧ - ١٨، يس: ٢،٣٦-٨٣،
الصافات: ١٥٨ - ١٥٩، ١٨٠، الزمر: ٦٧،
الحشر: ٢٣.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٣.
مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[النمل: ٧ - ٨].
ففي ذيل الآية الأخيرة نزه الله عز وجل
نفسه المقدسة عن كل نقص أو سوء قد
يتطرق إلى بعض العباد؛ فنزه سبحانه نفسه
عن مشابهة المخلوقات، يفعل سبحانه ما
يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا
يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي
العظيم، المباين لجميع المخلوقات، لا
تكتنفه الأرض والسموات؛ بل هو الأحد
الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات (٢).
أما في آيتي سورة الروم: ﴿فَسُبْحَنَ اُللَّهِ
حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ
فِي السَّمَوَنِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
[الروم: ١٧ - ١٨].
فیسبح الله عز وجل نفسه، ویأمر عباده
أن يسبحوه في هذه الأوقات، وقد حمل كثير
من المفسرين المقصود بالتسبيح في هاتين
الآيتين على الصلوات الخمس المفروضة.
قال ابن الجوزي: ((قال المفسرون:
المعنى فصلوا لله حين تمسون، أي حین
تدخلون في الظهيرة، وهي وقت الزوال،
وعشيًا: أي وسبحوه عشيًا، وهذه الآية قد
حِينَ
جمعت الصلوات الخمس؛ فقوله:
تُمْسُونَ﴾ يعني به صلاة المغرب والعشاء،
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٠/ ٣٩٣.
جَوَسُولَة الَّ
القرآن الكريم
٦٢

التسبح
﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ يعني به صلاة الفجر،
﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
الظهر)»(١).
وفي سورة يس سبح الله عز وجل نفسه
في موضعين: الأول: قوله: ﴿ سُبْحَنَّ الَّذِى
خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ وَمِنْ
أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
والآخر: قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَّيْئًا
فَسُبْحَانَ الَّذِى
أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ ®
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢
- ٨٣].
وفي كلا الموضعين ينزه الله عز وجل
نفسه ببيان بعض مظاهر عظمته وقدرته،
وبديع خلقه وعظيم سلطانه وملكوته، فتنزه
من خلق الأزواج والأصناف جميعًا، من
النبات والحيوان والإنسان ومما لا نعلم(٢)،
وتنزه من بيده ملك كل شيء، وخزائن کل
شيء، المتصرف في كل شيء، والجميع
راجع إليه سبحانه(٣).
وفي سورة الزمر بيان لعظيم قدرة الملك
سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِنَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
فالمشركون الذین أشركوا مع الله غيره،
(١) زاد المسير ٦/ ٢٩٣.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ١١٦/٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٥٥٧.
أو نسبوا لله الصاحبة أو الولد، أو افتروا
على الله الكذب والبهتان، ما عرفوا الله حق
المعرفة، وما عظموه وما قدروه حق قدره،
وهو الذي يجعل الأرض بكل طبقاتها
وأجزائها في قبضته، والسموات يطويها
بيمينه -وذلك يوم القيامة-، فالسموات
والأرض جميعًا في يده، ويقول: أنا الملك،
أين الملوك؟ صاحب هذه القدرة العظمى
کیف یعبد معه آلهة أخرى؟!
لذا نزه الله تعالى نفسه بقوله:
﴿سُبْحَنَهُ﴾ أي تنزه وتقدس عن الشريك
والنظير والصاحبة والولد، وعن صفات
المحدثين، وتعالى عما يشركون، وترفع
عن أن یکون له شريك، وهو رب كل شيء
وملیکه (٤).
أما في آية الحشر فقد نزه الله عز وجل
نفسه بعد أن ذكر بعض أسمائه الحسنى
وصفاته العلى، فقال سبحانه:
﴿هُوَ
اللَّهُ الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ
السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَنَّارُ
الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[الحشر: ٢٣].
«فالله سبحانه هو المعبود بحق، الذي لا
إله إلا هو، الملك لجميع الأشياء، المتصرف
فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزه عن كل
نقص، الذي سلم من كل عيب، المصدق
(٤) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٥٠٧.
www. modoee.com
٦٣

حرف التاء
رسله وأنبياءه بما يرسلهم به من الآيات
البينات، الرقيب على كل خلقه في أعمالهم،
العزيز الذي لا يغالب، الجبار الذي قهر
جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، المتكبر
الذي له الكبرياء والعظمة. تنزه الله تعالى
عن کل ما یشرکونه به في عبادته))(١).
هذه هي المواضع من كتاب الله عز
وجل التي ورد فيها تسبيح الله عز وجل
لنفسه بلفظ التسبيح الصريح، وقد رأينا
أن التسبيح فیها کان بمعنی تقدیس الله عز
وجل وتنزيهه عن كل ما لا يليق به سبحانه؛
فنزه تعالى نفسه عن اتخاذ الولد، ونزه
نفسه عن اتخاذ الشريك، ونزه نفسه عن
المثيل والشبيه، وسمى سبحانه نفسه بأعظم
الأسماء وأحسنها، ونبه سبحانه عباده على
بعض مظاهر قدرته وعظمته وجبروته، وفي
ذلك توجيه عظيم للعباد بأن يعظموا ربهم،
ويسبحوه، ولا يغفلوا عن ذكره سبحانه
طرفة عين.
المسبحون لله عز وجل من المخلوقات
لقد بين الله عز وجل في كتابه العزيز أن
جميع المخلوقات تسبح له سبحانه، ﴿ُسَمِحُ
لَّهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ
إِلَّا يُسَوَحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ
حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
وذكر عز وجل في كتابه العزيز تسبيح
بعض مخلوقاته على وجه الخصوص؛ فذكر
تسبيح الملائكة، وتسبيح بعض الأنبياء،
وتسبيح المؤمنين، وتسبيح من عبدوا من
دون الله، وفي المطالب التالية سنقف بإذن
الله تعالى مع الآيات التي ذكرت تسبيح هذه
المخلوقات لربها عز وجل.
أولًا: تسبيح الملائكة عليهم السلام:
الملائكة خلق من خلق الله عز وجل،
وهم عباد مكرمون، خلقهم سبحانه لعبادته،
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ،
وَيُسَبِّحُونَهُ, وَلَّهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
والإيمان بالملائكة ركن من أركان
الإيمان الستة، فمن أنكرهم فهو كافر،
﴿وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ.
وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء:
١٣٦].
ولقد أخبر الله عز وجل عن تسبيح
الملائكة لربها سبحانه في عشرة مواضع من
(١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ٥٤٨.
مُوسُو بعد النفسيةالعضوي
القرآن الكريم
٦٤

التسبح
الكتاب العزيز
(١)
في تسبيح الملائكة، فقال ابن مسعود
وبتأمل الآيات التي ورد فيها ذلك وابن عباس: تسبيحهم: صلاتهم. وقيل:
نستخرج منها الحقائق الآتية:
١. وظيفة الملائكة عبادة الله عز
وجل وتسبيحه وتقديسه وتنزيهه
سبحانه.
فهم عبادٌ لله، لا يستكبرون عن عبادته
تحسرون ﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ، لَا يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا
يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩].
وفي هذا إيطال لما افتراه المفترون من
أن الملائكة بنات الله، أو أنهم شركاء لله
عز وجل، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا،
وقد صرحت الملائكة نفسها بذلك في قوله
تعالى على لسانهم: ﴿وَغَّحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَّكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وتسبيح الملائكة لله بمعنى تعظيمه
سبحانه، وتنزيهه عن كل سوء أو نقص،
وقيل: تسبيح الملائكة: أي صلاتهم لله
عز وجل، وقيل: تسبيحهم: أي التسبيح
المعلوم، وهو قولهم سبحان الله (٢).
قال القرطبي: ((اختلف أهل التأويل
(١) هذه المواضع هي: البقرة: ٣٠-٣٢،
الأعراف: ٢٠٦، الرعد: ١٣، الأنبياء: ١٩-
٢٠، سبأ: ٤٠-٤١، الصافات: ١٦٤-١٦٦،
الزمر: ٧٥، غافر: ٧، فصلت: ٣٨، الشورى:
٥.
(٢) انظر جامع البيان، الطبري ١/ ٤٧٢.
تسبيحهم: رفع الصوت بالذكر، قاله
المفضل. وقال قتادة: تسبيحهم: سبحان
الله، على عرفه في اللغة. وهو الصحيح
لما رواه أبو ذر رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام
أفضل؟ قال: (ما اصطفی الله لملائكته أو
لعباده، سبحان الله وبحمده)(٣))(٤).
٢. الملائكة يبدؤون حديثهم مع
ربهم عز وجل بتسبيحه سبحانه.
وذلك من شدة تعظيمهم له، وعظيم
تأدبهم معه سبحانه، فعندما علم الله عز
وجل آدم الأسماء كلها وقال لملائكته:
﴿أَنِثُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾
[البقرة: ٣١].
ردت ملائكة الرحمن بأدب جم وتعظيم
قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَا
وإجلال للرب سبحانه:
عِلْمَ لَنَّا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ اْحَكِيمُ﴾
[البقرة: ٣٢].
فبدأوا قولهم بتسبیح ربهم عز وجل،
وفي ذلك تقديس وتنزيه لله تعالى أن يحيط
أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، أو أن يعلم
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة، باب فضل سبحان الله
وبحمده، رقم ٢٧٣١، ٢٠٩٣/٤.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٧٦.
www. modoee.com
٦٥

حرف التاء
الملائکة شيئًا إلا ما علمهم الله تعالى(١).
ويوم القيامة يحشر الله عز وجل الخلق
جميعًا، ويقول لملائكته: ﴿أَهَؤُلَاء إِيَّاكُ
كَانُو ◌ْيَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠].
فيكون جوابهم لربهم مبتدءًا بالتسبيح
له سبحانه: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن
دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلْجِنُّ أَكْثَرُهُم بِهِم
مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١].
فالملائكة بدأت كلامها بتنزيه الله عز
وجل عن الشرك أو الند، ثم تبرأت مما
افتراه المشركون من عبادتهم من دون الله
عز وجل، ثم أقرت الملائكة لربها بأنهم
مفتقرون إلى ولايته، مضطرون إليها، فكيف
يدعون غیرهم إلى عبادتهم؟ أم كيف يصلح
لأن يتخذوا من دون الله أولياء وشركاء؟
فما هم إلا عباد لله منقادون مطيعون له
سبحانه(٢).
٣. الملائكة تسبح ربها عز وجل
تسبيحًا دائمًا متواصلاً من غير انقطاع
ولا فتور ولا سآمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ, وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾﴾
[الأعراف: ٢٠٦].
فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَرَبِّكَ﴾
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤٩٣، تفسير
القرآن العظیم، ابن كثير ٣٥٠/١.
(٢) انظر: تفسير السمرقندي ٨٨/٣، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٨١.
يعني بهم الملائكة(٣).
وقد وصفهم الله عز وجل في الآية بثلاثة
أوصاف: أنهم لا يستكبرون عن عبادة الله
تعالى، وأنهم يسبحونه، وأنهم يسجدون
له، وهذه الأوصاف الثلاثة دالة على كمال
عبوديتهم لله تعالى ؛ حيث قد اجتمعت
لهم العبادة القلبية والقولية والبدنية؛ فعدم
استكبارهم عبادة قلبية نشأ عنها العبادة
القولية والبدنية (٤).
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَهُمَن
فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ٦ يُسَبِّحُونَ
الَّيْلَ وَالتَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
وقد تضمنت هذه الآية بيان أن الملائكة
-زيادة على عدم استكبارهم عن عبادة
ربهم عز وجل- ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾
أي: لا يتعبون ولا يملون(٥)، ولهذا فهم
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، وهذا
کالبيان لقوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ لأن من
یحب أمرًا ولا یتعب منه، لا یترکه ولا يمل
منه؛ بل يواظب عليه (٦).
ونظير هذا أيضًا في كتاب الله عز وجل
قوله تعالى: ﴿فَإِنِ أَسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ
عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣/ ٣٥٧.
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤ / ٤٥٠.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٦/٩.
(٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦/١٧.
جَوَسُو ◌َرَ النَفسِ الوضويـ
القرآن الكريم
٦٦

التسبح
يَسْشَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
فهذه الآيات دالة على قوة الملائكة
وكمال حياتهم، وشدة الداعي القوي منهم
إلی تسبيح الله تعالى وملازمته، فلا یلحقهم
فيه فتور ولا سآمة، ولا يشغلهم عنه شاغل،
وهم مستغرقون دائمًا في العبادة والتسبيح
في جمیع أوقاتهم، فليس في أوقاتهم وقت
فارغ ولا خالٍ منها، وهم على كثرتهم بهذه
الصفة، وفي هذا من بيان عظمة الله عز وجل
وجلالة سلطانه و کمال علمه وحكمته(١).
٤. لقد أخبر القرآن الكريم عن
تسبيح الملائكة على العموم، وأخبر
كذلك عن تسبيح حملة العرش
والحافين من حوله من الملائكة على
الخصوص.
وذلك في موضعين منه.
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى
الْمَلَبِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوّلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ
بِحَمْدِرَتِمٌ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
وقد جاءت هذه الآية في سياق الحديث
عن أحداث يوم القيامة وما يقع فيه من
القضاء بين العباد، ووفيت كل نفس ما
عملت، ودخول أهل الجنة الجنة، ودخول
أهل النار النار، فقوله تعالى: ﴿وَتَرَى
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٦٨١.
الْمَلَبِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوّلِ الْعَزْشِ﴾، أي في
ذلك اليوم العظيم ترى الملائكة محدقين
محيطين بالعرش ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَيْهِمْ﴾،
أي: يمجدونه ويعظمونه ويقدسونه،
وينزهونه عن الظلم والجور، وعن كل ما لا
يليق بجلاله، وقوله: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِ﴾
أي: قضي بين الخلائق بالعدل، ﴿وَقِيلَ
اُلْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ وهذا إخبار عن حمد
الكون أجمعه لله رب العالمين، عقب
قضائه سبحانه بالحق بين خلقه (٢).
أما الموضع الآخر: فهو قول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ
رَِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحِيمِ﴾
[غافر: ٧].
حيث بينت الآية الكريمة تسبيح صنفين
من ملائكة الرحمن: من يحملون العرش،
ومن يطوفون حول العرش، ثم أخبرت الآية
الكريمة بثلاثة أمور عن هؤلاء الملائكة
العظام:
الأمر الأول: أنهم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ
نَێم﴾ وهذا مدح لهم بكثرة عبادتهم لله عز
وجل، وخصوصًا التسبيح والتحميد (٣).
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٣٤/٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٢ / ١٦٣.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٣٢.
www. modoee.com
٦٧

حرف التاء
والأمر الثاني: أنهم ﴿وَيُؤْمنُونَ په.﴾ أي:
((يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويشهدون
بذلك، لا يستكبرون عن عبادته)»(١).
والأمر الثالث: أنهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ أي: يستغفرون للمؤمنين من أهل
الأرض، ممن آمن بالغيب، وأقر بمثل إقرار
الملائكة من توحيد الله عز وجل والبراءة
(٢)
من كل معبود سواه .
وتخصيص هذين الصنفين من الملائكة
بالذكر في الموضعين السابقين دليل على
ما لهما من شأن عظيم؛ إذ اختارهم الله
عز وجل لحمل عرشه العظيم والطواف
من حوله، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة
وأعظمهم وأقواهم وأقربهم منه عز وجل(٣).
٥. الملائكة تمدح نفسها بتسبيحها
لربها عز وجل؛ إظهارًا لعبوديتها
له سبحانه، وإخبارًا بفضله وامتنانه
عليهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلْتَبِكَةِ
إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا
مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
يَحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
(١) جامع البيان، الطبري ٣٥٤/٢١.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٩٠٩/١٢.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٣٢.
والشاهد من الآية هنا: قول الملائكة
مقرين بتسبيحهم لله عز وجل، مادحين
أنفسهم بذلك: ﴿وَتَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي: ننزهك ونبرئك مما
يصفك المشركون مما لا يليق بك (٤).
وفي سورة الصافات(٥) تمدحت
الملائكة بتسبيحها لله عز وجل: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ
الصَّافُونَ ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ اْسُبِّحُونَ﴾ [الصافات:
١٦٥ - ١٦٦].
قال قتادة: ((هذا قول الملائكة يثنون
بمكانهم من العبادة)»(٦).
وقال ابن كثير في قوله تعالى حكاية
عن ملائكته: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ اَلْسَبِّحُونَ﴾: ((أي
نصطف، فنسبح الرب، ونمجده ونقدسه،
وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء
إلیه، خاضعون لدیه»(٧).
٦. وصف الله عز وجل حال
الملائكة في تسبيحهم له سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ،
وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
فالملائكة تسبح ربها عز وجل من
خيفته؛ ومن هنا: للتعليل، وخيفته يعني:
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٤/١.
(٥) ذكر المفسرون أن المراد بالصافات الملائكة
الصافات لربها في السماء.
انظر: جامع البيان، الطبري ٢١ / ٥٥٧.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٢١/ ١٢٨.
(٧) تفسير القرآن العظيم ١٢/ ٨٠٠.
مَوَسُولَهُ النَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٦٨

التسبح
هيبته وإجلاله ورهبته(١).
وعلى هذا فلا يظن ظانٌ من وصف وأكملهم علمًا وعقلًا وخلقًا، وأعظمهم
الملائكة بأنهم يسبحون الليل والنهار لا
يفترون، وأنهم يلهمون التسبيح كما يلهم
الناس النفس (٢) أن التسبيح يصدر منهم
على وجه العادة بلا شعور ولا اهتمام، فهذا
الظن بعید غیر صحیح؛ إذ الملائكة يسبحون
الله خاشعین له، خائفین منه.
قال ابن عباس رضي الله عنه: ((يخافون
الله، ولیس کخوف ابن آدم، لا يعرف
أحدهم من على يمينه، ومن على يساره، ولا
يشغله عن عبادة الله شيء))(٣).
٧. إذا علم المؤمن بتسبيح الملائكة
لربها عز وجل كما أخبر سبحانه،
فينبغي له أن يقتدي بهم في ذلك.
فیکثر من تسبيح ربه عز وجل بالليل
والنهار على قدر طاقته؛ فإن إخبار الله عز
وجل عن تسبيحهم فيه حثّ للمؤمنين،
وترغيبٌ لهم أن يقتدوا بهم فيما ذكر
عنهم(٤).
ثانيًا: تسبيح الأنبياء عليهم السلام:
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٦٦/٥،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٤/١٣.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان موقوفًا على
كعب الأحبار، ٣١٧/١،١٥٨، وانظر: تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٩/ ٣٩٧.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٣١٤.
(٤) انظر: التسبيح في الكتاب والسنة، محمد
کندو ١/ ٢٩٢.
الأنبياء عليهم السلام هم صفوة البشر،
عبادة وتسبيحًا وتقديسًا لله عز وجل؛
اعتقادًا وقولًا وعملًا؛ لأن الله عز وجل قد
اصطفاهم على الناس برسالاته، وخصهم
بوحيه، وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في
تبليغ دينه، وأقام بهم الحجة على خلقه.
وقد ذكر الله عز وجل في كتابه تسبيح
بعض أنبيائه، وذلك في سياق ما قصه
سبحانه من قصصهم وأخبارهم، فقد ذكر
الله عز وجل تسبيح يونس عليه السلام،
وتسبيح موسى عليه السلام، وتسبيح داود
عليه السلام، وتسبيح زكريا عليه السلام،
وتسبیح عیسی علیه السلام، وتسبيح محمد
صلى الله عليه وسلم، وسنقف بإذن الله مع
الآيات التي ورد فيها ذلك فيما يأتي:
أولًا: تسبيح يونس عليه السلام.
قص الله عز وجل في غير موضع من
كتابه العزيز جوانب من قصة يونس عليه
السلام، ويونس عليه السلام قد بعثه الله
عز وجل إلى أهل قرية نينوى من أرض
الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا
عليه وتمادوا في کفرهم، فخرج من بین
أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب
بعد ثلاثٍ، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا
أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء
بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم يتضرعون
www. modoee.com
٦٩

حرف التاء
إلى الله عز وجل، فرفع الله عنهم العذاب. كل نقص وعيب، واعترف بظلم النفس
و جنایتها، کان الفرج من الله عز وجل(٢)،
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، وَتَجَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ
نُشُحِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
وأما يونس عليه السلام فإنه ذهب فرکب
مع قومٍ في سفينة، فلججت بهم، وخافوا أن
يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم
يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس
عليه السلام، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها
فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها
فوقعت عليه أيضًا، فقام عليه السلام وألقى
بنفسه في اليم، فالتقمه الحوت، وغاص به
في ظلمات البحار (١).
وَإِنَّ يُونِّسَ لَمِنَ
قال الله تعالى:
الْمُرْسَلِينَ ﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ
١٤٠
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ، فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ
١٤٣
وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ فَلَوْلَا أَنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: ١٣٩
- ١٤٤].
لقد أخبر الله عز وجل أن عبده ونبيه
يونس عليه السلام بادر -وهو في تلك
الظلمات- إلى مناداة ربه عز وجل، وتسبيحه
وتوحيده، واعترف بظلمه لنفسه.
قال تعالى: ﴿ وَذَا اُلتُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا
فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ
لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وبهذا الدعاء العظيم، الذي فيه إقرار
لله تعالى بكمال الألوهية، وتنزيه عن
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٩/ ٤٣٤.
لقد كان تسبيح يونس عليه السلام لربه
عز وجل سببًا لتفريج كربته وزوال شدته،
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ، كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( لَلَبِثَ فِىِ
بَطْنِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣-
١٤٤].
وللمفسرين ثلاثة أقوال في معنى قوله
تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
أولها: من المصلين، قاله ابن عباس
وسعید بن جبير.
والثاني: من العابدين، قاله مجاهد
ووهب بن منبه.
والثالث: قول ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾،
قاله الحسن(٣).
أما الزمن الذي کان فیه هذا التسبيح فقد
قال بعض المفسرين: إنه عليه السلام كان
من المسبحين قبل أن يلتقمه الحوت.
وقال آخرون: إنه كان من المسبحين
وهو في بطن الحوت (٤)، ولا خلاف بين
القولين؛ فإن نبي الله يونس عليه السلام
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٢٩.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٨٧/٧.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٠٨.
٧٠
العضو
مُوسُو ◌َة النشـ
القرآن الكْرِيْمِ

التسبح
كان -ولاشك- من المسبحين قبل التقام شيء قط إلا استجاب الله له)(٣).
الحوت له، فهو نبي من أنبياء الله، وهم خير
خلق الله عز وجل، و خیر من سبحه سبحانه.
وأما كونه من المسبحين في بطن الحوت
فقد دل علیه قول الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِ
القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
والخلاصة: أن تسبيح يونس عليه السلام
كان سببًا في تفريج كربته، وفي ذلك موعظة
وفائدة للعباد جميعًا بأن التسبيح سبب
لتفريج الكروب وزوال الشدائد (١).
فقد قال الله سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا
لَهُ وَتَيْنَهُ مِنَ الْغَدَّ وَكَذَلِكَ تُشْجِى
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
ففي الآية بشارة لكل مؤمن يقتدي بيونس
عليه السلام في إخلاصه وصدق توبته،
ودعائه لربه، بأن الله عز وجل ينجيه من
کریه، ويخلصه من همه(٢).
وقد جاء هذا المعنى في حديث النبي
صلى الله عليه وسلم إذا قال: (دعوة ذي
النون إذ دعا وهو في بطن الحوت ﴿لَّ
إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ
اَلَّْلِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٢٩.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١١/ ٣٣٤، الوسيط، طنطاوي ٢٤٥/٩.
ثانيًا: تسبيح موسى عليه السلام.
ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه
وكليمه موسى عليه السلام في موضعين من
كتابه العزيز:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ
مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبٍّ أَرِفِي أَنْظُرْ
إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ
أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَنِيَّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ.
لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَّاً
أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
ففي هذه الآية بيان أن موسى عليه السلام
طمع في رؤية ربه عز وجل حین کلمه من
وراء حجاب، ولم يعنفه الله عز وجل على
ذلك؛ لأنه سأل ما يجوز (٤)؛ ولكن الله عز
وجل أراد أن يري موسى عليه السلام من
كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أن القوة
البشرية في هذه الدار الدنيا لا تثبت لرؤيته
ومشاهدته عیانًا، ولهذا قال له: ﴿َنْ تَرَنِی
وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَهُ.
فَسَوْفَ تَرَنِى﴾، يعني أن الجبل -رغم صلابته
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات،
باب رقم ٨٢، ٤٨٤/٥، رقم ٣٥٠٥، عن
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع
رقم ٣٣٨٣.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٧٥/٣.
www. modoee.com
٧١

حرف التاء
وعظمته- لا يستقر مكانه إذا تجلى الله عز على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَأَجْعَل ◌ِ
وَزِيرًا مِنْ أَهلِى مَرُونَ آَخِى أَشْدُدْ بِهِ= أَزْرِى
وجل له، فكيف بالإنسان الضعيف؟!(١).
وَأَشْرِكُهُ فِ أَمْرِىِ كَمْ شُبِحَكَ كَثِيرًا
وَنَذْكُرُكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٥)﴾ [طه:
٢٩ - ٣٥].
وقد تبين ذلك لموسی علیه السلام حين
رأی الجبل قد صار دگًا عندما تجلى له ربه
سبحانه، وسقط موسى عليه السلام مغشيًا
عليه من هول ما رأى، وهذا معنى قوله
تعالى: ﴿فَلَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَثًا
وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾(٢).
ولما أفاق موسى عليه السلام من غشيته
كان أول ما نطق به تسبيح الله عز وجل
﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَكِنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا
أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، سبح ربه في هذا الموقف
الجليل الهائل الذي رأى فيه من عظمة ربه
وجلاله ما يستدعي التسبيح؛ تعظيمًا لله عز
وجل، وتنزیھًا له عما لا يليق بكماله وعظمته
سبحانه، ومن أن یقوی أحد من الخلق على
رؤيته عيانًا في هذه الحياة الفانية.
ولهذا أتبع التسبيح بقوله: ﴿يُّنْتُ إِلَيْكَ
وَأَنَّأْ أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: تبت إليك من
مسألتي إياك ما سألتك من الرؤية، وأنا أول
المؤمنين بأنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات،
وقيل: المراد أول المؤمنين من بني إسرائيل
بما توحیه إلى(٣).
أما الموضع الثاني: فهو قول الله تعالى
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٥٤/٢.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٠٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٤/١٣.
ففي الآيات بيان أن موسى عليه السلام
طلب من الله تعالى أن يجعل له من أخيه
هارون معينًا على تبليغ الرسالة وتحمل
أعبائها، يتقوى به ظهره، وذلك بأن يكون
معه نبيًا مرسلًا من الله عز وجل، وعلل
کی
موسى عليه السلام طلبه هذا بقوله:
نُسبِّعَكَ كَثِيرَانَ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا
بَصِيرًا (٥)، حيث علم موسى عليه السلام
أن مدار العبادات کلها والدین کله علی ذکر
الله عز وجل وتسبيحه؛ فسأل الله أن يجعل
أخاه معه يساعده ويعاونه على البر والتقوى،
فیکثر منهما ذكر الله من التسبيح والتهليل
وغيره من أنواع العبادات(٤).
ثالثًا: تسبيح داود عليه السلام.
ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه داود
عليه السلام من خلال ذكر تسبيح الجبال
والطير معه، وقد جاء ذلك في كتاب الله عز
وجل في ثلاثة مواضع وهي:
١. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ
يُسَبِّحْنَ وَاُلَّيْرَ وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٠٤، أيسر التفاسير، الجزائري ٣٤٦/٣.
٧٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ