النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
التَرْكَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم التزكية
٨
التزكية في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
١٣
من له تزكية النفوس؟
١٧
أنواع الثناء على النفس
٢٢
أنواع التزكية
٢٥
التزكية وظيفة الأنبياء وأتباعهم
٢٩
وسائل التزكية في القرآن
٤٧
جزاء التزكية
المُجَلَدَ التَّاشِعْ

حرف التاء
مفهوم التزكية
أولًا: المعنى اللغوي:
تدل مادة (زكا) على النمو والزيادة (١). قال الراغب: ((وأصل الزكاة: النمو الحاصل عن
بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية. يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل
منه نمو وبركة، ومنه الزكاة: لما يخرج الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك
لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما
جميعا، فإن الخيرين موجودان فيها» (٢)
ويقال: ((زكى الرجل نفسه تزكيةً أي: مدحها. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَُّ
بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. قيل: لا تمدحوها بحسن أعمالها))(٣).
وقد تطلق التزكية على الصلاح، قال الفيومي رحمه الله: ((زكا الرجل يزكو إذا صلح
وزكيته - بالتثقيل - نسبته إلى الزكاء وهو الصلاح)) (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
التزكية: إنها تعني: تطهير النفس من نزعات الشر والإثم، وتنمية فطرة الخير فيها؛ مما
يؤدي إلى استقامتها، وبلوغها درجة الإحسان(٥).
وقيل: تخليص النفس الإنسانية من كل ما يتعلق بها من شوائب، ونواقص، وترسيخ
الفضائل والقيم النبيلة والأخلاق السامية فيها، وتوجيهها إلى كل ما فيه الخير والصلاح (٦).
وترجمة ذلك كله في كلمتين مشهورتين عن أهل السلوك والطريق، وهما: (التخلية)
و(التحلية). والمقصود من التخلية: هو تطهير النفس من الرذائل؛ كالحسد والرياء والكبر،
والعجب وحب الدنيا، وغيرها من الرذائل. والمقصود بالتحلية: هو العمل بالطاعات
والمبرات والقربات؛ مما يترتب عليه تحلي النفس وتزكيتها بالفضائل؛ كالعفة والشجاعة
والعدل والصدق.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨/٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهانى ١/ ٣٨١.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٩٠.
(٤) المصباح المنير، الفيومي ١/ ٢٥٤.
(٥) منهج الإسلام في تزكية النفس، دأحمد كرزون ١/ ٥.
(٦) مفهوم التزكية وتطبيقاتها في التربية الإسلامية، نايف الشريف ص ٢١٩.
٨
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

الشركة
التزكية في الاستعمال القرآني
وردت مادة (زكى) في القرآن (٢٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٥
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ﴾ [الشمس: ٩]
الفعل المضارع
١٥
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَّا زَكِيًّا
١٩
صيغة المبالغة
٢
[مريم: ١٩]
وجاءت التزكية في الاستعمال القرآني على ثلاثة وجوه:
الأول: الإصلاح: ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾
[التوبة:١٠٣]. أي: تصلحهم بها.
الثاني: الثناء والمدح: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. أي: فلا
تمدحوها (٢).
الثالث: الطهارة والنقا: ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا ﴾ [الشمس: ٩] أي:
طهرها من الذنوب والمعاصي (٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٣٣١.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٣٧.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٨٨/٥.
www. modoee.com
١٩

حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
١
التربية:
التربية لغة:
قال ابن فارس: («الراء والباء والحرف المعتل يدل على أصل واحد، وهو: الزيادة والنماء.
تقول: ربا الشيء يربو، إذا زاد)». ويتعدى بالتضعيف فيقال: ربيته وتربيته فتربى. وهذا مما
یکون علی معنیین:
أحدهما: من الذي ذكره، وهو النمو والزيادة؛ لأنه إذا ربي نما وزكا وزاد.
والمعنى الثاني: من ربيته من التربيب، من رب، بمعنى أصلحته وأحسنت القيام على
أمره (١).
التربية اصطلاحًا:
يرى ابن سينا: أن التربية تعني: إبلاغ الذات إلى كمالها الذي خلقت له. وقيل: التربية:
تعني: تنمية وزيادة الوظائف الجسمية والعقلية والخلقية عند الإنسان، وذلك بهدف البلوغ
إلى الكمال والرقي والتمام الإنساني، ولا يتم ذلك إلا عن طريق التدريب والمجاهدة
المستمرة، بالإضافة إلى وجود القابلية والطواعية لدى هذا الإنسان (٢). وقيل: التربية طريقة
لإعداد الإنسان الصحيح والصالح والمتميز بسلوكه الفكري والإنساني، والقادر على
توظيف مصادر المعرفة لديه في حل مشاكله ومشاكل مجتمعه(٣).
الصلة بين التزكية والتربية:
عن العلاقة بينهما يقول الشيخ محمد الغزالي: ((والتزكية أقرب الكلمات وأدلها على
معنى التربية، بل تكاد التزكية والتربية تترادفان في إصلاح النفس، وتهذيب الطباع، وشد
الإنسان إلى أعلى؛ كلما حاولت المثبطات والهواجس أن تسف به وتعوج))(٤).
(١) انظر: مادتي ربا ورب في مقاييس اللغة ٣٨١/٢ - ٤٨٤، المصباح المنير، الفيومي ٢١٧/١، ٢١٤.
(٢) انظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا ص ٢٦٦، جوانب التربية الإسلامية الأساسية، مقداد يالجن،
ص ٢٢، التربية الوالدية في مرحلة الطفولة المبكرة، محمد القزاز ص ١٤١.
(٣) انظر: المباديء التربوية في القرآن الكريم، ثاراس محمد صالح، ص ٤.
(٤) انظر: نظرية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع، محمد الغزالي، ص ١٠.
١٠
القرآن الكريم

التركية
التطهير:
٢
التطهير لغة:
هو النقاء من الدنس والنجس ومن كل ما يشين (١).
فالتطهير في المفهوم اللغوي يدور حول: النزاهة والنظافة، والخلوص من الأدناس؛
حسية كانت كالأنجاس، أم معنوية كالعيوب من الحقد والحسد ونحوهما (٢).
التطهير اصطلاحًا:
المقصود به في بحثنا: تطهير النفس وتنزيهها من الذنوب والخطايا والعيوب المعنوية،
كالحقد والغل والكبر ونحوهم.
الصلة بين التزكية والتطهير بناءً على ماسبق ذكره:
يكونان متقاربين إلى غاية كبيرة في المفهوم والمضمون.
٣
التهذيب:
التهذيب لغة:
التنقية مما يعيب. قال ابن فارس: («الهاء والذال والباء: كلمة تدل على تنقية شيء مما
يعيبه. يقال: شيء مهذب: منقى مما يعيبه. وأصله الإهذاب: السرعة في الطيران والعدو،
ومعناه أنه لا يمكن التعلق به ... كذلك المهذب لا يتعلق منه بعيب))(٣)، فتنقية كل شيء
وإصلاحه وتخليصه من الشوائب يسمى تهذيبًا (٤).
التهذيب اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين التزكية والتهذيب:
هما متقاربان في المفهوم والمضمون.
(١) المصباح المنير، الفيومي ٣٧٩/٢، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٥٦٨.
(٢) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠٩/١٧.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥/٦.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٨٦/٤.
www. modoee.com

حرف التاء
الندسية:
٤
التدسية لغة:
إدخال الشيء تحت الشيء بما بفيد الستر والخفاء(١).
قال ابن منظور: ((دسس: الدس: إدخال الشيء من تحته، دسه يدسه دسًا فاندس
ودسسه ..... ، ودسه يدسه دسًا إذا أدخله في الشيء بقهرٍ وقوة))(٢). وقال الفيومي: ((دسه
في التراب دسا -من باب قتل- أي: دفنه فيه، وكل شيء أخفیته فقد دسسته، ومنه يقال
الجاسوس: دسيس القوم» (٣).
وفي التنزيل العزيز: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّتِهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنَهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠].
يعني: ﴿أفلح من﴾ جعل نفسه زکیةً مؤمنةً، و﴿نَابَ مَن دَسّنها ﴾ في أهل الخير ولیس
منهم (٤). قال البغوي: ((و﴿دَسَّنَهَا﴾ أصله: دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء،
فأبدلت السين الثانية ياء. والمعنى هاهنا: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية))(٥).
التدسية اصطلاحًا:
لا تخرج عن المفهوم اللغوي.
الصلة بين التزكية والتدسية:
العلاقة بينهما التناقض كما هو واضح. قال الزمخشري: ((ودسى نفسه: نقيض زكاها))(٦).
(١) مختار الصحاح، الرازي ص ١٠٤.
(٢) لسان العرب ٨٢/٦.
(٣) المصباح المنير، الفيومي ص.١٩٤.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٧٧.
(٥) معالم التنزيل ٤٣٩/٨.
(٦) أساس البلاغة، ٢٨٦/١.
مَوَسُولَةُ الَّة
القرآن الكريم
١٢

التركية
من له تزكية النفوس؟
مما لاشك فيه أن الحق سبحانه وتعالى
هو المطهر للنفوس المزكي لها بهدايته
وتوفيقه؛ ولهذا نسبت التزكة إليه في قوله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ بَلِ
اللَّهُ يُزَكِّ مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( أَنْظُرْ
كَيّفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَلِبَ وَكَفَى بِ إِثْمَّا مُبِينًا﴾
[النساء: ٤٩ - ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ
أَنفُسَهُم﴾ عام في ظاهره، ولم يختلف أحد
من المتأولين في أن المراد اليهود(١).
قال النيسابوري: ((ويدخل فيه كل من
زكى نفسه، ووصفها بزكاء العمل أو قبول
الطاعة والزلفى عند الله))(٢).
والرؤية: إما بمعنى الإبصار: أي ألم تنظر
إليهم، وإما بمعنى الإدراك القلبي متضمنًا
معنى الوصول والانتهاء: أي ألم ينته علمك
إليهم. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ
للتعجب من أحوالهم، والتهوين من
تَرَ
شأنهم، حيث بالغوا في مدح أنفسهم مع
أنهم كاذبون في ذلك. فهم يصفون أنفسهم
بالأفعال الحسنة، ویمدحونها مدحًا کثیرًا،
مع أنهم لا يستحقون إلا الذم بسبب سوء
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٦٥/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٦/٥،
الجواهر الحسان، الثعالبي ٢/ ٢٤٧.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٤٢٥/٢.
أقوالهم وأفعالهم(٣).
قال أبو جعفر: ((وأولى الأقوال بالصواب
في: معنى (تزكية القوم)، الذين وصفهم الله
بأنهم يزكون أنفسهم، وصفهم إياها بأنها لا
ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحباء،
كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه في
قوله تعالى: ﴿غَسْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَّلُهُ﴾
[المائدة: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
إِلَّا مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]؟
لأن ذلك هو أظهر معانيه؛ لإخبار الله
عنهم أنهم إنما كانوا يزكون أنفسهم دون
غيرها)» (٤).
فالمراد بتزكيتهم أنفسهم: ادعاؤهم
الطهارة عن المعاصي والرذائل، وهذا يدل
على إدعائهم الصلاح. ولكن الحق سبحانه
وتعالى يبطل معتقدهم وإدعائهم بإثبات
ضده، فيقول تعالى: ﴿بَلِ اَللَّهُ يُزَكِى مَن يَشَآءُ﴾
وهذا إضراب وإعراض عن قولهم.
قال أبو السعود: ((عطفٌ على مقدر
ينساق إليه الكلام: كأنه قيل هم لا يزكونها
في الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم، بل
الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهلها من
المرتضين من عباده المؤمنين؛ إذ هو العليم
الخبير بما ينطوي عليه البشر من المحاسن
(٣) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٧٩/٣.
(٤) جامع البيان، ٨/ ٤٥٥.
www. modoee.com
١٣

حرف التاء
والمساوىء))(١)
فهذه الآية تقتضي الغض من المزكي
لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى
من حسنت أفعاله، وزكاه الله عز وجل،
فليدع العباد تزكية أنفسهم، ويفوضوا أمر
ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، فإن تزکیتهم
لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة، تحمل
عليها محبة النفس، وطلب العلو، والترفع
والتفاخر(٢).
قال الإمام الرازي عند تفسيره لقوله
تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَتَّقَ ﴾
[النجم: ٣٢]: ((لما بالغ اليهود في تزكية
أنفسهم - يعني: أثنوا على أنفسهم بما ليسوا
هم له بأهل- ذكر تعالى في هذه الآية أنه
لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة
بتزکیة الله له؛ لأن التزكية متعلقةٌ بالتقوى،
والتقوى صفةٌ في الباطن، ولا يعلم حقيقتها
إلا الله، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من
الله، وفى هذا دلالة على أن الإيمان يحصل
بخلق الله تعالى ؛ لأن أجل أنواع الزكاة
والطهارة وأشرفها هو الإيمان، فلما ذكر
تعالی أنه هو الذي یزکي من يشاء؛ دل على
أن إیمان المؤمنین لم يحصل إلا بخلق الله
تعالى)»(٣).
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٨٨/٢.
(٢) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٢٤٧/٢،
فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٥١.
(٣) مفاتيح الغيب، ١٠٠/١٠.
وبعد أن بين الحق تعالى أنه لا تصلح
التزكية إلا من الله، أتبع ذلك بقوله تعالى:
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وهذه الجملة عطفٌ
على جملةٍ قد حذفت تعويلًا على دلالة
الحال عليها، وإيذانًا بأنها غنيةٌ عن الذكر،
أي: يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا
يظلمون في ذلك العقاب(٤).
فالمقصود من الجملة: أنهم لا ينقصون
أي قدر من أعمالهم، ولو كان كأصغر
الأشياء التي لا يلتفت إليها، ولا يتجه النظر
نحوها، ولو كان بقدر الفتيل، وهو الخيط
الذي يكون في شق نواة التمر، أو القشرة
التي تكون حول النواة، أو هو ما تفتله بين
أصابعك من وسخ وغيره(٥).
وفى الآية موضع من العبرة: حيث يحذر
الحق المسلمين الغرور بدينهم كما كان أهل
الكتاب فى عصر التنزيل، وأن يبتعدوا عن
تزكية أنفسهم بالقول، واحتقار من عداهم
من المشرکین، وأن یعلموا أن الله لا یحابی
فى نظم الخليقة أحدًا، لا مسلمًا ولا يهوديًا
ولا نصرانيًا، ألا ترى أن خاتم النبيين قد شج
رأسه، وكسرت سنه، وردي فى حفرة من
جراء تقصير عسكره فيما يجب من اتباع أمر
القائد وعدم مخالفته، وأن يهتدوا بکتاب
الله وبسنته فی الأمم، وأن یترکوا وساوس
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٨٨/٢.
(٥) انظر: مراح لبيد، الجاوي ١/ ٢٠١.
جَوَسُولَةُ النَّسَيَّة
القرآن الكريم
١٤

التركية
الدجالين الذين يصرفونهم عن الاهتداء متضمن لادعائهم قبول الله وارتضاءه إياهم،
تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، ولكون هذا أشنع
بهدی کتابھم، ویشغلونھم بما لم ینزل الله به
علیهم سلطانًا، فإنه ما زال ملکهم وما ذهب
عزهم إلا بتركهم لهدى دينهم، واتباعهم
لأولئك الدجالين والمشعوذين (١).
من الأول جرمًا، وأعظم قبحًا - لما فيه من
نسبته سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه
بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده،
ومغفرة كفر الكافر وسائر معاصيه- وجه
ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي
إليه بما له من العظمة والعلم الشامل،
وكان ذلك أمرًا لا نزاع فيه، وشهد عليهم
بالضلال، والكذب، ثبت كذبهم فزاد في
توبيخهم فقال معجبًا لرسوله صلی الله علیه
وسلم من وقاحتهم واجترائهم على من يعلم
كذبهم، ويقدر على معالجتهم بالعذاب:
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِّبَ وَكَفَى بِ إِثْمًا
◌ُّبِينًا﴾ [النساء: ٥٠](٢).
النظر إلى كيفيته؛ تشديدًا للتشنيع وتأكيدًا
للتعجيب. والتصريح بالكذب، مع أن
الافتراء لا يكون إلا كذبًا؛ للمبالغة في تقبيح
حالهم (٤). فجعل افتراءهم الكذب، -لشدة
تحقق وقوعه-، کأنه أمر مرئي بنظره الناس
بأعينهم، وإنما هو مما يسمع ويعقل، وكلمة
﴿وَكَفَى بِهَ إِثْمًّا مُّبِينًا﴾ نهاية في بلوغه غاية
الإثم (٥).
فالآية: تشجب لمدعیات هؤلاء القوم،
وتكذب مفترياتهم، وتفضحهم على
رؤوس الأشهاد، وتدعو الناس جميعًا أن
ينظروا إليهم وهم فى هذا الثوب الكاذب
المفضوح(٣) !!.
وهو تعجيب إثر تعجيب، وتنبيه على
أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين
موجبين للتعجيب: ادعاؤهم الاتصاف بما
هم متصفون بنقيضه. وافتراؤهم على الله
سبحانه، فإن ادعاءهم الزكاء عنده تعالى
(١) تفسير المراغي، ٦١/٥.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٢/ ٢٦٦.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٣ /٨١٣
وإنما وصف ﴿إِثْمًّا﴾ بقوله: ﴿مُبِينًا﴾
في: ﴿وَكَفَى بِهِ=َ إِثْمَّا قُِّينًا﴾؛ لأن كذب
الإنسان على مثله ممن قد يصدقه هذا
معقول، لكن إن كذب على الله فهو قبيح؛
لذلك قال الحق: ﴿وَكَفَى بِإِثْمًا مُبِينًا ﴾. إذن
فالكذب مطلقًا هو إثم، والكذب المبين: هو
الكذب على الله (٦).
ولما كانت التزكية من الله للعباد فضلًا
وكرمًا، امتن عليهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلًا
فَضْلُ اللَّهِ عَيْكُمْ وَرَحْتُهُ, مَا زَّكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ
أَبَدًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١٨٨/٢.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٥/٥.
(٦) انظر: تفسير الشعراوي ٤ / ٢٣١١.
www. modoee.com
١٥

حرف التاء
[النور: ٢١].
والعصمة بيد الله فلا تروا لأنفسكم؛
قال الشيخ الشنقيطي: ((بين -جل وعلا- فضلًا عمن لم يعصمه الله، فإنه مقهور
في هذه الآية، أنه لولا فضله ورحمته، ما
زكا أحد من خلقه، ولكنه بفضله ورحمته
يزكي من يشاء تزكيته من خلقه. ويفهم من
الآية أنه لا یمکن أحدًا أن یزكي نفسه بحال
من الأحوال))(١). فالآية: بيان لمظاهر فضله
تعالى ولطفه بعباده المؤمنين. والمراد
بالتزكية هنا: التطهير من أرجاس الشرك،
ومن الفسوق والعصيان(٢).
تحت مجاري الأقدار، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِي
مَن يَشَآءُ﴾ يطهر من يشاء من عباده بإفاضة
آثار فضله ورحمته عليه بالحفظ والرعاية،
أو بالتوبة بعد الجناية، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾
سميع لأقوالكم وإن خفيت، ومن جملتها:
الحلف على ترك فعل الخير، عليم بنياتكم
وإخلاصكم» (٤).
قال الإمام الطبري: ((ولولا فضل الله
عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تطهر
منکم من أحد أبدًا من دنس ذنوبه وشركه،
ولكن الله يطهر من يشاء من خلقه. وقوله:
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: والله سميع لما
تقولون بأفواهکم، وتلقونه بألسنتكم، وغیر
ذلك من کلامکم، علیم بذلك كله وبغيره
من أموركم، محيط به، محصيه عليكم،
ليجازيكم بكل ذلك))(٣).
وقال الإمام ابن عجيبة عند تفسيره لهذه
الآية: ((﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾
بالهداية والتوفيق لأسباب التطهير والعصمة
والحفظ، ﴿مَا زَّكَ مِنْكُرُ﴾ أي: ما طهر من
أدناس العيوب ولوث الفواحش ﴿مِنْ أَحَدٍ
إلى ما لا نهاية له، وإذا كان التطهير
أَبْدُ
(١) أضواء البيان ٥/ ٤٨٥.
(٢) الوسيط، طنطاوي ٣٠٦١/١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٣٥/١٩.
(٤) البحر المديد ٢٣/٤.
١٦
القرآن الكريم

التركية
أنواع الثناء على النفس
أولًا: الثناء المذموم:
إن هناك أناسًا كثيرين يظنون أن ثناء
الإنسان على نفسه أمر مذموم مطلقًا، وفي
كل الأحوال والمواطن، وفي المقابل
هناك مبالغون في الثناء على أنفسهم في
كل الأحوال والأوقات، والكل مجانب
للصواب، فالثناء قد یکون مذمومًا في بعض
الأحوال، وقد يكون محمودًا في بعضها،
وإذا كان الأمر كذلك يمكن القول بأنه يمنع
ثناء الإنسان لنفسه لغير ضرورة أو حاجة؛
لظاهر قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ
أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىَ﴾ [النجم: ٣٢].
قال صاحب اللباب: ((التزكية - ها هنا -
عبارةٌ عن مدح الإنسان نفسه))(١). قال ابن
عباس: ((أي: فلا تمدحوها)). ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ
أَتَّقَ﴾ أي: بمن بر وأطاع وأخلص العمل
لله تعالى (٢). وقال الحسن: ((علم الله من
كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة،
فلا تزكوا أنفسكم، ولا تبرؤوها عن الآثام،
ولا تمدحوها بحسن أعمالها))(٣).
قال أبو حيان: ((أي: لا تنسبوها إلى زكاء
الأعمال والطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤١٩/٦.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٧/ ٤١٣.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٧/ ١١٠، الدر المنثور، السيوطي ٧/ ٦٥٨.
عليها، واهضموها، فقد علم الله منكم
الزكي والتقي قبل إخراجكم من صلب آدم،
وقبل إخراجكم من بطون أمهاتكم. وقال
الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالًا
حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا،
فأنزل الله تعالى هذه الآية)) (٤).
﴿فَلاَ
قال الثعالبى: ((وقوله سبحانه:
تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ ظاهره النهي عن تزكية
الإنسان نفسه»(٥).
وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو
الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة،
والتحدث بها، فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة
طاعة، وذكرها شكرها. والأحسن في إيراد
الاعتراف والشكر أن يقدم ذكر نقصه،
فيقول مثلًا: كنا جهالًا فعلمنا الله، وكنا
ضلالًا فهدانا الله، وكنا غافلين فأيقظنا الله،
وهكذا، فنحن اليوم كذا وكذا (٦).
وقال الزمخشري: ((وهذا إذا كان على
سبيل الإعجاب أو الرياء: فأما من اعتقد أن
ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه
وتأييده ولم يقصد به التمدح: لم يكن من
المزكين أنفسهم؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة،
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٩٠،
البحر المحيط، أبو حيان ١٩/١٠، لباب
التأويل، الخازن ٤/ ٢١٢.
(٥) الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٢٩/٥. إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ١٦٢/٨.
(٦) البحر المديد، ابن عجيبة ٥١١/٥.
www. modoee.com
١٧

حرف التاء
وذكرها شکر)»(١).
وقد جاء في صحيح مسلم: عن محمد
ابن عمرو بن عطاء، قال: سمیت ابنتي برة،
فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: (إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا
الاسم، وسمیت برة)، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لا تزكوا أنفسكم، الله
أعلم بأهل البر منكم) فقالوا: بم نسميها؟
قال: (سموها زينب)(٢).
قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية:
((فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية
الإنسان نفسه))(٣).
ذلك أن المثني علی نفسه يكون قد وقع
في عدة محاذير شرعية، منها: الكبر والعجب
وأن يكون فخورًا ... إلخ وكلها أمراض
خطيرة تورث النفس الهلكة، وتقودها إلى
جهنم وبئس المصير. وقد قيل لحكيم: ما
الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا، فقال:
(«مدح الرجل نفسه، وقد قال معاوية رحمه
الله لرجل: من سيد قومك، فقال: أنا، فقال:
لو كنته لما قلته»(٤).
(١) الكشاف، ٤٢٦/٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى
حسنٍ، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية.
رقم ٢١٤٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٦/٥.
(٤) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب
الأصفهاني ص ١٩٧.
خلاصة القول: أن الأصل منع الإنسان
الثناء على نفسه؛ لما قد يصاحبه من العجب
أو الفخر؛ ولذا يحذر الحق سبحانه وتعالى
أتباع هذا الدين الحنيف من مدح أنفسهم
والثناء عليها بأي شئ مما تمدح له النفس،
أو يتباهى به تباهيًا وتفاخرًا على الغير؛
لأن هذا ثناء ومدح مذموم، فإذا كان الله
تعالى ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَكَةِ﴾ [آل عمران: ٥]، يعلم البر والفاجر
التقي والعاصي، فلا حاجة لمثل هذا الثناء
البغيض. فأعرف الناس بنفسه أشدهم إيقاعًا
للتهمة بها في كل ما يبدو ويظهر له منها،
وأجهلهم بمعرفتها وخفايا آفاتها وكوامن
مكرها من زكاها، وأحسن ظنه بها؛ لأنها
مقبلةٌ على عاجل حظوظها، معرضةٌ عن
الاستعداد لآخرتها(٥).
ثانيًا: الثناء المحمود:
إذا دعت حاجة أو ضرورة لأن يمدح
الإنسان نفسه فإن الأمر یکون جائزًا ومباحًا
ولاشيء فیه، بل قد يستحب أو يجب في
بعض الأحوال. قال الإمام السيوطي:
(يحسن من الإنسان الثناء على نفسه في
مواضع مستثناة من الأصل الغالب، وهو
أن الإنسان يهضم نفسه ولا يثني عليها))(٦).
(٥) الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٢٩/٥.
(٦) نزول الرحمة في التحدث بالنعمة، السيوطي
ص٢٣.
١٨
موسوبر النفسيةِ الوضوي
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الشركة
وقال السيوطي أيضًا: ((قال ابن الجوزي
رحمه الله: اعلم أن المدحة إذا خلت عن
وقال القرطبي: ((دلت الآية أيضًا على
أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه
البغي والاستطالة على أهل الحق، وكان من علم وفضل، قال الماوردي: وليس هذا
مقصود قائلها إقامة حق أو إيطال جور أو على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه
مخصوص فيما اقترن بوصفه، أو تعلق
إظهار نعمة، لم يلم)) (١).
بظاهره مکسب، وممنوع منه فيما سواه؛ لما
فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه
لكان أليق بفضله، فإن يوسف دعته الضرورة
إليه لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظفر
بأهله)»(٣).
ومن المواطن التي يجوز فيها للإنسان أن
يثني على نفسه: الموطن الذي يشبه ما قال
فيه يوسف صلى الله عليه وسلم: ﴿أَجْعَلْنِى
عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:
٥٥]
قال ابن كثير: ((مدح نفسه، ويجوز
للرجل ذلك إذا جهل أمره، للحاجة. وذکر
أنه ﴿حَفِيظُ﴾ أي: خازن أمين، ﴿عَلِيمٌ﴾
ذو علم وبصر بما يتولاه. وسأل العمل
لعلمه بقدرته عليه، ولما في ذلك من
المصالح للناس، وإنما سأل أن يجعل على
خزائن الأرض، وهي الأهرام التي يجمع
فيها الغلات؛ لما يستقبلونه من السنين التي
أخبرهم بشأنها؛ ليتصرف لهم على الوجه
الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى
ذلك رغبة فيه، وتکرمة له؛ ولهذا قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ اَلْأَرْضِ يَتَبَوَأُ مِنْهَا
حَيْثُ يَشَدَهُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِّنَا مَن نَّشَآءٌ وَلَا تُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَثَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦ - ٥٧]))(٢).
(١) المصدر السابق ص٣٢ - ٣٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٦/٤.
ومن المواطن التي يجوز فيها الثناء: ما
قاله شعيب: (سَتَجِدُفِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
قال الطبري: ((﴿سَتَجِدُفِىَ إِن شَآءَ اللهُ
مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في حسن الصحبة
والوفاء بما قلت)) (٤)
٠
وقال الزمخشري: ((يريد بالصلاح:
حسن المعاملة ولين الجانب. ويجوز أن
يريد الصلاح على العموم»(٥).
والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد
من الصلاح: الاتكال على توفيقه فيه
ومعونته؛ لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم
يفعل ذلك (٦).
يقول شمس الدين ابن قيم الجوزية
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢١٧.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥٦٥.
(٥) الكشاف ٣/ ٤٠٥.
(٦) مدارك التنزيل، النسفي ٢ /٦٣٩.
www. modoee.com
١٩

حرف التاء
عن هذا الموطن المحمود: قال: «وکذلك وصلیت کذا، فإذا قيل له: يا أبا فراس مثلك
يقول مثل هذا؟ قال: يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا
-يعني من الثناء الجائز - إذا اثنى الرجل
على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة وشر،
أو ليستوفى بذلك حقًا له يحتاج فيه الى
التعريف بحاله، أو ليقطع عنه اطماع السفلة
فيه أوعند خطبته الى من لا يعرف حاله))(١).
بِنِعْمَةِ رَبَّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنتم تقولون: لا تحدث
بنعمة الله)). وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به
اللطف، وأن یقتدى به غیره، وأمن علی نفسه
الفتنة، والستر أفضل(٥).
وكذلك يكون الثناء على النفس ممدوحًا:
إذا لم ينصف الإنسان أو نوزع أو عورض،
أو کان بین قوم لا يعرفون مقامه، فسیدنا أبو
بكر رضي الله عنه لما ولى الخلافة وخطب
قائلًا: ((إنى وليت عليكم ولست بخيركم)) (٢)
على قاعدة التواضع وهضم النفس، ثم
بلغه عن بعض الناس كلام، فخطب فقال:
((ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من
أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب
كذا؟)»(٣) فحدث بمناقبه وأثنى على نفسه
بمحاسنه عندما تكلم بعضهم في مبايعته (٤).
ومن مواطن الثناء الجائزة: المواطن التي
یکون المقصد منها التحدث بنعمة الله، كما
قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:
١١].
وروي عن الحسن بن علي في قوله:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: ((إذا أصبت
خيرًا فحدث إخوانك ليقتدوا بك)). وعن
عمرو بن ميمون أنه قال: «من قام لورده في
اللیل فلا بأس أن یحدث به الثقة من إخوانه،
ويقول: رزقني الله كذا وكذا)) (٦).
ولما سئل أمير المؤمنين علي رضي
الله عنه عن الصحابة فأثنى عليهم وذكر
خصالهم، فقالوا له: فحدثنا عن نفسك
فقال: ((مهلًا، فقد نهى الله عن التزكية. فقيل
له: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَِكَ
فَحَدِّثْ﴾ فقال: فإني أحدث، كنت إذا سئلت
أعطيت، وإذا سكت ابتديت، وبين الجوانح
علم جم، فاسألوني)»(٧).
استحب بعض السلف التحدث بما عمله
وعن عبد الله بن غالب أنه كان إذا أصبح من الخير إذا لم يرد به الرياء والافتخار،
يقول: ((رزقني الله البارحة خيرًا، قرأت كذا
(١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١٣٩/١
(٢) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٦٩/٥.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب،
باب رقم ٦١١/٥،١٦، رقم ٣٦٦٧.
(٤) نزول الرحمة، السيوطي ص ٣٢، ٣٣.
(٧) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٧٦٩.
(٥) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٧٦٩.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٣٤٤٤/١٠، تفسير القرآن، السمعاني
٢٤٦/٦، الدر المنثور، السيوطي ٥٤٥/٨.
مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة
القرآن الكريم
٢٠

الشركة
وعلم الاقتداء به(١).
وقال ابن القيم: ((الشىء الواحد يكون
صورته واحدة، وهو ينقسم إلى: محمود،
ومذموم، فمن ذلك: التحدث بالنعمة
شکرًا، والفخر بها. فالأول: القصد به إظهار
فضل الله وإحسانه ونعمته، والثاني: القصد
به الاستطالة على الناس والبغي عليهم،
والجور والتعدي، وإهانتهم واستعبادهم،
وهذا هو المذموم)»(٢).
قال النووي: ((باب مدح الإنسان نفسه
وذكر محاسنه: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُوا
أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢].
اعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان:
مذموم، ومحبوب. فالمذموم: أن يذكره
للافتخار، وإظهار الارتفاع، والتميز على
الأقران، وشبه ذلك. والمحبوب: أن يكون
فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرًا
بمعروف، أو ناهیًا عن منكر، أو ناصحًا،
أو مشیرًا بمصلحة، أو معلمًا، أو مؤدبًا، أو
واعظًا، أو مذكرًا، أو مصلحًا بین اثنین، أو
يدفع عن نفسه شرًا، أو نحو ذلك، فیذکر
محاسنه ناويًا بذلك أن يكون هذا أقرب
إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره، أو أن هذا
الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري
فاحتفظوا به، أو نحو ذلك))(٣).
(١) انظر: حاشية الشهاب ٨/ ٣٧٢.
(٢) انظر: الروح، ص ٢٣٠، ٢٧٤.
(٣) الأذكار، ١/ ٢٧٨.
خلاصة القول: أن الثناء على النفس يبين
حكمه آيتان في القرآن، الأولى قوله: ﴿فَلا
تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَنَّقَ﴾ [النجم: ٣٢].
وهذا لمن يقصد الفخر والعجب
والاستطالة على خلق الله، وهذا مذموم،
والثانية: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:
١١]، وهذا لمن بعد عن الفخر والعجب،
ويريد التحدث بنعم الله عليه والتعريف بها،
والاعتراف بفضل الله عليه، أو التعريف
بنفسه لمن لا يعرفه، وعلى ذلك يحمل قول
النبي: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من
ینشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع)(٤).
وأشباه ذلك كثيرة (٥).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب تفضيل نبيناً صلى الله عليه وسلم على
جمیع الخلائق رقم ٢٢٧٨.
(٥) قال النووي: ((وقوله صلى الله عليه وسلم:
أنا سيد ولد آدم قاله لوجهين أحدهما: امتثال
قوله تعالى: ﴿وَمَّ ◌ِنِعْمَةِ رَيْكَ فَحَدِّثْ﴾ والثاني:
أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى
أمته؛ ليعرفوه ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه،
ويوقروه صلى الله عليه وسلم بما تقتضي
مرتبته كما أمرهم الله تعالى)).
انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
٣٧/١٥.
www. modoee.com
٢١

حرف التاء
أنواع التزكية
إن الناظر في آيات القرآن يجد أنه قد
تحدث عن نوعین:
أولًا: التزكية الفطرية:
التزكية الفطرية هي التي تكون مع
الإنسان وملازمة له منذ ولادته، وعندما
يكون في مرحلة الطفولة والبراءة إلى أن
يبلغ الحلم، فعنده فطرية الإيمان، ونقاء
السريرة، وطهارة النفس، وصفاء القلب،
يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا لَقِيَا
غُلَمَا فَقَتَلَهُ، قَالَ أَقَفَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ
جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤].
وردت هذه الآية في سياق سرد القرآن
الكريم لقصة سيدنا موسى عليه السلام مع
العبد الصالح الخضر، فبعد المشهد العجيب
الأول وهو خرق السفينة، كان المشهد
العجيب الثاني وهو قتل الغلام الصغير،
المشار إليه بقوله: ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَمًا
فَقَتَلَهُ﴾ فاشتد بموسى الغضب، وأخذته
الحمية الدينية، فانطلق لسانه عليه السلام
ولعله هنا يمثل كل إنسان على سليقته حال
رؤيته مثل هذا المشهد- حيث قال: ﴿أَقَلْتَ
نَفْسًا زَكِيَّةٌ ﴾ کیف عرف سيدنا موسى عليه
السلام وحكم أن نفس الغلام زكية هكذا،
رغم أنه لأول مرة يرى هذا الغلام؟، إنها
التزكية الفطرية التي هي الأصل الذي يولد
بها كل إنسان، لقد وصف النفس بالزاكية
لأنها نفس غلام لم يبلغ الحلم فلم يقترف
ذنبًا فكان زكيًا طاهرًا(١) على أصل خلقته،
وهذه هي التزكية الفطرية، فكل إنسان يولد
على التزكية الفطرية التي تشمل كونه على
عبادة الله، وطاهرًا من العيوب والذنوب (٢).
أولم يقل رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما من مولود إلا يولد على
الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، أو
يمجسانه .. )(٣)؟.
ولما انضم إلى ذلك كون هذا القتل (بغير
نفس) أى: بغير مستند لقتله(٤) ازداد عجب
سيدنا موسى عليه السلام فقال: ﴿لَقَدْ
جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا﴾ أى: منكرًا عظيمًا. يقال:
نكر الأمر، أى: صعب واشتد. والمقصود:
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا﴾ أشد من الأول -وهو
خرق السفينة- في فظاعته واستنكار العقول
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٧٨/١٥.
(٢) وللمفسرين فيها أقوال: منها: أن الزكية:
المطهرة، قاله أبو عبيدة. وهو الراجح؛
لأن ذلك هو المتناسب مع لفظ الغلام،
فالغلام به تزكية فطرية وتطهير رباني وفطرة
سليمة، فالنفس المطهرة هي التي لا ذنب
لها، ولم تذنب قط لصغرها أي: أنها لم تبلغ
حد التكليف ... ، وقال الشيخ ابن عاشور:
(«والزكاة: الطهارة، مراعاة لقول موسى: أَقْلْتَ
نَفْسًا زَكِيَّةٌ)). ١٣/١٦. والله أعلم.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم
الصبي فمات، هل يصلى عليه؟ رقم ١٣٥٩.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٩١/٥، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٣/٥.
موسوعة النفسية
القرآن الكريم
٢٢

التركية
له(١).
ومن قبيل التزكية الفطرية أيضًا ما جاء
في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَاذَگُرْفِی
الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ اَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرِقِيًّا
١٦
فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا
رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ
بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَفِيًّا ) قَالَ إِنَّمَا أَنَا
رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم:
١٦- ١٩].
يقول الإمام الرازي: ((لما علم جبريل
عليه السلام خوفها قال: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ
رَبِّكِ﴾ ليزول عنها ذلك الخوف، ولكن
الخوف لا يزول بمجرد هذا القول، بل
لابد من دلالة تدل على أنه كان جبريل عليه
السلام وما كان من الناس))(٢).
قال القرطبي: ((قال لها جبريل عليه
السلام: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ﴾،
أسند الفعل إليه وإن كانت الهبة من الله
تعالى لأنه أرسل به ﴿لَكِ غُلَمَّا زَكِيًّا﴾.
قال ابن عباس: ولدًا صالحًا طاهرًا من
الذنوب)»(٣). وهو عيسى عليه السلام، أو
ناميًا على الخير، أي مترقيًا من سن إلى سن
على الخير والصلاح (٤).
(١) الوسيط، طنطاوي ٨/ ٥٥٦.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٥٢٣.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٤/٣.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٨.
قال الإمام أبو زهرة: ((أي: غلامًا طاهرًا
ناميًا فى جسمه ونفسه وروحه، وكل ما
يتصل بالنمو الإنساني الكامل»(٥).
خلاصة القول: أن التزكية الفطرية هى
تزكية يمر بها كل إنسان يولد في هذه الحياة
الدنيا، وتكون تلك التزكية الفطرية في مرحلة
بداية ولادة الإنسان، إلى مرحلة أن يصير
غلامًا؛ لأنه في تلك المرحلة غير مكلف،
بل هو في مرحلة الصفاء والنقاء والإيمان
الفطري بالله. وتمتد التزكية الدائمة من
الله بعد ذلك للأنبياء دون غيرهم؛ لأنهم
متصفون بالعصمة والوقوع في الزلل.
ثانيًا: التزكية المكتسبة:
يقصد بالتزكية المكتسبة: التزكية التي
يكتسبها الإنسان من خلال مجاهدته
لنفسه الأمارة بالسوء، ومقاومة شهواته
المختلفة؛ لتتخلى تلك النفس عن القبائح
والرذائل، وتتحلى بالفضائل من السلوكيات
والأخلاق، من خلال العمل بالطاعات
والمبرات والقربات، وهذا يعني أن التزكية
المكتسبة تحتاج لأمرين: الأمر الأول:
عزيمة قوية وإرادة متينة. الثاني: الاستمرار
طالما بقي الإنسان على قيد الحياة.
من أجل ذلك أمر الله الحق بها، فقال
تعالى: ﴿وَمَن تَزَّكَّ فَإِنَّمَا يَتَزََّّى لِنَفْسِهِ، وَ إِلَى
(٥) زهرة التفاسير ٩/ ٤٦٢٣.
www. modoee.com
٢٣

حرف التاء
اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [فاطر: ٨١].
يحض الحق سبحانه وتعالى على تزكية
النفوس وتطهيرها فيقول: ﴿وَمَنْ تَزََّّ فَإِنَّمَا
يَتَزََّى لِنَفْسِهِ، وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس
الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان
به، والعمل بطاعته، فإنما يتطهر لنفسه،
وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه،
والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر
به (١).
فالجملة الكريمة دعوة من الله تعالى
للناس إلى تزكية النفوس وتطهيرها من كل
سوء، بعد بيان أن کل نفس مسؤولة وحدها
عن نتائج أفعالها، وأن أحدا لن يلبي طلب
غيره في أن يحمل شيئًا عنه من أوزاره(٢).
وقوله: ﴿وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ يعني:
وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس،
مؤمنکم و کافرکم، وبرکم وفاجركم، وهو
مجازٍ جمیعکم بما قدم من خیر وشر علی
ما أهل منه(٣).
قال الرازي: ((ثم قال تعالى: ((﴿وَإِلَى اللَّهِ
الْمَصِيرُ﴾ أي: مصير المتزكي إن لم تظهر
فائدته عاجلًا، فالمصیر إلی الله یظهر عنده
في يوم اللقاء في دار البقاء، والوازر إن لم
تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٥٦.
(٢) الوسيط، طنطاوي ١١/ ٣٤٠.
(٣) جامع البيان، الطبري ٤٥٦/٢٠.
الآخرة؛ إذ المصير إلى الله)) (٤).
قال صاحب الظلال: ((﴿وَمَنْ تَزَّكَّ فَإِنَّمَا
يَتَزََّى لِنَفْسِهِ ﴾ لا لك ولا لغيرك. إنما هو
يتطهر لينتفع بطهره. والتطهر معنى لطيف
شفاف، يشمل القلب وخوالجه ومشاعره،
ويشمل السلوك واتجاهاته وآثاره. وهو
معنى موجٍ رفاف. ﴿وَ إِلَى اللَّهِالْمَصِيرُ ﴾ وهو
المحاسب، والمجازي، فلا يذهب عمل
صالح، ولا يفلت عمل سيئ، ولا يوكل
الحكم والجزاء إلى غيره ممن يميلون أو
ينسون أو يهملون»(٥).
إذن القرآن یدعوا إلى تزكية النفس ويدعو
الإنسان إلى السعي والبحث عن الوسائل
التي تساعده على تزكية نفسه، وتطهيرها من
الآثام والذنوب، وسيأتي الحديث عن تلك
الوسائل في السطور القادمة إن شاء الله.
(٤) مفاتيح الغيب، ٢٣١/٢٦.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٣٩/٥.
٢٤
القرآن الكريم

الشركة
التزكية وظيفة الأنبياء وأتباعهم
لقد نسب الحق سبحانه وتعالى التزكية
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه
المربي والمزكي لأمته، والمرشد لها إلى
طريق الخير، وهذه هي المهمة التي كلفه
الله تعالى بها وأمره بأدائها.
قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا
مِنِكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَِّنَا وَيُزَّكِيكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم
فَاذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ
مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَُّونَ (٥)
وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونٍ﴾ [البقرة: ١٥١-
١٥٢].
وقد اختلف المفسرون في اتصال قوله:
﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنْكُمْ﴾ بما
قبلها أو بعدها على قولين: قال العلماء:
﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِكُمْ﴾ كاف التشبيه
تحتاج إلى شيء ترجع إليه:
فقيل: ترجع إلى ما قبلها: والتقدير: لقد
حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام
لأتم نعمتي عليكم إتماما مثل إتمام نعمتي
عليكم؛ بإرسال الرسول صلى الله عليه
وسلم فيكم؛ إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل
إذ قالا: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وإن
قلنا: إنها متعلقة بما قبلها كان وجه التشبيه:
أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة.
وهو تشبيه يدل على عظم شأن تحويل القبلة
إلى الكعبة (١).
وقيل: إن الكاف متعلقة بما بعدها وهو
قوله: ﴿فَاذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾: والتقدير: ﴿كَمَآ
أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنِكُمْ﴾ يعلمكم
الدين القويم، والخلق المستقيم ومنحتكم
هذه النعمة فضلاً مني وكرمًا، ﴿قَاذْكُرُونِ﴾
بالشکر علیھا ﴿آذگُتُمْ ﴾ برحمتي وثوابي،
ووجه التشبيه أن النعمة بالذكر جارية مجرى
النعمة بإرسال الرسول.
وتبين الآية الكريمة صفات الرسول
صلى الله عليه وسلم والتي من بينها التزكية،
فعدد هنا خمس صفات هي بمثابة وظائف
للرسول، وهي على النحو الآتي:
الصفة الأولى: ﴿أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ رَسُولًا
مِّنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿فِيكُمْ﴾ متعلق بـ
﴿أَرْسَلْنَا﴾ وقدم على المفعول تعجيلًا
﴾ في
بإدخال السرور، وقوله:
موضع نصب؛ لأنه صفة لقوله: ﴿رَسُولًا ﴾
والمخاطبون بهذه الآية الكريمة هم العرب.
وفي إرساله الرسول صلى الله عليه وسلم
فیھم وهو منهم نعمة تستوجب المزيد من
الشكر؛ لأن إرساله منهم يسبقه معرفتهم
لنشأته الطيبة وسيرته العطرة، ومن شأن
هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلى
تصدیقه والإيمان به، ولأن في إرساله فيهم
وهو منهم شرف عظیم لهم، ومجد لا يعدله
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٩٢.
www. modoee.com
٢٥

حرف التاء
مجد؛ حيث جعل سبحانه خاتم رسله من
هذه الأمة، ولأن المشهور من حالهم الأنفة
الشديدة من الانقياد، فكون الرسول منهم
ادعی إلی إیمانهم به وقبولهم لدعوته(١).
فالحق يمن على العرب بأن جعل فيهم
رسولًا منهم لیقول مانًا علیھم بذلك، كما
من عليهم بجعل القبلة إلى الحرم الآمن
الذي قدسوه و کرموه، فالرسول صلى الله
عليه وسلم أرسل فيهم وهو منهم، كما
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ
أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيضُ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
[التوبة: ١٢٨].
فهو فيهم ومنهم، وهو أكثر تأليفًا
لقلوبهم، ورعاية لنفوسهم وهو الحق من
ربهم(٢).
وقد قال كذلك: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنفُسِهِمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى
ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]
الصفة الثانية: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا﴾.
قال صاحب اللباب: ((فيه نعمٌ عليكم
عظيمة؛ لأنه معجزة باقية تتأدی به العبادات،
ومستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة. وإذا
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤/ ١٢٣، لباب
التأويل، الخازن ١/ ٩٢.
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١ / ٤٦٢.
كان المراد بالآيات القرآن، فالتلاوة فيه
ظاهرة، وإذا كان المراد بالآيات المعجزات،
فمعنى التلاوة لها تتابعها؛ لأن الأصل في
التلاوة التتابع، يقال: جاء القوم يتلو بعضهم
بعضًا أي بعضهم إثر بعض))(٣).
وفي هذه الجملة - كما قال الألوسي-
إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة
والسلام؛ لأن تلاوة الأمي للآيات الخارجة
عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها
على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي
ينتظم بها أمر المعاد والمعاش؛ أقوى دليل
على نبوته (٤).
الصفة الثالثة: ﴿وَيُزَكِيكُمْ﴾.
قال ابن كثير: «أي: يطهرهم من
رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال
الجاهلية»(٥).
من وأد البنات، وقتل الأولاد؛ تخلصًا
من النفقة، وسفك الدماء لأوهن الأسباب،
ويغرس فيها فاضل الأخلاق وحميد
الآداب. وبهذه الزكاة التي زكوا بها أنفسهم
فتحوا الممالك الكبرى، وكانوا أئمة الأمم
التي كانت تحتقر هذا الجنس، وعرفوا
لهم فضلهم بعدلهم وسياستهم للأمم
سياسة حكيمة أنستهم سياسة الأمم التي
قبلهم، وجعلت لذلك الدين أثرًا عميقًا في
(٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣/ ٧٤.
(٤) روح المعاني، الألوسى ١٨/٢
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦٤/١.
٢٦
القرآن الكْرِيْمِ