النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
البَهيب
عناصر الموضوع
مفهوم الترهيب
٤١٤
الترهيب في الاستعمال القرآني
٤١٥
الألفاظ ذات الصلة
٤١٦
أساليب عرض الترهيب
٤١٨
٤٢٢
مجالات الترهيب في القرآن
٤٤١
صور الترهيب في القرآن الكريم
٤٤٣
أثر الترهيب في سلوك المرء
٤٤٤
فوائد الترهيب في التربية والدعوة
المُجَلََّ الثَّامِنْ
حرف التاء
مفهوم الترهيب
أولًا: المعنى اللغوي:
يرجع أصل الترهيب إلى الفعل الثلاثي (رهب) بالكسر يرهب رهبةً، ورهبًا بالضم ورهبًا
بالتحريك، أي: خاف، ورهب الشيء رهبًا ورهبًا ورهبةً: خافه، والاسم الرّهب والرّهبى
والرّهبوت والرهبوت، يقال: رجلٌ رهبوتٌ بفتح الهاء أي: مرهوب، وأرهبه واسترهبه
أخافه (١).
قال تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. أي: تخوفونهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. أي: فخافون، الرهبة والرهب مخافة مع
تحرز واضطراب، وتعني: الخوف والفزع، قال سبحانه: ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِم
مِّنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣].
فيرجع معنى الترهيب إلى التخويف بالعقاب والفزع والاضطراب (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّفه عبد الرحمن النحلاوي بتعریفین:
((وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم أو ذنب، مما نهى الله عنه، أو التهاون في
أداء فريضة مما أمر الله به)».
وعرّفه أيضًا بقوله: ((تهديد من الله يقصد به تخويف عباده، وإظهار صفة من صفات
الجبروت والعظمة الإلهية؛ ليكونوا دائمًا على حذر من ارتكاب الهفوات والمعاصي)»(٣).
وقيل: ((وعيد وتهديد من الله سبحانه وتعالى بعقوبة عاجلة أو آجلة؛ لتخويف العباد من
اقتراف الذنوب والمعاصي، أو التهاون في أداء الفرائض التي أمر الله بها)»(٤).
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي؛ إذ يرجع معنى الترهيب لغة إلى
التخويف بالعقاب والفزع والاضطراب.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٣٧/١، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ١١٨/١، مختار
الصحاح، الرازي، ٢٦٧/١، المصباح المنير، الفيومي ٢٤١/١، التعاريف، المناوي، ٣٧٥/١.
(٢) انظر: المفردات، ص٣٦٧
(٣) أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ص٢٥٧.
(٤) الترغيب والترهيب ودورهما في استقامة الإنسان، أحمد رزق ص٤.
مُوسُو ◌َرَا
القرآن الكريم
٤١٤
الترهيب
الترهيب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (رهب) في القرآن الكريم (١٢) مرة، يخص موضوع البحث منها (٨)
مرات(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ
١
[الأعراف: ١١٦]
﴿وَفِي نُشْخَتِهَا هُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
الفعل المضارع
٢
[الأعراف: ١٥٤]
فعل الأمر
٢
وَإِتَّىَ فَأَرْهَبُونٍ
(٤٠ ) ﴾ [البقرة: ٤٠]
مصدر
٣
﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢]
وجاء (الترهيب) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو الخوف والفزع، أو مخافة مع
تحرز واضطراب (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا
رَغَبَا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. يعني: طمعًا وخوفًا(٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٢٥.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١ / ٣٦٦.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣/ ٤٦٨.
www. modoee.com
٤١٥
الفعل الماضي
حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
التخويف:
١
التخويف لغة:
الإخافة، وهو إدخال الخوف في نفس المخاطب(١).
التخويف اصطلاحًا:
إدخال الفزع في قلب المخاطب (٢)؛ حثًّا على التّحرّز من ارتكاب محظور(٣).
الصلة بين الترهيب والتخويف:
الترهيب أعم من التخويف، فالترهيب يكون بالتخويف وبغيره.
٢
التهديد:
التهديد لغة:
التّخويف (٤)، والتوعّد بالعقوبة(٥).
التهدید اصطلاحًا:
زعزعة أمن المخاطب بالوعيد (٦)، وتخويفه بأمر مكروه مفسد لحاله.
الصلة بين الترهيب والتهديد:
التهديد: الوعيد والتّخويف بالعقوبة (٧)، فيتعلق بالعقوبة المحققة لمن أعرض عن
الإنذار، والترهيب أعم.
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٩٨.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ، ٩ / ٩٩.
(٣) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص٣٠٣.
(٤) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٢٥.
(٥) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢ / ٩٧٦.
(٦) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص ٨٣٤.
(٧) لسان العرب، ابن منظور، ٣/ ٤٣٣.
٤١٦
القرآن الكريم
الترهيب
الوعيد:
٣
الوعيد لغة:
التّهديد بالشّرّ (١).
الوعيد اصطلاحًا:
إنذار بما سيحدث من دمار ونكبات (٢).
الصلة بين الترهيب والوعيد:
الوعيد يكون حاصلًا عن غضبٍ، قد يسكن ويزول(٣) بزوال سببه، أما الترهيب فهو أعم.
الترغيب:
٤
الترغيب لغة:
يقول الراغب الأصفهاني: ((والرّغبة والرّغب والرّغبى: السّعة في الإرادة)»(٤)، والرغبة
إرادة الشيء والسعة في الإرادة، فإذا قيل: رغب فيه وإليه؛ اقتضى الحرص عليه إذا أراده،
والرغيبة العطاء الكثير لكونه مرغوبًا فيه.
الترغيب اصطلاحًا:
((وعد من الله سبحانه وتعالى لعباده فيه تحبيب وإغراء بمصلحة، أو لذة أو متعة عاجلة
أو آجلة، يتبعه حرص وإرادة، مقابل القيام بعمل صالح أو ترك عمل سيء؛ طاعة لله سبحانه
وتعالى))(٥).
الصلة بين الترهيب والترغيب:
أن الترهيب فيه إثارة للخوف والقلق، ويؤثّر في النفس تنغيصًا، بينما الترغيب يعزز الأمن
والاطمئنان، ويؤثر في النفس سرورًا، وعليه فإن اللفظين متضادان.
(١) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٩/ ٣٠٩، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر مختار، ٣/
٢٤٦٧.
(٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر مختار، ٣/ ٢٤٦٧.
(٣) انظر: المصباح المنير، الفيومي، ٢/ ٦٦٥.
(٤) المفردات، ص ٣٥٨.
(٥) الترغيب والترهيب ودورهما في استقامة الإنسان، أحمد رزق ص٣.
www. modoee.com
٤١٧
حرف التاء
أساليب عرض الترهيب
إنّ المتدبر لآيات القرآن الكريم يجد أنّ
أسلوب الترهيب جاء على أربعة أنواع:
أولًا: أن يأتي الترهيب في آية واحدة
مستقلة:
وقع هذا النوع في كثير من الآيات
القرآنية التي جاء الترهيب فيها بآية مستقلة
بذاتها، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اَللَّهُ لَا نَتَّخِذُواْ
إِلَهَيْنِ آَثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَجِدٌ فَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ
[النحل: ٥١].
يقول الشنقيطي في تفسيره: ((نهى اللّه
جل وعلا في هذه الآية الكريمة جميع البشر
عن أن يعبدوا إلهًا آخر معه، وأخبرهم أنّ
المعبود المستحقّ لأن يعبد وحده واحدٌ،
ثمّ أمرهم أن يرهبوه، أي: يخافونه وحده؛
لأنه هو الذي بيده الضّرّ والنّفع، لا نافع ولا
ضارّ سواه))(١)، ومن الأمثلة على هذا النوع
أيضًا قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَمَنْ جَّةً
بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠].
ذكر الشوكاني ما أجمع عليه أهل التأويل
في بيانه لهذه الآية: ((إنّ المراد بالسّيّئة هنا
الشّرك، ووجه التّخصيص قوله: ﴿قَكُبَّتْ
وُجُومُهُمْ فِ النَّارِ﴾ فهذا الجزاء لا يكون
إلّا بمثل سيّئَة الشّرك، ومعنى: ﴿فَكُبَّتْ
(١) أضواء البيان، ٢/ ٣٨٢.
وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ أنّهم كبّوا فيها على
وجوههم وألقوا فيها وطرحوا عليها، يقال:
كببت الرّجل: إذا ألقيته لوجهه فانكبّ
وأكبّ، وجملة ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُمْ
تَعْمَلُونَ ﴾ بتقدير القول: أي: يقال ذلك،
والقائل: خزنة جهنّم، أي: ما تجزون إلّا
جزاء عملكم)) (٢)، ومن الآيات الدالة على
هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ
فَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ كُلُّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ
فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُم بِهِ.
تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].
فهذا نوع من أنواع الترهيب إلى أولئك
الذين فسقوا وخرجوا عن طاعة الله، فهؤلاء
مقرّهم النار التي جمعت الشقاء والعذاب،
فكلما ظنوا بأنهم سوف يخرجون منها
أعيدوا وردّوا للعذاب مرة أخرى، واشتد
عليهم الكرب، فيقال لهم - إذلالًا وإهانة -:
ذوقوا العذاب الذي كنتم تكذبون به في
دنياكم بسبب إنكاركم البعث والحساب (٣).
ثانيًا: أن يأتي الترهيب في آيتين
متتابعتين:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
زََّا لَمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ
(٢) فتح القدير، ٤ / ١٧٩.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،
٢٣١/٢١، أيسر التفاسير، الجزائري،
٢٣٢/٤، تيسير الكريم الرحمن ، السعدي،
ص٦٥٦.
٤١٨
مُوسُوبَةُ اللَّهـ
القرآن الكريم
الترهيب
◌َّ سُوَّهُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِ آَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
[النمل: ٣ - ٦].
يقول الإمام الطبري: ((إن الذين لا
يصدّقون بالدار الآخرة، وقيام الساعة،
وبالمعاد إلى الله بعد الممات والثواب
والعقاب، ﴿رَبََّا هُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ يقول: حيّنا
إليهم قبيح أعمالهم، وسهّلنا ذلك عليهم.
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ يقول: فهم في ضلال
أعمالهم القبيحة التي زیّناها لهم يتردّدون
حیاری يحسبون أنهم يحسنون))(١)، فكان
جزاء هؤلاء العذاب كالقتل والأسر في
الدنيا، وفي الآخرة كانوا أشد الناس خسارة
لفوات المثوبة واستحقاق العقوبة (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتِى
لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّي مُسْتَكْبِرًا
كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيَّ أُذُنَّهِ وَقْرَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ ﴾ [لقمان: ٦ - ٧].
((﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرى )ما یلھي عن
طاعة الله، ويصد عن سبيله، مما لا خير
ولا فائدة فيه ﴿لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِّمٍ﴾ أي: ليضل الناس عن طريق الهدى،
ويبعدهم عن دينه القويم، بغير حجة ولا
﴿وَتَّخِذَهَا هُزُوًّا﴾ أي: ويتخذ
برهان
(١) جامع البيان، ١٩ / ٤٢٦.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣٣٧/٣، أنوار
التنزيل، البيضاوي، ٤ / ١٥٤.
آيات الكتاب المجيد سخرية واستهزاءً،
وهذا أدخل في القبح، وأغرق في الضلال
﴿أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أي: لهم عذاب
شديد مع الذلة والهوان ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ
ءَآَيَتُنَا﴾ أي: وإذا قرئت عليه آيات القرآن
﴿وَلَّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ أي:
أعرض وأدبر متکبرًا عنھا کأنه لم يسمعها،
شأن المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام،
ويجعل نفسه كأنها غافلة ﴿كَنَّ فِي أُذُنَّهِ
وَقْراً ﴾ أي: كأن في أذنيه ثقلًا وصممًا
يمنعانه عن استماع آيات الله ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَاپٍ
أَلِيمٍ ﴾ أي: أنذره یا محمد بعذاب مؤلم،
مفرطٍ في الشدة والإيلام، ووضع البشارة
بأشد العذاب)» (٣).
وهكذا نجد أن القرآن الكريم ذكر آيات
كثيرة في كتابه تندرج تحت هذا النوع من
أنواع الترهيب؛ حتى يكون المسلم على
حذرٍ من الوقوع في أي معصية أو ذنب،
يستحق بسببهما العذاب سواء في الدنيا أو
الآخرة.
ثالثًا: أن يأتي الترهيب في مقطع قرآني:
قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا )
لِلطَّغِينَ مَثَابً ا لَّبِئِينَ فِهَا أَحْتَابً ا لَا
يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا
جَزَآءُ وِفَاقًّا { إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ
٢٥
(٣) صفوة التفاسير، الصابوني، ٤٤٨/٢.
www. modoee.com
٤١٩
حرف التاء
حِسَابًا وَكَذَّبُواْ بِحَايَِنَا كِذَّابَ وَكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا ؟ فَذُوقُواْ فَلَن تَزِيدَكُمْ إِلَّا
عَذَابًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٣٠].
يقول الزحيلي في تفسيره: ((﴿مِنْ صَادًا﴾
موضع رصد، يرصد فيه خزنة النار للطّاغين
الكافرین، الذین طغوا بمخالفة أوامر ربهم،
﴿مَثَابًا﴾ مرجعًا ومأوى، لابثين مقيمين،
﴿أَحْقَابًا ﴾ دهورًا لا نهاية لها، جمع حقب،
وواحدها حقبة، وهي مدة مبهمة من الزمان،
﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا ﴾ برودة الهواء، ويطلق
أيضًا على النوم، ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ أي: ما يشرب
﴿إِلَّا حَِيمًا﴾
تلذذًا لتسكين العطش،
الحميم: الماء الحارّ الشديد الغليان،
﴿وَغَسَّاقًا﴾ قيح وصديد أهل النار الدائم
السيلان من أجسادهم، ﴿جَزَاءُ وِفَاقًا﴾
أي: جوزوا بذلك جزّاء موافقًا لأعمالهم
وكفرهم، فلا ذنب أعظم من الكفر، ولا
عذاب أعظم من النار، ﴿لَا يَرَجُونَ ﴾ لا
يخافون أو لا يتوقعون ﴿حِسَابًا﴾ محاسبة
على أعمالهم لإنكارهم البعث، ﴿إِنَايَلِنَا﴾
﴿ وَكُلَّ
القرآن ﴿كِذَّابًا﴾ تكذيبًا كثيرًا،
شَىْءٍ﴾ أي: من الأعمال ﴿أَحْصَيْنَهُ ﴾
ضبطناه، ﴿كِتَبًا﴾ أي: ضبطناه بالكتابة،
﴿فَذُوقُواْ﴾ أي: فيقال لهم في الآخرة عند
وقوع العذاب عليهم: ذوقوا جزاءكم، ﴿فَلَن
نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ أي: فوق عذابكم))(١) .
(١) التفسير المنير، ١٦/٣٠.
مَوَسُو ◌َرَ التفسير الوضوي
القرآن الكريم
ومن الأمثلة على الترهيب في مقطع
قرآني، ما وصفه الله سبحانه وتعالى من
العذاب لأهل النار، في قوله تعالى في سورة
الواقعة: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ )
فِي سَهُوٍ وَحَمِيمٍ (٢) وَظِلٍ مِّنْ يَحُْومٍ لَّا بَارِ
وَلَا كَرِيمٍ ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤].
يقول جلال الدين المحلي: ((﴿فِي
ريح حارّة من النّار تنفذ في المسامّ
سَهُو
وَظِلّ مِّن
ماء شديد الحرارة
﴿وَيـ
· دخان شديد السّواد، ﴿﴿لَّ بَارِدٍ﴾
يحمودٍ
كغيره من الظّلال ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ حسن
المنظر))(٢).
وبعد هذه الآيات ذكرت لنا السورة
أسباب استحقاق هؤلاء الكفار للعذاب في
أنهم كانوا منعّمین بالحرام في الدنيا، وكانوا
يصرّون على الشرك بالله، وأنكروا البعث
والجزاء، ثم جاءت الآيات لتصف لنا أنواعًا
أخرى من العذاب، فقال سبحانه وتعالى:
◌َإِنَّكُمْ ◌َّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ ، لَكِلُونَ مِن شَجَرٍ
مِّنِ زَقُّوْمٍ ن ◌َالِقُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ { فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ
اَلْسِيمِ ن فَشَرِبُونَ شُرْبَ الِمِ ن هَذَا نُزُأُمْ يَوْمَ
الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٦].
يقول القاسمي في تفسيره: ((﴿﴿ثُمَّإِنَّكُمْ أَيّهَا
الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴾ أي: الجاهلون المصرّون
على جهالاتهم، والجاحدون للبعث،
﴿ آآكِلُونَمِن شَجَرِنِ زَقُومٍ﴾ وهو من أخبث شجر
(٢) تفسير الجلالين، ص ٧١٥.
٤٢٠
الترهيب
البادية في المرارة، وبشاعة المنظر، ونتن
الربح ﴿فَالِقُونَ﴾ منها ﴿ الْبُطُونَ ﴾ أي: من
ثمراتها الوبيئة البشعة المحرقة، ﴿فَشَرِبُونَ
عَلَيْهِ مِنَ لَلْصِيمِ﴾ أي: الماء الذي انتهى حره
وغليانه، ﴿﴿فَشَرِبُونَ شُرْبَ لَظِيمِ﴾ أي: الإبل
التي بها الهيام، وهو داء لا ريّ معه؛ لشدة
الشغف والكلب، بها ﴿هَذَا نُزُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
أي: جزاؤهم في الآخرة»(١).
رابعًا: أن يأتي الترهيب في سورة
قرآنية:
من أنواع الترهيب في القرآن الكريم ما
جاء في سورة قرآنية، مثل ما جاء في سورة
الهمزة.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لَّكُلِّ هُمَزَقٍ
ثُمَّزَةِ ﴿ الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ن يَحْسَبُ
أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَدَهُ كَلََّ لَيُنْبَذَنَّ فِ الْمُطَمَةِ
﴿ وَمَا أَدْرَنِكَ مَا الْخُطَمَةُ ٥ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
(٢) الَّتِي تَطَلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
ـث فِ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ١ -٩].
يقول الطبري: ((﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَقْ ﴾
الوادي يسيل من صديد أهل النار وقيحهم،
﴿لَّكُلِّ هُمَزَقْ﴾: لكل مغتاب للناس،
﴿الَّذِى جَمَعَ مَالَا وَعَدَّدَهُ﴾ ولم ينفقه في
سبيل الله، ولم يؤدّ حق الله فيه، ولكنه جمعه
فأوعاه وحفظه، يحسب أن ماله الذي جمعه
(١) محاسن التأويل، ١٢٥/٩.
وأحصاه ويخل بإنفاقه مخّده في الدنيا،
فمزيل عنه الموت، ثم أخبر -جلّ ثناؤه- أنه
هالك ومعذّب على أفعاله ومعاصيه التي
كان يأتيها في الدنيا، فقال -جل ثناؤه -:
﴿لَيُقْبَذَنَّ فِ الْمُطَمَةِ ﴾ ليقذفنّ يوم القيامة في
الحطمة، والحطمة: اسم من أسماء النار،
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْخُطَمَةُ﴾ وأيّ شيء أشعرك
يا محمد ما الحطمة، ثم أخبره عنها ما هي،
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَّدَةُ ل اٌلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْدَةِ﴾
يقول: التي يطلع ألمها ووهجها القلوب،
﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ يعني: على هؤلاء
﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مطبقة،
الهمازين اللمازين
﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةِ﴾ أنهم يعذّبون بعمد في النار،
والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها))(٢).
من خلال ما سبق بيانه، ظهر لنا أنّ القرآن
الكريم استخدم أنواع الترهيب المختلفة في
کتابه، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل
على أنّ القرآن الكريم لم يغفل هذا الجانب؛
لأهميته في حياة المسلم، وأثره الكبير في
استقامة الإنسان على طاعة ربه وامتثال
أوامره واجتناب نواهيه؛ كي ينجو من
العذاب الذي أعدّه الله سبحانه وتعالى لمن
عصاه وأشرك به، ويفوز بالجزاء العظيم،
والنعيم المقيم الذي أعدّه لعباده المتقين.
(٢) جامع البيان ، ٢٤/ ٥٩٩.
www. modoee.com
٤٢١
حرف التاء
مجالات الترهيب في القرآن
يسعى الشيطان جاهدًا ليوقع الإنسان
في الضلال والغواية، ويجعله يرتكب
جرائم عديدة، أخطرها تلك التي تتعلق
بحق الله سبحانه وتعالى، كالكفر والشرك
والنفاق، وقد رهّب سبحانه و تعالى من
هذه الجرائم ورتّب عليها عقوبات زاجرة؛
حتى تكون مانعة للإنسان من الوقوع
فيها، فإن الشرك خطره كبير، فهو من
أکبر الكبائر، ومن أعظم الظلم، فهو سبب
في عدم مغفرة الذنب، كذلك النفاق أشد
خطرًا من الكفر والشرك، وقد جاءت الآيات
القرآنية تحذّر من الوقوع فيه، وقد توعّد الله
سبحانه وتعالى المنافقين بالعذاب الشديد
يوم القيامة، وإن الكفر من الجرائم المتعلقة
في حق الله سبحانه وتعالى؛ لأنه منافٍ
للإيمان، ومحبط للعمل، فقد رتّب الله
سبحانه وتعالى على مرتكبي هذه الجرائم
أشد العقوبات وأبشعها؛ لأنها من الأعمال
السيئة؛ كي تكون رادعة للإنسان في حياته
الدنيا وزاجرة له، وسوف نتحدث في هذه
السطور عن مجالات الترهيب في القرآن
كالكفر والشرك والنفاق، والأعمال السيئة
والعقاب:
أولًا: الكفر:
إنّ الكفر والشرك والنفاق من الجرائم
المتعلقة بحق الله سبحانه وتعالى.
ولذا فقد رّب الله سبحانه وتعالى من
هذه الأمور، ورتّب عليها العقوبات، وهذا
ما سنتحدث عنه:
ويعدّ الكفر من الجرائم المتعلقة بحق
الله؛ لأنه منافٍ للإيمان، وقد ذم الله سبحانه
وتعالى الكفر.
وبيّن سوء عاقبته على الكافرين في كثير
من آيات القرآن الكريم، وتوعدهم بالعذاب
والهلاك، ومن صور الوعيد ما يلي:
١. العذاب الأليم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِنَايَتِ
اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّيْتِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١].
بيّن سبحانه وتعالى حال أولئك الكافرين
ومصیرهم، فهم یکفرون بآيات الله، وهي
الدلائل الواضحة، وما بعث به رسله،
ويقتلون مع ذلك النبيين بغير حق ولا سبب
موجب للقتل، ويقتلون الذين يأمرونهم من
أتباع الأنبياء المؤمنين الصالحين، فكان
مصيرهم العذاب أليم(١).
(١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري،
٣٠٠/١.
٤٢٢
◌ُ الَّتِدُ
القرآن الكريم
الترهيب
٢. العذاب المهين.
قال تعالى: ﴿ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ
مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠].
توعّد الله سبحانه وتعالى الكافرين
بالعذاب المهين وهو الذي يهين صاحبه
ويذله في الدنيا والآخرة؛ وذلك بسبب
كفرهم بالله وما أنزل على رسله (١).
٣. الضلال المبين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ.
وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَّتِهِ، وَكُنُبِهِ.
وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِ﴾، وبمحمد وما جاء
به من عند الله.
يقول السعدي في تفسيره: ((واعلم أن
الكفر بشىء من هذه المذكورات، كالكفر
بجميعها؛ لتلازمها وامتناع وجود الإيمان
ببعضها دون بعض)»(٢)
وقد بيّن سبحانه و تعالى جزاء من یکفر
بهذه المذكورات ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا ﴾
فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار
عن محجّة الطريق إلى المهالك؛ لأن كفر
من کفر بذلك، خروج منه عن دين الله الذي
شرعه لعباده، والخروج عن دين الله فيه
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٦٢/٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٢٠٩.
الهلاك والبوار، وفيه الضلال عن الهدى (٣).
٤. لعنة الله والملائكة على
الكافرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ
كُفَّارٌ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَقْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
يقول ابن كثير في تفسيره: «ثم أخبر
تعالى عمن كفر به، واستمر به الحال إلى
مماته بأنّ ﴿عَلَيْهِمْ لَنَةُ اَللَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ أي: في اللعنة التابعة لهم إلى
يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم
التي لا يخفّف عنهم العذاب فيها، أي: لا
ينقص عما هم فيه، ولا هم ينظرون، أي
لا یغيّر عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو
متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك))(٤)،
وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ اَلْكَفِرِينَ
وأعد لهم سَعِيرًا
# [الأحزاب: ٦٤].
٥. شراب الكافرين من الحميم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ
مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
[يونس: ٤].
يخبر سبحانه وتعالى عن أولئك الذين
جحدوا وحدانية الله، ورسالة رسوله صلى
الله عليه وسلم، بأن لهم شرابًا من ماء
حارِّ شديد الحرارة، يشوي الوجوه ويقطّع
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣١٤/٩.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ١٣٨/٢.
www. modoee.com
٤٢٣
حرف التاء
الأمعاء، ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم حينما يكفر بالله عز وجل وآياته، وأن مأواه
جهنم، وأن الله عز وجل سيذله ويذيقه
وضلالهم(١).
من العذاب الأليم والشراب الحميم، ويلعنه
٦. الكافرون لا مولی لھم، ولا ناصر
ينصرهم.
الله والملائكة والناس أجمعون، ويخلد
في نار جهنم، كما قال سبحانه و تعالى:
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَتْبِكَ أَصْحَبُ
النَّارِّهُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩].
إن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين
وناصرهم ومؤيدهم، أما الكافرون فـ ﴿لَا
مَوْلَ لَمْ﴾ ينصرهم، أو يدفع عنهم ما
حلّ بهم من دمار وخسران بسبب كفرهم
وجحودهم (٢).
٧. الخلود في نار جهنم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِايَتِنَآ
أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:
٣٩].
يقول البغوي: ((﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني:
بالقرآن،
﴿وَكَذَّبُواْ بِكَايَتِنَآَ
جحدوا،
هُمْ
﴿أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ يوم القيامة،
فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ لا يخرجون منها، ولا يموتون
فيها))(٣).
وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى توعّد
من کفر، أو وقع في الكفر بأنواع عديدة من
العذاب، ولما علم الإنسان ماله من الوعيد
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٧/ ٤٣٠.
(٢) انظر: الوسيط، محمد سيد طنطاوي،
٣٨٨٦/١.
(٣) معالم التنزيل، ١/ ٨٦.
القرآن الكريم
فإن الإنسان لا يستقيم حاله إلا
بإقراره بوحدانية ربه وتوحيده، وتجعله
یسیر وفق ما یرید الله عز و جل، ويجتنب
الأمور التي توقع صاحبها في الكفر، فإن
علم الإنسان المسلم ذلك، فإنه سينقاد
إلى طاعة خالقه عز وجل، ويبتعد عن
الكفر، ويكفر بكل ما عبد من غير الله عز
وجل، من حجر، وشجر وغيره.
يقول الله عز وجل: ﴿فَمَن يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَمَا وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٥٦].
فالإيمان بالله سبب من أسباب
استقامة الإنسان على طاعة الرحمن،
والبعد عن طاعة الشيطان.
ثانيًا: الشرك:
إن "الشرك جريمة عظيمة بحق الله
سبحانه و تعالى، فالشرك ظلم النفس، حیث
وصفه سبحانه وتعالى بأنه أعظم الظلم،
٤٢٤
الترهيب
قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ قائل بالزور وعامل بالباطل، ومن هنا كان
عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣].
وذلك لأن المشرك يجعل المخلوق
في منزلة الخالق؛ لذلك جاء التحذير منه
في القرآن الكريم، واعتبره الرسول صلى
الله علیه وسلم کبیرة من كبائر الذنوب،
فالشرك: جعل شريك لله في ربوبيته أو
إلهیته، کأن يدعو مع الله غيره، أو يصرف
له شيئًا من أنواع العبادة، كالذبح والنذر
والخوف والرجاء(١).
ولقد تنوعت دلالة النصوص على ذم
الشرك، والتحذير منه وبيان خطره، وسوء
عاقبته على المشركين في الدنيا والآخرة،
وبيان ذلك في النقاط الآتية:
١. الشرك الذنب الذي لا يغفر إلا
بتوبة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨].
يقول أبو بكر الجزائري: ((فأخبر تعالى
عن نفسه بأنه لا يغفر الذنب المعروف
بالشرك والكفر، وأما سائر الذنوب كبيرها
وصغيرها فتحت المشيئة، إن شاء غفرها
لمرتکبها فلم يعذّبه بها، وإن شاء آخذه بها
وعذّبه، وأن من يشرك به تعالى فقد اختلق
الكذب العظيم؛ إذ عبد من لا يستحق
العبادة، ومن لا حق له في التأليه؛ فلذا هو
(١) انظر: عقيدة التوحيد، صالح الفوزان، ص٥١.
ذنبه عظيمًا))(٢)، فمن رحمة الله سبحانه
وتعالى بعباده أنه يغفر الذنوب مهما عظمت،
فإذا تاب المشرك عن شركه، ورجع إلى ربه
وأناب، فإن الله سبحانه وتعالی یغفر له،
يقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسيره
لهذه الآية: ((وهذه الآية الكريمة في حق
غير التائب، وأما التائب فإنه يغفر له الشرك
فما دونه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
أي: لمن تاب إليه وأناب؛ ولهذا حتّم
على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان
الثواب)) (٣)، قال تعالى: ﴿ وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ
وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].
٢. وصف الله الشرك بأنه ظلم
عظیم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣].
يقول ابن عاشور في تفسيره: «والمراد
بالظالمين ابتداءً: المشركون، أي: الذين
ظلموا أنفسهم إذ أشركوا بالله، قال تعالى:
﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
والظلم يشمل أيضًا عمل المعاصي
الكبائر، كما وقع في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ
(٢) أيسر التفاسير، ٤٨٩/١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٨١.
www. modoee.com
٤٢٥
حرف التاء
ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌّ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُّبِيِتٌ﴾
[الصافات: ١١٣ ].
وقد وصف القرآن اليهود بوصف
الظالمين في قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة:
٤٥ ].
فالمراد بالظلم: المعاصي الكبيرة
وأعلاها الشرك بالله تعالى)) (١)، وإنّ أول
وصية وصى بها لقمان ابنه وهو يعظه ألا
يشرك بالله؛ لخطره على صاحبه، قال
تعالى: ﴿ وَإِذْقَالَ لَقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَىَّ
لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣ ].
٣. الشرك محبطٌ لجميع للأعمال،
وسببٌ في خسران صاحبه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ
مِن قَبْلِكَ لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
أي: أوحى الله سبحانه وتعالى إلى
محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى
إلى الأنبياء من قبله، ﴿لپنْأَشْرَكْتَ ﴾ بنا
غيرنا في عبادتنا ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي:
يبطل كله، ولا تثاب على شيء منه وإن قلّ،
﴿وَلَتَكُونَنَّ﴾ بعد ذلك من جملة الخاسرين
الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم
(١) التحرير والتنوير، ١/ ٧٠٦.
القيامة، وذلك هو الخسران المبين(٢)، وقال
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
يقول ابن كثير: «هذا تشديد لأمر الشرك،
وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته»(٣).
٤. تحريم دخول الجنة على
المشرك.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ، مَن يُشْرِكَ بِاَلَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: ٧٢].
يقول ابن جرير الطبري في تفسيره:
(﴿إِنَّهُ، مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللّهُ عَلَيْهِ
الْجَنَّةَ﴾، أن يسكنها في الآخرة، ﴿وَمَأْوَنُ
التَّارُ﴾ يقول: ومرجعه ومكانه الذي يأوي
إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكًا
في عبادته نار جهنم، ﴿وَمَا لِقَّلِينَ﴾،
يقول: وليس لمن فعل غير ما أباح الله
له، وعبد غير الذي له عبادة الخلق، ﴿مِنْ
أَنْصَارٍ ﴾، ينصرونه يوم القيامة من الله،
فینقذونه منه إذا أورده جهنم)) (٤).
(٢) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري،
٤/ ٥٠٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٤٤٥/٥.
(٤) جامع البيان، ١٠ / ٤٨١.
٤٢٦
مُوسُو عبر التشيك موضوي
القرآن الكريم
الترهيب
٥. المشرك حلال الدم والمال.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ
فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾
[التوبة: ٥].
يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ
اْأَشْهُرُ اَلْحُرُّمُ﴾ أي: ((التي حرم فيها قتال
المشركين المعاهدين، وهي الأشهر الحرم
الأربعة (١)، وتمام المدة لمن له مدة أكثر
منها، ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
في أي مكان وزمان)) (٢)، يقول القرطبي:
((يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، إلا
أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة)»(٣)،
﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أسرى ﴿وَأَحْصُرُوهُمْ﴾ أي:
ضيّقوا عليهم واحبسوهم، فلا تدعوهم
یتوسعون في بلاد اللّه وأرضه، التي جعلها
الله معبدا لعباده، فهؤلاء ليسوا أهلا لسکنھا،
ولا يستحقون منها شبرا؛ لأن الأرض أرض
اللّه، وهم أعداؤه المتنابذون له ولرسله،
المحاربون الذین یریدون أن تخلو الأرض
من دينه، ویأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره
الكافرون، ﴿وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾
أي: کل ثنية وموضع یمرون عليه، ورابطوا
في جهادكم، وابذلوا غاية مجهودكم في
(١) الأشهر الحرم أربعة هي: ذو القعدة، ذو
الحجة، محرم، رجب.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٢٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٨/ ٧٢.
ذلك، ولا تزالوا على هذا الأمر؛ حتى يتوبوا
من شركهم» (٤).
٦. براءة الله سبحانه وتعالى من
المشركين ورسوله صلى الله عليه
وسلم.
قال تعالى: ﴿ وَأَذَنُّ مِنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ»
إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣].
أمر النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنه
أن يؤذّن يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر،
وقت اجتماع الناس مسلمهم وكافرهم، من
جميع جزيرة العرب، أن يؤذن بأنّ الله بريء
ورسوله من المشركين، فليس لهم عنده
عهد وميثاق، فأينما وجدوا قتلوا، وقيل
لهم: لا تقربوا المسجد الحرام بعد عامكم
هذا، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة، ثم
رغّب تعالى المشركين بالتوبة، ورهّبهم من
الاستمرار على الشرك(٥).
فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ﴾
[التوبة: ٣].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلی الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال:
(أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٣٢٩.
(٥) المصدر السابق، ص٣٢٨.
www. modoee.com
٤٢٧
حرف التاء
عملًا فأشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو الذنوب، فالمشرك حلال الدم والمال،
وإنّ الله سبحانه وتعالى تبرأ من المشركين
ورسوله صلی الله علیه وسلم.
للذي أشرك)(١).
٧. نجاسة المشرك (المعنوية).
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
قال تعالى:
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌَّ﴾ [التوبة: ٢٨].
يقول الإمام السعدي: ((﴿نَجَسٌ﴾ أي:
خبثاء في عقائدهم وأعمالهم، وأي نجاسة
أبلغ ممن كان يعبد مع اللّه آلهة لا تنفع
ولا تضر، ولا تغني عنه شيئًا، وأعمالهم ما
بين محاربة للّه، وصد عن سبيل اللّه ونصر
للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في
الأرض لا في الصلاح)» (٢).
٨. الشرك افتراءٌ و إثم عظيمٌ على
الله سبحانه و تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَىَ
إِثْمَا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
فَقَدِ
ومن يشرك بالله فى عبادته،
﴿إِثْمًا
آَفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ أي: اختلق
عَظِيمًا﴾، وإنما جعله الله تعالى مفتريًا؛
لأنه قال زورًا، وإفكّا بجحوده وحدانية
الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه.
لما يعلم الإنسان خطر الشرك، فإنه
سيبذل قصارى جهده من أجل عدم الوقوع
فيه؛ لأن الشرك سبب في عدم مغفرة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد، باب
من أشرك في عمله، ٢٢٨٩/٤، رقم ٢٩٨٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٣٣٣.
فالشرك يوجب لصاحبه العذاب في
الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿لَيُعَذِّبَ
اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَتِ ﴾ [الأحزاب: ٧٣].
فهو أبغض الأشياء إلى الله، قال ابن
القيم: ((إنّ الشرك لما كان أظلم الظلم،
وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان
أبغض الأشياء إلى الله، وأكرهها له وأشدها
مقتًا لدیه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا
والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر
أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من
قربان حرمه، وحرّم ذبائحهم ومناکحتهم،
وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين،
وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله
وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم
ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا؛
وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية،
وتنقيص لعظمة الإلهية))(٣).
فيجب على الإنسان أن يتحرر من
جميع مظاهر الشرك، وأن يقلع عنها،
ويستنير بنور التوحيد؛ لأنه سبب في
مغفرة الذنوب واستقامة الإنسان، يقول
ابن القيم: «فإن التوحيد الخالص الذي
(٣) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ٦٠.
مَوَسُوبَةُ النَّيده
القرآن الكريم
٤٢٨
الترهيب
لا يشوبه شرك، لا يبقى معه ذنب فإنه
يتضمن من محبة الله تعالى، وإجلاله،
وتعظيمه وخوفه، ورجائه وحده مما
يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب
الأرض))(١)، فالذي يتوجه إلى ربه بالعبادة
وحده لا شريك له، ولا یصرف شيئًا من
العبادة لغيره، فقد حقّق التوحيد واستقام
على شرع الله سبحانه و تعالى.
ثالثًا: النفاق:
إن النفاق داء عضال، وانحراف خطير
في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم،
فخطره عظیم، وشرور أهله كثيرة، وتكمن
خطورته في آثاره المدمرة على حياة الأفراد
والمجتمعات.
قال تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
النفاق معناه: إظهار الإسلام وإبطان وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة:
٩].
الكفر والشرك (٢).
وسوف نتحدث عن النفاق ونبین صفات
المنافقين؛ حتی یکون المسلم على حذر
من الوقوع في النفاق، ومما يعين المسلم
على ذلك تدبر ما ذكره الله سبحانه وتعالى
في كتابه من صفاتهم، وما صحت به السنة
النبوية، إن للمنافقين صفات كثيرة نشیر إليها
مجرد إشارات مختصرة، وإلا فإن التفصيل
يحتاج إلى مؤلفات تفضح ما هم عليه، ومن
أهم صفات المنافقين ما يأتي:
(١) المصدر السابق، ١/ ٦٤.
(٢) انظر: عقيدة التوحيد، صالح الفوزان، ص٥٨.
١. أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس
في قلوبهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللّهِ
وَبِاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
ومن الناس فريق يتردد متحيرًا بين
المؤمنين والكافرين، وهم المنافقون الذين
يدّعون الإيمان بألسنتهم ويضمرون الكفر
في قلوبهم، وهم في باطنهم كاذبون لم
يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر، فنفى الله
سبحانه وتعالى عنهم صفة الإيمان؛ لأنهم
أشد خطورة من الكافرين(٣).
٢. خداع الله سبحانه وتعالى
والمؤمنين.
يقول ابن كثير في تفسيره للآية:
(﴿يُخَدِعُونَ اَللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي:
بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع
إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم
يخادعون الله بذلك، وأنّ ذلك نافعهم
عنده، وأنه پروچ علیه كما يروج على بعض
المؤمنين.
قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ
لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
(٣) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري،
١/ ٢٥.
www. modoee.com
٤٢٩
حرف التاء
اٌلْكَذِبُونَ ﴾[المجادلة: ١٨]؛ ولهذا قابلهم على
اعتقادهم ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ
إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ ﴾ يقول: وما يغرون
بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم،
وما يشعرون بذلك من أنفسهم))(١).
٣. الإفساد في الأرض بالقول
والفعل.
قال تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
وَلَكِنْ لَا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ١٢].
يقول سيد طنطاوي في تفسيره: «الفساد:
خروج الشيء عن حالة الاعتدال والاستقامة،
وعن کونه منتفعاً به، وضدہ الصلاح، يقال:
فسد الشيء فسادًا، وأفسده إفسادًا، والمراد
به هنا: كفرهم، ومعاصيهم، ومن كفر بالله
وانتهك محارمه فقد أفسد في الأرض؛ لأن
الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة،
ومن أبرز معاصي هؤلاء المنافقين، ما كانوا
يدعون إليه في السر من تكذيب الرسول
صلى الله عليه وسلم، وإلقاء الشّبه في
طريق دعوته، والتحالف مع المشرکین ضد
المسلمين، كلما وجدوا لذلك سبيلاً))(٢).
٤. الاستهزاء بالمؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْالَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا
ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا
◌َحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴿ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي
(١) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٢٨٣.
(٢) الوسيط، ٢٧/١.
◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤ -١٥].
((هؤلاء المنافقون إذا قابلوا المؤمنين
قالوا: صدّقنا بالإسلام مثلكم، وإذا انصرفوا
وذهبوا إلى زعمائهم الكفرة المتمردين
على الله، أكّدوا لهم أنهم على ملة الكفر لم
یترکوها، وإنما كانوا يستخفّون بالمؤمنين،
ويسخرون منهم، فالله سبحانه وتعالى
يستهزئ بهم معاملة لهم بالمثل؛ لتزداد
حيرتهم، وتضطرب نفوسهم، وتضل
عقولهم؛ لأنهم استبدلوا الإيمان بالكفر
والإخلاص بالنفاق))(٣).
٥. المنافقون يحلفون كذبًا ليستروا
جرائمهم.
قال تعالى: ﴿اَّخَذُواْ أَيْمَنْهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهَّ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
[المنافقون: ٢].
يقول ابن كثير في تفسيره: ((أي: اتقوا
الناس بالأيمان الكاذبة، والحلفان الآثمة؛
ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا
یعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون،
فربما اقتدى بهم فيما يفعلون، وصدّقهم
فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا
في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا
-مفسدة- فحصل بهذا القدر ضرر كبير
علی کثیر من الناس»(٤).
(٣) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ٢٨/١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ٥/١٤.
٤٣٠
مَوَسُولَةُ الْبَقِيَة
القرآن الكريم
الترهيب
٦. موالاة المنافقين للكافرين
ونصرتهم على المؤمنين.
قال تعالى: ﴿بَشْرِ الْمُنَّفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا (١٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].
يقول الإمام الشوكاني: ((إطلاق البشارة
على ما هو شر خالص لهم تهكم بهم))(١).
وقد وصف الله سبحانه وتعالى
حال المنافقين بأنهم يوالون الكافرين،
ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية
المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم،
أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند
الكافرين؟ إنهم لا يملكون ذلك، فالنصرة
والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده (٢).
وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية
الکریمة، جاء موضحًا في آيات من کتاب
اللّه تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن
دُونِ الَّهِ وَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا (٦) كَ
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾
[مريم: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاْ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[يونس: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى
(١) فتح القدير، ١/ ٧٩٣.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٦/ ٢٨٠.
الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ
أَلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ ﴾ [المنافقون: ٨].
٧. المنافقون يعملون على تهوين
المؤمنين وتخذلهم.
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّ غُرُورًا
وَإِذْ قَالَت ◌َآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ
١٢
◌َكُمْ فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّقِّ يَقُولُونَ
إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارً
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ
الَّتَوَّهَا وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلََّ يَسِيرًا ، وَلَقَدْ كَانُواْ
عَهَدُ واْاللَّه مِن قَبْلٌ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ
اللّهِ مَسْئُولًا ٥ قُل لَّنْ يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَّتُم
مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَاَ لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
﴿ قُلْ مَن ◌َذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اَللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ
سُوَّهَا أَوْ أَرَدَ بِكُتْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَمُ مِن دُونِ
اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُرُ
وَلْقَيِنَ لِإِخْوَفِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَاً وَلَا يَأْتُونَ الْبَّأْسَ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٨].
يقول المنافقون والذين في قلوبهم شك
ومرض: ما وعدنا الله ورسوله من النصر
والتمكين إلا باطلًا من القول والغرور، فلا
تصدّقوا، واذكر يا محمد قول طائفة من
المنافقين الذين ينادون المؤمنين من أهل
المدينة: لا إقامة لكم في معركة خاسرة،
فارجعوا إلى منازلكم؛ لأنها غير محصنة،
فالحق أنهم قصدوا بذلك الفرار من القتال،
www. modoee.com
٤٣١
حرف التاء
وتعالى ألا یفروا من الحرب، وألا يتأخروا
إذا دعوا إلى الجهاد؛ لكنهم خانوا عهدهم
وسيحاسبهم الله سبحانه وتعالى على تلك
الخيانة وعدم وفائهم بالعهد، وقل یا محمد
لهؤلاء المنافقين: ﴿لَّنْ يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ ﴾
من المعركة خوفًا من الموت أو القتل،
فإن ذلك لا يؤخّر آجالکم، وإن فررتم فلن
تتمتعوا إلا بقدر أعمالكم المحدودة، وهو
زمن يسير جدًّا بالنسبة للآخرة، ومن الذي
يمنع المنافقين من عذاب الله وسخطه،
فالمنافقون لیس لهم من دون الله ناصر
ينصرهم، وإن الله سبحانه وتعالى يعلم
المثبطين من المنافقين عن الجهاد في سبيل
الله، فكان ديدن هؤلاء المنافقين العمل على
تهوين المؤمنين وتثبيطهم وتخذلهم(١).
٨. التحاكم إلى الطاغوت.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا
أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
ضَلَلَا بَعِيدًا (٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى
مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ
يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: ٦٠، ٦١].
هكذا حال المنافقين: إنهم يتركون
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٥٥/٥، مفاتیح
الغيب، الرازي، ١٤٧/٢٥.
فهؤلاء المنافقون عاهدوا الله سبحانه التحاكم إلى الله ورسوله، فهم حين لا
يقبلون حكم الله ورسوله، ويفتضح
نفاقهم، يأتون بأعذار كاذبة ملفقة، ويحلفون
الأيمان لتبرئة أنفسهم، إننا لم نرد مخالفة
الرسول صلى الله عليه وسلم في أحكامه،
إنما أردنا التوفيق والمصالحة، وأردنا
الإحسان لكل من الفريقين المتخاصمين،
ومن عجيب أمرهم في ذلك، أنهم إذا
وجدوا الحكم لصالحهم قبلوه(٢)، وإِن یکن
علیھم یعرضوا عنه.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى بذلك
﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ يِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ
يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَكَ
بِلْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ
بََّهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ شُعْرِضُونَ ﴿ وَإِن يَكُنْ لَهُ اَلْحَقُّ
يَأْتُوَاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٧ - ٤٩].
٩. طعنهم في المؤمنين وتشكيكهم
في نوايا الطائعين.
﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
قال تعالى:
الْمُطَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[التوبة: ٧٩].
إن الله سبحانه وتعالى توعد بالعذاب
الأليم للمنافقين الذين يسخرون من
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
الحنبلي، ٦/ ٤٥٢.
مُوَسوبر النفسية
القرآن الكريم
٤٣٢