النص المفهرس
صفحات 21-28
الترف
مَا نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ
إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ الرَّأْبِ وَمَا نَرَى
لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِينَ﴾
[هود: ٢٧].
فانظر إلى هؤلاء المترفين للتعرف على
كبرهم ﴿مَا نَّرَئِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ
أتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ الرَّأَيِ ﴾
«فهم يسمون الفقراء من الناس أراذل كما
ينظر الكبراء دائمًا إلى الآخرين الذين لم
يؤتوا المال والسلطان))(١).
فزينة الحياة الدنيا ومتاعها، أخذت
بعقول هؤلاء، فقادهم الترف فيها إلى
الكبر، وهذا تجده في القرآن عامًّا في جميع
الرسالات، كما قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَافِ
قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّابِمَا أُرْسِلْتُمبِهِ،
كَفِرُونَ (٦) وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٤ - ٣٥].
فـ «الترف یفسد الفطرة ويغشیها فلا ترى
دلائل الهداية فتستكبر على الهدى وتصر
على الباطل، ولا تتفتح للنور)) (٢).
٢. الحرص على الشهوات والمتع.
من أخلاق المترفين التي ذكرها الله
تعالى في القرآن الكريم، الحرص على
الشهوات والمتع والزينة.
فأهل الترف يؤثرون الشهوات والمتع
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ١٨٧٢.
(٢) المصدر السابق ٥/ ٢٩١٠ بتصرف.
في الدنيا - وإن كانت على حساب الشرع-
على الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ
قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِفِى الْأَرْضِ
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ
ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ [هود:
١١٦].
قال الطبري: ((اتبعوا ما أنظروا فيه من
لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا
وصدوا عن سبيله))(٣). وهذه الآية تنعي على
القرى المهلكة عدم وجود جماعة أولي
((عقل ورأي وصلاح ينهونهم عن الفساد في
الأرض باتباع الهوى والشهوات التي تفسد
عليهم أنفسهم ومصالحهم، فيحولون بينهم
وبين الفساد)) (٤).
فهؤلاء المترفون («صبّ عليهم النعمة
صبًّا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع
الشهوات)» (٥)، حتى فجأهم العذاب ﴿وَكَانُوا
مُجْرِمِينَ﴾(٦).
وهذا يوحي بأن المرء متى تجرّد للحق
فإنه لا يملك إلا اتباع الكتاب والسنة، ما لم
يصب بآفة الترف التي تقطعه عن هذا الاتباع
المحمود، وتجعله يركن إلى الشهوات
ويألف التمرّد والعصيان، ومن ثم تخرجه
(٣) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٢٩.
(٤) تفسير المراغي ١٢ / ٩٧.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٢٤/٧.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦١/٤.
www. modoee.com
٤٠٥
حرف التاء
عن حدّ الاعتدال إلى حدّ الإسراف والظلم إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِالَّذِينَ
للآخرين.
وبذلك يظهر شؤم الترف وأنه ((هو
الباعث على الفسوق والعصيان والظلم
والإجرام، ويظهر ذلك أول ما يظهر في
السادة والرؤساء، ومنهم ينتقل إلى العامة
والدهماء فيكون ذلك سببًا في الهلاك
بالاستئصال، أو في فقد العزّة والاستقلال،
وتلك هي سنّة الله في خلقه، كما قال:
﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَقَّرْنَهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء:
١٦]»(١) .
ثانيًا: من سلوك المترفين:
الترف آفة مفسدة ومتى استوطنت كيانًا
نخرته ونشرت فيه شتى العلل والأوبئة،
وأظهرت عليه الكثير من السلوكيات السيئة،
ولقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من
سلوك المترفين:
١. التمرد على أحكام الشرع.
من النماذج القرآنية التي يتجلّى فيها
سلوك التمرّد على الشرع وتعاليم السماء
عند المترفين هو ما قصّه الله علينا في شأن
قوم ثمود.
قال تعالى: ﴿ثُرَّأَ شَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَا مَاخَرِينَ
فَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَا مِّنْهُمْ أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهُ مَا لَكُمْ مِّنْ
(١) المصدر السابق ١٢ / ١٥٨.
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُونَ
مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًاً
مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣١ -
٣٤].
ففي هذه الآيات یظهر سلوك التمرد عند
الملأ المترف (٢)، وكيف أنهم استقبلوا دعوة
نبيهم لا بالطاعة والإذعان، ولكن بالرفض
والإنكار والتكذيب.
ويقص علينا القرآن في موضع آخر كيف
أنهم طلبوا من نبيهم أن يأتيهم بآية: ﴿ قَالُوا
إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِنَ آ مَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا
فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾ [الشعراء:
١٥٣ - ١٥٤].
قال ابن كثير: ((اقترحوا عليه آية يأتيهم
بها؛ ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم
فطلبوا منه - وقد اجتمع ملؤهم - أن يخرج
لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى
صخرة عندهم - ناقة عشراء من صفتها كذا
وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح
عليه السلام العهود والمواثيق لئن أجابهم
إلی ما سألوا لیؤمنن به ولیصدقنه ولیتبعنه،
فأنعموا بذلك، فقام نبي الله صالح عليه
السلام فصلى، ثم دعا الله تعالى أن يجيبهم
(٢) الأظهر أن المراد بهم: قوم ثمود؛ لأنهم من
أهلكوا بالصاعقة، كما جاء في خاتمة الآيات.
انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٩/١٨.
مَوَسوبر التفسير
القرآن الكريمِ
٤٠٦
الترف
إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي
أشاروا إليها عن ناقة عشراء، على الصفة التي
وصفوها، فآمن بعضهم و کفر أکثرهم»(١).
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل دفعهم
ترفهم إلى مزيد من التمرّد، فقد قال لهم
نبيهم: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لََّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ
يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
يعني: ((ترد ماءكم يومًا، ويومًا تردونه
أنتم))(٢) ﴿ وَلَا تَمَشُوهَا بِسُوْءٍ﴾ ((بعقر أو غيره
فخرجت واستمرّت عندهم بتلك الحال
فلم يؤمنوا واستمرّوا على طغيانهم))(٣)،
وفي النهاية قاموا بعقرها ﴿ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا
نَدِمِينَ { فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٌ
* [الشعراء: ١٥٧
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ
- ١٥٨].
وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على شدة عتوّهم
وتمرّدهم، فآية الناقة آية عظيمة لا يملك
الإنسان أمامها إلا الإيمان والتصديق، ولا
غرو فقد وصفها الله بقوله: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ
النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ [الإسراء: ٥٩].
((إشارة إلى أنها كانت آية واضحة،
تعیش في الناس، وتتمشّی بینھم، يمرّون بها
مصبحين وممسين)) (٤).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦ / ١٥٧.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١ / ٥٩٦.
(٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٨ / ٥٠٩.
ولكن هكذا الترف «يغلظ المشاعر،
ويسد المنافذ، ويفقد القلوب تلك الحساسية
المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب فتغدو
قاسية عاصية متمردة، والعياذ بالله))(٥).
٢. الجزع والفزع عند المصيبة.
قد ظهر في العنصر السابق كيف أن التمرد
هو مسلك أهل الترف، والمرء قد يخال أن
المترفين لفرط تمردهم أقوياء، وأنهم لعتوّ
عصیانهم أشداء، ولکن على العكس تمامًا
فهم خوّراون جبناء لا ثبات لهم إذا دهمتهم
مصيبة، ولا صبر لهم إن نزل بساحتهم بلاء.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ
ظَالِمَةً وَأَنشَأَنَ بَعْدَهَا قَوْمَاءَاخَرِينَ (١) فَلَمَّاً
أَحَسُواْ بَأَسَنَآ إِذَا هُمْ مِنْهَيَكُونَ (٢) لَا تَرْكُواْ
وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أَتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُشْتَلُونَ ﴾ قَالُواْ يَوْبِلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ ) فَمَا
زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا
خَمِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥].
وفي هذه الآيات يظهر مدى شدة فزع
المترفين والذعر الذي يملأ نفوسهم إذا
حلت بهم الكوارث وكيف أنهم يولون
هاربين، ويظهر اشتداد فزعهم عند حلول
البأس من خلال أمور:
التعبير ب﴿فَلَمَّ أَحَسُواْ﴾ والإحساس
هو: الإدراك بالحسّ فيكون برؤية ما يزعجهم
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٤٦٧
بتصرف.
www. modoee.com
٤٠٧
حرف التاء
أو سماع أصوات مؤذنة بالهلاك كالصواعق التأوّه والويل والثبور (٤).
والرياح (١). فإذا كانوا يفرون هاربين لمجرد
رؤية العذاب ومشاهدة بوادره، فهذا لا شك
يكشف عن شدة فزعهم.
التعبير به﴿يَكُونَ ﴾ والركض هو: سرعة
سير الفرس، وأطلق الركض في هذه الآية
على سرعة سير الناس على وجه الاستعارة
تشبيهًا لسرعة سيرهم بركض الأفراس(٢).
ففرارهم بهذه السرعة يدل حتمًا على الفزع
الكبير الذي یتملكهم ویسکن نفوسهم عند
نزول المصائب.
التعبير ب﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَنُهُمْ
حَ جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ﴾ أي: ما
زالت تلك المقالة وهي الاعتراف بالظلم
هجّیراهم حتی حصدناهم حصدًا، وخمدت
حركاتهم وأصواتهم خمودًا (٣)، فاستمرار
هذه المقالة معهم حتى إهلاكهم يدل على
اشتداد جزعهم.
ومما يدل على جزعهم أيضًا قوله
تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِهِم بِلْعَذَابِ إِذَا هُمْ
يَجَْرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤].
يصرخون،
﴿يَحْرُونَ ﴾
ومعنی:
وهو كناية عن شدة ألم العذاب بحيث لا
يستطيعون صبرًا عليه، فيصدر منهم صراخ
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ / ٢٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ / ٣٣٥.
وهذا يدل على غاية الضعف والخور؛
فالإنسان لا يصرخ إلا إذا كان في محنة لا
تقدر أسبابه على دفعها، فيصرخ طلبًا لمن
ینجده، ويرفع صوته ليسمع کلّ من حوله.
وهكذا يظهر سلوك المترفين، وكيف
أنهم يكونون أشدّ ما يكونون خوفًا وفزعًا
عند المصائب، وأنهم ((لا يصبرون على
الابتلاء، بل يخرّون صاغرين أمام أي شدة،
أو كارثة تصيبهم)» (٥).
ثالثًا: عاقبة المترفين:
(المترفون هم آفة المجتمع في كل
أمة، وفي كل جيل؛ إذ فيهم ينشأ الفسق،
والمجون، وكل ما من شأنه أن يغذي
العواطف الخسيسة)» (٦).
ومتى تركوا في المجتمع دون ردع
وضرب على أيديهم ((عاثوا في الأرض
فسادًا، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها،
وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب
إلا بها ولها، ومن ثمّ تتحلل الأمة وتسترخي،
وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب
بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها))(٧).
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٤/١٨.
(٥) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠ / ٥٠٩٠
بتصرف.
(٦) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١١ / ٨٢٩.
(٧) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢١٧.
٤٠٨
مُوسُوبَة التي
القرآن الكريم
الترف
ولذلك توعدهم الله بعقاب أليم كما أنه
نوّع عقوبتهم، فمنها ما هو دنيوي، وما هو أجله سلّطهم الله عليها ففسقوا، ولو أخذت
أخروي.
١. العقاب الدنيوي.
ذکر الله صورًا لعقاب المترفين في الدنيا
منها:
التدمير والإهلاك.
٥
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْبَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِبِهَا فَفَسَقُواْ فِيَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا
تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: ١٦].
وها هنا يخبر الرب تبارك وتعالى أنه
إذا أرد إهلاك قرية لظلمهم وفجورهم
أمر مترفيهم ((بالطاعات ففعلوا الفواحش
فاستحقوا العقوبة)) (١). وحقّ عليهم بذلك
الهلاك والدمار.
وإنما خصّ المترفين بالذكر؛ لأن ((العامة
والدهماء يقلدونهم فيما يفعلون؛ ولأنهم
أسرع إلى الفجور وأقدر على الوصول إلى
سيله))(٢).
وهكذا يجلب الترف الهلاك والدمار
ليس على أصحابه فحسب، بل على
المجتمع بأسره، وتأمّل كيف أن العذاب
طال القرية بأكملها وما ذلك إلا («لأنها لم
تضرب على أيدي المترفين، ولم تصلح
من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ / ٦١.
(٢) تفسير المراغي ١٥ / ٢٦.
فوجود المترفين ذاته هو السبب الذي من
عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها
ما استحقت الهلاك، وما سلّط الله عليها من
يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك))(٣).
وخاتمة الآية تظهر بجلاء حجم الدمار
الذي يلحق أهل الترف فالله تعالى أكد
التدمير بمصدره (للمبالغة فى العذاب الواقع
بهم)) (٤)، ولإظهار شدة الهلاك الواقع على
تلك القرية.
وتظهر هذه العقوبة المؤلمة للمترفين في
الدنيا أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا
مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا
ءَآَخَرِينَ ﴿ فَلَّا أَحَسُواْ بَأَسَنَآَ إِذَا هُمْ مِنْهَا
يَّكُونَ ، لَا تَرْكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أَتْرِفْتُمْ
فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْتَلُونَ ﴾ قَالُواْ يَوَيَِّنَآَ
إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَنُهُمْ حَقَّى
جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ١١ -
١٥].
وهذه الآية تبين مدى شدة العقاب الذي
يحل بالمترفين في الدنيا، ويظهر ذلك من
خلال التعبير بالقصم الذي هو ((الكسر
الشديد الذي لا يرجى بعده التئام ولا انتفاع،
واستعير للاستئصال والإهلاك القوي)) (٥).
وفي النهاية تذكر الآيات كيف أنهم
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢١٨.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠ / ٢٣٤.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ / ٢٥.
www. modoee.com
٤٠٩
حرف التاء
((والغثاء ما يجرفه السيل من حشائش
ذكروا ظلمهم واستفاقوا بعد فوات الأوان
قَالُواْ يَوْبِلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿ فَمَا زَالَت تِلْكَ وأعشاب وأشياء مبعثرة لا خير فيها، ولا
قيمة لها، ولا رابط بينها.
دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ
[الأنبياء: ١٤ - ١٥].
((والمراد: أنهم أهلكوا بذلك العذاب
حتى لم يبق لهم حس ولا حركة، وجفّوا
کما یجفّ الحصید، وتخمّدوا کما تخمد
النار)) (١). وهذا لا شك يظهر شدة الأخذ
والإهلاك الذي أصابهم وقطع دابرهم.
انقطاع الذكر.
قال الله تعالى عن قوم ثمود: ﴿قُرَّأَنشَأْنَا
مِنْ بَعْدِهِْ قَرْنَا مَاخَرِينَ ) فَأَرْسَلْنَا فِهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ نَتَّقُونَ
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَّآءِ
٣٢
اْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا
بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا
تَشْرَبُونَ ﴾ وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا
أَيَمِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًاً
أَخَسِرُونَ ﴾
وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُّخْرَجُونَ ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا
تُوعَدُونَ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَفَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٥) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُّ
اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا غَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ )
قَالَ رَبٍّ أَنْصُرْفِىِ بِمَا كُنَّبُونِ ) قَالَ عَمَّا قَلِلٍ
لَيُصْبِحُنَّ تَكِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
فَجَعَلْنَهُمْ غُنَاءُ فَبُعْدًا لِلْقَوْيِ الفَّكْلِمِينَ
٤١
[المؤمنون: ٣١ - ٤١].
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢ / ١٢٤.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
وهؤلاء لما تخلوا عن الخصائص التي
کرّمهم الله بها، وغفلوا عن حكمة وجودهم
في الحياة الدنيا، وقطعوا ما بینهم وبین الملأ
الأعلى، لم يبق فيهم ما يستحق التكريم، فإذا
هم غثاء كغثاء السيل، ملقی بلا احتفال ولا
اهتمام. ويزيدهم على هذه المهانة الطرد
من رحمة الله، والبعد عن اهتمام الناس
﴿فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ بعدًا في الحياة،
وفي الذكرى في عالم الواقع، وفي عالم
الضمير(٢).
٢. العقاب الأخروي.
إذا كانت عاقبة المترفين في الدنيا هي
الإهلاك والتدمير، وانقطاع الذكر، فما
لهم في الآخرة أعظم وأشد، قال تعالى:
﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ ، فِى سَمُوٍ
وَحَمِيمٍ (٢) وَظِلٍ مِّنْ يَحُْومِ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ
(١) إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبّلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ [الواقعة:
٤١ - ٤٥].
وهذه صورة عصيبة لعذاب المترفين في
الآخرة، إنهم ﴿فِي سَمُورٍ﴾ والسّموم: الرّيح
الحارّة الّتي تدخل في مسامّ البدن، والمراد
هنا: حرّ النّار ولفحها، ﴿وَجَمٍِ﴾ أي: ماء
حارّ قد انتهى حرّه، إذا أحرقت النّار أكبادهم
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٤٦٨.
٤١٠
الترف
وأجسادهم فزعوا إلى الحميم، كالّذي يفزع ترك أمر الله، فشغلهم ترفهم عن الاعتبار
والتعبّد (٦).
من النّار إلى الماء ليطفئ به الحرّ فيجده
حميمًا حارًّا في نهاية الحرارة والغليان (١).
ونلحظ هنا أنه ذکر السموم والحميم دون
النار، وذلك ((إشارة بالأدنى إلى الأعلى،
فإن هواءهم إذا كان سمومًا، وماءهم الذي
يستغيثون به حميمًا، مع أن الهواء والماء
من أبرد الأشياء وأنفعها، فما ظنّك بنارهم،
فكأنه قال: إن أبرد الأشياء لدیھم أحرّها، فما
بالك بحالهم مع أحرّها؟!) (٢).
وهم من شدة ما يلقونه من هذا السموم
وذاك الحميم يفزعوا إلى الظّ كما يفعل أهل
الدنيا؛ ولكنهم يجدونه ﴿ وَظِّمِن ◌ْتُورٍ﴾﴾
أي: من دخان جهنّم أسود شديد السّواد(٣).
ووصف الله هذا الظل بأنه ﴿ لَّابَارِدٍ﴾ ((أي:
ليس طيب الهبوب، ولا حسن المنظر ﴿وَلَا
كَرِيمٍ ﴾ أي: ولا كريم المنظر)) (٤). والمقصود
((أن هناك الهمّ والغمّ والحزن والشرّ الذي لا
خير فيه؛ لأن نفي الضد إثبات لضده)) (٥).
أما الذي أنزلهم هذا المنزل المشئوم،
وألقى بهم في هذا البلاء العظيم، فهو ترفهم
في الحياة الدنيا ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي:
في الدنيا ﴿مُتْرَفِينَ﴾ أي: متنعّمين في
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧ / ٢١٣.
(٢) تفسير المراغي ٢٧ / ١٤١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧ / ٢١٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١ / ٨٣٤.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٥٣٨.
ونلحظ هنا أن عذابهم جاء مطابقًا
لحالهم، فالله أفاض عليهم بالنعم التي
كان من حقها ((أن تفتح لهم طريقًا إلى الله،
فيحمدوا له ويشكروه، ولكنهم بطروا،
وأشروا واستكبروا في الأرض، وعتوا عن
أمر ربهم، وصدّوا عن سبيله))(٧). فأبدلهم
الله به السموم والحميم والظل الذي لا هو
بارد ولا کریم.
ومن الآيات الدالة على عقوبة المترفين
في الآخرة قوله تعالى: ﴿وَذَّرْنِ وَالْكَذِّبِينَ
أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ﴾ [المزمل: ١١].
وقوله تعالى: ﴿ وَذَّرْنِ وَالْكَذِّبِينَ﴾
أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب
الأموال، فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم
وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند
غيرهم.
وقوله تعالى: ((﴿وَمَهِّلْهُمْ قِلًا﴾ أي:
رويدً))(٨). وقد جاء وصفهم ب ﴿أُوْلِى
النَّعْمَةِ﴾ («توبیخًا لهم بأنهم كذبوا لغرورهم
وبطرهم بسعة حالهم»(٩).
وقد ذكرت الآيات بعد ذلك من ألوان
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩ / ٢٦٩.
(٧) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢٢٥.
(٨) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١٤/ ٧١٩.
(٩) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٢٥٦.
www. modoee.com
٤١١
حرف التاء
العذاب المعدّ للمترفين في الآخرة أمورًا الأنكال القيود، والجحيم وهو نار جهنم
مقابل ما كانوا عليه من لذة الاستظلال
والتبرد، والطعام ذو الغصة مقابل ما كانوا
منهمكين فيه من أطعمتهم الهنيئة من
الثمرات والمطبوخات والصيد»(٦).
أربعة:
أولًا: ﴿إِنَّ لدینا أَنگالًا ﴾ أي: «إن لدینا
لهؤلاء المكذبين بآياتنا قيودًا ثقيلة توضع
في أرجلهم كما يفعل بالمجرمين في الدنيا
إذلالًا لهم (١).
قال الشعبي: أترون أن الله تعالى جعل
الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن
يهربوا؟ لا والله! ولكنهم إذا أرادوا أن
يرتفعوا استفلت بهم (٢).
﴿وَحِيمًا﴾ وهي السعير
ثانيًا:
المضطرمة.
ثالثًا: ﴿وَطَعَامًا ذَاغُصَّةٍ﴾ قال ابن عباس:
ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج (٣).
رابعًا:
﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعًا
مفظعًا (٤).
ومما یکشف عن شدة العذاب المعدّ لهم
أن أجناس العذاب الأربعة جاءت منكرة
وذلك «لقصد تعظيمها وتهويلها))(٥).
ويكفي أن نستحضر أنّ عذابهم في
الآخرة أيضًا جاء مضادًا لأصول النعمة
التي خوّلوها، فبطروا بها «فالأنكال مقابل
كفرانهم بنعمة الصحة والمقدرة؛ لأن
(١) تفسير المراغي ٢٩ / ١١٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ / ٤٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٢٥٦.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١ / ٨٩٣.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩ / ٢٧١.
موضوعات ذات صلة:
الإسراف، الإنفاق، المال
(٦) المصدر السابق ٢٩/ ٢٧١.
مَوَس ◌َر التفسير
القرآن الكريم
٤١٢