النص المفهرس
صفحات 41-42
العلاج حياة ألفها وانقاد إليها ردحًا من الزمان؛ لأن فطرته تأبى عليه ذلك. والثاني: أن امتثال تكاليف جديدة جملة واحدة تتكاثر علیه، ولا يستطيع أن يؤديها على وجهها المراد، بخلاف إذا ما كلّف بحكم واحد أو اثنين، ثم لما اعتاد عليهما وأتقنهما كلّف بحكم آخر، يقول الإمام الشاطبي: ((فلو نزلت دفعة واحدة لتكاثرت التکالیف علی المکلف، فلم یکن لینقاد إليها انقیادہ إلی الحکم الواحد أو الاثنین»(١). ومن أول من أشار إلى الحكمة من التدرج في التشريع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حیث قالت: ( ... إنما نزل أوّل ما نزل منه - أي: القرآن - سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا ... )(٢). وقد بيّن ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الحديث الحكمة من هذا التدرّج، فقال: ((أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب النزول، وأن أول ما نزل من القرآن (١) الموافقات ١٤٩/٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، ١٨٥/٦، رقم ٤٩٩٣. الأول: أنه لا يستطيع أن يخرج بغتة عن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصى بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام؛ ولهذا قالت: ((ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندعها»، وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف))(٣). فسهل عليهم قبول الأحكام والالتزام بالتكاليف بعد أن تجهّزوا وتهيّأت نفوسهم لقبولها؛ لأن الإيمان قد خالط قلوبهم، وصاروا طائعين لله، مستجيبين لأوامره. والخلاصة: أن من دواعي التدرج: أنه جاء تخفيفًا على الناس، وتماشيًا مع فطرة الإنسان التي يتطلب التعامل معها التزام التدرج لتغييرها، وحسن الارتقاء بها، كما أن التدرج يتلاءم مع منهج التغيير بشكل عام؛ إذ لا يمكن تغيير أوضاع المجتمعات لتتفق مع الشريعة إلا بأسلوب التدرج. موضوعات ذات صلة: التربية، الدعوة، العلم (٣) فتح الباري ٩/ ٤٠. www. modoee.com ٣٠١