النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ التَّدَاج عناصر الموضوع مفهوم التدرج ٢٦٢ التدرج في الاستعمال القرآني ٢٦٣ الألفاظ ذات الصلة ٢٦٤ ٢٦٥ سنة التدرج وآفة الاستعجال ٢٦٦ التدرج سنة إلهية في الخلق والتشريع ٢٧٢ مجالات التدرج ٢٨٩ ضوابط التدرج ٢٩٨ مقاصد التدرج المُجَلََّ الثَّامِنْ حرف التاء مفهوم التدرج أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: «الدّال والرّاء والجيم أصلٌ واحدٌ، يدلّ على مضيّ الشّيء، والمضيّ في الشّيء)»(١)، وعليه فلفظ (درج) دال على المشي والمضي. وأما (درّج) بالتشديد فتشير هذه المادة في معاجم اللغة إلى الترقي شيئًا فشيئًا، وصولًا إلى غاية محددة، ومنه يقال -كما في لسان العرب -: ((درّجت العليل تدريجًا إذا أطعمته شيئًا قليلًا؛ وذلك إذا نقه حتى يتدرج إلى غاية أكله، كما كان قبل العلة درجة درجة))(٢). فعلى هذا يكون لفظ (درّج) دالًا على التأني في تناول الشيء أو بلوغه. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف معنى التدرج في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فجماع دلالات التدرج: أنه أخذ الأمر شيئًا فشيئًا، لا دفعة واحدة. أو: هو الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى أعلى منها، وأرفع في الحس، أو في المعنى، أو في كليهما، وفى ضوء هذا المعنى قيل لمنازل الجنة: درجات من جهة أن بعضها يرتفع فوق بعض أخذًا من الدرجة التي تعني الرفعة والمنزلة. والتدرج في الدين يعني: الدخول فيه شيئًا فشيئًا، رويدًا رويدًا، واستدراج الناس إليه درجة درجة. وقد عرّف الدكتور الزحيلي التدرج بقوله: ((التدرج في التشريع: هو نزول الأحكام الشرعية على المسلمين شيئًا فشيئًا، طوال فترة البعثة النبوية، حتى انتهى بتمام الشريعة، وكمال الإسلام»(٣). والتدرج لا يقتصر على مجال التشريع ونزول الأحكام فقط، بل يشمل تطبيق الأحكام بعد اكتمال التشريع، فعندما نطلق كلمة التدرج التشريعي إنما نقصد بها المعنيين: في مجال التشريع ونزول الأحكام (التدرج في النزول). وفي مجال تطبيق الأحكام بعد اكتمال التشريع (التدرج في التنفيذ). (١) مقاييس اللغة ٢٧٥/٢. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٦٧/٢. (٣) التدرج في التشريع والتطبيق في الشريعة الإسلامية، محمد مصطفى الزحيلي ص ٢٧. مَوَسُولَةُ اللَّهِ القرآن الكريم ٢٦٢ العلاج التدرج في الاستعمال القرآني لم يرد لفظ (التدرج) في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ قريبٌ منه، وهو لفظ (الاستدراج). وقد ورد في القرآن الكريم في موضعين، وهي: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (*)﴾ [الأعراف: ١٨٢]. وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْمَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم: ٤٤]. ومعناه: نأخذهم درجة فدرجة؛ وذلك إدناؤهم من الشيء شيئًا فشيئًا، كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها (١). وهو قريب من معنى التدرج، الذي هو اقترابٌ من الهدف شيئًا فشيئًا(٢). (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣١١. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٧٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢٧٧/١. www. modoee.com ٢٦٣ حرف التاء الألفاظ ذات الصلة ١ الترقي: الترقي لغة: ترقّى في العلم وغيره، أي: رقّي درجة درجة (١). الترقى اصطلاحًا: التنقل في الأحوال والمقامات والمعارف (٢). الصلة بين التدرج والترقي: أن بينهما تشابهًا كبيرًا؛ إذ إن في كليهما تنقل من حال إلى حال، ومن منزلة إلى أخرى. الاستعجال: ٢ الاستعجال لغة: فهو طلب الأمر قبل مجيئه، وتحريه قبل أوانه(٣). واستعجله، أي: حثّه وطلب عجلته، قال الله تعالى: ﴿أَنَ أَمْرُ اَللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. الاستعجال اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة الاستعجال والتدرج: أن الاستعجال نقيض التدرج؛ إذ التدرج الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، والاستعجال عكسه، وهو طلب الأمر قبل أوانه. (١) شمس العلوم، نشوان الحميري ٢٦٠٣/٤. (٢) التوقيف، المناوي ص ٩٦. (٣) انظر: التوقيف، المناوي ص ٤٨، دستور العلماء، القاضي نكري ١/ ٧٧. موسوعة النقدية القرآن الكريم ٢٦٤ التلاج سنة التدرج وآفة الاستعجال التدرج في الأمور من سنن الله تعالى، ومن سنن رسله -عليهم الصلاة والسلام-، واستعماله دليل على عمق فقه الرجل لكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والقرآن الكريم واضح الدلالة على شرعية التدرج، سواء في طريقة نزوله، أو في تشريعه للأحكام، أو في دعوته، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه الأنواع. وفي المقابل فإن الاستعجال آفة عظيمة، توقع المرء في الزلل، وتورده في الخطل، وقد ورد النهي عنها في غير موضع في القرآن، فقد وردت هذه اللفظة (الاستعجال) ومشتقاتها (عجل، وتعجل، وعجّل، وعجّل، وعجّلنا، وأعجل، وأعجلك، وعجلت، واستعجل، ويستعجل، ويستعجلون، وتستعجلون، ويستعجلونك، واستعجالهم، وتستعجلوه، واستعجلتم) في القرآن الكريم في زهاء أربع وثلاثين مرة (٣٤) وكانت بمعنى الذم في الغالب، أو صفة للكافرين والمنافقين، كما في قوله تعالى: ﴿ يَسْتَعِْلُونَكَ ◌ِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٥٤]. وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ﴾ [الرعد: ٦]. وقوله تعالى: ﴿أَفَعَذَاِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [الشعراء: ٢٠٤]. وقوله جل شأنه: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُؤْرِيَكُمْ ءَيَقِ فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. وغيرها من الآيات التي جاءت كلها في النهي عن الاستعجال، والأمر بترك العجلة؛ والتي غالبًا ما توقع في العثرة والزلل، والمقصود أن سياق اللوم والتوبيخ، والأمر بترك العجلة كان ينتظم الاستعمال القرآني لهذه اللفظة. بل قد جاء النهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن استعجال أمر محبوب في الظاهر، وهو الاستعجال في القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَوَ إِلَيْكَ وَحْيَةٌ ﴾ [طه: ١١٤]. وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾﴾ [القيامة: ١٦]. والمقصود أن العجلة تنافي التدرج الذي هو سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، وقانون من القوانين الكونية التي لا تبديل لها ولا تحويل، وهو سنة من سنن الخلق الإلهي للكون والعالم بسماواته وأراضيه، وهذه السنة الربانية يجب مراعاتها والأخذ بها في التربية والتعليم والدعوة وغيرها من الأمور. www. modoee.com ٢٦٥ حرف التاء التدرج سنة إلهية في الخلق والتشريع تحدث القرآن الكريم عن سنة الله في التدرج وعرضها في صور منها: الخلق والتشريع، وسوف نبين ذلك فيما يأتي: أولًا: التدرج في الخلق: خلق الله تعالى السماوات والأرض في ستة أيام -وهو قادر على خلقهن بكن فتكون- لحكم عالية أرادها الله تعالى منها: تعليم عباده الأناة والتدرج في إيجاد الأشياء شيئًا فشيئًا. قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَّتِ وَاْلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَنَا مِنْ أُنُوبٍ ﴾[ق: ٣٨]. وقال: ﴿قُلْ أَيِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ اَلْعَلَمِينَ ) وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَهُ لِلِسَّآيِينَ ٥ ◌ُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنْنَا طَآئِعِينَ (١) فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩- ١٢ ]. قال ابن عاشور: ((وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون خلق السماوات والأرض مدرجًا، وأن لا يكون دفعة؛ لأنه جعل العوالم متولدًا بعضها من بعض؛ لتكون أتقن صنعًا مما لو خلقت دفعة؛ وليكون هذا الخلق مظهرًا لصفتي علم الله تعالى وقدرته، فالقدرة صالحة لخلقها دفعة، لكن العلم والحكمة اقتضيا هذا التدرج، وكانت تلك المدة أقل زمن يحصل فيه المراد من التولد بعظيم القدرة؛ ولعل تكرر ذكر هذه الأيام في آيات كثيرة لقصد التنبيه إلى هذه النكتة البديعة من كونها مظهر سعة العلم، وسعة القدرة»(١). وكذلك خلق الله تعالى الإنسان في أطوار مختلفة، وهو قادر سبحانه أن يخلقه دفعة واحدة، فخلقه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، فخلق المضغة عظامًا، فكسا العظام لحمًا. قال تعالى: ﴿ قُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَآخَرْ فَتَبَارَكَ اَللّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴾ [المؤمنون: ١٤]. ثم إن هذا الخلق الذي يبتديء بخلق النطفة إلى أن يصير بشرًا سويًّا، يتم في ظلمات ثلاث، كما أشارت إليه الآية في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَّ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ أُمَّهَنِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ (١) التحرير والتنوير ٨/ ١٦١. جَوْسُورَةُ النَِّّ القرآن الكريم ٢٦٦ العلاج فِ ظُلُّمَتٍ ثَثٍّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكَّ لَآَ إلى حال دليل على القدرة الإلهية الخالقة، إَِهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [الزمر: ٦]. والمراد بالظلمات الثلاث هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة (١)، ففي تلك الظلمات الثلاث يتم ذلك الخلق العجيب، فعلى الإنسان أن يتصور نفسه وهو في تلك الظلمات الثلاث: لا عین تراه، ولا يد تلمسه، ولا حيلة له في التماس الغذاء. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةُ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٍ وَهُوَ الْعَلِيمُ اَلْقَدِيرُ ﴾[الروم: ٥٤]. أي: إن الله تعالى هو الذي جعل الإنسان يمر في أطوار متفاوتة من الخلق حالًا بعد حال، فجعل أصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم كوّن عظامه، ثم كسا العظام لحمًا، ونفخ فيه الروح، ثم أخرجه من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا، واهن القوى، فقوله: ﴿مِّنْ ضَعْفٍ﴾ أي: ابتدأه ضعيفًا، ثم یشب قليلا قليلا، فيكون صغيرًا، ثم شابًا بالغًا، وهذا دور القوة بعد الضعف، ثم يأتي دور الضعف من ابتداء الكهولة، إلى الهرم والشيخوخة، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة. هذا الانتقال والتدرج والتحول من حال (١) جامع البيان، الطبري ٢٥٩/٢١. وبرهان على البعث الذي ينكره المشركون، فإن القادر على هذا التغيير والتبديل قادر على الإعادة مرة أخرى إلى الحياة الأولى کما کانت؛ لأن من کانت قدرته تامة شاملة لا يصح مقارنتها بقدرة الإنسان النسبية، ولا يعجزه شيء، سواء في بدء الخلق أم حال إعادته(٢). قال ابن القيم: ((فأعد الآن النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية من الذي دبّرك بألطف تدبير، وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا ید تنالك، ولا بصر یدرکك، ولا حيلة لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك، كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنّا، ولم يزل يغذّيك به في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب حتى إذا كمل خلقك واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي، والتغلب على الغبراء، هاج الطلق من أمك، فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء))(٣). فابن القيم رحمة الله عليه وضّح لنا وجه الدلالة من التدرج في خلق الإنسان (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢١ / ١١٤ بتصرف. (٣) مفتاح دار السعادة ٢٥٥/١ - ٢٥٦. www. modoee.com ٢٦٧ حرف التاء على أن هناك مدبرًا حكيمًا قادرًا عليمًا القرآن منجّمًا جارٍ على حكمة التدرج؛ لأنه أمكن في حصول المقصود؛ وذلك ما دل عليه قوله سابقًا: ﴿كَذَلِكَ لِنُكَّبْتَ بِه فُؤَادَكٌ ﴾ [الفرقان: ٣٢]. وراء هذا الكون، وما فيه من المخلوقات، دېره فأحسن تدبيره، فسبحانه من إله حكيم أحکم خلقه، وقدره تقدیرًا. وهذه المراحل إنما سيقت؛ لتبيّن لنا كيف خلق الإنسان؟ وكيف نما؟ وكيف تحوّل بحكم المراحل المتعاقبة إلى كائن حيواني؟ ثم كيف انتقل إلى ذلك الإنسان العاقل المدرك الواعي؟ عنده من المؤهلات والاستعدادات ما يجعله يتبوأ عمارة هذه الأرض، ومسئولية بنائها. ولتبيّن أن ذاك التعريف بخلق الإنسان إنما جاء دليلًا على قدرة الله وعلمه وحكمته، وعندئذٍ يكون التعريف بتلك المراحل إنما هو تعريف بالله وبصفاته اعتمادًا على التعريف بأحد مخلوقاته المعتبرة اعتبارًا أوليًّا (١). وكذا قال في الظل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّالظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ، سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٥-٤٦]. فقد جعل مدّ الظل وقبضه تمثيلًا لحكمة التدریج في التكوينات الإلهية، والعدول بها عن الطفرة في الإيجاد؛ ليكون هذا التمثيل بمنزلة كبرى القياس للتدليل على أن تنزيل (١) انظر: مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص ٣٣٦. فكان في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ﴾ [الفرقان: ٤٥]، زيادة في التعليل على ما في قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُنَّبْتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ﴾ [الفرقان: ٣٢](٢). وانظر كذلك للقمر وهو يبدو صغيرًا، ثم یکبر رويدًا حتى يكمل، ثم يعود إلى النقص، وهو يشبه الإنسان؛ حيث إنه يخلق من ضعف، ثم لا يزال يترقى من قوة إلى قوة، حتى يعود إلى الضعف مرة أخرى، فتبارك الله أحسن الخالقين، قال -تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَلْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ [يس: ٣٩]. ومع هذه السنة في الخلق -وهي سنة التدرج- إلا أن الإنسان يتجاهل هذا التدرج، فيبذر البذرة اليوم ويريد النتيجة غدًا، ويعمل العمل اليوم ويريد النتيجة غدًا، وسنة الله عز وجل في الخلق والحياة على الترتيب والتدرج. فالليل لا يفجؤك بسواده، والنهار لا یفجؤك بضوئه؛ وذلك لأن الله: ﴿ يُولِجُ أَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ آلَّلِ﴾ [الحديد: ٦] تدریجیًا. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٨/١٩. مَوَسُولَةُ النَفسِّيّة القُرآن الكَرِيْمِ ٢٦٨ العلاج والإنسان لا يولد من بطن أمه فتنبت لحیته، ويكتمل عقله، ويتكلم على المنبر، بل يولد رضيعًا، ثم طفلًا، ثم شابًّا، ثم كهلًا، ثم شیخًا هرمًا، حتى يصل إلى الله، هذه سنة الله. فهذا التدرج في الخلق لحكمة أرادها الله سبحانه، وإلا فهو قادر على خلق الخلق كلهم في أسرع من لمح البصر؛ لأنه أخبر أنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون. ثانيًا: التدرج في التشريع: من خصائص التشريع الإسلامي ومزاياه أنه لم يوجب على المسلمين الشرائع دفعة واحدة، ولكن تدرّج بهم، وأوجبها عليهم مرة بعد مرة، وتدرّج بهم من الأخف إلى الأثقل؛ تكريمًا لهذه الأمة، ورحمة بها، وقد جاء فرض الصلاة والصيام وتحريم الخمر والربا وغيرها على هذا النحو. ويمكن القول: أن التدرج في التشريع سار وفق طريقين: الطريق الأولى: التدرج بين الفرائض فيما بينها: فتدرّج الشارع في فرض العبادات عمومًا، يشرع للناس عبادة، ثم يوجب عليهم أخرى، ثم يفرض عليهم ثالثة، ثم يختم لهم برابعة، وهكذا، ولم تفرض كلها في وقت واحد. فالصلاة فرضت في السنة العاشرة من البعثة، أي: قبل الهجرة، والصوم شرع بعد ذلك بخمس سنوات، في العام الثاني من الهجرة، والزكاة في السنة الثانية من الهجرة عقب الصوم، والحج بعدهما، في السنة الخامسة أو السادسة أو الثامنة أو التاسعة، على خلاف في ذلك(١). فسنة الله في التشريع کسنته في التکوین، يرى المتأمل فيها من الحكم البالغة ما يبهر النظر؛ فإنه سبحانه بدأ في إنزال أوضاع الشريعة بالضروري الذي لا تصلح الأمة بدونه، ولا تخرج من ظلمة الجاهلية بغيره؛ فشرع لها بمكة ما يكفل ذلك، ثم لما صلب عودها، وبلغت أشدّها، واستعدت العقول لما يكمل ذلك من الأوضاع الشرعية شرع لها بالمدينة ما أكمل به الدين، وأتم به النعمة، ولولا ذلك التدرج لنأت الأمة بالتكاليف، وشرد عن قبولها كثير؛ فلله الحمد والمنة. الطريق الثاني: التدرج في فرض كل عبادة: وكذلك تدرج الشارع في فرض كل عبادة على حدة؛ حتى تكتمل كل عبادة بأركانها، وشروطها، وهيئاتها، وأعدادها، فيقيم في كل مرحلة ركنًا، أو يحدّد عدد الفريضة، أو (١) انظر: السراج المنير، الشربيني ٤١٣/٤، تاريخ التشريع الإسلامي، مناع القطان ص ١٥١. www. modoee.com ٢٦٩ حرف التاء يوضّح شرطًا من شروط صحتها، وهكذا. والحكمة من ذلك أن الشارع الحكيم يراعي مصالح عباده، فلو أنزل الأحكام باتّةً على الوجه الذي تستقر علیه، دون تدرج ومرور بتلك المراحل، لكان ذلك أدعى لعدم الاستجابة، فكان من لطفه وحكمته أن ينزل الأحكام متدرجة على ما ذكرنا، وهذا النوع من التدرج -في التشريع- يتناول: ١. التدرج في تحريم ما كان مألوفًا عندهم على مراحل. فحينما يكون الحكم متعلقًا بتحريم عادة متأصلة في النفوس فإن الشريعة حينئذٍ لا تفاجيء الناس بتحريم هذا الأمر مرة واحدة، بل تتدرج بهم على مراحل، في رفق وأناة، وفي تدرج، ففي الخمر بيّن الله أن في الخمر والميسر منافع ومضار، وإثمهما أكبر من نفعهما، فقال: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَا إِنْ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا ﴾[البقرة: ٢١٩]. ثم حرّمِ السّكر عند الصلاة في هذه الآية: يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. ثم لما صارت حالة الإسلام والمسلمين تتحمل ذلك حرم الخمر تحريمًا قطعيًّا في المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الَْتْرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وفي تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة؛ وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر، وأصبحت جزءًا من حياتهم، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لشق ذلك على نفوسهم، فإنه من الصعب جدًّا أن یتر کوا شرابًا طالما عاقروه، وشبوا عليه وشابوا. يقول صاحب المنار: ((والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج: أن الناس كانوا مفتونين بها حتى إنها لو حرّمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفًا لكثير من المدمنين لها عن الإسلام، بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء به؛ لأنهم حينئذٍ ينظرون إليه بعين السخط، فيرونه بغير صورته الجميلة، فكان من لطف الله، وبالغ حكمته أن ذكرها في سورة البقرة بما يدل على تحريمها دلالة ظنية فيها مجال للاجتهاد؛ ليتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه))(١). ومما يدل على أن القوم كانوا متعلقين بها، ما روي عن الأعشى أنه لما توجه إلى المدينة؛ ليسلم لقيه بعض المشركين في الطريق، فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تصل إليه، فإنه يأمرك بالصلاة، فقال: إن خدمة الرب واجبة، فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء، فقال: اصطناع المعروف ٢٧٠ مَشَوَابَةُ النَّفِيَةُ القرآن الكريم (١) المنار ٧/ ٤٢. التلاج واجب، فقيل له: إنه ينهى عن الزنا، فقال: الصوم والفدية(٣). هو فحش وقبيح في العقل، وقد صرت شیخًا فلا أحتاج إلیه، فقيل له: إنه پنھی عن شرب الخمر، فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه، فرجع وقال: أشرب الخمر سنة، ثم أرجع إليه، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير، فانكسرت عنقه، فمات (١). ٢. التدرج من الخفيف من الأحكام إلى الثقيل، إلى ما هو أثقل منه. ومن أمثلة ذلك: الصيام، فالشارع لما أراد أن يفرض على المسلمين صيام شهر رمضان لم يفرضه عليهم دفعة واحدة، بل تدرج في إيجابه والإلزام به على مرحلتين: المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي فرض الله فيها الصوم على الأمة مع التخيير بين الصيام أو الإفطار مع الفدية، بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم، وهو يطيقه على قول الجمهور (٢). وروي عن قتادة وعطاء ومعاذ بن جبل رضي الله عنه أن فرض الصيام كان أول الأمر ثلاثة أيام من كل شهر مع التخيير بين (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٦/٣. (٢) فتح القدير، الشوكاني ١ / ٢٠٨. المرحلة الثانية: وهي مرحلة الإلزام والتحتيم، وإكمال الفرض والإيجاب بصوم شهر رمضان؛ وذلك بنزول قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلِنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ اَلْهُدَى وَأَلْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّةٌ ؛ [البقرة: ١٨٥]. أخرج النسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٌ ﴾[ البقرة: ١٨٤]. كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها، فنسختها)) (٤). (٣) جامع البيان، الطبري ٤١٤/٣. (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ. فِدْيَةٌ﴾، ٢٩٦/٢، رقم ٢٣١٥، والترمذي في سننه، أبواب الصوم عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، باب ما جاء ﴿وَعَلَ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، ١٥٤/٢، رقم ٧٩٨، والنسائي في سننه، كتاب الصيام، باب تأويل قولّ الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ١٩٠/٤، رقم ٢٣١٦. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١٥٤/٣. www. modoee.com ٢٧١ حرف التاء مجالات التدرج للتدرج مجالات تحدث عنها القرآن نبيّتها فيما يأتي: أولًا: التدرج في العبادات: كان التدرج سنة مرعية ومطردة في الشعائر والعبادات - بما فيها الكثير من أركان الإسلام- وليس فقط في أحكام الواقع والمعاملات، وقد سلك القرآن في ذلك منهجًا فريدًا، ومسلكًا بديعًا، فبدأ الشارع في فرض العبادات عمومًا، يشرع للناس عبادة، ثم يوجب عليهم أخرى، وهكذا التدرج في كل عبادة حتى تمامها و کمالها. والتدرج في تقرير الشارع للعبادات وفرضها لا يخفى على من قرأ القرآن بتدبر؛ وفي ذلك تنبيه للدعاة، وفتح لعيونهم، وطرق لآذانهم، وإيحاء للمصلحين أن يرتكزوا على التدرج في التغيير والإصلاح، وأن ينتهجوا التدريج في التكليف والتبليغ. فالصلاة بصورتها التامة والحالية اكتملت فريضتها ليلة الإسراء والمعراج، في السنة الثانية قبل الهجرة، الحادية عشرة من البعثة، والصوم فرض بالمدينة، وكذلك الزكاة والحج إلى بيت الله الحرام، وفيما يلي تفصيل ذلك. ١. التدرج في تشريع الصلاة. فلم یکتمل تشريعها إلا بمراحل ثلاث: المرحلة الأولى: وكانت الصلاة فيها ركعتين في الغداة، وركعتين في العشي. أخرج ذلك البيهقي، وذكره بعض المفسرين(١). وبهما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [غافر: ٥٥]. قال البيضاوي في تفسير هذه الآية: ((وقيل: صلّ لهذين الوقتين؛ إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة، وركعتين عشيًّا))(٢). وقال ابن أبي زمنين: ((وهي صلاة مكة قبل أن تفترض الصلوات الخمس، حين كانت الصلاة ركعتين غدوة، وركعتين عشية»(٣). وذكر ابن رجب هذا القول بصيغة التمريض، حيث قال: «لكن قد قيل: إنه كان قد فرض عليه ركعتان في أول النهار، وركعتان في آخره فقط، ثم افترضت عليه الصلوات الخمس ليلة الإسراء، قاله مقاتل (١) أخرجه البيهقي السنن الكبرى في كتاب الصلاة، باب أول فرض الصلاة ٥٢٩/١- ١٦٨٨. وانظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١٤٣، زاد المسير، ابن الجوزي ٣٣/٢، الدر المنثور ٤٢٩/١. (٢) أنوار التنزيل، ٦١/٥. (٣) تفسير القرآن العزيز، ١٣٨/٤. ٢٧٢ مَوَسُولُ النَّخِ القرآن الكريم العلاج وغيره، وقال قتادة: كان بدء الصلاة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وإنما أراد هؤلاء: أن ذلك كان فرضًا قبل افتراض الصلوات الخمس ليلة الإسراء)»(١). بینما یقول ابن عاشور: «إن الجمهور على أن الصلوات الخمس فرضت بمكة في أوقاتها، على أنه لا يتعين أن يكون المراد بالتسبيح في تلك الآية الصلوات، بل يحمل على ظاهر لفظه من كل قول ينزّه به الله تعالی»(٢). المرحلة الثانية: وهي مرحلة فرض الصلاة ثلاث مرات في اليوم، الفجر والعصر، وقيام الليل، بإضافة العصر إلى ما كان قد فرض في المرحلة الأولى؛ وذلك بأمر الله تعالى للأمة من خلال نبيهم صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَّ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: ١١٤]. قال ابن كثير: ((إنما كان يجب من الصلاة صلاتان، صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قیام عليه وعلى الأمة))(٣). المرحلة الثالثة: وهي المرحلة التي اكتمل فيها التشريع، وتم إيجاب الصلوات الخمس؛ وذلك بقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوةَ (١) فتح الباري، ابن رجب ٢/ ٣٠٤. (٢) التحرير والتنوير ٢٤/ ٧٥. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٣٥٥/٤. لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّتْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّإِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾[الإسراء: ٧٨]. قال الرازي: «أراد بالدلوك زوالها، فدخل فيه صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ ﴾ أراد صلاة الصبح)»(٤). وقالت عائشة رضي الله عنها: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر، فأقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى)(٥). ٢. التدرج في تشريع الصيام. وكذلك صيام شهر رمضان لما أراد الشارع أن يفرضه على المسلمين لم يفرضه عليهم دفعة واحدة، بل تدرج في إيجابه والإلزام به على مرحلتين، كما سبق. وعن حكمة التدرج في فرض هذه العبادة، واستكمال تشريعها، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: ((ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه -أي: الصوم- إلى وسط الإسلام بعد الهجرة؛ لما توطنت (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٨٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟، ٧٩/١، رقم ٣٥٠، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، ٤٧٨/١، رقم ٦٨٥ واللفظ له. www. modoee.com ٢٧٣ حرف التاء النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج))(١). ٣. التدرج في فرض الزكاة. أما فرض الزكاة فقد استمر تشريعه سنين عددًا، حتى اكتمل في السنة الثامنة بعد الهجرة، أخریات سنین الوحي. فقد جاء ذکر الزكاة والأمر بها في السور المكية الأولى، مما يؤكد أن بدء تشريعها كان في مكة، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الليل، وهي مكية: ﴿وَسَيُجَتَُّهَا الْأَنْقَى ) اَلَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّى﴾ [الليل: ١٧ -١٨]. وقوله تعالى في سورة لقمان، وهي مكية: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَوَ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ [لقمان: ٤]. وفي سورة الروم: ﴿وَمَآءَانَيْتُم مِّن زَگوقٍ تُرِيدُونَ وَجْدَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. ثم يأتي ذكرها في أوائل السور التي نزلت في المدينة بالتشريع والتوجيه، مثل البقرة، فجاء فيها: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وهکذا یستمر تشريع الزكاة وفرضها هذه السنين؛ لتكتمل صورتها في السنة الثامنة من الهجرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِ الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٦٠]. حَكِيمُ فتشريع الزكاة لم يكتمل إلا بعد عشر سنین، أو یزید، وهذا يدل على التأكيد على ضرورة الارتكاز على التدرج کمنهج دعوي حکیم. التدرج في الدعوة إلى الله: مراعاة سنّة التدرج في الدعوة والبيان والتعليم والأمر والنهي من الأمور المهمة، وندرك هذه الحقيقة في القرآن الذي هو كتاب الدعوة، فنجد التدرج فيه من ثلاثة جوانب: ١. التدرج في نزوله. عند الحديث عن نزول القرآن جاء ـَزَّلَ﴾ كما في قوله تعالى: التعبير بالفعل ﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِلَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَيَّةَ وَالْإِنجِيلَ ﴾ [آل عمران: ٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبِّ ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ ◌َفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]. وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِنَبَ بِالْحَقِ ﴾ [البقرة: ١٧٦]. وعند النظر في الفعل (نزّل) في هذه (١) زاد المعاد ٢/ ٢٩. ضوء مَوَسُولَهُ البَشيعة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٧٤ العلاج فإن المراد إنزاله إلى سماء الدنيا، تم الآيات وغیرها نجده جاء على وزن (فعل) الذي يفيد التكثير والمبالغة غالبًا، نحو: تنزيله منجمًا على النبي صلى الله عليه وآله في ثلاث وعشرين، كما وردت به الروايات)»(١). (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق وسعّر) ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراق وقت أطول، وأنه يفيد تلبثًا ومكثًا، فـ (نزّل) يفيد استغراق وقت أطول من (أنزل). فـ(نزّل): يفيد التدرج والتكرار، و(أنزل) عام؛ وذلك هو الأكثر؛ ولذلك يوصف نزول القرآن بالتنزل؛ لأنه لم ينزل جملة واحدة، بل سورة سورة، وآية آية، فلفظ (نزل): يفيد التفصیل والتنجيم والتفرق في النزول، أما لفظ (أنزل) فلا يقطع بذلك بل يحتمله. ويؤيد هذا التفريق ما قاله العسكري في معجم الفروق اللغوية، حيث قال: ((الفرق بين الإنزال والتنزيل، قال بعض المفسرين: الإنزال: دفعي، والتنزيل: للتدريج ... ، ويدلك عليه قوله تعالى: ﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِلَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَّلَ التَّوْرَنَّةَ وَاُلْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]. حيث خص القرآن بالتنزيل لنزوله منجمًا، والكتابين بالإنزال لنزولهما دفعة، وأما قوله تعالى: ﴿اَلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ﴾ [الكهف: ١]. فالمراد هناك مطلقًا من غير اعتبار التنجيم، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِی لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: ١]. وقد صرح القرآن بهذا التدرج في النزول في قوله: ﴿وَقُّرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ نَزِيلًا ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ وقال: اَلْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُكَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكٌ وَرَقَّلْنَهُ تَرْبِيلاً ﴾ [الفرقان: ٣٢]. يقول مناع القطان: ((فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية، وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى سماء الدنيا، فالمراد به نزوله منجّمًا، ويدل التعبير بلفظ (التنزيل) دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم، فإن علماء اللغة يفرّقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل مفرقًا، والإنزال أعم. ومن المعلوم أن القرآن قد نزل منجّمًا في ثلاث وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة بمكة على الرأي الراجح، وعشر بالمدينة، وجاء التصريح بنزوله مفرّقًا في قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ تَنزِيلًا ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. (١) الفروق اللغوية ص ٧٩. www. modoee.com ٢٧٥ حرف التاء أي: جعلنا نزوله مفرقًا؛ كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت ﴿وَنَزَّلْتَهُ نَزِيلًا﴾ بحسب الوقائع والأحداث. أما الكتب السماوية الأخرى -كالتوراة والإنجيل والزبور- فكان نزولها جملة، ولم تنزل مفرّقة، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَجِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ فُؤَادَكٌ وَ رَتَّْتَهُ تَرْبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]. فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة، وهو ما علیه جمهور العلماء، ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن منجّمًا، فمعنى قولهم: ﴿لَوْلاً نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَجِدَةٌ ﴾ هلّ أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وما له أنزل على التّنجيم؟ ولم أنزل مفرقًا؟ ولم يرد الله علیهم بأن هذه سنته في إنزال الكتب السماوية كلها، كما رد عليهم في قولهم: ﴿وَقَالُوْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ بقوله: الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِىِ الْأَسْوَاقِ وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِيَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَُ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]))(١). الحكمة من نزوله منجمًا: ذكر العلماء بعض الحكم من نزول القرآن منجمًا، فقال القرطبي: ((ولو أنزل جملة بما فيه من الفرائض؛ لثقل عليهم ... ، وأيضًا: في تفريقه تنبيه لهم مرة بعد مرة، وهو أنفع لهم، وأيضًا فيه ناسخ ومنسوخ ولو نزل ذلك جملة؛ لنزل فيه الأمر بالشيء وبتركه وهو لا یصح»(٢). وقال النسفي في معنى ﴿لِنُقَبْتَ﴾: النقوي بتفريقه فؤادك حتی تعیه وتحفظه؛ لأن المتلقي إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئًا بعد شيء، وجزءًا عقب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة؛ لعجز عن حفظه، أو لثّت به فؤادك عن الضجر؛ وذلك بتواتر الوصول، وتتابع الرسول؛ لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب)»(٣). قال صاحب الغرائب في بيان الحكمة من ذلك: «و تقریرہ من وجوه: أحدها: أن محمدًا صلی الله عليه وسلم لم یکن قارئًا کاتبًا، بخلاف موسی وداود وعیسی عليهم السلام فلم یکن له بد من التلقن والتحفظ، فأنزله الله عليه منجّمًا -في عشرين سنة، وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين-؛ ليكون أقرب إلى الضبط، وأبعد عن النسيان والسهو. ١٠٦. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩/١٣. (١) مباحث في علوم القرآن، مناع القطان ص (٣) مدارك التنزيل، ٥٣٦/٢. مَوَسُولَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريم ٢٧٦ التداج وثاني هذه الحكم: أن الاعتماد على بتقبل النفوس له، وتربيتها على وفق الغاية الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة، والحفظ لابد فيه من التدرج. وثالثها: إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة. ورابعها: أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه، ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة. وخامسها: أن نزوله مفرّقًا يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه، ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعه، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز. وسادسها: أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار، وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها. وسابعها: أن فى تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل))(١). والمقصود أن القرآن نزل منجّمًا مفرقًا علی وفق المناسبات والحوادث والوقائع، أخذًا بمبدأ تربوي ناجح ألا وهو التدرج في التشريع لإصلاح المجتمع العربي الجاهلي تدريجيًّا، ومراعاة للمصالح، وتمكينًا من التخلص من العادات والتقاليد الموروثة شيئًا فشيئًا، وإعدادًا للحكم الشرعي المستقر (١) غرائب القرآن ٢٣٦/٥. الشرعية بنحو بطيء، واقتناع عقلي ذاتي بأفق التشريع ومراميه البعيدة، فإذا توافرت المصلحة العامة للأمة بقي الحكم، وإن لم تتوافر عدل أو بدل ونسخ. والنسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر يكون إما بنسخ لفظ الآية ومعناها أو أحدهما، أو بانتهاء الحكم المستفاد منها مع بقاء نصها، كل ذلك بحسب المصلحة أو الحاجة، كالطبيب الذي ينوّع الأدوية والأغذية باختلاف الأزمنة والأمزجة والأحوال الصحية، والأنبياء صلوات الله عليهم هم أطباء الأمة، ومصلحو النفوس، يوحى إليهم بتبديل الحكم الشرعي لمراعاة الأحوال الحاضرة أو المستقبلية، فما قد يصلح علاجًا في الماضي قد لا يصلح في المستقبل؛ وذلك (٢) كله يدل على مرونة الإسلام ٢. التدرج في تشريعاته. وقد سبق بيان ذلك في نقاط مستقلة. ٣. التدرج في أسلوب في دعوته الناس. لقد تدرج القرآن الكريم في أسلوبه في الدعوة، حيث اتخذ القرآن في علاج العادات السيئة التي تأصّلت في المجتمع أسلوبين: الأسلوب الأول: هو تأجيل العلاج حتى (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٦١/١. www. modoee.com ٢٧٧ حرف التاء يستقر الإيمان في قلوب المسلمين، بحيث يمكن الاستعانة بقوة الإيمان كدافع قوي يسهّل عملية التخلص من العادات السيئة المستحكمة، وتعلم عادات جديدة بدلًا منها. أما الأسلوب الثاني: فهو عبارة عن التهيئة المتدرجة لنفوس المسلمين للتخلص من هذه العادات، ومثاله الخمر، وقد مر معنا مثاله. ولنأخذ مثالًا آخر يبيّن لنا طريقة القرآن في التدرج في أسلوبه الدعوي في علاج العادات السيئة التي تأصّلت في المجتمع وهو تحريم الربا، فقد مر تحريم الربا بأربعة أدوار، كما حدث في تحريم الخمر؛ وذلك تمشيًا مع قاعدة التدرج: الدور الأول: نزل قوله تعالى: ﴿ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبَّالِيَرَّبُواْ فِ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُواْ عِندَ اللّهِ وَمَآءَانْتُمْ مِّن رَّكَوْمٍ تُِّيِدُونَ وَجْدَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ [الروم: ٣٩]. فالله تعالى يقول في هذه الآية: إن الربا لا ثواب فیه عند الله. فهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي- کما یظهر- ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا، وإنما إشارة إلى بغض الله للربا، وإنما الربا ليس له ثواب عند الله. الذين حرّم الله عليهم أكل الربا فأكلوه، فعاقبهم الله بمعصيتهم، فقد جاء في سورة النساء قوله تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِكَثِيرًا ﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَواْ وَقَدْ نُهُوْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَالنَّاسِ بِالْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٦٠- ١٦١]. وهذه الآية مدنية، وهي درس قصّه الله سبحانه علينا من سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الربا، فأكلوه، واستحقوا عليه اللعنة والغضب، وهو تحريم (بالتلويح) لا (بالتصريح)؛ لأنه حكاية عن جرائم اليهود، وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرّم على المسلمين، وهذا نظير (الدور الثاني) في تحريم الخمر ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنٍ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح. الدور الثالث: جاء فيه النهي الصريح إلا أنه كان نهيًا جزئيًا عن الربا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافًا مضاعفة، حيث نزل قوله تعالى: ﴿ يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا [آل تَأْكُلُواْ الْرِّبَوَاْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ عمران: ١٣٠]. وهذه الآية مدنية، وفيها تحريم للربا الدور الثاني: ألقى الله تعالى على المسلمين درسًا وعبرة من سيرة اليهود صريح، ولكنه تحريم (جزئي) لا (كلي)؛ مَوَسُولَهُ النَّهِ القرآن الكريم ٢٧٨ التلاج لأنه تحریم لنوع من الربا الذي یسمی (الربا الفاحش) وهو الربا الذي بلغ في الشناعة والقبح الذروة العليا، وبلغ في الإجرام النهاية العظمی، حیث کان الدین فیه یتزاید حتى يصبح أضعافًا مضاعفة، يضعف عن سداده كاهل المستدين، الذي استدان لحاجته وضرورته، وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة حيث كان التحریم جزئيًّا لا كليًّا في أوقات الصلاة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع الذي لا يفرّق بين قليل أو كثير، والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد ختم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا، فقد نزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبُواْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٦) فَإِ لَّمْتَفْعَلُواْ لَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة ٢٧٨-٢٧٩]. وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا، تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منه، حيث حرّمت الخمر تحريمًا قاطعًا جازمًا في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠]. وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق التدرج(١). ومن الأمثلة أيضًا على التدرج، التدرج في عقوبة الزنا. فقد كان شائعًا ومنتشرًا في الجاهلية، وسعى الإسلام إلى اقتلاع هذه الرذيلة بالتربية والتوجيه على طريق التدرج، شأن الطبيب الذي يعالج المريض، ويرعى أحواله شيئًا فشيئًا، ثم نزل تحريم الزنا في عدة آیات بعد أن استقر الإيمان في القلوب، وتهيأت النفوس للقبول، وفرضت العقوبة على سبيل التدرج، فجعل الله تعالی عقوبة الزنا أولًا: الحبس في البيوت في سورة النساء: ﴿وَأَِّى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ اَلْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]. ولما تأهلت النفوس لتقبّل العقوبة أنزل الله تعالى جلد الزاني غير المحصن (أي: غير المتزوج) في سورة النور ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةُ فَاجْلِدُوهُرْ ثَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ (١) انظر: روائع البيان، الصابوني ٣٩٠/١. www. modoee.com ٢٧٩ حرف التاء الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. ثم نزل حکم الزاني المحصن (المتزوج) بالرجم في آية: (الشيخ والشيخة) (١) المنسوخة لفظًا لا حكمًا، حتى كانت التربية الإيمانية تدفع الزاني للاعتراف، وطلب التطهر من دنس الزنا، مثل ماعز (٢) والغامدية(٣) اللذين أقرا بالزنا، وأمر رسول الله صلی الله عليه وسلم برجمهما، فكان للتدرج أثر بالغ في التكليف، وتقرير العقوبة، واجتثاث الفاحشة. وجاء في السنة ما يؤيد أسلوب القرآن في التدرج، فقد ثبت أنه لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه واليًا علی الیمن، وأرشده إلى ما يجب أن يعمله، وابتداء ذلك بالدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة فقال: (فإذا عرفوا الله، فأخبرهم ... ) (٤). (١) جامع البيان، الطبري ٨/ ٤٣٩، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٥/١. (٢) أخرج حديثه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت، ١٦٧/٨، رقم ٦٨٢٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، ١٣١٩/٣، رقم ١٦٩٢. (٣) أخرج قصتها مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، ١٣٢١/٣، رقم ١٦٩٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، ١١٩/٢، رقم ١٤٥٨، ومسلم في صحيحه، فإن عليه أن يخبرهم بأوجب الواجبات بعد التوحيد، وهما الصلاة والزكاة، فإن امتثلوا أمره، فإن عليه أن يراعي فیھم جانب العدل، فلا يضارهم بأخذ خيار أموالهم؛ لأن ذلك ظلم لهم؛ وذلك مما يستثيرهم، فیدعون علیه، ودعوة المظلوم لا تردّ. وهذا الحديث صريح في التدرج، وأن الشرائع یینی بعضها على بعض (فلیکن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله)(٥)، و قوله: (فلیکن أول) فيه التدرّج في الدعوة، وأنه يبدأ بالأهم فالأهم، وهذه طريقة الرسل أنهم أول ما يبدءون بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلّ الله؛ لأنها الأصل والأساس الذي يبنى عليه الدين، فإذا تحققت شهادة أن لا إله إلا الله فإنه يمكن البناء عليها بالأمور الأخرى، أما إذا لم تحقّق شهادة أن لا إله إلا الله فلا فائدة من بقية الأمور، فلا تأمر الناس بالصلاة وعندهم شرك، ولا تأمرهم بالصيام والصدقة والزكاة وصلة الأرحام وغيرها، وهم يشركون بالله؛ لأنك لم تضع الأساس أولًا، وهذا بخلاف کثیر من دعاة اليوم الذين لا يهتمون بشهادة أن لا إله إلا كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ٥١/١، رقم ١٩. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، ١١٩/٢، رقم ١٤٥٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ١/ ٥١، رقم ١٩. مَوسُو ◌َر النفسية القرآن الكريم ٢٨٠